يكون معظمًا فالولد الصغير يحب والده محبةً تدعوه إلى تكريمه لا تعظيمه، والولد يحب أباه محبةً تدعوه إلى تعظيمه وإكرامه.
وكيف نحقق محبة النبي ﷺ وتعظيمه؟.
محبة النبي ﷺ وتعظيمه عبادة نتقرب إلى الله سبحانه بها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
والعبادة التي يريدها الله من العبد ويحبها ويرضاها هي ما ابتغي به وجه الله، وكانت على الصفة التي شرعها الله ورسوله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
فالإخلاص هو ابتغاء وجه الله في العمال وهو مقتضى شهادة "أن لا إله إلا الله "؛ لأن معناها لا معبود بحقٍ إلا الله، ومتابعة النبي ﷺ في كل ما جاء به من ربه ومقتضى شهادة "أن محمدًا رسول الله"؛ لأن معنى الشهادة له بأنه رسول الله يحق طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبره، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
وفي هذا كمال المحبة له ﷺ ، وكمال التعظيم له، وكمال التوقير له، وكمال الهداية بالإيمان بالله ورسول، وكمال الإيمان والتقوى والإخلاص والمتابعة ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
стр. 4342
أما من لم يؤمن برسالته ﷺ أو شك في خبره أو استنكف عن طاعته أو ارتكب مخالفته أو ابتدع في دينه أو عبد الله من غير طريقه أو جحد ما جاء به أو استهزئ به فهو بعيدٌ عن الإيمان به بعيدٌ عن محبته، وتعظيمه بعد الأرض عن السماء ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
ولهذا من سلك في عبادة الله سبيلًا لم يشرعها رسول الله ﷺ فقد ضل وأضل، وعمله مردودًا وغير مقبول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفقٌ عليه (١).
ولهذا أنكر الله على من عبد غير الله أو عبد الله بما لا يشرعه الله ورسوله وتوعدهم بالعذاب الأليم فقال : ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦].
стр. 4343
وقال الله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة: ٦٣].
وقال الله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]
إن محبة الرسول ﷺ وتعظيمه وتوقيره من أصول الإيمان، وهي عبادةٌ من العبادات التي نتقرب إلى الله بفعلها في كل حال، والعبادة محلها القلب واللسان والجوارح، ويتحقق تعظيم النبي ﷺ بالقلب بتقديم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين فلا يتم الإيمان إلا بذلك ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
ولا توقير، ولا تعظيم بلا محبة الله والرسول ﷺ ، ولا تعظيم ولا محبة إلا بعد معرفته، ومعرفة سيرته، ومعرفة قدره ومحاسنه. وإذا استقرت محبته الصادقة في القلب أثمرت تعظيمه ﷺ وطاعته، وإتباعه والاقتداء به في جميع ما جاء به من ربه بعبادةٍ تظهر على القلب واللسان والجوارح: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله : ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
أما أحوال الصحابة في محبة وتعظيم النبي ﷺ فإن الله أكرم الصحابة ﵃ بشرف لقاء النبي ﷺ والإيمان به ومحبته،
стр. 4344
وتعظيمه، وصحبته فكان من النصيب الأكمل والأوفى من محبته وتعظيمه، والاقتداء به مما سبقوا به غيرهم، ولن يدركهم فيهم من بعدهم فرَضِيَ اللهُ عَنْهُم ورضوا عنه، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وسُئل علي بن أبي طالب ﵁ كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ ؟ قال: «واللهِ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَمْوَالِنَا، وَأَوْلَادِنَا، وَآبَائِنَا، وَأُمَّهَاتِنَا، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الظَّمَأ» (١).
стр. 4345
١٠ - الخزانة العاشرة
دلائل محبة الرسول ﷺ وتعظيمه:
لمحبة الرسول ﷺ وتعظيمه دلائل وأمارات تدل على ذلك، ومن ذلك:
أولاً: تقديم النبي ﷺ ، وتفضيله على كل البشر.
فقد فضل الله نبيه محمد ﷺ على جميع الخلق، أولهم، وآخرهم، فهو خاتم الأنبياء، والمرسلين، وسيد الخلق أجمعين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ سبحانه اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». أخرجه مسلم (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم يَوْم الْقِيَامَة، وَأَوَّل مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْر، وَأَوَّل شَافِع وَأَوَّل مُشَفَّع». أخرجه مسلم (٢).
لهذا يجب علينا إذا عرفنا فضائله، حبه، وتوقيره، واستشعار هيبته، وجلال قدره، وعظيم شأنه، واستحضار مكانته، ومحاسنه، ومعرفة الأمور الجالبة لحبه، والعلم بسيرته، وسنته، وحسن الاقتداء به: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
стр. 4346
ومتى كان حب النبي ﷺ وتعظيمه مستقرًا في القلب، فإن آثار ذلك ستظهر على اللسان، والجوارح لا محالة، فترى اللسان يجرى بمدحه، والثناء عليه، وذكر محاسنه، والإكثار من الصلاة، والسلام عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وسترى بقية الجوارح مستجيبة لمجابه، تتبع شرعه، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه، وتؤدى حقه من الحب، والتعظيم، والتكريم، والطاعة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
فمن فضل الأئمة من آل البيت عن النبي ﷺ فقد ضل، ومن فضل الأولياء، والأقطاب عن النبي ﷺ فقد ضل، ومن فضل أحد من البشر على النبي ﷺ فقد كفر، وألحد، وخالف النصوص الشرعية القطعية، وإجماع الأمة ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الثاني: حسن الأدب معه ﷺ
ويتحقق ذلك بالأمور الآتية:
حسن الثناء عليه ﷺ بما هو أهله، وأكمل ذلك ما اثني عليه به ربه ﷻ ، وما اثني به هو على نفسه ﷺ ، وأفضل ذلك الصلاة والسلام عليه لأمر الله بذلك وتوكيده، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
стр. 4347
ولعظيم مقام عبد الله، ورسوله محمد ﷺ أخبرنا الله أنه يثنى عليه في الملأ الأعلى، وأن الملائكة تصلى عليه ثم أمرنا بالصلاة والسلام عليه؛ ليجتمع الثناء عليه من ربه العظيم، ومن أهل العالم العلوي، ومن أهل العالم السفلى.
هذه الآية تدل على وجوب الصلاة عليه، وأبخل الناس، وأذلهم، وأحقرهم من ذكر عنده، فلم يصل عليه.
عن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْبَخِيلُ الذي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» أخرجه أحمد والترمذي (١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ فَلَمْ يُدْخِلاهُ الْجَنَّةَ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ» أخرجه أحمد والترمذي (٢).
والصلاة من الله والثناء عليه ﷺ في الملأ الأعلى، والصلاة من الملائكة، والمؤمنين سؤال الله الثناء عليه، وثمرات الصلاة على النبي ﷺ كثيرة منها:
أنها سبب في حصول الحسنات، ومحو السيئات، ورفع الدرجات، وإجابة الدعوات، وحصول الشفاعة، والنجاة من البخل، وصلاة الله على العبد، ودوام محبة النبي ﷺ ، وغير ذلك من الفوائد، والثمرات.
لهذا رغب النبي ﷺ بالصلاة عليه بقوله: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا». أخرجه مسلم (٣).
стр. 4348
والصلاة عليه ﷺ مشروعة في كل وقت، ومشروعة في عبادات كثيرة تزيد على أربعين موطنًا ومن ذلك:
الصلاة عليه فالتشهد في الصلاة، الخطبة في الجمعة، وبعد الآذان، وفى صلاة الجنازة، وعند الدعاء، وعند سماع اسمه، وغير ذلك.
وأفضل صيغة للصلاة عليه ﷺ علمه لأصحابه اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.
ثانيًا: الإكثار من ذكره ﷺ ، وذكر محاسنه، وفضائله، ومعجزاته، ودلائل نبوته، وتعليم الناس سنته، ودوام تذكيره، ومكانته، وتذكيرهم بحقوقه، وصفاته، وأخلاقه، وتذكيرهم بدعوته، وسيرته، وجهاده، وغزواته، وصبره، فالعبد كل ما أكثر من ذكر المحبوب، واستحضر في قلبه محاسنه، وفضائله، تضاعف حبه له، وزاد شوقه لرؤيته، وكملت طاعته له؛ ولهذا أمرنا الله بالإكثار من ذكره في كل وقت، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وأمر الله سبحانه بالصلاة والسلام على نبيه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
الثالث: حسن الأدب عند ذكر أسمه ﷺ ، فلا يذكر باسم مجرد، بل يوصف بالنبوة، والرسالة، وقد خصه الله في القرآن من بين الأنبياء، فلم يذكره باسمه مجرد، بل نداه بقوله:
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾.
стр. 4349
وحين قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ قال بعدها: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
قال بعدها: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
ومن كمال الأدب معه، أنه ينادى، ويذكر بوصف النبوة، والرسالة، لا بغير ما ورد في القرآن، والسنة: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
الرابع: حفظ حرمة بلده المدينة النبوية، فأنها مهاجرة، ودار نصرته، وبلد أنصاره، ومحل إقامة دينه، وفيها قبره ﷺ ، وفيها مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام؛ لهذا يجب على من سكنها، أو زارها، أو دخل فيها، مراعاة حسن المجاورة فيها، وحسن التأدب، وفعل الطاعات، واجتناب المعاصي.
الخامس: حسن الأدب عند دخول مسجده ﷺ ، وكذا عند زيارة قبره، وترك اللغط، ورفع الصوت هناك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ [الحجرات: ٢ - ٣].
السادس: توقير حديثه ﷺ ، وحسن سماعه، والوقار عند دراسته، وحسن قرأته، وتعظيم سنته، ومحبة حديثه، والمسارعة إلى العمل به تعظيمًا له: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
وكان مالك بن أنس ﵀ إذا أراد أن يخرج، يحدث توضأ وضوئه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ولبس قلنسوةً، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أوقِّر به حديث رسول الله ﷺ .
стр. 4350
• دلائل محبة الرسول وتعظيمه:
لمحبة الرسول ﷺ دلائل وبراهين وأمارات منها:
أولاً: تقديم النبي ﷺ وتفضيله على كل البشر.
الثاني: حسن الأدب معه ﷺ .
الثالث: تصديق النبي ﷺ فيما أخبر.
فمن أصول الإيمان الأساسية، الإيمان ببعثة النبي ﷺ من الكذب والبهتان، وتصديقه في كل ما أخبر به عن الماضي أو الحاضر أو المستقبل، والجفاء كل الجفاء بل الكفر كل الكفر اتهامه ﷺ فيما أخبر وتكذيبه وقد رد الله في كتابه على من كذبه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٩].
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [السجدة: ٣].
التوحيد يقوم على ركنين:
الأول: توحيد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيده سبحانه بالعبادة والاستعانة والخضوع والذل والتوكل والإنابة كما قال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
الثاني: توحيد الرسول ﷺ بالإتباع والانقياد لأمره والتسليم لحكمه والإذعان لطاعته ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
стр. 4351
وبهذا وهذا يكمل التوحيد ويتحقق الإيمان توحيد ﷺ بالإتباع، وتوحيد من أرسله بالعبادة: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
الرابع: التحكيم إلى سنته ﷺ تحكيم سنه النبي ﷺ في كل حال وشأن أصل من أصول الإيمان به، ومحبته وإتباعه، فلا إيمان لمن لم يحتكم لشريعته ويسلم له تسليماً مطلقَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
ومن أعرض عن ما جاء به النبي ﷺ ورضي بحكم غيره، فتلك حقيقة النفاق: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيم سنته، وارتفاع الحرج عن الصدر بحكمه، والتسليم المطلق لما حكم به هبة واختبارا ومحبه، وقد بين الله أن من علامات الزيغ والنفاق والإعراض عن سنة النبي ﷺ هو ترك التحكيم إليها، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦١ - ٦٢].
الخامس: إتباع النبي ﷺ وطاعته الأصل في أقوال النبي ﷺ وأفعاله وأخلاقه وأحواله إنها للإتباع والتأسي به مطلقا كما بين بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقوله : ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
стр. 4352
ويستثنى من ذلك ما خصه الله به دون غيره، وقد أمر الله بطاعته وطاعة رسوله في آيات كثيرة فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقال الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
وأمرنا الله عند التنازع أن يرد ذلك إلى الله والرسول فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
فعلينا جميعاً أن نتعبد لله بإتباع النبي ﷺ وطاعته والاقتداء به والاهتداء بهدية، وتحكيم سنته وتصديق خبره، وتعظيم أمره ونهيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
السادس: الذب عن النبي ﷺ الدفاع عن الرسول ﷺ ونصرته وحمايته من أعظم البراهين والدلائل على محبته وإجلاله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩ [.
وقد ضرب أصحاب النبي ﷺ أروع الأمثلة في الزاد عن الرسول ﷺ وفداءه بالأنفس والأموال والأولاد، وفي العسر واليسر، وفي المنشط والمكره ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ
стр. 4353
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨ - ٩].
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ». متفق عليه (١).
ومن الزاد عنه ﷺ الزاد عن سنته ويكون بحفظها وتنقيحها وإخراج ما ليس منها، وحمايتها من تأويل الجاهلين وتحريف المغاليين، وانتحال المبطلين، ورد شبهات الملا حدة والزنادقة الطاعنين في سنته، وبيان أكاذيبهم وأبطالهم ودسائسهم، والرد على شبهات المستهزئين بما جاء في سننه من قولٍ أو فعلٍ أو اعتقاد، كما يستهزئوا مثلاً باللحية أو الحجاب أو السواك أو رفع الإزار أو الميراث، والاستهزاء بالسنة الصحيحة كفر يخرج من الملة كمال قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
стр. 4354
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
٢٨ - خزائن السيرة النبوية
القسم الثاني:
ويشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 4355
٢٨ - خزائن السيرة النبوية
القسم الثاني
١ - الخزانة الأولى
• دلائل محبه النبي ﷺ وتعظيمه:
لمحبه النبي ﷺ وتعظيمه دلائل وأمارات وعلامات ومن ذلك:
• الذب عن سنه النبي ﷺ :
ومن الذب عنه ﷺ الذب عن سنته ويكون بحفظها وتنقيحها وإخراج ما ليس منها وحمايتها من تأويل الجاهلين وتحريف الغاليين وانتحال المبطلين، ورد شبهات الملاحدة والزنادقة الطاعنين في سنته، والتهاون في الذب عن الرسول ﷺ وعن شريعته من الخذلان الذي يدل على ضعف الإيمان المسلم أو زواله، فمن ادعي حب النبي ﷺ ولم تظهر عليه الغيرة على حرمته وعرضه وسنته فهو كاذب في دعواه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
واحذر أن يكون خصمك يوم القيامة رسول الله ﷺ فيقول لك: بلغتك سنتي فلماذا لم تعمل بها؟ ولماذا لم تنشرها؟ ولماذا لم تدافع عنها؟.
والرب العظيم سوف يسأل كل رسول وكل من أرسل إليه: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٦ - ٩].
стр. 4356
فالمحامي عن السنة الذاب عن حماها كالمجاهد في سبيل الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقد كان جبريل ﷺ وحسان بن ثابت يؤيده فيما نافح عن رسول الله ﷺ في أشعاره، فكذلك من ذب عن سنته ودينه من بعده.
عَنِ البَرَاءِ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَسَّانَ: «اهْجُهُمْ - أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ». متفق عليه (١).
ومن تمام محبه النبي ﷺ وتعظيمه الحرص على إبلاغ ما جاء به من ربه كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والحرص على نشر سنن النبي ﷺ وأقواله وأفعاله وإبلاغها للناس كما أمر بذلك رسول الله ﷺ بقوله: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً». أخرجه البخاري (٢).
وقوله ﷺ : «أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ». متفق عليه (٣).
وحرص المسلم على نشر السنة وإبلاغها وتعليمها باب عظيم من أبواب محبه النبي ﷺ وتعظيمه، وباب كبير من أبواب كسب الأجر والثواب ورضوان الله ، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». أخرجه داود والترمذي بسند صحيح (٤).
فإبلاغ السنة وتعليمها ونشرها والعمل بها هي روح رسالة النبي ﷺ والبرهان القاطع على محبته وتعظيمه وتعظيم سنته ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو
стр. 4357
إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وعن أبي موسي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلًا، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ». متفق عليه (١).
ومن مقتضيات ذلك الحرص على إماتته الضلالات والبدع المخالفة لهدي النبي ﷺ وأمره فالابتداع في دينه من خوارم محبته وتعظيمه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وعن عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٢).
ومحبه النبي ﷺ وتعظيمه تقتضي التسليم بالحبيب ﷺ والانقياد لأمره وتتبع أثاره، والوقوف عند أمره ونهيه، وعدم النقص أو الزيادة في دينه ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. تلك بعض أمارات حب النبي ﷺ وتعظيمه نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العمل بموجبها ما بقينا.
стр. 4358
السابع: ولا شك أن الذب عن النبي ﷺ يقتضي الزاد عن أصحابه ﵃
فهم ثقات عدول، وهم خير القرون وهم أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه كمال قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].
وقال الله : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
وعن عمران بن حصيب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ: تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ». متفق عليه (١).
وعن أبى سعيد الخضري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ». متفق عليه (٢).
стр. 4359
• لذلك فحقوق الصحابة علينا كبيرة جد ومنها:
الأول: محبتهم والتراضي عنهم والاستغفار لهم وحسن الثناء عليهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
الثاني: الاقتداء بسنتهم والاهتداء بهديهم
عَنْ الْعِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : « .. فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» أخرجه أبوداود والترمذي (١).
والقدح في الصحابة وسبهم قدح في النبي ﷺ فهم خاصته وأصحابه وبطانته الذين آمنوا به ونصروه وأطاعوه وجاهدوا معه، ونقلوا للأمة سنته وشريعته ﵃ أجمعين.
وأعظم من طعن في الصحابة وسبهم وباطن الأمر الطعن في الرسول ﷺ ليقول قائل رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجل صالحًا لكن أصحابه صالحين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦].
وقال الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
فما أعظم جرمهم وما أقبح افترائهم، وما أسوء كذبهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠].
стр. 4360
ثامنًا: ومن الذب عن النبي ﷺ الذب عن عرضه وعرض أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين ﵃ خاصة أم المؤمنين عائشة ﵂ أحبوا النساء إليه وأحفظهن لسنته وأكثرهن رواية لحديثه، والتي برأها الله من فوق سبع سموات بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ [النور: ١١].
ومن سب عائشة ﵂ بعد هذه البراءة، قتل لأنه كافر مخالفٌ لنصوص القرآن، وجميع أمهات المؤمنين مؤمنات طيبات تقيات نقيات، ولهذا سماهن الله أمهات المؤمنين بقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
والوقيعة في زوجات النبي ﷺ واتهامهن بالباطل من أعظم الإيذاء للنبي ﷺ والقدح في دينه وعرضه وأهله، وذلك كفر من فاعله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].
وقال الله : ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣].
• دلائل عظمة قدر الرسول ﷺ :
النبي ﷺ أعظم الناس قدرًا، وأحسنهم دينًا وأكملهم توحيدًا، وأقواهم إيمانًا، وأفضلهم حديث وأكثرهم علمًا وأقومهم نفسًا، وأعلاهم شئنًا، وأعزهم مكانة، وأشرفهم نسبًا، وأحسنهم خلقًا.
стр. 4361
ودلائل عظمة قدر الرسول ﷺ كثيرة جدًا وهذه أهمها:
الأول: أن الله اصطفاه واختاره ليقوم بأعباء الرسالة العالمية من بين سائر الناس: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
الثاني: أن الله سبحانه جمع لمحمد ﷺ بين النبوة والرسالة كما قال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
الثالث: أنه ﷺ من أولي العزم من الرسل، فهو أفضلهم وسيدهم وأولي العزم من الرسل خمسة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قد ذكرهم الله في قوله سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
الرابع: أن الله خصه من بين الأنبياء بآيات معجزات تدل على صدق نبوته، ويؤمن بسببها الناس وأعظمها القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
وقال الله : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
ومعلوم أن آيات الأنبياء انتهت بموتهم أما القرآن العظيم فأية خالدة باقية إلى قيام الساعة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
стр. 4362
الخامس: أن الله أنزل عليه أحسن كتبه وهو القرآن العظيم: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].
وأحوى إليه بالسنة التي هي أفضل الشرائع وأحسنها وأكملها وأيسرها كما قال سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
السادس: أن الله أتم به بنيان الأنبياء ولهذا سمي بخاتم الأنبياء، كما قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بني بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَكْمَلَهُ، إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ». متفق عليه (١).
السابع: أن الله فضل النبي ﷺ على جميع الخلق، فهو سيد الأولين والآخرين وسيد الأنبياء والمرسلين، وسيد الناس أجمعين.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق عليه (٢).
الثامن: أن الرسول ﷺ أعلم الخلق بربه، وأخشاهم له وأتقاهم له وأحمدهم له كما قال ﷺ : «أَمَا والله إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لله وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» متفق عليه (٣).
стр. 4363
التاسع: أن الله أتخذه خليلا، والخلة أعلى درجات المحبة.
عَنْ أبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا» متفق عليه (١).
عاشرًا: ومن دلائل عظمة قدره ﷺ أن الله جمع فيه ما تفرق به غيره من الأنبياء، وهو الخلة والكلام والنبوة والرسالة وأفضل الأخلاق والشمائل وغيرها: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
الحادية عشرة: أن الله خصه بالإسراء إلى بيت المقدس والمعراج إلى ما فوق السماء السابعة، وتكليمه بالوحي كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
وقال : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٣ - ١٥ [
الثانية عشرة: أن الله جعل محمد ﷺ قدوة وأسوة لجميع الناس في أقواله وأفعاله وأخلاقه وجميع أحواله، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
стр. 4364
الثالثة عشرة: أن الله أكرمه بشق صدره، واستخراج حظ الشيطان منه، وغسل قلبه وملئه إيمانًا وحكمه.
وقد حصل شق صدر النبي ﷺ مرتين:
الأولى: وهو غلام صغير في بادية بني سعد.
والثانية: قبيل الإسراء والعروج به إلى السماء.
الرابعة عشرة: أن الله أرسله للناس كافه الإنس والجن، بينما أرسل غيره من الأنبياء إلى أقوامهم خاصة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» متفق عليه (١).
الخامسة عشرة: أن الله جعله رحمة للعالمين في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، وفي الدنيا، وفي الآخرة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء/ ١٠٧].
стр. 4365
٢ - الخزانة الثانية
ومن دلائل عظمة قدر الرسول ﷺ :
السادسة عشرة: أن الله تعالى وهب نبيه ﷺ أحسن الأخلاق، وأثنى على عظيم خُلقه فقال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فكان خلقه القرآن، يتمثل أوامره، ويتجنب نواهيه، ويصدق أخباره، ويتأدب بآدابه، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويبلغ أحكامه ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩].
وقد أجمل ﷺ بعثته كلها في مكارم الأخلاق بقوله: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاقِ» أخرجه أحمد (١).
ومكارم الأخلاق قسمان:
الأول: حسن الخلق مع الخالق بتوحيده والإيمان به وعبادته وحده لا شريك له.
والثاني: حسن الخلق مع المخلوق بالإحسان إليه وكفى الأذى عنه.
وكان ﷺ أعظم الناس أخلاقًا في هذا وهذا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وعن عائشة ﵂ قالت: إن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن. أخرجه مسلم (٢).
وسُئِلَتْ عائِشةُ عن خُلُقِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَتْ: " كان خُلُقُه القُرآنَ " أخرجه أحمد، وأبو يعلى (٣).
стр. 4366
وإذا كان خلقه القرآن، فالقرآن يهدي للتي هي أقوم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩].
فسبحان ما جمله بالأخلاق ظاهرًا وباطنًا، وأرسله لتجميل الناس بالإيمان والتقوى ومكارم الأخلاق ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فالدين كله حسن الخلق، مما يجعل الأخلاق العظيمة هي البعثة، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقد جمع الله في هذه الآية الدين كله بأقسامه الثلاثة:
١ - الإيمان بالله وملائكته إلى أخره.
٢ - والإسلام من صلاة وزكاة إلى أخره.
٣ - والإحسان من وفاء وصدق وصبر وتقوى لله .
فمن أكمل هذه الأخلاق في الدنيا كان أقرب الناس منزلة من النبي ﷺ يوم القيامة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَى اللَّهِ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ " فَسَكَتَ
стр. 4367
الْقَوْمُ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَقَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا». أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد بسند صحيح (١).
السابعة عشرة: أن الله أكرم رسوله ﷺ بكرامات وشرح صدره ووضع عن وزره ورفع ذكره رفعاً عظيمَ كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ١ - ٤].
فجعل الله سبحانه أسم نبيه ﷺ جزء من شهادة التوحيد، فلا يذكر الله تعالى إلا وذكر معه النبي ﷺ في الأذان والإقامة وفي الصلاة وفي التحيات وفي التشهد وفي الخطب وكثير من الأدعية والأذكار.
فذكر النبي ﷺ يدوي في كل مكان في العالم العلوي والعالم والسفلي، والله وملائكته والمؤمنون يصلون ويسلمون عليه في كل آن، ومنارات المساجد تهتف بذكره في كل يوم وليلة خمس مرات في كل وقت وفي كل بلد.
فليس بشر في الدنيا يذكر ويثنى عليه كما يذكر النبي ﷺ ويثنى عليه.
الثامنة عشرة: أن الله أمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، وأخبر سبحانه أنه يصلى عليه وملائكته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
والصلاة والسلام عليه مشروعة في كل حال، ومشروعة في أحوال خاصة كالتشهد في الصلاة وفي صلاة الجنازة وفي الخطبة، وبعد الأذان وعند الدعاء وغيرها من المواطن والمناسبات، ولعظمة قدره ﷺ رتب الأجر
стр. 4368
العظيم على من صلى عليه، وأخبر ﷺ أن من صلى عليه واحد صلى الله عليه بها عشره.
عن أبى هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا». أخرجه مسلم (١).
فالله يصلى عليه وأمر الملائكة بالصلاة والسلام عليه، وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه لعظمة مكانته ومنزلته وقدره، لهذا اجتمع أهل عالم العلوي والعالم السفلى على الصلاة والسلام عليه، فصلوات الله وسلامه عليه.
التاسعة عشرة: أن الله ميزة بشرف النسب وكريم الحسب، وصفاء النشأة فهو خير الناس بيتاً وخيرهم نفسًا، عن واثلة بن الاسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». أخرجه مسلم (٢).
العشرون: من دلائل عظمة قدرة ﷺ وخصه الله به من خصائص ذاتيه وخصائص شرعيه:
الخصائص الذاتية: التي تتعلق بدنه ومنها أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه، وما جعل الله فيما أنفصل من جسده من بركة كعرقه وريقه وشعره وماء وضوئه وهذا خاص به.
стр. 4369
ومن ذلك أن الله خص أمته ﷺ بكرامات وخصائص ليست لغيرها ومن ذلك:
أما خصائصه الشرعية: فمتعددة ومنها لا يورث ومن تركه صدقه، ومنها أن الصدقة محرمه وعلى أل بيته، ومنها أن الله أباح له النكاح من أكثر من أربع نسوة، ومنها جواز الوصال في الصوم في حقه وأنه لا يجب عليه القسم في الليالي بين نسائه، ومع ذلك يقسم لكمال خلقه ﷺ : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾ [الأحزاب: ٥١].
الحادي والعشرون: من دلائل عظمة قدرة ﷺ ما أختص الله به أمته من خصائص وكرامات أهمها أن الله جعل أمته خير الأمم كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
ثانيًا: أن الله اجتباها من بين الأمم، كما أصطفى الأنبياء واجتباهم من بين الناس: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
الثالثة: أن الله جعل أمته أمة وسطا، وجعلهم شهداء على الناس: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وعن بن سعيد الخضري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِنُوحٍ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، قَالَ: مَنْ يَشْهَدُ
стр. 4370
لَكَ، قَالَ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، قَالَ: فَنَجِيءُ فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا». والوسط العدل أخرجه البخاري (١).
فهذه الأمة أمة وسط وعدل، وصفهم الله بالوسط لتوسطهم في الدين، فلهم أهل غلو في الدين غلوا النصارى، الذين غلوا في الترهب وغلوا في نبيهم عيسي، فقالوا إنه الله أو ابن الله، ولا هم أهل تقصير في الدين كتقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وحرفوا وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم وكفروا به، وقالوا على الله غير الحق: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
الرابع: أن الله جعل أمته ﷺ لها خير ما في الدنيا السابقون يوم القيامة في الحساب ودخول الجنة، فهم الآخرون زمانًا الأولون منزلة، فهم أول من يحشروا وأول من يحاسب وأول من يدخل الجنة.
عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللهُ لَهُ - قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ - فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى». متفق عليه (٢).
стр. 4371
الخامسة: أن أمته ﷺ أول من يجوز من الأمم على الصلاة يوم القيامة.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في حديث الرؤية: «وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَي جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ» متفق عليه (١).
السادسة: أن الله هدي أمته ﷺ إلى يوم الجمعة سيد الأيام، فأمته ﷺ يجتمعون للعبادة يوم الجمعة، واليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد.
عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللهُ لَهُ - قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ - فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى». متفق عليه (٢).
وخلق الله آدم يوم الجمعة، والإنسان إنما خلق للعبادة فناسب أن يشتغل أكثر في العبادة فيه، لأن الله أكمل فيه خلق الموجودات وخلق فيه الإنسان التي ينتفع بها فناسب أن يشكر ربه على ذلك بالعبادة فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩].
سابعاً: أنه أمته ﷺ لا تجتمع على ضلاله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢].
стр. 4372
وعَنْ ابن عمر ﵄ قَالَ: قال النبي ﷺ : «إِنَّ الله لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي، أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى ضَلَالَةٍ» أخرجه الترمذي (١).
ثامناً: أن أمته ﷺ يأتون يوم القيامة غر محجلين من أثار الوضوء.
عَنْ أبي هريرة ﵁ قَالَ: قال النبي ﷺ : «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» متفق عليه (٢).
التاسع: أنه أمته ﷺ نصف أهل الجنة أو أكثر.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ عنه قال: كنا مع النبي ﷺ في قُبَّةٍ فقال: «أَتَرْضَونَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟» قلنا نعم قال: «أَتَرْضَونَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟» قلنا نعم، قال: «أَتَرْضَونَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟» قلنا: نعم.
قال: «إنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُهَا إلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنتُمْ في أَهْلِ الشِّرْكِ إلَّا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ في جِلْدِ الثَّورِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ في جِلْدِ الثَّورِ الأَحْمَرِ». متفق عليه (٣).
العاشرة: أن الله يدخل من أمته ﷺ سبعين ألفاً بغير حساب ولا عذاب.
عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «عُرِضَتْ عَليَّ الأُمَمُ، فَأَجِدُ النَّبِيَّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنظَرْتُ فَإذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قُلْتُ: يَا جِبْريلُ، هَؤُلاءِ أُمَّتي؟ قَالَ: لا، وَلَكِن انْظُرْ إلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإذَا سَوادٌ كَثِيرٌ. قَالَ: هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفاً قُدَّامَهُمْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلا
стр. 4373
عَذَابَ. قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانُوا لا يَكْتَوونَ، ولا يَسْتَرْقونَ، وَلا يَتَطيَّرون، وَعَلَى رَبِّهِمْ يتوكَّلُونَ». متفق عليه (١).
الحادي عشرة: مضاعفة أجور هذه الأمة، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف مضاعفة، إلى أضعاف كثيرة كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقال الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥].
وقال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا، وَأَقَلَّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» أخرجه البخاري (٢).
стр. 4374
وعن أبي ذر ﵁ في قصة الإسراء والمعراج أن النبي ﷺ قال: «فَفَرَضَ الله عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ الله لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا. فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ فَرَاجَعْتُ. فَوَضَعَ شَطْرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» متفق عليه (١).
فهذه الأمة أمة مكرمة ذنوبها مغفورة، وعيوبها مستورة، وأعمالها مضاعفة، وأعمارها قصيرة، لأن الله شرفها كالأنبياء بالدعوة إلى الله والعبادة كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
الثانية عشرة: أن أمته ﷺ لا يعمها الهلاك العام، كالأمم السابقة بغرق أو خسف أو جدب، فهي باقية إلى يوم القيامة، كما هلك الله تعالى الذين كذبوا رسله من قال كما قال سبحانه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قَالَ: قال النبي ﷺ : «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ
стр. 4375
فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا» أخرجه مسلم (١).
الثالثة عشرة: ومن خصائص أمة محمد ﷺ بقاء طائفة منها على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، جعلنا الله وإياكم وجميع المسلمين منهم.
عن معاوية ﵁ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ الله، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» متفق عليه (٢).
الرابعة عشرة: أن الله أكرم هذه الأمة بحسن الشريعة وكمالها، فقد حوت جميع محاسن الشرائع الإلهية المتقدمة، ورفع عنها ما لا يلائمها كرفع الحرج، والعفو عند الخطأ، والنسيان والإكراه ورفع الآثار والأغلال وحديث النفس كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقال : ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
الخامسة عشرة: أن الله هيأ لأمة محمد ﷺ من يجدد لها دينها على رأس كل مائة سنة، ليحفظ لها دينها على مر القرون إلى يوم القيامة.
стр. 4376
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِنَّ الله يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينِهَا» أخرجه أبوداود (١).
السادسة عشرة: أن الله اختص أمة محمد ﷺ بالشريعة السمحة، ويسر في التشريع وحلل لها بعض ما حرم على الأمم من قبلها.
عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» متفق عليه (٢).
وغير ذلك من الخصائص والكرامات التي خص الله بها أمة محمد ﷺ ، فهذه ستة عشر كرامة خص الله بها أمة محمد ﷺ .
стр. 4377
٣ - الخزانة الثالثة
ومن دلائل عظمة قدر النبي ﷺ :
الثاني والعشرون: من دلائل عظمة قدرهِ ﷺ أنهُ أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة وأنه أول من يُفيق.
عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى»» متفق عليه (١).
وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةٍ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ» متفق عليه (٢).
الثالث والعشرون: أن الله خصهُ من بين الرُسُل بالشفاعة العظمي لبدل الحساب يوم القيامة تشريفًا لمقامه وإظهارًا لمكانتهِ إذ جعلهُ ربه شفيعًا لجميع الخلائق لبدل الحساب العباد كلهُم مؤمنهم وكافرهُم حين يطول منهِم الموقف يوم القيامة ويعتذر جميع الأنبياء عن الشفاعة من نوح لعيسي عليهم الصلاة والسلام فيذهبون إلى مُحمد ﷺ فيقول: «أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّيَ فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» متفق عليه (٣).
стр. 4378
فالنبي ﷺ أعظم الخلق جاهًا وقدرًا عند الله، لما قام به من جهد البلاغ والرسالة، والصبر على أداء الأمانة ولهذا فهو أول شافع وأول مشفع.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنَا سَيِّدُ الناسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق عليه (١).
ومن دلائل عظمةِ قدرهُ عند الله أن اللهُ خصهُ يوم القيامةَ بثلاثِ شفاعات غير العُظمي المُتقدمة في أهل الموقف وهي:
الأولي: شفاعتهُ ﷺ لعُصاة المؤمنين من أهل الكبائرِ من أُمتهِ ممن استحق النار أن يدخُلُها
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ» متفق عليه (٢).
الثانية: شفاعتهُ ﷺ للمؤمنين في دخول الجنة فإذا شفع فُتحت لهُم أبواب الجنة فدخلوها.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ، لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» أخرجه مسلم (٣).
فالشفاعة الأولى لزوال الكرب والغم ليرتاح الناس من كُروبات الحشر والانتظار الطويل، والشفاعة الثانية لعُصاة المؤمنين ليُريحهُم من الهمِ والغم، والثالثةِ في دخول الجنة لينال المؤمنون الفرح، والفرج والسرور بدخول الجنة ﷺ .
стр. 4379
الثالثة: شفاعتهُ ﷺ في تخفيف العذاب عن عمهِ أبو طالب ليُخفف عنهُ العذاب جزاء إحسانهِ إليه، ودفاعه عنه.
عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال للنبي ﷺ : مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ، وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَار، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ» متفق عليه (١).
فهذه الشفاعات خاصةِ به ﷺ وهُناك شفاعة خامسة ولكنها مُشتركةٍ بينهُ وبين المؤمنين والملائكة، وهي الشفاعة في المؤمنين الذين استحقوا النار أن يخرجوا منها.
الرابعة والعشرون: أن الله قرن حقهُ بحق الرسول ﷺ في ثلاثة مواطن:
في الإيمان .. وفي طاعتهِ .. وفي محبتهِ.
فالإيمان به في قولهِ سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
وطاعتهِ في قولهِ سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وفي المحبة قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
стр. 4380
الخامسة والعشرون: من دلائل عظمة قدر الرسول ﷺ قُبيل بعثتهِ ﷺ حُرثت من استراق الشياطين للسمع لئلا يختلط الواحد بكذب الشياطين، وهذا حدثٌ عظيم فقد كان الشياطين يسترقون السمع ثم يلقونه للكُهان ثُم يلقينهُ الكُهان علي الناس بعدما يزيدونَ فيها كذباتٍ، كما قال سبحانه عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٨ - ٩].
وعن عائشة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ المَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ، فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ، فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» متفق عليه (١).
السادسة والعشرون: من دلائل عظمة قدر النبي ﷺ تسليم بعض الجمادات عليه كالحجر الذي كان يُسلم عليه في مكة قبل البعثة
عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنِّي لأعرف حجراً كَانَ يسلم عَليّ قبل أَنْ أُبْعث، وَإِنِّي لأعرفه الْآن» أخرجه مسلم (٢).
السابعة والعشرون: توقير بعض الحيوانات لهَ ﷺ في قصة الجمل الذي خر ساجدًا بين يديهِ
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ لَهُمْ جَمَلٌ يَسْنُونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْجَمَلَ اسْتُصْعِبَ عَلَيْهِمْ فَمَنَعَهُمْ ظَهْرَهُ، وَإِنَّ الْأَنْصَارَ جَاؤا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ لَنَا جَمَلٌ نُسْنِي عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ اسْتُصْعِبَ عَلَيْنَا، وَمَنَعَنَا ظَهْرَهُ، وَقَدْ عَطِشَ الزَّرْعُ وَالنَّخْلُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِأَصْحَابِهِ: