عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِنَّ الله يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينِهَا» أخرجه أبوداود (١).
السادسة عشرة: أن الله اختص أمة محمد ﷺ بالشريعة السمحة، ويسر في التشريع وحلل لها بعض ما حرم على الأمم من قبلها.
عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» متفق عليه (٢).
وغير ذلك من الخصائص والكرامات التي خص الله بها أمة محمد ﷺ ، فهذه ستة عشر كرامة خص الله بها أمة محمد ﷺ .
стр. 4377
٣ - الخزانة الثالثة
ومن دلائل عظمة قدر النبي ﷺ :
الثاني والعشرون: من دلائل عظمة قدرهِ ﷺ أنهُ أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة وأنه أول من يُفيق.
عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى»» متفق عليه (١).
وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةٍ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ» متفق عليه (٢).
الثالث والعشرون: أن الله خصهُ من بين الرُسُل بالشفاعة العظمي لبدل الحساب يوم القيامة تشريفًا لمقامه وإظهارًا لمكانتهِ إذ جعلهُ ربه شفيعًا لجميع الخلائق لبدل الحساب العباد كلهُم مؤمنهم وكافرهُم حين يطول منهِم الموقف يوم القيامة ويعتذر جميع الأنبياء عن الشفاعة من نوح لعيسي عليهم الصلاة والسلام فيذهبون إلى مُحمد ﷺ فيقول: «أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّيَ فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» متفق عليه (٣).
стр. 4378
فالنبي ﷺ أعظم الخلق جاهًا وقدرًا عند الله، لما قام به من جهد البلاغ والرسالة، والصبر على أداء الأمانة ولهذا فهو أول شافع وأول مشفع.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنَا سَيِّدُ الناسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق عليه (١).
ومن دلائل عظمةِ قدرهُ عند الله أن اللهُ خصهُ يوم القيامةَ بثلاثِ شفاعات غير العُظمي المُتقدمة في أهل الموقف وهي:
الأولي: شفاعتهُ ﷺ لعُصاة المؤمنين من أهل الكبائرِ من أُمتهِ ممن استحق النار أن يدخُلُها
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ» متفق عليه (٢).
الثانية: شفاعتهُ ﷺ للمؤمنين في دخول الجنة فإذا شفع فُتحت لهُم أبواب الجنة فدخلوها.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ، لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» أخرجه مسلم (٣).
فالشفاعة الأولى لزوال الكرب والغم ليرتاح الناس من كُروبات الحشر والانتظار الطويل، والشفاعة الثانية لعُصاة المؤمنين ليُريحهُم من الهمِ والغم، والثالثةِ في دخول الجنة لينال المؤمنون الفرح، والفرج والسرور بدخول الجنة ﷺ .
стр. 4379
الثالثة: شفاعتهُ ﷺ في تخفيف العذاب عن عمهِ أبو طالب ليُخفف عنهُ العذاب جزاء إحسانهِ إليه، ودفاعه عنه.
عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال للنبي ﷺ : مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ، وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: «هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَار، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ» متفق عليه (١).
فهذه الشفاعات خاصةِ به ﷺ وهُناك شفاعة خامسة ولكنها مُشتركةٍ بينهُ وبين المؤمنين والملائكة، وهي الشفاعة في المؤمنين الذين استحقوا النار أن يخرجوا منها.
الرابعة والعشرون: أن الله قرن حقهُ بحق الرسول ﷺ في ثلاثة مواطن:
في الإيمان .. وفي طاعتهِ .. وفي محبتهِ.
فالإيمان به في قولهِ سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
وطاعتهِ في قولهِ سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وفي المحبة قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
стр. 4380
الخامسة والعشرون: من دلائل عظمة قدر الرسول ﷺ قُبيل بعثتهِ ﷺ حُرثت من استراق الشياطين للسمع لئلا يختلط الواحد بكذب الشياطين، وهذا حدثٌ عظيم فقد كان الشياطين يسترقون السمع ثم يلقونه للكُهان ثُم يلقينهُ الكُهان علي الناس بعدما يزيدونَ فيها كذباتٍ، كما قال سبحانه عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ [الجن: ٨ - ٩].
وعن عائشة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ المَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ، فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ، فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» متفق عليه (١).
السادسة والعشرون: من دلائل عظمة قدر النبي ﷺ تسليم بعض الجمادات عليه كالحجر الذي كان يُسلم عليه في مكة قبل البعثة
عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنِّي لأعرف حجراً كَانَ يسلم عَليّ قبل أَنْ أُبْعث، وَإِنِّي لأعرفه الْآن» أخرجه مسلم (٢).
السابعة والعشرون: توقير بعض الحيوانات لهَ ﷺ في قصة الجمل الذي خر ساجدًا بين يديهِ
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ لَهُمْ جَمَلٌ يَسْنُونَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْجَمَلَ اسْتُصْعِبَ عَلَيْهِمْ فَمَنَعَهُمْ ظَهْرَهُ، وَإِنَّ الْأَنْصَارَ جَاؤا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ لَنَا جَمَلٌ نُسْنِي عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ اسْتُصْعِبَ عَلَيْنَا، وَمَنَعَنَا ظَهْرَهُ، وَقَدْ عَطِشَ الزَّرْعُ وَالنَّخْلُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِأَصْحَابِهِ:
стр. 4381
«قُومُوا»، فَقَامُوا فَدَخَلَ الحَائِطَ وَالْجَمَلُ فِي نَاحِيَته، فَمَشَى النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَهُ. فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: يَا رسولَ الله، إِنَّهُ قَدْ صَارَ مِثْلَ الْكَلْبِ الْكَلِبِ، وَإِنَّا نَخَافُ عَلَيْكَ صَوْلَتَهُ، فَقَالَ: «لَيْسَ عَلَيَّ مِنْهُ بَأْسٌ» فَلَمَّا نَظَرَ الْجَمَلُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، أَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى خَرَّ سَاجِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ الله ﷺ بِنَاصِيَتِهِ أَذَلَّ مَا كَانَتْ قَطُّ، حَتَّى أَدْخَلَهُ فِي الْعَمَلِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا نبيَّ الله، هَذِهِ بَهِيمَةٌ لَا تَعْقِلُ تَسْجُدُ لَكَ، وَنَحْنُ نَعْقِلُ، فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ! فَقَالَ: «لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا» أخرجه أحمد (١).
الثامنة والعشرون: محبة بعض الجمادات لهَ كجبل أُحد.
عن أبي حميد ﵁ قال: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ، قال: «هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» متفق عليه (٢).
التاسعة والعشرون: طاعة بعض الجمادات لهَ ﷺ فحين صعد النبي ﷺ علي جبلِ أُحد ومعه أبوبكر وعمر وعثمان، فرجف بهم الجبل، فضربه ﷺ برجله، وقال: «اثْبُتْ أُحُدُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» أخرجه البخاري (٣).
الثلاثون: تعظيم بعض الكُفار لهُ ﷺ وإن لم يتبعوه وهذا مُشاهد معلوم في الماضي والحاضر أما في الحاضر المعاصر فكم كتب الكفار المعاصرون في عُظماء البشرية، وجعلوا نبينا مُحمد ﷺ أول العُظماء، أما في الماضي فكما روي أن هِرقل عظيم الروم تأثر من كتاب النبي ﷺ وأوشك أن يُسلم
стр. 4382
ووضع كتابهُ لهُ في قصبةٍ من ذهب تعظيمًا لهُ وأنهُ لا يزالُ حُكام الروم يتوارثونهُ كابرًا عن كابر ودامت دولته الروم أكثر من دولة الفُرس.
الحادية والثلاثون: أنهُ ﷺ أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة.
عَنْ أنس ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : «أَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ» أخرجه مسلم (١).
وعَنْ أنس ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ شفيعٍ في الجَنَّةِ» أخرجه مسلم (٢).
الثانية والثلاثون: إنه ﷺ كان إمام الأنبياء في الصلاة في ليلة الإسراءِ والمِعراج ببيت المقدس
عَنْ أبي هريرة ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : «لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الحِجْرِ وَأَنَا أُخْبِرُ قُرَيْشًا عَنْ مَسْرَايَ قَالَ: فَسَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، قَالَ: فَكُرِبْتُ كَرْبًا مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ الله لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا سَأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ، قَالَ: وَرَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ، قَالَ: فَحَانَتِ الصَّلاةُ فَأَمَمتُهُمْ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاةِ قِيلَ لي: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلامِ» أخرجه مسلم (٣).
стр. 4383
الثالثة والثلاثون: أنه ﷺ أكثر الأنبياء جُهدًا وصبرًا وأعظم الناس أجرًا وثوابًا يوم القيامة قال الله ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ [التوبة: ٨٨].
عَنْ أبي مسعود ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» أخرجه مسلم (١).
الرابعة والثلاثون: أن قرنهُ ﷺ خير قرون بني آدم كما أنهُ خير قرون أُمتهِ.
عَنْ أبي هريرة ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : «بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ، قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ» أخرجه البخاري (٢).
وعن عائشة ﵂ قَالَتْ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثُ» أخرجه مسلم (٣).
الخامسة والثلاثون: أن الله أخبر النبي ﷺ بأنهُ غُفر لهُ ما تقدم من ذنبٍ وما تأخر وهو حيٌ يمشي علي الأرض، كما قال : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣].
ولم يُنقل أن الله لم يُخبر أحدًا من الأنبياء بمثل ذلك والظاهر أنه سبحانه لم يُخبرهُم لأنهُم في مقام الشفاعة في الموقف ذكر كُل واحدًا منهُم خطيئتهُ التي أصابها، ثُم اعتذر عن الشفاعة ولو علم بغُفران خطيئتهَ لم يوجل منها وشفع.
стр. 4384
السادسة والثلاثون: أن الله سبحانه أقسم بحياتهِ إظهارًا لعظيم قدره ومكانتهَ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢]
والإقسام بحياتهِ يدُل علي شرف حياتهِ وعزتِها، وقدرها عند المُقسم بها، وأن حياتهُ ﷺ جديرة أن يُقسمُ اللهُ بها، لما فيها من البركات العظيمة، والمنافع الجمة، والجُهد العظيم، والصبر الجميل الذي بذلهُ ﷺ في إعلاء كلمة الله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
стр. 4385
٤ - الخزانة الرابعة
ومن دلائل عظمة قدر النبي ﷺ :
السابعة والثلاثون: أن وقر النبي ﷺ في ندائهِ فلم يُخاطبهِ باسمه، مُحمد مُجردًا بل نادهُ بوصف الرسالة والنبوة بقولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥].
في حين نادي جميع الأنبياء بأسمائهم كما قال سبحانه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [مريم: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٠].
وهذا خاص بالنبي دون غيرهِ من الأنبياء ولما أخبر عنهُ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
قال بعدها: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
أما الأنبياء من قبلهِ فقد نادهُم بأسمائِهِم كما مرّ معنا.
стр. 4386
الثامنة والثلاثون: أنهُ ﷺ أول من يُجيزُ عن الصراط وأول من يقرع باب الجنة وهو خاصٌ بهِ دون غيرهِ.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في حديث الرؤية: «وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَي جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إلا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئذٍ: اللهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ». متفق عليه (١).
وعَنْ أنس ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : «أَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ» أخرجه مسلم (٢).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ، لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» أخرجه مسلم (٣).
التاسع والثلاثون: من دلائل عظمة قدره كثرة أسمائهِ ﷺ وتنوعِها وكُلها أسماءِ مدحٍ وكمالٍ وصفاتٍ قائمة به مثلِ: مُحمد، أحمد وغيرها.
وأسماء النبي ﷺ نوعان:
الأول: خاصًا به لا يشاركوهُ في معناهُ غيرهُ من الرُسل كـ مُحمد، وأحمد، والعاقب، والحاشر والمُقفي، ونبي الملحمة مُحمد رسول الله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦].
وعن جبير بن مُطْعِم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو الله بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي
стр. 4387
يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ». متفق عليه (١).
الثاني: يشاركهُ في معناها غيرهُ من الرُسُل لكن لهُ منها الكمال فهو مُختصًا بكماله دون أصله، كرسول الله ونبي الله وعبد الله والشاهد والمُبشر والنذير ونبي الرحمة ونبي التوبة والمُتوكل والأمين والقاسم وغيرُها، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)﴾ [الأحزاب: ١]
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
وأما إن اشتققنا له ﷺ من كل وصفٍ من أوصافه اسمًا فإن أسمائه ﷺ تتجاوز المائتين كالرؤوف الرحيم، والصادق المصدوق ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فهو ﷺ حمد كثير الخِصال التي يُحمد عليها الذي يحمد أكثر من غيرهِ الذي يحمدهُ أهلُ السماءِ وأهل الأرض وهو ﷺ أحمد فهو أحمد الخلق لربهِ وأكثر من حمد غيرهِ لربهِ وهو أحق الناس وأولاهُم بأن يُحمد لكثرة خِصال الخير فيه وهو ﷺ المتوكل الذي توكل على الله في إقامة الدين، وفي كُل أمورهِ توكُلاً لم يُشاركهُ فيهِ غيرهُ.
стр. 4388
وهو ﷺ الحاشر الذي يُحشر الناس علي قدمهِ فكأنهُ بُعث ليحشِر الناس، وهو ﷺ العاقب الذي جاء بعد الأنبياءِ كُلهم فليس بعدهُ نبي، وهو ﷺ الماحي الذي يمحو به اللهِ الكُفرِ والشرك وهو ﷺ المُقفى الذي قفى على آثار من تقدمهُ من الأنبياء وهو خاتمهُم وآخرهُم وهو الأمين فهو أمين الله علي وحيهِ ودينهِ وهو أمين من في السماء وأمينُ من في الأرض، وهو ﷺ الضحوك القتال وهُما اسمان مزدوجان لا يُفرد أحدهُما عن الأخر فهو ضحوك في وجوه المؤمنين وقتال لأعداء الله المُكابرين والمُستكبرين لا تأخذهُ فيهم لومة لائم.
وهو ﷺ الفاتح الذي فتح اللهُ بهِ أبواب الهُدي وفتح به أمصار الكُفار، وفتح بهِ أبواب الجنة وفتح به العلم النافع والعمل الصالح، وفتح به القلوب والأسماع والأبصار والأمصار.
وهو ﷺ نبي التوبة، الذي فتح الله به أبواب التوبة علي أهل الأرض، وكان ﷺ أكثر الناسِ توبةٍ واستغفارًا وأكملهُم.
عن الأغر المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّهُ لَيُغَانُ على قَلْبِي وَإنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله في اليَومِ مِائَةَ مَرَّةٍ» أخرجه مسلم (١).
وتوبة أُمتهِ ﷺ أكمل من توبةِ سائر الأُمم وأيسرها وكانت توبة من قبلهِم من أصعب الأشياء حتى كانت توبة بني إسرائيل من عبادة العِجل قتلُ أنفسهِم ولكرامة توبة هذه الأُمة جعل الله توبتها الندم، والإقلاع عن المعصية ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
стр. 4389
وهو ﷺ الذي أرسلهُ الله رحمةً للعالمين، رحم الله به أهل الأرض جميعًا مؤمنهُم وكافرهُم، فالمؤمنون نالوا النصيب الأكمل والأوفر من الرحمة في الدُنيا والآخرة، أما الكُفار فمن دفع الجزية عاش في ظلهِ وعدلهِ وشرعهِ ومن قُتل من الكُفار فإنه تعجل للنار واستراح من الحياة الطويلة التي لا تزيدُ إلا شدة العذاب في الآخرة.
وهو ﷺ نبي الملحمة الذب بعثهُ الله لجاهد أعدائهِ من الكُفار الذين أذوه وحاربوه وأصروا علي كُفرهِم، فجاهدهُم بنفسهِ وماله ولسانهِ ويدهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣].
ولم يُجاهد نبيٌ وأُمتهُ مثل جاهد النبي ﷺ فهو ﷺ البشير الذي بشر من أطاعهُ بالجنة، النذير الذي أنذر من عصاهُ بالنار: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥].
وهو ﷺ عبدُ الله وقد شرف الله بهذا الاسم في أعظم المقامات كما قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].
هذا في مقام التنزيل.
وفي قال الإسراء سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
وقد وصف الله رسولهُ بالعبودية في تسعة مواضع من القُرآن.
стр. 4390
الأربعون: ومن دلائل عظيم قدرهِ ﷺ أن الله نصرهُ بالرعب مسيرة شهر، حيثُ ألقي ﵎-الرُعب في قلوب أعدائهِ مسيرة شهر حتى لو كان وحدهِ بدون عسكر.
عن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ ليَ الأرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، فَأ يُّمَا رَجُلٍ مِنْ أمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ ليَ المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلي، وَأُعْطيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً» متفق عليه (١).
الحادية والأربعون: أن النبي ﵊ رأي في المنام أنه أتي مفاتيح خزائن الأرض ووضعت في يدهِ وحصل كما رأي وورثت أمتهُ كنوز كيسري وقيصر وغيرها من الممالك ومازالت أُمتهُ تمتثل من تلك الخزائن.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي». متفق عليه (٢).
الثانية والأربعون: أن أتباع النبي ﷺ كانوا في ازدياد فلم يمر يوم إلا ودخل داخل في دين الإسلام بخلاف الأنبياء الآخرين ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ١ - ٣].
الثالث والأربعون: أن الشيطان لا يتمثل به ﷺ في المنام فمن رآه في المنام وأكرر للذي رآه كما جاء في صفاتهِ المذكورة في السُنة فقد رأي شخصهُ حقًا ومنع الله الشيطان ليتمثل في صورتهِ لـ ألا يكذب على لسانهِ في النوم.
стр. 4391
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي». متفق عليه (١).
الرابعة والأربعون: ما بين بيتهِ ﷺ ومنبره روضةً من رياض الجنة (أي كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة)
وحصول الخير والسعادة بما يحصُل فيها من الأعمال الصالحة أو أن العِبادة فيها تؤدي إلي الجنة.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، ومِنْبري عَلى حَوْضي» متفق عليه (٢).
الخامسة والأربعون: ومن دلائل عظمة قدرهِ ﷺ عصمتهُ من الشرك والخطأ في مجال التبليغ وعصمة نسبهِ من السِفاح وعصمتهِ من كبائر الذنوب، وعصمتهِ من رذائل الأخلاق: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
السادسة والأربعون: أن الصدقة مُحرمةً عليه ﷺ وعلى آل بيتِ لأنهُا أوساخ الناس ولهذا كان بذلُها طهرةً للمالِ والشخص.
عَنْ عبد المطلب بن ربيعة قَالَ: اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الحَارِثِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَا: والله لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ - وفيه - فقال رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» أخرجه مسلم (٣).
стр. 4392
السابعة والأربعون: أن الله أعانهُ على قرينهُ من الجن فأسلم فلا يأمرهُ إلا بخير
عَنْ ابن مسعود ﵁ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ» قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «وَإِيَّايَ، وَلَكِنَّ الله أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» أخرجه مسلم (١).
الثامن والأربعون: من دلائل عظمتهِ ﷺ تحريم نكاح زوجاتهِ من بعدهِ أبدا كما قال سبحانه ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣].
التاسعة والأربعون: أن من سب النبي ﷺ أو أيًا من الأنبياء فعقوبتهُ القتل، سواء كان مُسلمًا أو كافرًا.
عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ الله ﷺ دَمَهَا. أخرجه أبوداود (٢).
الخمسون: من دلائل عِظم قدرهُ النبي ﷺ أنهٌ لا ينبغي عندهُ التنازُع.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ، قَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا، فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: قُومُوا عَنِّي وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ». متفق عليه (٣).
стр. 4393
بل إن رفع الصوت فوق صوتهِ موجب لحبوط العمل، كمال قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢].
الحادية والخمسون: من دلائل عظم قدرهِ ﷺ أن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجلٌ قتله نبي أو قتل نبيًا.
عَنْ عبد الله بن مسعود ﵁ أن رَسُولَ الله ﷺ قال: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ مِنَ المُمَثِّلِينَ» أخرجه أحمد (١).
هذه إحدى وخمسون من دلائل عظمة قدرهِ ﷺ ذكرنها على وجه الإيجاز والاختصار.
стр. 4394
٥ - الخزانة الخامسة
حقوق النبي ﷺ :
الأول: إن الإيمان بالله يقتضي توحيدهُ وطاعتهُ وتعظيمهُ وتكبيرهُ وحمدهُ وشكرهُ والإيمان به وعبادتهُ وحدهُ لا شريك لهَ وغيرهُ من الحقوق العُظمى الواجبة لله وكذا الإيمان بالرسول ﷺ يقتضي توحيدهَ بالإتباع وتصديقهُ وطاعتهُ والإيمان به وغير ذلك من الحقوق الواجبة لهُ ﷺ والقيام بحقوق النبي ﷺ هو الرُكن الأعظم في الدين بعد القيام بحقوق الله : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
وعن تميم الداري ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لله، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» أخرجه مسلم (١).
والنصيحةُ للرسول ﷺ تكون بتحقيق الأمور والحقوق الآتية:
١ - تصديقهُ برسالتهِ ونبوتهِ، الإيمان بكُل ما جاء بهِ.
٢ - تصديقهُ فيما أخبر، وطاعتهِ فيما أمر.
٣ - واجتناب ما نهي عنهُ وضجر، وألا نعُبد الله إلا بما شرع.
٤ - ونصرتهُ حيًا وميتًا، ومولاة من ولاه ومُعادة من عاده.
٥ - وتعظيمهُ وتوقيرهُ وتعظيم سُنتهِ، وإحياء دينهُ وطريقتهُ.
٦ - وبث دعوتهِ ونشر شريعتهِ، والتفقه في دينهِ والتلطُف في تعليم سُنتهُ وتعليمها والدعوةِ إليها والذب عنها والتأدب عند قراءتها وتعظيمها وتجليلها ونفي التُهمةِ عنها وعدم الكلام فيها بغير عِلم وإجلالِ أهلها
стр. 4395
لانتسابهم إليها ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩ [.
الأول: من حقوقهِ ﷺ التخلق بأخلاقهُ الكريمة والتأدب بآدابه الجميلة ومحبتهُ ﷺ ومحبة آل بيتهِ ومحبة أصحابهِ ومجانبة من الابتداع في دينهِ، وهجر من تعرض لأحدٍ من أصحابهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
ومن حقوقهِ ﷺ الانقياد والتسليم لأمرهِ وبذل النفوس والأموال دونهُ في حياتهِ وإحياء سُنتهُ بعد موتهِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الثاني: حقوقهِ ﷺ كثيرة والمؤمن حقَ من أداها كما جاءت في القرآن والسُنة واتبع ﷺ في خمسةِ أمور تجمع الحقوق كُلِها:
١ - إتباعهُ ﷺ في توحيدهِ وإيمانهِ.
٢ - وفي نيتهِ وفكرهِ.
٣ - وفي أقواله الحسنة.
٤ - وفي أعماله الصالحة.
٥ - وفي أخلاقة الكريمة.
وهذه حقوق النبي ﷺ كما جاءت في القُرآن والسُنة وهي ثمانية عشر حقًا نسأل الله أن يُعيننا علي أدائها ويُرزقُنا حُسن العملِ بموجبها وإعلام الناسِ بها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].
стр. 4396
ومن أعظم حقوقهِ ﷺ الإيمان بهِ والتصديق بنبوتهِ وبما جاء به من الرسالة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقد أمرنا الله الإيمان به وبرسولهِ في آياتٍ كثيرة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
الثالث: من حقوقهِ ﷺ تصديقهُ ﷺ فيما أخبر وتصديق النبي ﷺ بما جاء به من ربهِ هو شطر الإيمان به؛ لأن الإيمان به ﷺ له رُكنان:
١ - تصديقُ ما جاء به من الأخبار.
٢ - والانقياد لما جاء بهِ من الأوامر.
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وتصديق النبي ﷺ يتضمن التصديق بكُل ما جاء به من أمور التوحيد والإيمان والشرائع والأحكام والإخبار والآداب ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
فكُل ما جاء بهِ ﷺ من الوحي حقًا يجب التصديق والإيمان بهِ وإتباعهُ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
стр. 4397
الإيمان بالنبي ﷺ
الإيمان بالأنبياء والرسل أحد أركان الإيمان الستة كما في حديث جبريل أنه سأل النبي ﷺ عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِا للهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرهِ وَشَرِّهِ» أخرجه مسلم (١).
والإيمان بالنبي ﷺ هو التصديق بنبوته، وبما جاء به من الرسالة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات/ ١٥].
وقد أمرنا الله بالإيمان بالله ورسوله في آيات كثيرة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء/ ١٣٦].
وقال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف/ ١٥٨].
وقال ﷻ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح/ ٨ - ٩].
стр. 4398
تصديقه ﷺ فيما أخبر
تصديق النبي ﷺ فيما جاء به من ربه هو شطر الإيمان به، فإن الإيمان به له ركنان:
تصديق ماجاء به من الأخبار .. والانقياد لما جاء به من الأوامر: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء/ ٦٥].
وتصديق النبي ﷺ يتضمن التصديق بكل ماجاء به من أمور التوحيد والإيمان، والشرائع والأحكام، والأخبار والآداب: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة/ ٢].
فكل ماجاء به ﷺ من الوحي حق يجب الإيمان به، وتصديقه، واتباعه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم/ ١ - ٥]
فالنبي ﷺ جاء بالوحيين القرآن والسنة، وهما أصدق الحديث، وهو ﷺ أصدق الخلق، ومن آمن به فيجب عليه أن يصدق بما جاء به: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل/ ٤٤].
وأعظم من آمن به ﷺ وصدقه من هذه الأمة أبوبكر الصديق ﵁، فقد آمن به حق الإيمان، وصدقه حق التصديق، ثم اتبعه في كل ماجاء به ﷺ ، فهو أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، لكمال إيمانه وتصديقه واتباعه، ولذلك سمي أبوبكر الصديق: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر/ ٣٣].
стр. 4399
فعلينا أن نؤمن به ﷺ ونصدقه، ونتبعه، لنسعد في الدنيا والآخرة، ونكون ممن يرافقه في الجنة مع الأنبياء والمؤمنين: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء/ ٦٩ - ٧٠].
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ مِنَ الأُفُقِ مِنَ المشْرِقِ أَوِ المغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ»، قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِا للهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ». متفق عليه (١).
وضد التصديق للنبي ﷺ التكذيب والشك والإعراض، وذلك كله من نواقض تصديقه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء/ ١١٥].
فليحذر العبد من ذلك، لينجو من عقوبة ذلك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور/ ٦٣].
стр. 4400
طاعته ﷺ فيما أمر
والإيمان بالرسول ﷺ يقتضي طاعته في كل ما جاء بهِ ﷺ وقد قرن الله طاعة رسوله بطاعتهِ في آياتٍ كثيرة تأكيدًا لوجوب طاعتهِ ﷺ ، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وقال : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
وقد ذكر الله طاعة النبي في ثلاثين موضعًا من القُرآن الكريم، وأكد الله أن من أطاع الرسول ﷺ فقد أطاع الله بقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
وقال النبي ﷺ : «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ». متفق عليه (١).
عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَنْ يَأْبَى؟، قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» أخرجه البخاري (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله» متفق عليه (٣).
стр. 4401
فيجب على كل مسلم الانقياد لسنته، والمسارعة إلى طاعته في كل حال، والاستجابة لأمره إذا علم به.
عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى ﵁ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ يَا رَسُولَ الله إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي. قَالَ: «أَلَمْ يَقُلْ الله" اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لمَا يُحييكُم"» ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ المَسْجِدِ؟» فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ قُلْتَ لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنْ القُرْآنِ. قَالَ: «الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» أخرجه البخاري (١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، فَقَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالشَّيْءِ، فَخُذُوا بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ». أخرجه مسلم (٢).
فيجب علي كُل مُسلم ومُسلمه المسارعة إلى طاعتهِ في كُل حال والاستجابة لأمره إذا علم بهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
الرابع: من حقوق النبي ﷺ اجتناب ما نهي عنه ﷺ وزجر، فالطاعة ضد المعصية وطاعة النبي ﷺ ضدها معصيته وكما أمر الله بطاعتهِ
كما قال سبحانه: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال : ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
وإتباع هوي النفس يقود للاستكبار عن الحق ورد الأمر على الآمر كما فعل إبليس حين أمرهُ إله -جَلَّ وَعَلَا-بالسجود لآدم فامتنع ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
ومن حقوقهِ ﷺ ألا يُعبدُ الله إلا بما شرع، فمن أعظم حقوقهِ ﷺ الاعتصام بسُنتهِ والحذر من البدع في دينهِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». متفق عليه (١).
وعَنْ عائشة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه (٢).
فحديث عائشة هذا ميزانٌ لأعمال الظاهرة وحديث عُمر ﵃ يزانٌ لأعمال الباطنة، ودين الإسلام كُله يقوم علي هذين الأصلين العظيمين
стр. 4404
فكُل عملٍ لا يُراد به وجه الله فهو باطل لا ثواب فيه، وكُل عملٍ لا يكون عليه أمر الله ورسولهِ فهو مردودٌ على عامله ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
ومن حقوقهِ ﷺ تعظيم سُنتهِ وتعظيم سُنتهِ يقتضي العمل بشريعتهِ والاقتضاء بسُنتهِ وامتثال أوامره وتحكيم كُل ما جاء به والرضا بحُكمهِ والتسليم لهَ، والسعي في إظهار دينهِ وإبلاغ رسالتهِ لناس ودعوتهُم إلى الإيمان بالله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
ومن تعظيم سُنتهِ طاعتهِ فيما أمر تصديقهُ وفيما أخبر واجتناب فيما نهي عنهُ وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩ [.
ومن تعظيمُ سُنته تعلمُ ما جاء بهِ والعمل بهِ وتعليمهُ لناس: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
ومن تعظيم سُنتهِ توقير حديثهُ والتأدُب عند سماعهِ والوقار عند دراستهِ، والإصغاء لحديثهِ كأنهُ يتكلم بهِ وتوقير مجلس الحديث والتحفُظ لاستباق العمل بهِ تعظيمًا لهَ.
ومن تعظيم سنتهِ نصرُ ما جاء بهِ، والذب عن سنتهِ والدفاعُ عنها: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
стр. 4405
ومن حقوقهِ ﷺ التحاكُم إلى شريعتهِ ﷺ فالإيمان بالنبي ﷺ يقتضي التحاكمُ لشريعتهِ، والرضاء بحكمهِ والتسليم لأمرهِ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا». أخرجه مسلم (١).
لهذا يجب التسليمُ التام والانقياد التام لما حكم بهِ الله ورسولهُ، وليس في ذلك الاختيار بل الواجب السمع والطاعة والانقياد والتسليم لكُل ما جاء في الشريعة: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].
فيجب على كُل من آمن باللهِ ورسولهِ السمعُ والطاعة وعدم مُخلفة أمر الله ورسولهِ لأن ذلك من موجبات الإيمان بالله ورسولهِ، ومن حقوقهِ ﷺ علي أُمتهِ مجانبة الراغبين عن سُنتهِ من أهل الهوى والبدع والضلال حتى لا يلبسوا على المُسلم دينهِ أو يغمسون في ضلالتهِم، وليكون في هجرهِ لهُم تأديبًا لهُم لعلهم يتوبون من بدعتهِم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨].
وقال : ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].
стр. 4406
والصاحبُ صاحب إلي سُنه أو بدعه ومن جالس الصالحين زادَ صلاحَ وحسن دينهِ ومن جالس أهل الزجر والفساد زاغَ قلبهُ وفسد دينهُ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وعن أبو موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالحِ والجَلِيسِ السّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِير، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً». متفق عليه (١).
ومن حقوقهِ ﷺ حُب النبي ﷺ وتوقيرهُ وتعظيم سُنتهِ وإتباعهِ من لوازم الإيمان بهِ ومن أصول الدين التي أوجبها إله على العِباد ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وتكون محبة النبي ﷺ بتقديم محبتهِ على محبة النفسِ والمال والولد والناسِ أجمعين لأنه ﷺ أولي بكُل مؤمنًا من نفسهِ كما قال سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
ومن حقوقهِ ﷺ العمل بما جاء به ونشرِ في سُنته وإبلاغ دينهِ لناسِ كافة كما وقال : ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
стр. 4407
والدعوةِ إلي الله أفضل الأعمال كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ [يونس: ١٠٨].
والدعوة إلي إله واجبه علي كُل الأُمة رجالاُ ونساءَ كُلًا بحسبهِ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
ومن حقوقهِ ﷺ حُسن الأدب معهَ بندائه كان حيًا بلفظ النبوة أو الرسول إجلالًا له وتعظيمًا لشأنهُ. ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
ومن حقوقهِ ﷺ عدم رفع الصوت واللغط في منزلهِ وعند قبرهِ لأن حُرمة النبي ﷺ في حياتهِ وبعد مماتهِ علي حدٍ سواء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ [الحجرات: ٢ - ٣].
ومن حقوقهِ ﷺ الذب عن ذاته ﷺ فالدفاع عن النبي ﷺ من أعظم دلائل محبتهِ وإجلاله وقد سبق بها الصحابة ومن جاء بعدهُم كما أخبر الله عنهم بقوله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].
والصحابة من المُهاجرين والأنصار أفضل الناسُ بعد الأنبياء اختارهم الله لصحبة نبيهِ والقيام معه في إقامةَ دينهِ ﵃: ﴿وَالسَّابِقُونَ
كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ " فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي». أخرجه مسلم (١).
وآل بيت النبي ﷺ هُمْ الذين تُحرم عليهم الصدقة وهُم بنو هاشم بن عبد مناف وبنو المُطلب بن عبد مناف فهؤلاء يدخلون في سهم ذوي القُربة وتُحرم عليهم الصدقة حمايةً لجناب النبوة وتعظيمًا لقدرهِم، لأن الصدقةُ أوساخُ الناس، كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» أخرجه مسلم (٢).
وأزواج النبي ﷺ داخلات في آل البيت بنص القُرآن، كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣].
ومن حقوقهِ ﷺ توقير زوجاتهِ ورعاية حُرمتهن، وصيانةِ أعراضِهن، وبيان فضائلِهن وحُسن الثناءِ عليهن والاستغفارِ لهُن والتراضي عنهِن والدُعاء لهُن.
وقد رفع اللهُ مقام أزواج النبي ﷺ وبوئهُن منزلةٍ عالية بل رفع قدرهُن إلى منزلة الأِمومة، لجميع المؤمنين بقولهِ سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
ومن حقوقهِ ﷺ توقير أصحابهِ ﷺ :
فمن حقوقه ﷺ على أمته توقير أصحابه والترضي عنهُم والاقتضاء بهِم وحُسن الثناء عليهِم والإمساك عما شجر بينهُم، ومُعادة من عادهُم والدعاء
стр. 4410
لهم والاستغفار لهُم وذكرِ فضائلهِم ومحاسنهِم ومحبتِهم، وإجلالِهم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وأصحاب الرسول ﷺ كُلهُم عدولٌ مرضيون ثِقاة، وعدالة الصحابة ثابتةٍ معلومة بتعديل اللهِ لهُم وإخبارهِ عن طهارتهِم ورضاهُ عنهِم وشهادة رسول الله ﷺ لهُم كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». متفق عليه (١).
وقال ﷺ : «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ». متفق عليه (٢).
стр. 4411
٦ - الخزانة السادسة
أصول الاعتصام بالسُنة:
أصول الاعتصام بالسنة والحذر من البِدعة كثيرة وهذه أهمُها:
الأصل الأول: أن الإسلام مبنيًا على أصلين عظيمين هُما:
الأول: ألا نعبُد إلا الله وحدهُ لا شريكَ لهُ وهو بمعنى (شهادة أن لا إله إلا الله).
الثاني: أن نعبُد الله إلا بما شرع، وهو بمعنى أن (شهادة أن مُحمدً رسول الله).
فالشرك ضد الأصل الأول، والبدعة ضد الأصل الثاني ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
فلا يقبلُ الله أيُ عملٍ إلا إذا كان خالصًا صوابًا فالخالص لله وحدهِ والصواب ما كان على السُنة، فالفوز والنجاةِ في التوحيديِ في السُنة والخُسرانِ والهلاك في الشركِ والبدعة ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
الأصل الثاني: أن السُنة سُنتان:
سنةً فعلية .. وسُنةً تركية.
والسُنةِ الفعلية هي: ما فعلهُ النبي ﷺ أو أقر عليه مثل الآذان للصلواتِ الخمس، والتلبية في الحجِ ونحوِها.
стр. 4412
والسُنةِ التركية هي: ما تركه ﷺ مع قيام المُقتضي لذلك مثل ترك الآذان لصلاة العيدين، وصلاة الجِنازة.
فالتركُ السُنةِ النبوية كما أن فعل الأول سُنةِ نبوية ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الأصُلِ الثالث: إن الأصلِ في العِبادات المنع إلا بدليلٍ شرعي من القُرآنِ والسُنة أو من احدهِم والأصلُ في المُعاملات والعادات الحل إلا بدليلٍ شرعي يدُلُ على التحريم.
الدليل الأول: قول النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ». أخرجه مسلم (١).
وقولهُ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه (٢).
الدليل الثاني: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
الأصلُ الرابع: أن التأسي بالنبي ﷺ يتحقق بستةِ أمور:
الأول: السبب بأن تكون العِبادة موافقة للشريعةِ في سببِها، فلو زاد أحدٌ صلاة سادسة على الصلواتِ الخمس عبادتهُ مردودةَ، لأن ليس لها سببٌ شرعي في القُرآنِ والسُنة، كما قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٣).
стр. 4413
الثاني: الجنس فلو ضحى أحدٌ بفرس فلن تُقبل أضحيتهُ، إن الشريعة جاءت بالأُضحية، من بهيمة الأنعامِ فقط (الأنعامُ والبقر، والإبل)، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثالث: القدر فلو صلى الجمعة ثلاثًا لن تُقبل صلاتهُ لأنها مُخالفة للشريعة في قدرِها لأن الشريعة جاءت بصلاةِ الجُمعة ركعتين: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١].
الرابع: الكيفية بأن تكون العِبادة موافقة للشريعة في كيفيتِها، فلو غسلَ الإنسان رجليهِ في الوضوء، ثُم مسحَ رأسهُ ثُم غسلَ يديهِ ثُم غسلَ وجههُ فهذا وضوئهُ غير مقبول، وصلاتهُ غير صحية لأنهُ خالف الشريعة في كيفية الوضوء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الخامس: المكان فلو وقف الحاج يوم عرفة بمُزدلِفة أو طاف بغير الكعبةَ أو اعتكف في بيتهِ فهذه العِبادات لا تصح لأنهُ خالف الشريعة في مكان العِبادة المُحدد لها شرعًا.
فعن عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عليه أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». أخرجه مسلم (١).
السادس: الزمان فلو صلى مُسلمٌ الظُهرَ قبل الزوال أو صام فرض رمضان في رجب أو حج في صفر فهذا صلاتهُ وصيامهُ وحجهُ غير صحيح لأنهُ
стр. 4414
خالف الشريعة في زمانها المُحدد لها شرعًا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
فهذه ستة أوصاف لا تتحقق مُتابعةٍ للنبي ﷺ إلا باجتماعها في كُل عِبادة فعلى المُسلم إتباع ذلك والحذر من مُخالفة ذلك، قال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
الأصلُ الخامس: أن الله أكمل الدين ببعثةِ مُحمد ﷺ فلا يستطيع أحدٌ أن يأتي بشيء يُقرب إلى الله غير النبي ﷺ فقط، قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الأصلُ السادس: أن كمال الدين يقتضي بُطلان البِدع فدين الإسلام كاملٌ لا يحتاج إلي زيادة، كما أنهُ لا يجوزُ فيهِ النُقصان، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فاللهُ سبحانه بيّن كُل شيءٍ في كتابهِ يحتاجهُ الناس في معاشِهِم ومعادهم كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال رجل لِسَلْمَانَ الفارسي ﵁: «قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ
стр. 4415
أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ». أخرجه مسلم (١).
الأصلُ السابع: أن التشريع حقٌ لله وحدهُ كما قال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠].
وأنكر سبحانه على من شرعَ للناس دينًا أضلهُم بهِ فقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]
والتشريع قد انقضى بموت النبي ﷺ بعد حجةِ الوداع بعد أن أنزل اللهِ عليه في يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
فمن أحدث في دين الله وزاد فيهِ ما ليس منهَ فقد جعل نفسهُ مُشرعًا مع الله ومقتضى فعله أن النبي ﷺ أنهُ لم يتم الرسالة وأنهُ ببدعتهِ جاء ليُتم الشريعة وكُل ذلك باطلٌ مردودٌ مُعاقبٌ عليه ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٢).