٦ - الخزانة السادسة
أصول الاعتصام بالسُنة:
أصول الاعتصام بالسنة والحذر من البِدعة كثيرة وهذه أهمُها:
الأصل الأول: أن الإسلام مبنيًا على أصلين عظيمين هُما:
الأول: ألا نعبُد إلا الله وحدهُ لا شريكَ لهُ وهو بمعنى (شهادة أن لا إله إلا الله).
الثاني: أن نعبُد الله إلا بما شرع، وهو بمعنى أن (شهادة أن مُحمدً رسول الله).
فالشرك ضد الأصل الأول، والبدعة ضد الأصل الثاني ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
فلا يقبلُ الله أيُ عملٍ إلا إذا كان خالصًا صوابًا فالخالص لله وحدهِ والصواب ما كان على السُنة، فالفوز والنجاةِ في التوحيديِ في السُنة والخُسرانِ والهلاك في الشركِ والبدعة ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
الأصل الثاني: أن السُنة سُنتان:
سنةً فعلية .. وسُنةً تركية.
والسُنةِ الفعلية هي: ما فعلهُ النبي ﷺ أو أقر عليه مثل الآذان للصلواتِ الخمس، والتلبية في الحجِ ونحوِها.
стр. 4412
والسُنةِ التركية هي: ما تركه ﷺ مع قيام المُقتضي لذلك مثل ترك الآذان لصلاة العيدين، وصلاة الجِنازة.
فالتركُ السُنةِ النبوية كما أن فعل الأول سُنةِ نبوية ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الأصُلِ الثالث: إن الأصلِ في العِبادات المنع إلا بدليلٍ شرعي من القُرآنِ والسُنة أو من احدهِم والأصلُ في المُعاملات والعادات الحل إلا بدليلٍ شرعي يدُلُ على التحريم.
الدليل الأول: قول النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ». أخرجه مسلم (١).
وقولهُ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه (٢).
الدليل الثاني: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
الأصلُ الرابع: أن التأسي بالنبي ﷺ يتحقق بستةِ أمور:
الأول: السبب بأن تكون العِبادة موافقة للشريعةِ في سببِها، فلو زاد أحدٌ صلاة سادسة على الصلواتِ الخمس عبادتهُ مردودةَ، لأن ليس لها سببٌ شرعي في القُرآنِ والسُنة، كما قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٣).
стр. 4413
الثاني: الجنس فلو ضحى أحدٌ بفرس فلن تُقبل أضحيتهُ، إن الشريعة جاءت بالأُضحية، من بهيمة الأنعامِ فقط (الأنعامُ والبقر، والإبل)، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثالث: القدر فلو صلى الجمعة ثلاثًا لن تُقبل صلاتهُ لأنها مُخالفة للشريعة في قدرِها لأن الشريعة جاءت بصلاةِ الجُمعة ركعتين: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١].
الرابع: الكيفية بأن تكون العِبادة موافقة للشريعة في كيفيتِها، فلو غسلَ الإنسان رجليهِ في الوضوء، ثُم مسحَ رأسهُ ثُم غسلَ يديهِ ثُم غسلَ وجههُ فهذا وضوئهُ غير مقبول، وصلاتهُ غير صحية لأنهُ خالف الشريعة في كيفية الوضوء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الخامس: المكان فلو وقف الحاج يوم عرفة بمُزدلِفة أو طاف بغير الكعبةَ أو اعتكف في بيتهِ فهذه العِبادات لا تصح لأنهُ خالف الشريعة في مكان العِبادة المُحدد لها شرعًا.
فعن عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عليه أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». أخرجه مسلم (١).
السادس: الزمان فلو صلى مُسلمٌ الظُهرَ قبل الزوال أو صام فرض رمضان في رجب أو حج في صفر فهذا صلاتهُ وصيامهُ وحجهُ غير صحيح لأنهُ
стр. 4414
خالف الشريعة في زمانها المُحدد لها شرعًا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
فهذه ستة أوصاف لا تتحقق مُتابعةٍ للنبي ﷺ إلا باجتماعها في كُل عِبادة فعلى المُسلم إتباع ذلك والحذر من مُخالفة ذلك، قال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
الأصلُ الخامس: أن الله أكمل الدين ببعثةِ مُحمد ﷺ فلا يستطيع أحدٌ أن يأتي بشيء يُقرب إلى الله غير النبي ﷺ فقط، قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الأصلُ السادس: أن كمال الدين يقتضي بُطلان البِدع فدين الإسلام كاملٌ لا يحتاج إلي زيادة، كما أنهُ لا يجوزُ فيهِ النُقصان، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فاللهُ سبحانه بيّن كُل شيءٍ في كتابهِ يحتاجهُ الناس في معاشِهِم ومعادهم كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال رجل لِسَلْمَانَ الفارسي ﵁: «قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ
стр. 4415
أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ». أخرجه مسلم (١).
الأصلُ السابع: أن التشريع حقٌ لله وحدهُ كما قال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠].
وأنكر سبحانه على من شرعَ للناس دينًا أضلهُم بهِ فقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]
والتشريع قد انقضى بموت النبي ﷺ بعد حجةِ الوداع بعد أن أنزل اللهِ عليه في يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
فمن أحدث في دين الله وزاد فيهِ ما ليس منهَ فقد جعل نفسهُ مُشرعًا مع الله ومقتضى فعله أن النبي ﷺ أنهُ لم يتم الرسالة وأنهُ ببدعتهِ جاء ليُتم الشريعة وكُل ذلك باطلٌ مردودٌ مُعاقبٌ عليه ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٢).
стр. 4416
والابتداع في الدين ولو بقصدٍ حَسِن يُعتبر تكذيبًا لله لقوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
الثامن: أن الابتداع في الدين تقدم بين يدي الله ورسوله وهذا من الجرأة على الله ورسوله وقد حذر الله ذلك بقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١].
التاسع: أن النبي ﷺ دائمًا يحذر من البدع في كل خطبة وفي كل جمعة وهذا يدل على عظيم خطر البدع وشدة ضلالها وإن لكل بدعة ضلالة ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ وَيَقُولُ: بُعثت أَنَا وَالسَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ - ويقرن بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى - وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)». أخرجه مسلم (١).
الأصل العاشر: أن التعبد لله لا يكفي في معرفة الهدي النبوي فقط بل لابد من معرفة ضده من الشركيات والبدع؛ لئلا يقع الإنسان في الشرك والبعد وهو لا يدري كما مر بحديث حذيفة السابق الذي كان الذي يسأل عن البدع مخافة أن يقع أو الشرك أو غيرها من المعاصي مخافة أن يقع فيها، وقد وقع أناس في الشرك الذي هو أعظم بالبدع فكيف بالبدع؛ لأن الوقوع فيها
стр. 4417
أخف وأسرع؛ لأن أمرها قد يخفى على الإنسان فيظن أنها سنة وأنها من العمل الحسن، وأنها تقربه إلى الله وهي لا تزيده من الله إلا بعدًا فيكون من قال الله فيهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]
الأصل الحادي عشر: أن البدع تكون في الاعتقادات، والأقوال، والأفعال وإذا انتشرت اشتهرت وصارت كأنها سنة ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الأصل الثاني عشر: أن البدع درجات وليس في خطورتها على درجة واحدة، فبعضها يُفضي إلى الكفر كبعض بدع العقائد وبعضها لا يُفضي إلى الكفر ككثير من بدع العبادات القولية، والفعلية، والبدع فوق الكبائر في المرتبة وليس فوق البدع إلا الشرك؛ لأن البدعة هي تعدٍ على الشريعة بزيادة والزيادة تحريف ولا أظلم من ذلك ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
وإثم البدع أعظم من إثم الكبائر من وجوه:
الأول: أن صاحب البدع يعتقد أنه على صواب فيما يقوم به من عبادات محدثة فلا يفكر في التوبة منها أما فاعل الكبيرة من زنا، وسرقة، ونحوه فيعلم أنه مخطئ وربما أحدث التوبة فتاب الله عليه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
стр. 4418
وقال : ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
الثاني: أن البدع تؤدي مع مرور الزمن إلى تغيير الدين؛ لأنها تتطور وتتنوع، وتتفرع، وتشتهر أما الكبائر فكل واحد يعلم أنها مخالفة للدين وليست منه.
الثالث: أن أهل البدع في الغالب يحاربون أهل السنة إذا أمروهم بالسنة ونهوهم عن بدعٍ ربما فسًقوهم أو كفروهم أو اتهموهم، أم أهل الكبائر فإن من جاء ليذكرهم بالله وعقابه فإنهم إما أن يقبلوا النصيحة ويتوبوا إلى الله وهذا هو الغالب وإما أن يردوا النصيحة مع طلب الدعاء لهم بالهداية.
الرابع: إحياء البدع وإشهارها يؤدي إلى هدم السنة النبوية والعبد عنها: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الأصل الثالث عشر: أن صغائر البدع تكبر مع مرور الزمن، وقلة المناصح فتصير كبائر وقوى وتشتد حتى تصبح دينًا يُتعبد لله به فالنجاة في الاعتصام بالسنة والحذر من البدعة وهذا هو الصراط المستقيم الذي قال الله عنه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
والخارجون عن الصراط المستقيم إلى الصراط المعوج اثنان:
أحدهما: رجلٌ زل عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير فهذا لا يُقتضى بذلته؛ لأنها مهلكة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
стр. 4419
والثاني: من عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين فهذا ضالٌ مُضل، وشيطان مريد حقٌ على من يعرفه أن يحذر الناس منه لئلا يقعوا أحدهم في بدعته: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
الأصل الرابع عشر: إن من البدع كلها ضلالة وكلها سيئة وكلها مردودة، والبدع ليست من الإسلام، والبدعة ليست بحسنة.
وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «جاءَ نَاسٌ مِنْ الأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ قَالَ ثُمَّ إِنَّ رَجُلا مِنْ الأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». أخرجه مسلم (١).
فمن أحيا سنة كانت موجودة فعلمت ثم أحياها وعمل بها الناس بعده فله مثل آجر من عمل بها.
وعن أبي هريرة ﵁ قال أن النبي ﷺ قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا». أخرجه مسلم (٢).
стр. 4420
فليس في الإسلام إلا السنن لا البدع كما أنه ليس في البدع بدعةٌ حسنة، فالبدع كلها سيئةٌ مردودة كما قال النبي ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
الأصل الخامس عشر: أن بدع العقائد أشد خطرًا من بدع الأعمال؛ لأن العقيدة عمل، وإذا صلح القلب بالعقيدة الصحيحة صلح عمل الجوارح وإذا فسد القلب في البدع المُحدثة فسد سائر عمل الجوارح.
عن النعمان بن بشير عن الرسول ﷺ قال: «الْحَلالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفق عليه (٢).
والبدع في العقيدة كثيرة وقد أخبر النبي ﷺ عن تفرق أمته في باب العقيدة إلى فرقٍ وطوائف نحو من ثلاثٍ وسبعين فرقة.
عن أبي هريرة ﵁ قال الرسول ﷺ : «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً». أخرجه أحمد والترمذي (٣).
ومن أعظم البدع والفرق التي ظهرت في العقيدة:
стр. 4421
١ - بدعة الجهمية.
٢ - وبدعة القدرية.
٣ - وبدعة المُرجئة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب.
٤ - وبدعة المعتزلة الذين قالوا أن مرتكبي الكبيرة كالزنا كافر وهو مُخلدٌ في النار، ومثلهم الخوارج.
٥ - وبدعة الرافضة الذين طعنوا في الرسالة وصحة القرآن وأنكروا السنة إلا ما وافق مذهبهم وكفروًا الصحابة كلهم إلا أفراد لا يصلون إلى العشرة وكذبوا ما نقلوا من الأمة من الأحاديث وعبدوا القبور وحكموا بردة الخلفاء وكفروهم إلا عليًا، وكفرو أهل السنة وعادوهم وحاربوهم وكانوا دائمًا مع أعدائهم كما حصل منهم مع التتار فشابهوا اليهود في عقيدتهم التي بها كفروا، كما قال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥].
٦ - وبدعة الخوارج والزيدية من أعظم البدع في باب السمع، والطاعة لولاة الأمر فاستحلوا الخروج على الأئمة إذا رأوا منهم معصية، وقد فعل الخوارج ما فعلوا من قتل عثمان وعلي ﵃ ثم انفتحت أبواب الشر على المسلمين إلى يومنا هذا.
وفي باب الإيمان بالقدر ضلت الجبرية الذين قالوا: إن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، نسأل الله السلامة من مثل هذا القول.
ورؤوس أهل البدع الكبرى أربعة:
стр. 4422
الخوارج.
والرافضة.
والجهمية.
والمرجئة.
وأما البدع في العبادات فبحر لا ساحل له، فلا تكاد تجد عبادة إلا و أضاف إليها أهل البدع زيادةً سواء في آياتها، أو عددها، أو وقتها. فما أعظم تلاعب الشيطان بالناس: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
وقال الله : ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
стр. 4423
٧ - الخزانة السابعة
فقه الإتباع:
الإتباع هو: الاقتداء، والتأسي، والاقتفاء، والائتمام، وإتباع النبي ﷺ هو الشهادة له بالرسالة، وهو الركن الثاني من أركان التوحيد.
التوحيد كله في أمرين:
١ - شهادة أن لا إله إلا الله.
٢ - شهادة أن محمد رسول الله.
والإتباع في الشرع هو: الاقتداء والتأسي بالنبي ﷺ في خمسة أمور:
١ - في توحيده، وإيمانه.
٢ - في نيته، وفكره.
٣ - وفي أقواله الحسنة.
٤ - وفي أعماله الصالحة
٥ - وفي أخلاقه الكريمة.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
стр. 4424
فنوحد الله كتوحيد النبي ﷺ لربه، ونؤمن به، ونؤمن بالله كإيمانه، ونذكر الله كذكره، وندعوه كدعائه، ونستغفره كاستغفاره، ونعبد الله كعبادته، ونتوضأ كوضوئه، ونصلي كصلاته، ونصوم كصيامه، ونحج كحجه، ونبيع كبيعه، ونشتري كشرائه، ونجاهد كجهاده، وندعي إلى الله كدعوته، ونعلم شرعه كما علم، وكاد نحسن كإحسانه، ونعفو كعفوه، ونرحم كرحمته، ونحلم كحلمه، ونعطي كعطائه، ونزور كزيارته، وهكذا ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فنقول كقوله ﷺ ، ونفعل كفعله ﷺ على الوجه الذي فعله من أجل أنه فعله، كالأدعية، والأذكار، والصلاة، والصيام، والنكاح، والطلاق، والبيع، والشراء، والدعوة، والجهاد، وغيرها، مما جاء عنه ﷺ ، وهذه حقيقة التأسي والإتباع: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وضد الإتباع المخالفة، وتكون في الاعتقاد، والقول، والفعل، والترك: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وكما أن لكل إتباع ثواب، كذلك لكل مخالفة عقاب: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
стр. 4425
لهذا يجب أن نفعل ما فعله ﷺ من جميع الأوامر، والطاعات بقدر الاستطاعة، ونترك ما تركه من أنواع المعاصي، والمحرمات كلها ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٢ - ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
ويجب علينا أن نجتب ما نهى الله، ورسوله عنه مطلقًا ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ». متفق عليه (١).
وأفعال النبي ﷺ من حيث الإتباع، والتأسي ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأفعال الجبلية:
كالقيام، والقعود، والدخول، والخروج، والأكل، والشرب، والنوم، واليقظة، ونحو ذلك.
فهذا من حيث الإتباع، والتأسي نوعان:
الأول: نوع جاء النص الشرعي بإيجابه، أو ندبه، كالأكل باليمين، أو النوم على الشق الأيمن، والسلام عند الدخول، والخروج، فهذا يشرع التأسي،
стр. 4426
والاقتداء به ﷺ في ذلك، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الثاني: نوع لم يأتِ به نص، دال على مشروعيته، فهو باقٍ على أصل الإباحة، كالصلاة في موضع صلى فيه النبي ﷺ اتفاقًا، وكنزوله بالأبطح لما فرغ من مناسك الحج، فهذا لا يشرع التأسي، والاقتداء بالنبي ﷺ بفعله؛ لأنه فعله اتفاقًا لا قصدًا له بعينه.
القسم الثاني: الأفعال التعبدية:
وهي جميع العبادات، والمعاملات التي يقصد بها التشريع، فهذا يجب الاقتداء بالنبي ﷺ به فعلًا للأوامر، واجتناب للمناهي، وهذه هي الأصل في أفعال النبي ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال النبي ﷺ : «وصَلُّوا كما رَأَيْتُموني أُصلِّي» متفق عليه (١).
القسم الثالث: الأفعال الخاصة به، وهي التي علمنا شرعًا أنها من خصائصه سواء كانت من المباحات، أو الواجبات، أو المحرمات، أو المكروهات، فمن المباح له ﷺ يه وسلم خاصة مثل: النكاح أكثر من أربع نسوة، والنكاح بلا مهر، والنكاح الواهبة نفسها له.
ومن الواجب عليه: وجوب التهجد، وقيام الليل.
стр. 4427
ومن المحرم عليه: الأكل من صدقة، وأكل ما له رائحة خبيثة من المباح كالثوم، والبصل.
فهذه خصائص لا يشاركه فيها أحد، ولا يقتدي، ولا يتأسى بها أحد؛ لأنه جاء الخبر بأنها من خصائصه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الوسائل المعينة على إتباع النبي ﷺ
الوسائل المعينة على إتباع النبي ﷺ كثيرة وهذه من صورها:
الأول: معرفة سيرة النبي ﷺ ، وسنته، آدابه، وأخلاقه، وجهاده، وصبره في سبيل إعلاء كلمة الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
الثاني: تقوى الله ، فمن اتقى الله، وخاف جعل الله له فرقان يميز به بين الحق، والباطل، وبين النور، والظلام، وبين ما ينفعه، وما يضره، فمن اتقى الله أعطاه الله نورًا، وعلمًا، وهدى، يمشي به في ظلمات الجهل، والضلال، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ [الحديد: ٢٨]
стр. 4428
والتقوى، والاستقامة هي أساس الدين كله، وأساس سعادة الإنسان في الدنيا، والآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الأنفال: ٢٩].
الثالث: إخلاص العمل لله، فمعرفة الحق فقط، لا تكفي للعبد، لابد من التجرد لله في طلبه، وشكره على معرفته، وطلب عونه في أدائه، وإبلاغه، فمن سعى لطلب الحق مخلصًا هداه الله إليه، وأعانه على أدائه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن أعرض عن إتباع الحق الذي يعلمه، فإن ذلك يورثه الجهل، والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥].
وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
الرابع: إظهار الافتقار إلى الله، والتضرع إليه، واللجوء إليه من أعظم الأسباب المعينة، على الإتباع لما جاء به النبي ﷺ من الهدى، والنور ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وكان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يفعل ذلك، ومن دعائه ﷺ : «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ
стр. 4429
وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ». أخرجه مسلم (١).
ومن دعائه ﷺ : «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نفِسي إِلَيكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ. وَفَوَّضتُ أَمري إِلَيْكَ، وَأَلَجَأْتُ ظَهرِي إِلَيْكَ، رغبةً ورهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلجأَ ولا مَنجي مِنْكَ إِلاَّ إِليكَ، آمنتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنزَلْت، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرسَلتَ، فإِنْ مِتَّ. مِتَّ على الفِطرةِ، واجْعَلهُنَّ آخِرَ ما تَتَكّلم به». متفق عليه (٢).
الخامس: من الوسائل المعينة على إتباع النبي ﷺ تعلم الأحكام الشرعية، من القرآن، والسنة، فالعمل بأحكام الإسلام فرع عن العلم بها، فلابد من العلم قبل القول، والعمل، كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
وقال الله : ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
فسماع القرآن، وتلاوته، وتدبره، من أعظم الأسباب المعينة على الإتباع، لما فيه من تقرير التوحيد، والإيمان، وأخبار الأنبياء، والرسل، وأحوال
стр. 4430
اليوم الآخر ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].
عن معاذ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَاللَّهُ الْمُعْطِي وَأَنَا الْقَاسِمُ، وَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ». متفق عليه (١).
عَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، وَعَلَّمَهُ». أخرجه البخاري (٢).
السادس: تدبر نصوص القرآن، والسنة، وفهم معانيها فهما مصدر تلقي الحق، والهدى، والسنة، والأحكام: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ [الإسراء: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وقد تكفل الله سبحانه بحفظ كتابه من التحريف، أو التبديل، أو الزيادة، أو النقصان؛ وذلك لأنه منهج الأمة إلى قيام الساعة، وقد تكفل به الحفيظ سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
стр. 4431
وكذلك قيد الله لسنة محمد ﷺ من يكتبها، ويحفظها، ويدافع عنها، ويخرج منها ما ليس منها؛ وذلك لأن القرآن، والسنة مصدر الأحكام، وطريق الاعتصام بالحق، والأمن من الزيغ، والضلال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ [الزخرف: ٤٣].
السابع: اتباع طريقة السلف في فهم النصوص الشرعية، وفى العلم، والعمل، فخير قرون هذه الأمة، وأفضلها، وأقربها إليه ﷺ ، فأصحاب النبي ﷺ أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه.
عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». متفق عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: «افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى، أَوْ اثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتْ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى، أَوْ اثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً». أخرجه الترمذي والحاكم (٢).
الفلاح والنجاة في فهم النصوص الشرعية من القرآن والسنة بفهم سلف الأمة فقط: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
стр. 4432
وعن ابن عمر ﵁ قال: «مَنْ كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بمن قد ماتَ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ». أخرجه أبو نعيم في الحلية بسند حسن (١).
الثامن: الصحبة الصالحة، صحبة الصالحين، والأخيار من أهل الإيمان، والتقوى، من أعظم الأسباب التي تعين المسلم على الإتباع، والتمسك، والعمل بما جاء به النبي ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
وقال : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]
وعن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إِنِّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ، وجَلِيسِ السُّوءِ، كَحامِلِ المِسْكِ، ونافِخِ الكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ، إِمَّا أنْ يَحْذِيَكَ، وإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، ونافِخُ الكِيرِ، إِمَّا أنْ يَحْرِقَ ثَيابَكَ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبيثَةً». متفق عليه (٢).
والصاحب ساحب، إما إلى خير، أو إلى شر، وإما إلى سنة، أو بدعة، وإما إلى تقوى، أو إلى فجور، وإما إلى جنة، أو نار.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبيُ ﷺ قال: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ». أخرجه أبو داود، والترمذي (٣).
стр. 4433
٨ - الخزانة الثامنة
الأصول والقواعد الشرعية:
مصادر الفقه الإسلامي:
١ - القرآن.
٢ - والسنة.
٣ - والإجماع.
٤ - والقياس.
فالقران والسنة هما أصل الأدلة الشرعية والإجماع هو اتفاق علماء الأمة على حكم شرعي مبني على الكتاب والسنة كالإجماع على وجوب الصلوات الخمس، ووجوب صوم رمضان ونحو ذلك.
والقياس هو إلحاق فرع بأصل لعلة تجمع بينهما.
مثاله: تحريم المخدرات قياس على تحريم الخمر لعلة الإسكار.
أقسام الإحكام الشرعية:
تنقسم الأحكام الشرعية إلى خمس أقسام:
الأول: هي الواجب وهو ما طلب الشرع فعله طلبًا جازم يثاب فاعله امتثالًا، ويستحق العقاب تاركه كالصلوات الخمس.
الثاني: المستحب وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازم يثاب فاعله امتثالًا ولا يُعاقب تاركه، كأنواع التطوع من صلاة وصيام وصدقات وأذكار، ونحوها ويسمى المندوب والمسنون والتطوع.
стр. 4434
الثالث: المحرم وهو ما طلب الشرع تركه طلبًا جازمًا ليثاب تركه امتثالًا ويستحق العقاب فاعله كالكفر والشرك والزنا والربا والظلم والبغي ونحو ذلك من الكبائر والمحرمات.
الرابع: المكروه وهو ما طلب الشرع تركه طلب غير جازم يثاب تركه امتثالًا ولا يُعاقب فاعله كالسدل في الصلاة ونحو ذلك.
الخامس: المباح وهو ما لا يتعلق بأمر ولا نهى لذاته وهو ما خير الله المسلم بين فعله وتركه لا ثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه كالأكل من أنواع الطيبات وصيد البر والبحر و أكل طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهن.
وقد ينوى بفعل المباح الاستعانة بها على طاعة الله فيُؤجر، وقد يتوصل بالمباح إلى الخير فيلحق في المأمورات، وقد يتوصل بالمباح إلى الشر فيُلحق بالمنهيات كما قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (١).
أقسام الأوامر الشرعية:
تنقسم الأوامر الشرعية من حيث الثبات والتغير إلى قسمين:
الأول: أحكام ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان ولا اجتهاد الأئمة مثل الأحكام الواردة بالنص من القرآن والسنة كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة شرعًا، وأركان الإسلام وغيرها.
الثاني: أحكام تتغير بحسب ابتغاء المصلحة لها زمانًا ومكانًا وحالاً، والمصالح والمنافع تتغير بتغير الزمان والمكان والحال مثل: العادات والأعراف، ومقادير التعذيرات.
стр. 4435
وهذه أحكام اجتهادية لا تستند مباشرة على نصٍ شرعي، بل مصدرها عرف أو مصلحة سكتت عنه النصوص الشرعية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وقال الله : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
حكم فعل الأوامر الشرعية:
أوامر الله مبنية على العدل والإحسان والسماحة والرحمة، فيؤدي العبد الأوامر منها بقدر استطاعته، ويجتنب المنهيات مطلقًا، كما قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ذروني ما ترَكتُكم فإنَّما هلَك الَّذينَ من قبلِكم بِكثرةِ مسائلِهم واختلافِهم على أنبيائِهم، ما نَهيتُكم عنهُ فاجتَنبوهُ وما أمرتُكم بِه فافعلوا منهُ ما استطعتُم». متفق عليه (١).
فقه أقوال النبي ﷺ وأفعاله:
إذا حث النبي ﷺ عن أمر أو نهى عنه ثم فعل خلافه فهو لبيان الجواز، لكنه يواظب على الأفضل منه.
ومثاله: حث النبي ﷺ على الوضوء ثلاثة، وتوضأ مرة أو مرتين، وزجر عن الشرب قائمًا، وشرب قائمًا، وطاف بالبيت ماشيًا وراكبًا، ومشى حافيًا ومنتعلاً، فهذه وأمثاله كله لبيان الجواز، لكن النبي ﷺ واظب على
стр. 4436
الأفضل منه وهو الوضوء ثلاثة، واشرب جالسًا، والطواف ماشيًا، والمشي منتعلاً.
والقول مُقدم على الفعل؛ لأن الفعل مظنة الخصوصية، أما القول فهو قطعيٌ للعموم.
أهم الأصول والقواعد الشرعية في الفقه الإسلامي:
أهم القواعد الشرعية أن اليقين لا يزول بالشك، ولا ستار في كل شيء إلا ما دل الدليل على نجاسته، والأصل براعة الذمة إلا بدليل، والأصل الإباحة إلا ما دل الدليل على نجاسته أو تحريمه، والأصل أن المشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تُقدر بقدرها وأن الواجبات لا تلزم إلا بعد العلم بها والتمكن من العمل بها.
وأنه لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة، وأن الواجبات الشرعية تلزم المُكلفين، وأن جميع الشروط في العبادات والمعاملات تعتبر حسب الإمكان، وأن درأ المفاسد مُقدم على جلب المصالح، ويُختار أعلى مصلحتين، ويُرتكب أخف المفسدتين عند التزاحم.
وأن الحكم يدور مع علته ثبوتًا وعدمًا، وأن الائتلافات تجب على المكلفين وغيرهم، والأصل في العبادات الحظر إلا ما دل الدليل عليه، والأصل في العادات والمعاملات الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه.
والأصل في الأوامر الشرعية الوجوب إلا إذا دل الدليل على الاستحباب أو الإباحة، والأصل في النواهي الشرعية التحريم إلا إذا دل الدليل على الكراهة، والأصل في المنافع الحلم، والأصل في النجاسات والمضار الحرمة.
стр. 4437
كل عبادة مركبة من أجزاء فإنه لابد فيها من أمرين:
الأول: الترتيب.
الثاني: الموالاة.
كالوضوء والصلاة والحج والعمرة وغيرها.
والفرق بين فرض الكفاية وفرض العين، أن فرض العين يتعلق بالعامل كالصلوات الخمس، والصوم ونحوهما، وفرض الكفاية يتعلق بالعمل المطلوب فعله كالآذان، وتجهيز الميت ونحوهما، فإذا قام بذلك أحد سقط الإثم عن الباقين.
شروط قبول الأعمال الصالحة:
أفعال النبي ﷺ ثلاثة أفعال:
الأول: الفعل الجبلي المحض الذي تقتضيه الطبيعة البشرية كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب، والنوم والسهر. فهذا لم يفعله ﷺ للتشريع والتأسي. فلا يقول أحد أقوم واقعد تقربًا إلى الله واقتداء بنبيّ ﷺ .
الثاني: الفعل التشريعي المحض كأفعال الصلاة، وأفعال الحج، ونحو ذلك من أحكام الشريعة. هذا وأمثاله قد فعله الرسول ﷺ من أجل التأسي به، ونفعله كما فعله ﷺ وهذا هو الغالب.
يجب علينا الاقتداء والتأسي بالنبي ﷺ في سيرته، وسريرته، وسنته.
الثالث: الفعل المُحتمل التشريعي والجبلي، وضابطه أن تكون الجبلة البشرية تقتضيه ولكنه وقع متعلقًا بعبادة، أو في وسيلتها، كالركوع في الحج، وجلسة الاستراحة في الصلاة، والرجوع في صلاة العيد من طريق أخرى، واضطجع على الجانب الأيمن بين ركعتي الفجر وصلاة الفجر، والنزول بالمحصب بعد النفر من منى في آخر أيام التشريق، ونحو ذلك.
стр. 4438
هذا وأمثاله محتمل للأمرين ولمن شاء فعله أو تركه، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
شروط قبول العمل الصالح:
العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون خالصًا لله لأن الله يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
الثاني: أن يكون موافقًا لما جاء به الرسول ﷺ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
الثالث: أن يكون فاعله مؤمنًا لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة، قبل الله العمل، وإذا اختل شرط منها بطل العمل، قال الله ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
стр. 4439
وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
آفات العمل الصالح:
يعرض للعامل إذا عمل عملاً صالحًا، كالصلاة، والصيام، والصدقات ونحو ذلك ثلاث آفات هي:
١ - رؤية العمل.
٢ - وطلب العوض عليه.
٣ - ورضاه به وسكونه إليه.
فالذي يخلص العبد من رؤية عمله، مطالعته لمنة الله عليه، وتوفيقه له، وأنه من الله وبه، لا من العبد كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
والذي يخلصه من طلب العوض عليه، علمه بأنه عبد محض مملوكٌ لسيده، لا يستحق على الخدمة أُجرة، فإن أعطاه سيدُه شيء من الأجر، هو إحسان وإنعام من سيده. لا عوضًا عن العمل.
والذي يخلصه من رضاه عن العمل والسكون إليه، مطالعة عيوب نفسه وتقصيره في نيته، وعمله، وما فيه من حظ النفس والشيطان، وعلمه العظيم بحق الله وأن العبد اعجز واضعف من أن يقوم به على الوجه الأكمل، نسأل الله الإخلاص والعون والاستقامة وحسن العبادة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥]
стр. 4440
حفظ العمل الصالح:
ليس الشأن في أداء العمل الصالح فحسب، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده، ويحبطه، إذا تم فعله. فالرياء وإن دق مفسد للعمل، وله أبواب كثيرة لا تُحصى. وكون العمل غير مقيدٍ بإتباع السنة، محبط للعمل. والمن به على الله بقلبه مفسدٌ له. وهذا الخلق مُنقص له. وتعمد مخالفة أوامر الله والاستهانة بها، مبطل له ونحو ذلك مما يهدم بنيان العمل الصالح ويقود أركانه. فانتبه لنفسك أيها العبد المسلم واعبد ربك الملك الحق الذي يراك، ويسمعك كما يليق بجلال وجهه وعظمته وكبرياءه ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
واعلم أن العمل الصالح ينطلق منك عملاً ويرجع إليك ثوابًا: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
والعمل السيئ ينطلق منك عملاً ويرجع إليك عقابًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
الصفات التي تُؤدَى بها الأعمال:
أهمية النية:
النية في الشرع هي العزم إلى فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى، والنية شرطٌ لصحة العمل وقبوله وأجزاءه، ومحلها القلب وهي لازمة في كل عمل لقوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (١).
стр. 4441
والنية في قبول العمل، كالروح في الأجساد لبقاء الحياة، فلا حياة لجسدٍ بلا روح، ولا قبول لعملٍ بلا نية ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
وتنقسم النية إلى قسمين:
الأول: نية العمل: بأن ينوي المسلم الوضوء والغُسل، أو الصلاة مثلًا.
الثاني: نية المعمول له: وهو الله وهو الغسل، أو الصلاة، وغيرها. تقرباٌ لله وحده. وهذه أهم من الأولى وكلاهما لازمٌ في كل عمل: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
وقال الله : ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].
معنى الإخلاص:
الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن بتصفية العمل لله عن ملاحظة المخلوقين، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره، وإذا أخلص العبد، اجتباه ربه، و أحيا قلبه، وقربه إليه. وحبب إليه الطاعات، وكره إليه المعاصي.
بخلاف القلب الذي لم يخلص، فان فيه طلبًا وشوقًا وإرادة، تارةً إلى الرئاسة، وتارةً إلى الشهرة، وتارةً إلى الدرهم والدينار ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
стр. 4442
حكم الإيثار:
الإيثار ثلاث أقسام:
الأول: إيثار ممنوع: وهو أن تؤثر غيرك ممن يجب عليك شرعًا كما لو كان الوضوء الذي لا يكفي إلا لواحد، فهذا لا يجوز أن تؤثر به غيرك، لأنه يستلزم إسقاط الواجب عنك.
الثاني: إيثار مباح: كالإيثار في الأمور المستحبة، كأن تؤثره في الصف الأول الذي أنت فيه وهذا تركه أولى إلا لمصلحة كما لو كان أباك.
الثالث: إيثار مستحب: كأن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدِ، كما لو أثرته بطعام وأنت جائع، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
стр. 4443
٩ - الخزانة التاسعة
الصفات التي تؤدى بها الأعمال الصالحة:
كل عملٍ لا بد له من صفات يؤدى به ليكون صالحًا مثمرًا مقبولًا عند الله سواء كان من العبادات كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج وغيرها، أو كان من المعاملات كالبيع، والتجارة، والصلح، والوكالة، وغيرها.
أو كان من الآداب، أو المعاشرات، أو الأذكار، أو الأدعية، وغيرها من أوامر الله ، كالدعوة إلى الله، وتعليم شرعه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأهم الصفات التي يجب توفرها في كل عمل ليكون مثمرًا مقبولًا. ما يلي:
الأول: اليقين بأن هذا العمل الذي أمرنا الله ورسوله به فيه فقط قضاء حاجاتنا، وفوزنا، ونجاتنا، وفلاحنا في الدنيا والآخرة، بلا ريب: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
الثاني: إخلاص العمل لله وحده لا شريك له؛ لأنه هو الذي خلقنا وهدانا وأعاننا عليه، وهو الذي يثبتنا عليه، ويثيبنا عليه ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال : ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].
وأعمال الدين غالية، لا يستطيع أحدٌ أن يدفع قيمتها إلا الله وحده، فكل من في السموات والأرض لا يستطيعون أن يعطوا أحدًا، ثواب تسبيحةٍ واحدة. فأخلص العمل لمن وعدك بأجره وهو الله وحده، لا شريك له ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ
стр. 4444
وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٤].
الثالث: إتباعه الرسول ﷺ في كل عمل بأن نفعله كما فعله الرسول ﷺ ، ونستحضره لو كان النبي ﷺ حاضرًا أو في مكاني ماذا سيفعل في هذه الحال فأفعله إن علمت به أو إن جهلت سأسأل من يعلمه.
الرابع: استحضار فضيلة العمل، فالأعمال الصالحة ثقيلة: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥].
وإذا عرفنا فضائلها سهل القيام بها، والمداومة عليها، والإكثار منها، والدعوة إليها ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
الخامس: استحضار فضيلة العمل الصالح، فنعرف فضيلة الذكر، والصوم، والحج، والدعوة إلى الله، وصلة الرحم، وغيرها من أعمال البر ليسهل القيام بها، والمداومة عليها.
سادسًا: الإحسان بأن نؤدي العبادات بصفة الإحسان، بأن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فهو يراك، فنستحضر أن الله يرانا ويسمع كلامنا، ويعلم أحوالنا، ويراقب تصرفاتنا، وأنه قادرٌ على قضاء حوائجنا، وأنه سوف يستجيب دعائنا.
العبد حق من عمل لله في الخلوة، أو مع الناس، على حدٍ سواء، وتوجه إلى ربه وحده بقلبه وقالبه، ولم يلتفت إلى أحدٍ سواه. ومن أحسن عمله لله بحضرة الناس، وأساء عمله في الخلوة فقد استحضر عظمة المخلوق
стр. 4445
للخالق، وهذا هو النفاق: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
السابع: المجاهدة، فلنجاهد أنفسنا لنسارع إلى كل عمل صالح، ونفطم أنفسنا مما تحب وتريد، إلى ما يحبه الله ويريده. ونبذل كل ما نملك من أجل رضا الله، وفعل ما يحب، واجتناب ما يكره. فالعبد حقًا من قدم مراد الله إلى مراد نفسه، وقدم ما يحبه الله على ما يحبه نفسه.
فمن وفقه الله لهذا فهو المجاهد حقًا الذي وعده الله بالهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وإذا قمنا بالأعمال بهذه الصفات الحسنة، انتشر العلم والعمل والصفات الطيبة، وإذا قمنا بالعلم والعمل بدون هذه الصفات، انتشر العلم والعمل بدون الصفات، وكثر الجدل والخلاف. وطلب الرخص والكسل والرياء وهبت الفتن، وانتشرت الفرق والأحزاب: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
ومن قام بالعمل بهذه الصفات، حصل على موعودات الله في الدنيا والآخرة. ومن قام بالعمل وقد أخلّ بإحدى هذه الصفات، لم يحصل على الموعود من العمل، ولم ينجو من الخسارة إلا من أكمل وسائل النجاة أربعة كما قال -سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
стр. 4446
حقيقة الرسالة:
أرسل الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ رحمة بالعالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
فمحمدٌ ﷺ رحمة للعالمين كلهم؛ لأنه جاءهم بما يسعدهم في الدنيا والآخرة، فمن آمن به نال هذا الخير، ومن لم يؤمن به فهو الذي حرم نفسه، وضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى المبسوطة لكل أحد، ولو فجر الله عينًا للخلق غزيرة الماء سهلة التناول، فمن سقى نفسه ومواشيه وزرعه بمائها صلحت حاله وتتابعت عليه النعم، ومن فرط وكسل عن العمل ضيع نصيبه من تلك العين، فقد حرم نفسه من منافع تلك العين، فساءت حاله؛ لأنه حرمها مما ينفعها، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩].
وقال : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١].
وأفضل الخلق على الإطلاق هو سيد الخلق سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ ، وقد ذكر الله من أسماء النبي ﷺ في القرآن اسمين هما محمد وأحمد، والفرق بينهما في الصيغة أن اسم محمد اسم مفعول يعني محمود، وأحمد تفضيل، والفرق بينهما في المعنى في محمد الفعل واقعًا من الناس، أي الناس يحمدونه لكمال صفاته وأخلاقه.
وفي أحمد يكون الفعل واقعًا منه ﷺ فهو ﷺ أحمد الناس لله -تَعَالَى-، وهو أحق الناس أن يحمد ولعل هذا هو السر في أن الله ألهم عيسى أن يقول أحمد لبني إسرائيل لأنه أحمد الناس لله - تعالى-، وهو أحق الناس
стр. 4447
بالحمد، كما قال : ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦].
فصلوات الله وسلامه عليه، وأفضل صيغة للصلاة على النبي ﷺ هي ما علمه أصحابه في الصلاة عليه والسلام عليه، وهي: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». متفق عليه (١).
أما السلام فيقول كما جاء عن النبي ﷺ في تشهد الصلاة السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وأما الصلاة فيصل عليه وعلى آله وأزواجه و ذريته وأتباعه إلى يوم القيامة، فإن الآل تطلق على الأتباع.
ورسول الله ﷺ أرسله ربه رحمة للعالمين، لقد كان ﷺ أرحم الخلق بالخلق، وأشفق الخلق على الخلق وأرحمهم لهم، فقد كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله لئلا يعمل به الناس فيفرغ عليهم فيشق عليهم، ومن ذلك ترك قيام رمضان جماعة في المسجد لئلا يفرض على الأمة، وترك تأخير صلاة العشاء لوقتها الأفضل، والوصال لئلا يشق على الأمة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا». متفق عليه (٢).
стр. 4448
فسبحان من خص رسوله ﷺ بالأقوال الحسنة والأعمال الصالحة والأخلاق الكريمة، وقد خص الله رسوله محمد ﷺ بأشياء ففرض عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرّم عليه أشياء لم تحرّم على الأمة، وأُحِل له أشياء لم تحل للأمة، فأما ما فُرِضَ عليه فالتهجد بالليل والوتر، والسواك وقضاء دين من مات معسرًا وإذا عمل عملاً أثبته، وإنكار المنكر إذا رآه، وتخيير النساء.
وأما ما حُرِمَ عليه فمن ذلك تحريم الزكاة عليه وعلى آله، وتحريم صدقة التطوع عليه، وخائنة الأعين وهي أن يُظْهِر خلاف ما يبطن، وحرام عليه إذا لبس لأمة الحرب أن يخلعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، وأكل الأطعمة الكريه الرائحة، التبدل بأزواجه، وقول الشعر وتعليمه، وأن يمُد عينه إلى ما متّع به الناس من الأزواج والأولاد: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١].
وأما ما أحُل له خُمس الخُمس، والوصال، والزيادة على أربع نسوة، والنكاح بلفظ الهبة، والنكاح بغير ولي، والنكاح بغير صداق، وسقوط القسم بين الأزواج عليه، ولكنه ﷺ كان أحسن الناس عدلًا وقسمًا، ومما أُحل له القتال في مكة، وأنه لا يُرَث وبقاء زوجيته بعد وفاته، ولا تنكح أزواجه من بعده فهذا من خصائصه ﷺ .
стр. 4449
١٠ - الخزانة العاشرة
فضل هذه الأمة:
هذه الأمة خير أمةٍ أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمن بالله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
فهذه الأمة أفضل الأمم، كما أن النبي ﷺ أفضل الأنبياء والرسل، فهذه الأمة أفضل من بني إسرائيل، فقد ابتلى الله أصحاب النبي ﷺ بالخوف، وابتلاهم بطمع، وابتلى بني إسرائيل بخوف وابتلاهم بطمع، فاستجاب أصحاب النبي ﷺ له ﷺ ولم يستجب بنو إسرائيل لأنبيائهم ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
والابتلاء الذي يظهر به الفضل وعدمه إنما يكون بخوف أو طمع، فابتلي الصحابة في بدر بخوف من عدوهم فصبروا وثبتوا؛ فنصروا: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال: ٢٦].
وابتلي بنو إسرائيل بخوف من الجبارين فجبنوا وخافوا وعوقبوا بالتيه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا