فقه الأحكام الشرعية
الحكم الشرعي: هو ما دَلَّ عليه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المُكلفين من طلبٍ، أو تخييرٍ، أو وضع.
فالطلب نوعان:
فعلٌ .. وتركٌ.
فطلب الفعل: هو الواجب والمُستحب، وطلب الترك: هو المُحرم والمكروه، والتخيير: هو المُباح الذي يستوي فعله وتركه.
والوضع ما وضعه الشارع سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا له.
أقسام الأحكام الشرعية:
الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين:
الأول: أحكامٌ تكليفية
الثاني: أحكام وضعية
والأحكام التكليفية خمسة أنواع:
١ - الواجب.
٢ - والمندوب.
٣ - والمُحرم.
٤ - والمكروه.
٥ - والمُباح.
والأحكام الوضعية سبعة:
١ - السببُ.
٢ - والشرطُ.
٣ - والمانعُ.
стр. 4624
٤ - والصحةُ.
٥ - والفسادُ.
٦ - والرخصةُ.
٧ - والعزيمة.
وهذا بيانٌ للأحكام التكليفية:
١ - الأول: الواجب، والواجب: هو ما يُثاب فاعله امتثالًا، ويستحق العقاب تاركه، مثاله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣].
وأقسام الواجب ثلاثة:
القسم الأول: باعتبار الوقت، وهو قسمان:
الأول: واجب موسع: وهو ما كان وقته متسعاً له ولغيره من جنسه.
مثاله: أوقات الصلاة، فإن أوقاتها مُتسعة للفرائض، والنوافل.
الثاني: واجبٌ مُضيق: وهو ما كان وقته لا يتسع لغيره من جنسه.
مثاله: صوم رمضان فهو شهر واحد لصيام رمضان، لا يتسع لصيام آخر معه.
القسم الثاني: باعتبار المُكلف، وهو قسمان:
الأول: واجب عيني: وهو ما طلب الشارع من كل واحدٍ من المُكلفين فعله بعينه، مثل: الصلوات الخمس، والصيام، والحج، والدعوة إلى الله، ونحو ذلك فهذا يجب على كل فردٍ مُكلف أن يأتي به: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثاني: واجبٌ كفائي: وهو ما طلب الشارع من المُكلفين فعله، وإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقيين، وإذا لم يقم به أحدٌ أثموا جميعًا.
стр. 4625
مثاله: الجهاد في سبيل الله، وتعليم الناس أمور دينهم، وإفتاء الناس فيما يُشكِل عليهم، والأذان، والقضاء بين الناس، ونحو ذلك، فإذا قام بذلك من يكفي سقط الإثم عن الباقيين.
القسم الثالث: باعتبار المُكلف به، وهو قسمان:
الأول: واجبٌ معين: وهو ما طلب الشارع من المُكلف فعله بعينه، مثل: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، ونحوها، فهذه عبادات أمر الله المُكلف أن يأتي بها بعينها، ولا يجوز أن يأتي ببدل عنها.
الثاني: واجب مُخيَّر: وهو ما طلب الشارع من المُكلف أن يأتي بأمر واحد من أمور معينة.
مثاله: كفارة اليمين، وفدية الأذى، ونحوهما، فالواجب على المُكلف أن يأتي بواحدٍ من كفارة اليمين، أو فِدية الأذى، وتبرأ ذمته.
٢ - الثاني: المندوب: وهو ما يُثاب فاعله امتثالًا، ولا يُعاقب تاركه.
مثاله: كتابة الدين، فإن الله أمر به ثم قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
فدلَّ على أن الأمر بالكتابةِ للندب لا للوجوب.
٣ - الثالث: المُحرم: وهو ما يُثاب تاركه امتثالًا، ويستحق العقاب فاعله، مثاله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
٤ - الرابع: المكروه: وهو ما يُثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله.
مثاله: كراهة الشرب قائمة.
٥ - الخامس: المُباح: وهو ما خيّر الشارع بين فعله وتركه، مثل: إباحة الطيبات كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
стр. 4626
وقال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]
فهذا الأمر فيه للإباحة.
فهذه أقسام الأحكام التكليفية.
والأحكام الوضعية سبعة وهي:
السببُ، والشرطُ، والمانعُ، والصحةُ، والفساد، والرُخصة، والعزيمة، وهذا بيان للأحكام الوضعية.
الحكم الوضعي: هو ما دلَّ عليه خطاب الشرع بجعل الشيء سببًا لشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا له، أو كونه صحيحًا، أو فاسدًا، أو رُخصةٌ، أو عزيمة، فالحكمُ يوجد بوجود سببه، وتوفر شرطه، وانتفاء مانعه، وينتفي بضد ذلك.
أقسام الحكم الوضعي:
الحكم الوضعي سبعة أقسام:
الأول: السبب: وهو ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته، فإذا وجد السبب، وجد الحُكم، وإذا تخلف السبب بطل.
مثاله: الوقت فقد جعله الله سببًا لوجوب إقامة الصلاة، فإذا دخل الوقت وجب إقامة الصلاة المفروضة، وإذا لم يدخل الوقت لم يصح الفعل.
الثاني: الشرط: وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
مثاله: الطهارة للصلاة شرطٌ لصحتها، فإذا انعدمت الطهارة لم تصح الصلاة، وإذا وُجدت الطهارة لا يلزم من وجودها وجود الصلاة.
стр. 4627
الثالث: المانع: وهو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود.
ومثاله: الحدث مانعٌ من صحة الصلاة، ولا يلزم من عدم الحدث وجود الصلاة.
الرابع: الصحة: وهو ما ترتبت آثار فعلية عليه، سواءً كان في العبادات، أو المعاملات.
فالصحيح من العبادات كل عبادة أداها المُكلف امتثالًا لأمر الشارع، تامة الشروط، منتفية الموانع.
مثاله: أن يؤدي المسلم صلاة المغرب في وقتها، تامة الشروط، والواجبات، والأركان.
والصحيح من المعاملات، والعقود، ما ترتب الأثر المقصود من العقد عليه، ولا يكون العقد صحيحًا إلا بتمام شروطه، وانتفاء موانعه.
مثاله: أن يشتري بيتًا بماله، فيُباحُ له التصرف فيه، والانتفاع به.
الخامس: الفساد: وهو ما لا تترتب آثار فعله عليه في العبادات، والمعاملات، فالفاسد من العبادات كل عبادة أداها المُكلف على وجهٍ غير موافق للشرع.
مثاله: أن يصلي العصر في غير وقتها، أو من غير وضوء، أو لغير القبلة، فلا تصح، وعليه إعادتها بشروطها.
والفاسد من المعاملات والعقود كل ما لا يترتب الأثر المقصود من العقد عليه، بأن يفعله غير تام الشروط، أو مع وجود بعض موانع صحته.
مثاله: أن يشتري سيارة بغير رضا صاحبها، فلا يصح البيع، ولا يُباح له الانتفاع بها، ويحرم على المسلم أن يفعل العبادات، والمعاملات،
стр. 4628
والعقود الفاسدة، لأن ذلك من تعدي حدود الله، واتخاذ آيات الله هزوًا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعن عائشة ﵂ «قَالَتْ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةً، حَمِدَ اللَّهَ، وَأثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ». متفق عليه (١).
السادس: العزيمة: وهي الحُكم الشرعي الثابت بدليلٍ شرعي خالٍ عن معارض.
مثاله: الصلوات الخمس في أوقاتها، وصوم رمضان للمُقيم، وجواز البيع، وتحريم الخمر، ونحو ذلك.
والعمل بالعزيمة واجب، لأنها الأصل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
السابع: الرُخصة: وهي ما ثبت على خلاف دليل شرعي، لمعارض راجح.
مثالها: قصر الصلاة الرباعية في السفر، وإباحة أكل الميتة للمضطر، وجواز المسح على الخُفين، ونحو ذلك.
وأسباب الرُخصة سبعة:
الأول: السفر: كقصر الصلاة الرباعية في السفر.
стр. 4629
الثاني: المرض: كالتيمم عند المرض.
الثالث: الإكراه: كالعفو عن التلفظ بكلمة الكُفرِ مع اطمئنان القلبِ بالإيمان عند الإكراه.
الرابع: الجهل: كمن شرب الخمر جاهلًا بحكمها، يدرأ عنه عقوبتها جهله بحكمها.
الخامس: العُذر، وعموم البلوى، كالصلاة مع وجود نجاسة لا يمكن التخلص منها.
السادس: النسيان: كمن شرب أو أكل وهو صائم ناسيًا.
السابع: النقص: كعدم تكليف الصغير، والمجنون، لعدم البلوغ، والأهلية.
فقه المُطلق والمُقيد:
المُطلق: ما دلَّ على الحقيقة بلا قيد.
مثاله: الجمل، الماء، الكتاب، ونحو ذلك.
والمقيد: ما دلَّ على الحقيقة بقيد.
مثاله: الجمل الأسود، الماء الكثير، الكتاب الأخضر.
أحوال المُطلق والمُقيد في الشريعة:
إذا ورد النص الشرعي مطلقًا في موضع، ومقيدًا في موضع فله أربعة أحوال:
الأول: أن يتحد الحكم والسبب، فيجب حمل المُطلق على المُقيد.
مثاله: لفظ الدم ورد مُطلقًا في قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].
стр. 4630
وورد مُقيدًا في قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
فالحُكمُ مُتحد، وهو التحريم، والسبب متحد وهو الضرر، فيجب حمل المُطلق على المُقيد، فيحرم الدم المسفوح دون الباقي في العروقِ، والكيد ونحوهما بعد الذبح.
الثاني: أن يختلف الحُكم والسبب، فلا يُحمل المُطلق على المُقيد.
مثاله: لفظ اليد، وردت مُطلقة في السرقة في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
ووردت مُقيدة في الوضوء في قوله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
فالحُكم مختلف، ففي الأولى وجوب القطع، وفي الثانية وجوب الغسل، والسبب مُختلف، فالأولى في السرقة، والثانية في الوضوء، فلا يُحمل المُطلق على المُقيد، وبَيَّنت السنة أن القطع من مفصل الكف.
الثالث: أن يتحد الحكم، ويختلف السبب، فيُحمل المُطلق على المُقيد.
مثاله: الرقبة في كفارة الظهار، جاءت مُطلقة كما قال سبحانه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
ووردت مُقيدة في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]
فالحكم واحد، وهو تحرير رقبة، والسبب مُختلف في الأولى في الظهار، وفي الثانية في القتل، فيُقيد المُطلق في كفارة الظهار بالمُقيد في كفارة القتل، ويُشترط الإيمان في تحرير الرقبة.
الرابع: أن يتحد السبب، ويختلف الحُكم، فلا يُحمل المُطلق على المُقيد.
стр. 4631
مثاله: غسل اليد ومسحها، ورد مسح الأيدي مطلقًا في التيمم في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وورد مُقيد في آية الوضوء في قول : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
فالسبب مُتحد، وهو التطهر، والحكم مختلف، ففي الأول تيمم، وفي الثاني الوضوء، فلا يُحمل المُطلق على المُقيد، ويكون لكل حالة حُكمها.
فقه العام والخاص:
العام هو اللفظ المُستغرق لجميع أفراده بلا حصر.
مثاله: الرسول، البر، الرقبة، وصيغ العموم مثل: كل، جميع، كافة، عامة، وأسماء الشرط مثل: مَنْ، والأسماء الموصولة مثل: الذي، اللذين، إلى آخره، والمُعرف ب ال، والنكرة في سياق الشرط مثل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦].
وسياق النهي: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
والنفي مثل: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
أقسام العام:
ينقسم اللفظ العام من حيث الدلالة إلى ثلاثة أقسام:
عامٌ يُراد به العموم مثل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
الثاني: عامٌ يُراد به الخصوص مثل ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
فلفظ الناس عامٌ، ومخصوص بغير المُكلفين: كالأطفالِ، والمجانين.
стр. 4632
الثالث: عامٌ ومخصوص: وهو العام الذي يقبل التخصيص، وهذا غالب العمومات التي في الكتابِ، والسنة، ويجب العمل بلفظ العام، حتى يثبت تخصيصه.
والخاص: هو تفرد الشيء بما لا يشاركه فيه غيره، وهو كل لفظ وُضع لمعنى واحد على الانفراد، مثاله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فالآية عامة خُصت بقوله سبحانه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
والتخصيص بالنص الشرعي له أربع حالات:
الأولى: تخصيص القرآن بالقرآن، مثل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].
خُصصِت بقوله سبحانه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].
فيجوز نكاح نساء أهل الكتاب.
الثانية: تخصيص القرآن بالسنة، مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].
خُصصت بقوله ﷺ في البحر: «هو الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ». أخرجه الترمذي والنسائي بسندٍ صحيح (١).
الثالثة: تخصيص السُنة بالسُنة، مثل قول الرسول ﷺ : «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ». متفق عليه (٢).
خُصَّ بقول النبي ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». متفق عليه (٣).
стр. 4633
الرابعة: تخصيص السنة بالكتاب، مثل قول النبي ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّي رَسُولُ اللهِ». متفق عليه (١).
فهذا عام خُصِصَّ بقول سبحانه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].
فقه: الأمر والنهي:
الأمر: طلب الفعل، والنهي: طلب الترك.
الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء.
وصيغة الأمر لها حالتان:
الأولى: أن يكون الأمر مقترنًا بما يدلُ على أنه للوجوب أو لغيره.
مثاله: الوجوب كقول سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النور: ٥٦].
والاستحباب أن يقترن الأمر بما يدل على أنه للاستحباب.
مثال: قوله ﷺ : «لوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ». متفق عليه (٢).
الثانية: أن يرد الأمر مطلقًا مجردًا من القرائن، فهو الوجوب، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
والنهي هو: القول الدال على طلب الكف الفعلي على جهة الاستعلاء.
وصيغ النهي مثل: لا تفعل، وأن يوصف الفعل بالتحريم، أو الحذر، أو القُبح، أو نفي الحل، أو الأمر الدال على الترك، وذم فاعله، أو يترتب على فعله عقاب ونحو ذلك.
стр. 4634
والنهي يقتضي التحريم، والفساد، إذا تجرد عن القرائن كما قال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
حكم القياس:
أدلة الشرع أربعة:
١ - الكتابُ.
٢ - والسنة.
٣ - والإجماعُ.
٤ - والقياس.
والقياس: إلحاق فرعٍ بأصلٍ لعلةٍ بينهما.
ومثال القياس: كقياس النبيذ على الخمر في التحريم، لعلة الإسكار، وقياس الأرز على البر في إخراج زكاة الفطر؛ لعلة القوت والادخار، ونحو ذلك.
وأركان القياس أربعة:
١ - الأصل المقيس عليه: كالخمر.
٢ - والعلة الجامعة بينهما وهي: الإسكار.
٣ - والفرع المقيس: كالنبيذ.
٤ - وحكم الأصل، وهي: التحريم.
والجامع بين الفرع والأصل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: قياس العلة: كقياس الأرز على البر في زكاة الفطر؛ لعلة القوتِ، والطُعمِ، والكيلِ، والادخار.
الثاني: قياس الدلالة، وضابطة أن يكون الجمع فيه بدليل العلة لا بنفس العلة: كإلحاق النبيذِ بالخمر بجامع الشدة المُطربة، وقياس القتل بمثقلٍ
стр. 4635
عمدًا على القتل بمحدد بجامع الإثم، وقطع الجماعة في السرقة بالواحد كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم في غير العمد.
الثالث: قياس الشبة: كالعبد الرقيق، لأنه متردد بين أصلين، فهو يشبه المال؛ لكونه يُباع، ويُشترى، ويوهب، ويشبه الحر؛ لكونه إنسانًا ينكح، ويُطلق، ويُثاب، ويُعاقب، لكن شبهه بالمال أكثر من شبهه بالحر، فيلحق في الأحكام بالأموال؛ لأنه يشبه المال في الحُكم، والصفة.
والقياسُ هو: العدل والميزان الذي ذكره الله في كتابه بقوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
والقياسُ ينقسم إلى قسمين:
الأول: قياسٌ صحيح، وهو: الميزان الذي أنزله الله مع كتابه كما سبق.
الثاني: قياسٌ فاسد، وهو: ما يُضاد القياس الصحيح، كقياس الميتة على المذكاة؛ لما يشتركان فيه من إزهاق الروح، هذا بفعل الله، وهذا بفعل الآدمي، وقياس الربا على البيع؛ لما يشتركان فيه من التراضي، هذا كله قياسٌ باطل مذموم فاسد: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
стр. 4636
فقه الغفلة
الغفلة ضد الذِكر، والغفلة هي الشرود عن الشيء، وخروجه عن الذهنِ؛ للاشتغال بغيره، وإذا غفل الإنسان فاته مطلوبه، ووقع في الخطأ، والله لا يغفل أبدًا، فعلمه محيط بكل خلقه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
فالله سبحانه سميعٌ بصيرٌ عليم، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء لا يغفل عما يفعله الظلمة، ولكنه يُمهل ولا يُهمِل؛ لعلهم يتوبون أو ليزدادوا إثمًا؛ ولتكون عقوبتهم أشد يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].
فكل ما يعمله الكُفار والظلمة والطغاة مدخره الله لهم، ومُجازيهم عليه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١]
وليس الله بغافل عما يعمله المسلمون من الخير والحسنات، فهو مدخرة لهم، ومُجازيهم عليه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
стр. 4637
فجميع الأعمال خيرها وشرها، تُحفظ عند الله، ويُجازي بها أهلها يوم القيامة، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٣].
وأعظم أنواع الغفلة: الغفلة عن الله ﷻ ، والغفلة عن أوامر الله، والغفلة عن اليوم الآخر: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
стр. 4638
٢ - الخزانة الثانية
فقه القواعد الكلية الشرعية
القاعدة الأولى: اليقينُ لا يزول بالشك.
هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه الإسلامي، وتُعد مظهرًا من مظاهر اليُسر والرحمة في الإسلام؛ لما فيها من رفع الحرج الذي ينشأ عن الوسواس خاصة في باب الطهارة، والصلاة.
واليقين هو: العلم الجازم المستقر في القلب الذي لا يقبل الشك.
والشك هو: الأمر الذي استوي طرفاه في القلب، فإذا ترجح أحدهما ولم يُطرح الآخر فهو الظن، فإذا طرحه فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين، وإذا لم يطرحه فالمرجوحُ وهم.
واليقين أعلى مراتب الدين، وهو ثمرة الفقه في الدين، والدعوة إلى الله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
حُكم الشك:
الشك هو: التردد بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.
ومحل الشك: إما أن يكون في وجود الشيء وعدم وجوده، وإما أن يكون في جنسه من أي جنس هو، وإما أن يكون في بعض صفاته، وإما أن يكون في سبب وجوده.
ومما له صلة بالشك: الاشتباه، والوسوسة.
فالاشتباه: الالتباس في أمرٍ من الأمور، وعدم اتضاحه: كعدم تيقن الحُكم كونه حلالًا أو حرامًا، ويُعد الشك سببًا من أسباب الاشتباه.
стр. 4639
والوسوسة مرضٌ في القلب، بأن ينشغل القلب بفكرة تُسيطر على العقل، فتحمله على أعمالٍ خرقاء خارجة عن المألوف.
أدلة قاعدة اليقين لا يزول بالشك:
اليقين لا يزول بالشك؛ لأن اليقين أقوى من الشك؛ لأن في اليقين حُكمًا قطعيًا جازمًا لا ينهزم بالشك، والشك لا يقوى على إزالة اليقين، فالعلم ضد الجهل، واليقين ضد الشك، وهذه القاعدة تستندُ إلى أدلة شرعية منها: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؛ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أخرجه مسلم (١).
أصولٌ عامة:
الأصل ما ثبت بدليلٍ شرعي يُعمل به، ومن ذلك.
أولاً: الأصل في المياه الطهارة: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨].
ثانيًا: الأصلُ في الأرضِ وما تولد فيها الطهارة، كما قال النبي ﷺ : «وَجُعِلَتْ لِي اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». متفق عليه (٢).
فروع قاعدة اليقين لا يزول بالشك:
يتفرع عن هذه القاعدة الكُبرى عدة قواعد منها:
أولًا: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فما كان حلالًا يبقى حلالًا إلا أن يرد دليلٌ على الحُرمة، وما كان طاهرًا يبقى طاهرًا إلا أن يرد دليلٌ يُفيد النجاسة.
ثانيًا: الأصلُ براءة الذمة، فالأصلُ في ذمم الناس فراغها من جميع أنواع التحمل إلا أن يثبت ذلك بدليل، فالبينة على المُدعي، واليمينُ على من أنكر.
ثالثًا: الأصل في الأمور العارضة: العدم، فالصفات الطارئة على الشيء يُحكم بعدمها إلا أن يثبُت دليل الوجود: كالعيب في المبيع.
رابعًا: لا يُنسب إلى ساكتٍ قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان: كسكوت المُتصدق عليه، وسكوت المدين عند إبراء الدائن له.
خامسًا: إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، فإذا حصل اختلاف في زمن حدوث الشيء نُسِب إلى أقرب الأوقات للحال؛ لأنه يقين، ويُترك الأبعد لأنه شك.
سادسًا: لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل، فكل حجة فيها احتمال مستند إلى دليل يجعلها غير معتبرة فهي باطلة، فلا تُقبل شهادة الأصول والفروع بغضهم لبعض؛ لتمكن التهمة الناشئة عن القرابة.
سابعًا: لا عبرة بالدلالة مع، وجود التصريح؛ لأن دلالة التصريح يقينية، ودلالة القرائن محل شك، فالتصريح مُقدمٌ على الدلالة عند التعارض؛ لأنه أقوى منها.
стр. 4643
القاعدة الثانية: قاعدة الضرر يُزال.
هذه القاعدة من أهم القواعد الفقهية، ولعلها تدخل في نصف الفقه الإسلامي؛ لأن الأحكام إما لجلب مصلحة، أو لدفع مضرة، ويدخل فيها ما يتعلق بالضروريات الخمس، ويدخل فيها كثيرٌ من القواعد الفرعية: كالضرر يُزال بقدر الاستطاعة، بقدر الإمكان، والضرر لا يُزال بمثله، والضرر الإخلال بمصلحةٍ مشروعة لنفسه أو لغيره؛ تعديًا أو تعسفًا أو إهمالًا، فيجب إزالته ورفعه عن النفس و الغير.
ويجب رفع الضرر قبل وقوعه وبعده، فإذا وقع وجبت إزالته، وترميم آثاره، فشُرِع الجهاد في سبيل الله؛ لدفع ضرر العدو، ووجبت العقوبة؛ للقصاص والحدود، لقمع الإجرام، وشُرعت الشُفعة، لدفع ضرر الجار أو الشريك.
والضرر: إلحاق مفسدة بالغير مطلقة، والضرار: إلحاق مفسدة بالغير على وجه المُقابلة.
تأصيل قاعدة الضرر يُزال:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١].
وقال الله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». أخرجه أحمد وابن ماجة (١).
وقال النبي ﷺ : «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا». متفق عليه (٢).
стр. 4644
إعمال قاعدة الضرر يُزال:
يُشترط لإعمال هذه القاعدة ما يلي:
أولًا: أن يكون الضرر مُحققًا في الحال أو المستقبل.
ثانيًا: أن يكون الضرر فاحشًا.
ثالثًا: أن يكون الضرر بغير حق؛ بالتعدي، والتعسف، والإهمال.
رابعًا: أن يكون الضرر مخلًا بمصلحة مشروعة، فيجب إزالة الضرر قبل وقوعه، وإزالة الضرر بعد وقوعه، فيجب سد الذرائع المؤدية إلى المضار، وقاية من حصول الضرر، كمنع السفيه من التصرف في ماله وتجب إزالة الضرر بعد وقوعه؛ لأن الضرر ظلمٌ يجب إزالته.
أحوال إزالة الضرر:
إزالة الضرر لها ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون بإزالة عينه: كالتنورِ، والمطحنةِ، والمدبغة التي تؤذي الجار.
الثانية: أن تكون بالتعوذ عنه وهو المُسمى بالضمان؛ حفظًا للحقوق، والأموال.
الثالثة: أن تكون بإيقاع العقوبة على الفاعل من قصاصٍ، وحدٍ، وتعزير.
فروع قاعدة الضرر يُزال:
أولًا: تصرف الإنسان في ملكه الخاص يجوز إذا لم يتضرر به غيره.
ثانيًا: تُقدم المصالح إذا كانت غالبة، وتُقدم المفاسد إذا كانت غالبة، ودرء المفاسد مُقدمٌ على جلب المصالح عند التساوي.
стр. 4645
ثالثًا: إذا تعارضت مفسدتان اُرتُكِب أخفهما ضررًا.
رابعًا: تُرتكب المفسدة الخاصة؛ دفعًا للمفسدة العامة، ويُتحمل الضرر الخاص، دفعًا للضرر العام.
خامسًا: الضرر يُدفَع بقدر الإمكان قبل وقوعه، ويُدفع البعض إذا لم يمكن دفع الكل.
ضوابط قاعدة الضرر يُزال:
أولًا: الضرر لا يُزال بمثله، أو أشد منه، وإنما يُزال الضرر بغير إضرارِ بالغير إن أمكن، وإلا بأخف منه.
ثانيًا: الضرر يُزال قديمًا كان أو حديثًا، فلا ضرر ولا ضرار: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
القاعدة الثالثة: قاعدة المشقة تجلب التيسير:
المشقة تجلب التيسير من أمهات القواعد الفقهية التي عليها مدار الفقه الإسلامي، فهي أصلٌ للتخفيفات المُطلقة، والرُخص الشرعية، وهي مظهرٌ من مظاهر سماحة الإسلام ووسطيته، وتكليف الناس بما يطيقون، ورفع الحرج عنهم: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
معنى القاعدة:
أولاً: المشقة هي: العُسرُ والعناء الخارجين عن حد العادة في الاحتمال، ويتصل بالمشقة من الألفاظ: الحرج، والضرورة، والحاجة؛ فالحرج ما فيه مشقة فوق المُعتاد، فهو أشد من المشقة، والضرورة: بلوغ الإنسان حدًا إن لم يتناول المحظور هلك أو قارب، وهي أشد من المشقة،
стр. 4646
والحاجة ما تكون حياة الإنسان بدونه عسرة شديدة، فهي أدنى من الضرورة.
ثانيًا: التيسير هو: ما كان أيسر وأسهل على الناس، ويتصل بالتيسير من الألفاظ: التخفيف، والترخيص، والتوسعة، والتعزيم.
فالتخفيف: رفع مشقة الحُكم الشرعي بنسخٍ، أو تسهيلٍ، أو إزالة بعضه ونحو ذلك.
والترخيص: الحكم النازل باليُسر بعد العُسر؛ لعذرٍ من الأعذار كسفر أو مرض.
والتوسعة هي: ما يكون به الشيء واسعًا مُيسرًا.
والتعزيم: الحُكم الوارد على فعلٍ غير منظورٍ فيه للعُذر: كوجوب الصلاة تامة في الأحوال العادية، وتحريم أكل الميتة.
فالأحكام التي يكونُ فيها حرج على المُكلف في الشريعة تُخففها بما يستطيعه المُكلف دون عُسرٍ أو حرج: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
مقصود القاعدة:
المشقة تجلب التيسير المقصود منها رفع الحرج عن العباد بتحقيق مصالحهم بحفظ الضروريات، والحاجيات، والتحسينات.
فالضروريات: حفظ النفس، والعرض، والعقل، والمال، والدين.
والحاجيات هي: التي يحتاجها الناس للتوسعة عليهم، ورفع الحرج عنهم، وتتمثل في تشريع الرُخص، وإجازة المُضاربة، والمُسابقات، وغيرها من المعاملات بين الناس.
стр. 4647
والتحسينات هي: ما يقتضيه الأدب الشرعي، وتتمثل في العادات الحسنة، ومكارم الأخلاق: كالطهارة، وإزالة النجاسة، وستر العورة، ونحو ذلك.
تأصيل قاعدة المشقة تجلب التيسير:
ثبتت هذه القاعدة الشرعية بالكتابِ والسُنة بأدلةٍ كثيرة منها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: -٢٨].
وقال الله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ١ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
стр. 4648
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١].
وقال النبي ﷺ : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَعَلَيْكُمُ بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». أخرجه البخاري (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِي النَّاسِ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا الْحَاجَةِ». أخرجه البخاري (٢).
أسباب وجود المشقة:
الأسباب التي يغلب معها وقوع المشقة كثيرة ومنها:
أولًا: السفر، وهو: كل ما يسمى سفرًا في العُرف، فيُشرع للمسلم الترخُص برخص السفر بعد مفارقة بنيان بلده في قصر الصلاة، والفطر في رمضان، ونحو ذلك.
ثانيًا: المرض، وهو: عرض يطرأ على بدن الإنسان يضعفه عن القيام بالمطلوب على الوجه المُعتاد: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣].
ثالثًا: الإكراه، وهو: حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد، فمن أُكره على شيء بغير حق، فله فعله ما لم يضر غيره: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].
стр. 4649
رابعًا: النسيان، وهو: زوال المعلومة عن فكر المُكلف، فإذا كان النسيان لا يتعلق بحقوق العباد؛ لأن حقوق العباد لا تسقط بالنسيان، ولم يكن الحق قابلًا للتدارك: كمن نسي الصلاة، والزكاة، أو الكفارة، فهذه يجب الإتيان بها عند تذكرها.
فالنسيانُ سببٌ من أسباب رفع المشقة، جالب للتيسير في حقوق الله.
قال النبي ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةً أو نَسِيَها فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إلاَّ ذَلِكَ». أخرجه مسلم (١).
خامسًا: الجهل، وهو: عدم العلم بالحُكم الشرعي، وهو سببٌ في التيسير، والتخفيف في حقوق الله؛ لأن حقوق العباد مضمونة لا تسقط بالجهل.
سادسًا: العُسر، وهو: عموم البلوى: كصحة الصلاة مع وجود النجاسة، كمن به سلس البول.
سابعًا: النقص، ويتعلق بثلاثة أمور: العقل، والحُرية، والذكورة.
فالنقص في العقل خمسة:
الجنون، والعته، والنوم، والإغماء، والسُكر.
والنقص الذي يعترض الحرية: الرق، والنقص الذي يتعلق بالجنس: الأنوثة: كحيض المرأة.
ثامنًا: الخطأ، وهو: ما ليس للإنسان فيه قصد، وهو عُذرٌ إذا كان في حق الله، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: قد فعلت: أخرجه مسلم (٢).
стр. 4650
أنواع المشقة:
المشقة باعتبار تحمل الإنسان لها تنقسم إلى قسمين:
الأول: مشقة مُعتادة، وهي التي يستطيع الإنسان تحملها دون ضرر، وهذه من مستلزمات التكاليف الشرعية:
كمشقة الوضوء، والغُسل في شدة البرد، والصوم مع طول النهار، ومشقة الحج، فهذه المشقة لا اعتبار لها في إسقاط العبادات والطاعات؛ لأن المصالح كلها منوطةٌ بالتعب، وعلى قدر التعب تكون الراحة والأجر.
الثاني: مشقة غير مُعتادة، وهي الزائدة عن العادة، فلا يتحملها الإنسان عادة، وتُفسد على النفوس تصرفاتها، وتُعطل البدن عن العمل غالبًا، فهذه المشقة تجلب التيسير: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
حكمة عدم التكليف بالمشقة:
الله رءوف بالعباد، والإسلام دين يُسر، وشريعة سمحة، لم يُكلف العباد بما يشق عليهم؛ رحمةً بهم، وخوفًا من الانقطاع في الطريق، وبُغض العبادة، و كراهة التكاليف، وإدخال الفساد على جسم المُكلف، وعقله، وماله، أو حاله؛ لأن الله وضع الشريعة المُباركة حنيفية سمحة سهلة، حفظ بها الخلق من كل شر، فلو عملوا بخلاف السماحة واليُسر، لأصابهم الضرر، وخوف التقصير عن إكمال العمل.
أنواع الرُخصة:
رُخص الله لعباده لإزالة المشقة عنهم، كما يلي:
أولًا: رخصة تنقيص: كقصر الصلاة الرباعية في السفر.
ثانيًا: رخصة بدل: كإبدال الوضوء، والغُسل بالتيمم عند فقد الماء، أو العجز عند استعماله.
стр. 4651
ثالثًا: رخصة اضطرار: كأكل الميتة للمضطر.
رابعًا: رخصة تغيير: كتغيير هيئة الصلاة عند الخوف في الجهاد.
خامسًا: رخصة تقديم: كتقديم العصر إلى الظهر، أو العشاء للمغرب عند السفر، أو المطر، أو المرض.
سادسًا: رخصة تأخير: كتأخير الظهر إلى العصر، أو المغرب إلى العشاء عند السفر، أو المرض، وتأخير صيام رمضان بسبب المرضِ، أو السفر، ونحو ذلك من الترخيصات، والتخفيفات التي جاءت بها الشريعة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].
فروع قاعدة المشقة تجلب التيسير:
لهذه القاعدة العظيمة فروعٌ منها:
أولًا: الضرورات تبيح المحظورات، حالة الضرورة أو الحاجة الشديدة تُجيزُ ارتكاب المحظور شرعًا، والضرورة تُقدر بقدرها، وإذا زال العُذر زالت الإباحة، وما جاز لعذرٍ بطل بزواله، لكن لا يجوز للمضطر فعل ما يضرُ بغيره: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].
ثانيًا: الحاجة تُنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة، فالضرورة، والحاجة كل منهما يستدعي ويُبيح فعل المحظور، أو ترك الواجب، لكن الضرورة أشد من الحاجة؛ لأن الضرورة حالة مُلجئة تستدعي فعل المحظور؛ لحماية الضرورات الخمس، ولا يتخلص منها الإنسان إلا بارتكاب محظور، أما الحاجة فهي تستدعي التسهيل، ويسعُ الإنسان تركها لكن مع ضيقٍ، وحرج.
ثالثًا: إذا تعذر الأصل صرنا إلى البدل، فمن فقد الماء له أن يتيمم ويصلي.
стр. 4652
رابعًا: الميسور لا يسقُط بالمعسور، فمن كُلِف بالصلاة فقدر على بعض أركانها، وعجز عن البعض، فيأتي بما قدر عليه، ويسقط ما عجز عنه كما قال النبي ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». أخرجه البخاري (١).
وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال النبي ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، ومَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ». متفق عليه (٢).
القاعدة الرابعة: قاعدة العادةُ مُحَكمة
هذه القاعدة إحدى القواعد الشرعية التي ينبني عليها الفقه الإسلامي، وهي العُرف الذي تدور عليه عجلة المعاملات بين الناس، وهي مظهرٌ من مظاهر التيسير باعتبار ما ألفه الناس واعتادوه من الأمور الصالحة الموافقة للشريعة الإسلامية، ومقاصدها.
معنى العادة مُحكمة:
العادة هي: ما استمر الناسُ عليه على حُكم العقول، وعادوا إليه مرة بعد أخرى، ويتصل بالعادة من الألفاظ: العُرف، والسنة، والدأب.
فالعُرف ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول، والعادة والعُرف مترادفان.
والسُنة هي: الطريقة المسلوكة بين الناس.
والفرق بين العادة والسُنة أن العادة ما يُديم الإنسان فعله متبع لنفسه، والسنة الشرعية هي: التي جاء بها النبي ﷺ .
стр. 4653
والدأبُ: هي العادة المُستمرة دائمًا مُحكمة هي المرجع عند الخلاف، فالتعامل جار بين الناس حجة يجب الرجوع إليه، والعمل به ما لم يخالف الشرع.
تأصيل قاعدة العادة مُحكمة:
الأصل في السؤال والخطاب والأحكام أنه يمضي على ما عَمَّ وغَلَبَ إلا على ما شَذَّ ونذر، ومستند العادة مُحكمة: الكتاب والسُنة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقال النبي ﷺ : «لا طَاعَةَ لمَخلوق فِي مَعْصِيَةِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ في الْمَعْرُوفِ». متفق عليه (١).
مقصود العادة مُحكمة:
مقصودها رفع الحرج عن الناس، وتيسير أمورهم، وتحقيق مصالحهم بمراعاة عادات الناس، وأعرافهم الصالحة النافعة.
أقسام العادة أو العُرف:
تنقسم العادة باعتبار الموضوع إلى قسمين:
الأول: العُرف القولي واللفظي وهو: أن يتعارف قومٌ إطلاق لفظٍ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه إلى غير ذلك المعنى: كلفظ البيت في بعض البلاد بمعنى الدار، وفي بعضها بمعنى الغرفة.
стр. 4654
الثاني: العُرف العملي وهو: ما جرى عليه عُرف الناس في معاملاتهم: كعادة الأكل، والشرب، واللباس، والركوب، والزراعة، ونحوها، وكأخذ أجرة معينة عند نقل الركاب من مكان إلى مكان، ونحو ذلك من الأعراف.
وينقسم العُرف باعتبار العموم والخصوص إلى قسمين:
الأول: عرفٌ عام وهو: ما يشترك فيه غالب الناس في جميع البلاد: كالبيع بالكيلو، والتعامل بالأوراق النقدية من الريالات، والجنيهات، والدولارات، ونحو ذلك.
الثاني: عرف خاص: وهو ما يختصُ ببلدٍ أو فئة من الناس: كأرباب المهن: كتقسيم أجرة المحامي إلى مُعجل ومؤجل، وتقسيم مهر الزوجة إلى مُعجلٍ ومؤجل ونحو ذلك.
وتنقسم العادة إلى قسمين:
عادة شرعية منصوص عليها، وعادة ليس بها نص شرعي.
أولاً: العادات الشرعية ما أمر بها الشارع، أو نهى عنها، أو أذن فيها، بنصٍ من الكتاب، أو السنة، وهذه العادات ثابتة أبدًا: كالأمر بالصلاة، وستر العورة، والبيع، والإجارة، والزواج، والطلاق، ونحوها.
ثانيًا: العادات الجارية مما ليس فيه نص شرعي، وهي نوعان:
الأول: عادات جارية ثابتة للعموم؛ لأنها تتعلق بفطرة الإنسان: كشهوة الطعام، والشراب، وميل الإنسان إلى ما يلائمه، ونفوره مما لا يلائمه.
الثاني: عادات جارية بين الناس، مُتبدلة بحسب الزمان أو المكان أو الحال مثل: كشف الرأس، فإنه حسنٌ في بعض البلاد، وقبيح لذوي المروءات
стр. 4655
في بعض البلاد، ومثل الأكل في الشارع فهو حسنٌ في بعض الديار، وقادحٌ في العدالة في بعض البلاد.
اعتبار العادة في الأحكام الشرعية:
تحكم العادة لإثبات الحكم الشرعي، فتُفسر بها النصوص المُطلقة التي لم يحددها الشرع، ولا اللغة، وتُبنى الأحكام الشرعية عليها فيما لم يرد فيه نص شرعي، وإذا تغيرت العادة أو العُرف وجب تغيير الحُكم.
والعادة أو العُرف ليست دليلًا مستقلًا، وإنما تُرد إليها الأحكام الشرعية بشروط منها: ألا تخالف العادة نصُا شرعيًا، أو أصلًا قطعيًا: كالتعامل بالربا، وأن تكون العادة مُطردة أو غالبة، وأن تكون موجودة عند إنشاء التصرف.
تطبيقات العادة مُحكمة:
يُنظر إلى العادة في الحيض، وثمن الأشياء من دينارٍ، أو درهمٍ، أو ريالٍ، ونفقة الزوجة والأولاد حسب العُرف، والعقوبة التعزيرية حسب العادة التي تحصل بها المصلحة، وتندفع المفسدة، وإفتاء الناس حسب العادة والعُرف، والقضاء بينهم حسب العُرف الجاري بينهم ما لم يخالف الشريعة.
فروع العادة مُحكمة:
من فروع هذه القاعدة ما يلي:
أولًا: المعروف عُرفًا كالمشروط شرطًا.
فما يتعارف الناس عليه في معاملاتهم لا يحتاج إلى ذكرٍ صريح في العقد، لكن بشرط ألا يخالف نصًا شرعيًا.
مثالها: البيع بالتعاطي دون إيجابٍ، وقبول باللفظ.
стр. 4656
ثانيًا: الكتابُ كالخطاب: فيُصار إليه عند الحاجة، ويُستدل به على مراد المُتكلم، ويُعمل به سواء أن كان لفظًا، أو إشارةً، أو كتابًا، فالكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر، تُعقد به العقود، وكل كتاب محرر على وجه المعروف الموثق يُعد حجة على كاتبه: كالنطق باللسان.
ثالثًا: تتغير الأحكام بتغير الأزمان، والأحوال، فما يتغير من العادات يتغير حكمه بتغير العُرف والعادة: كالنهي عن ادخار لحوم الأضاحي، ثم لما زالت العلة أُبيح ذلك.
الأحكام التي تخضع للتغيير:
الأحكام الشرعية نوعان:
أولاً: أحكام مستندة إلى القرآن والسنة والإجماع، فهذا لا يتغير أبداً: كحرمة المحرمات المطلقة، ووجوب التراضي في العقود.
ثانيًا: أحكام مستندة إلى الاجتهاد أو القياس، أو العُرف، فهذا النوع محل التغيير والتبديل، ويجب فيه تحقيق العدل، وجلب المصلحة، ودفع المفسدة.
أسباب تغير الزمان؟.
الزمان ظرفٌ يجمع عادات الناس، وأحوالهم، وعلومهم، وحاجاتهم، وهي عادات تختلف بحسب الزمان والمكان.
وأسباب تغير الزمان كثيرة أهمها: أولاً: فساد أخلاق الناس، وضعف الوازع الديني.
ثانيًا: تغير العادات والأعراف التي هي مناط الحكم الشرعي.
ثالثًا: تطور الأوضاع، والأساليب، والوسائل التي تستدعي تغير الأحكام المبنية عليها.
стр. 4657
رابعًا: حدوث ضرورات وحاجات تتطلبها الحياة المعاصرة مما يستدعي تغيير الأحكام: كأخذ الأجرة على الأذان، وتعليم القرآن، ونحو ذلك.
القاعدة الخامسة: قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله.
فالكلمات قوالب المعاني، واللسان مترجم لما في القلب، ومطهر لما فيه.
أقسام الكلام:
ينقسم الكلام باعتبار المتكلم إلى قسمين:
الأول: كلام الله تعالى، وهو أعظم الكلام، وأفصحه، وأبينه، وأنفعه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
تمت صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام.
الثاني: كلام الناس، وهو الكلام الذي ينطق به اللسان الذي خلقه الله تعالى وهو من أعظم نعم الله على الإنسان: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
والبيان إما إشاري، أو كتابي، أو نطقي باللسان.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
وأعلى كلام البشر، وأفصحه، وأبينه كلام النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].
стр. 4658
وينقسم الكلام باعتبار دلالته إلى: حقيقة، ومجاز.
أولاً: الكلام الحقيقي: هو: اللفظ المُستعمل فيما وضع له ابتداءً، سواء أن كان لغويًا: كالأسد، أو شرعياً: كالصلاة، أو عرفيًا: كالدابة.
ثانيًا: المجاز: وهو: اللفظ المُستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما مع قرينة مانعة من إيراد ما وضع له ومنه قول سبحانه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ [يوسف: ٨٢].
أي أهل القرية.
شروط قبول الكلام:
المتكلم هو الشخص الذي يصدر عنه الكلام، ولا يُقبل كلام المتكلم ويُنفذ إلا بثلاثة شروط هي:
أولًا: البلوغ، لكن يُقبل كلام الصبي المميز الذي يُدركُ ما يتلفظ به.
ثانيًا: العقل، فلا يُقبل كلام المجنون وإقراره، لزوال عقله.
ثالثًا: الاختيار، فلا يُقبل كلام المُكره، لأنه مسلوب الاختيار.
ويجب إعمال كلام العُقلاء، وترتيب الحُكم الشرعي عليه.
والأصل في الكلام الحقيقة، وإذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز، وإذا تعذر إعمال الكلام أُهمل كما لو إدعى من له يدين على رجل آخر أنه قطع يديه، وطالبه بالدية، فهنا يقع الكلام لغوًا.
من فروع قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله:
أولًا: التأسيس أولى من التأكيد؛ لأن التأسيس يفيد معنى جديدًا، أما التوكيد فهو يكرر اللفظ لتقريره في ذهن المخاطب، فيجب حمل الكلام على التأسيس؛ لأن الإفادة خيرٌ من الإعادة.
ثانيًا: المُطلق يبقى على إطلاقه، ما لم يكن دليل التقييد نصًا، أو دلالة.
стр. 4659
ثالثًا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
رابعًا: ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله، فما لا يقبل التجزئة يكون اختيار بعضه كاختيار كله، وإسقاط بعضه كإسقاط كله، كما لو نذر أن يصلي لله ركعة لزم أن يصلي ركعتين؛ لأن أقل الصلاة ركعتان.
خامسًا: السؤال معادٌ في الجواب، فالجواب بنعم، أو بل، أو أجل مشتملٌ على مضمون السؤال كما لو قال: هل أخذت من زيدٍ ألف ريال؟ فقال: نعم.
القاعدة السادسة: الأمور بمقاصدها.
فأفعال العبد مترتبة على نيته صحة وبطلانا، وقبولاً وردا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
стр. 4660
٣ - الخزانة الثالثة
أقسام القواعد الشرعية:
القواعد الشرعية قسمان:
الأول: القواعد الكُبرى، وهي ست قواعد وهي:
١ - اليقين لا يزول بالشك.
٢ - الضرر يُزال.
٣ - المشقة تجلب التيسير.
٤ - العادة مُحكمة.
٥ - إعمال الكلام أولى من إهماله، وقد تقدمت.
٦ - الأمور بمقاصدها.
الثاني القواعد الشرعية الصُغرى، وهي أقل شمولًا للمسائل من الكبرى، وتدخل في مسائل كثيرة من أبواب الفقه ومنها:
القاعدة الأولى: التابع تبع، والتابع يُطلق على عدة أمور:
الأول: ما اتصل بغير اتصالًا حقيقيًا بحيث يكون جزءًا منه: كالعضو من الحيوان، والغصن من الشجرة.
الثاني: ما اتصل بغيره اتصالًا قابلًا للانفصال عنه: كالجنين من الأم، والثمرة من الشجرة، فذكاة الجنين ذكاة أمه.
الثالث: ما اتصل بغيره اتصالًا ضروريًا: كالمفتاح من القفل.
الرابع: ما اتصل بغيره اتصالًا عرضيًا: كالنقل، والتفريغ في الأشياء المُباعة مثل: كرتون الفاكهة، وصندوق الطماطم، ويخضع ذلك للعادة والعُرف، فمن ملك شيئًا ملك ما هو من ضروراته، فمن ملك دارًا ملك ما هو من لوازمها كطريقها، وفضائها، وأعماقها.