• والله له وحده الخلق والأمر وأمر الله سبحانه نوعان:
الأول: أمرٌ كوني قدري تعلقت به مشيئته الكونية، كأوامر الخلق، والتدبير والتصريف في الكون: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فما قدره الله لابد أن يكون، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه.
الثاني: أمرٌ دينيٌ شرعي تعلقت به محبته، فكل ما حصل من طاعات العباد تعلقت به مشيئة الله الكونية، وتعلقت به كذلك محبة الله الشرعية، فهو محبوب للرب، واقع بمشيئته، وما لم يحصل من الطاعات تعلقت به محبة الله الشرعية، دون مشيئته الكونية فلم تقع؛ لأن الله لم يشاءه كونًا.
وما وقع من المعاصي تعلقت به مشيئة الله الكونية، دون محبته الشرعية، فالله لا يقع في ملكه إلا ما يريد، وما لم يقع من المعاصي تعلقت به محبة الله الشرعية، فإن الله لا يحب المعاصي، ولا يحب الكفر، دون مشيئته الكونية.
وأفعال العباد تنسب إلى الله خلقًا، وتنسب إلى العباد كسبًا، لأمرين:
الأول: أن فعل العبد صادر عن إرادة قلبية، وقدرة بدنية، والذي خلق ذلك هو الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
الثاني: أن فعل العبد من صفاته، والعبد وصفاته مخلوقان لله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
стр. 492
فما فعله العبد من خير أو شر فهو كسبه، ليتعرض لجزائه من الثواب أو العقاب، لأنه فعله، مسندٌ إليه شرعًا وعقلًا وحسًا، فعله بمحض اختياره على علم بعاقبته، مستعملًا القدرة التي منحه الله إياها، فإذا أطاع الله فطاعته وثوابه من فضل الله عليه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
ومن عصى فمعصيته باختياره، وعقوبته من عدل الله فيه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].
• الفرق بين صفات الله الذاتية والفعلية:
الصفات الذاتية كالحي لا تعلق لها بالمشيئة.
والفعلية هي التي لها تعلق بالمشيئة إن شاء الله فعلها وإن شاء لم يفعلها، كالخلق والرزق ونحوها.
فالحي صفة ذاتية، لا تنفك عن الله أبدًا، أما الخلق فهي صفة فعلية، إن شاء خلق، وإن شاء رزق، وإن شاء منع، وإن شاء أعطى.
وصفة الذات لا يوجد لها مقابل في الأسماء، وصفات الفعل هي التي يوجد لها مقابل في الأسماء، فإذا قلنا الله حي فهي صفة ذات، وإن قلنا الله "يحيي" فهي صفة فعل، يحيي هذا، ويميت هذا، لأنها تقتضي أن يكون
стр. 493
مميتًا: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وكل شيء لا يكون إلا بمشيئة الله وحده، ومشيئة الإنسان تحت مشيئة الله، والناس أحرار في اختيارهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١].
ومن ظن أن له مشيئة من دون الله فيقال له أخلقك الله كما شئت أو كما شاء؟ أخلقك الله لما شاء أو لما شئت؟، أرزقك الله كما شئت أو كما شاء؟، ويوم القيامة تأتيه بما شئت أو بما شاء؟.
والله خلق الكون كله، وجعل فيه سنناً تستجيب للمؤمن والكافر، وذلك عطاء الربوبية لكل الخلق في الخلق والرزق ونحوهما: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١].
ثم أنزل الله تكليفًا هو الشرع، بواسطة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ودعا الناس إليه، ورغبهم فيه، وحذرهم من مخالفته، وقال أنا أحب كذا، وأكره كذا، وافعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، فالذي يحبني يطيع أمري، ويفوز بثوابي، ومن عصاني نال عقوبتي: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ
стр. 494
كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠].
فمناط الربوبية خلق ورزق، وإحياء وإماتة، وعطاء ومنع، ومناط الإلوهية تكليف وتشريف: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
فالله هو الفعال لما يشاء، والإنسان يوجه الطاقة التي وهبها الله له فإن وجهها إلى خير أثابه الله، وإن وجهها إلى شر عاقبه الله والكل مسجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
فالفاعل الحقيقي لكل شيء هو الله، والمخلوق يوجه الفعل بما وهبه الله من الاختيار، فثواب الإنسان وعقابه لا على إنه فعل، بل لأنه وجه الفعل إلى كذا أو كذا، فاليد مثلا مخلوقة إن عملت بها خيرًا أثابك الله، وإن سرقت بها عاقبك، واللسان مخلوق إن شهدت به أنه لا إله إلا الله أثابك الله، وإن اغتبت به عاقبك الله وهكذا: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
стр. 495
٤ - الخزانة الرابعة
• الإيمان بين معرفة الرب، ومعرفة العبد:
الله هو الملك الحق، وكل ما سواه عبيد له، والله غني عن كل أحد، والإنسان محتاج إلى كل شيء، وإرادة الإنسان هي نزوع نفسه إلى شيء يكمل ضعفه، وحاجته ونقصه، بأكل أو شرب أو ركوب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وخلق الله الإنسان ضعيفًا، ليستعين بربه الخالق القوي، وإرادة الله هي حكمه على الشيء، فإذا حكم فلا راد لحكمه، ولا راد لقضائه، فكل شيء في ملكه، وكل شيء من مخلوقاته، مستجيب لمشيئته، ومسرع إلى إرادته، وخاضع لأمره: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وكل المخلوقات مسخرة، والإنس والجن مخيرون، وإرادة الله مع المسخرات أمر، ومع المخيرات سماح بالفعل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
فسبحان الحكيم الخبير القدير، الذي يسوق بإرادته ظالمًا لظالم، ومنحرفًا لمنحرف، ويسوق من لا يعرفه إلى من يعرفه، إذا عصاه ليؤدبه.
وإرادة الله مع الإنس والجن إرادة سماح بالفعل، فيسمح للإنسان أن يفعل عندما تعلو الشهوة والإصرار، ويصرفه عن الشهوة المنحرفة رحمة به إذا لم يكن هناك إصرار، وإذا أطلق الله هذا الإنسان يفعل ما يشاء يطلقه على من يستحق التسليط ليؤدبه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
стр. 496
وقال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٣].
وإذا أراد الله هداية أحد أو إضلاله فتلك هي الإرادة الجزائية المبنية على إرادة الإنسان الاختيارية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأنعام: ١٢٥].
فمن أراد الهداية واختارها أعانه الله، وشرح صدره للإسلام: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]
ومن أراد الضلال ضيق الله عليه نفسه، وعسر أموره، وهذا كله من رحمة الله بالعبد ليفوز ويتوب إلى ربه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، يقلب القلب لصالح العبد، فإذا شاء العبد الهدى شرح الله صدره للهدى، وإذا شاء الضلالة ضيق الله صدره، ليكف عن الشر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي يريد بعباده كل خير، ولهذا جعل القلوب كلها بيده لشدة رحمته بعباده: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨].
стр. 497
والله هو الهادي الذي أعطى للإنسان حرية الاختيار، فمن شاء الهدى هداه الله إلى صراط يؤدي إلى دار السلام: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥].
وهو ﷻ أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
هو سبحانه الهادي الذي يهدي من يشاء عن طريق آياته ومخلوقاته في هذا الكون العظيم، وعن طريق أسمائه وصفاته، وعن طريق نعمه وآلائه، وعن طريق كتبه المنزلة، وعن طريق رسله المرسلة: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
وباب الكون أوسع أبواب الهدى، فبالخلق نهتدي إلى الخالق، وبالصور نهتدي إلى المصور، وبالرزق نهتدي إلى الرزاق: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
стр. 498
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)﴾ [ق: ٦ - ٧].
ففي الكون نرى الخالق يخلق، والرازق يرزق، والرحمن يرحم، والقهار يقهر، والكريم يحسن، والتواب يتوب، فالهدى عن طريق المخلوقات أقرب طرق الهدى، ولهذا أمرنا الله بالنظر والتفكر والتدبر في الآيات الكونية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠].
هو سبحانه الهادي إذا هداك بخلقه، فالهادي اسم من أسماء الأفعال وإذا هداك بكلامه فهو اسم من أسماء ذاته: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١].
فالكون باب إلى معرفة الله ، والقرآن هادي إليه، لكن الكون لغة عالمية يراه ويقرؤه ويفهمه كل إنسان، ومن آياته السماء والأرض، والشمس والقمر، والماء والنار، والجبال والبحار، والنبات والحيوان وغيرها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧].
لكن القرآن لا يقرؤه إلا العربي وهو باب عظيم من أعظم أبواب الهدى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢].
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧].
الثانية: كلماتٌ شرعية، وهي ما أنزل الله على رسله من الكتب والأوامر والنواهي: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
والكلمات الشرعية كلها صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، فهي خيرٌ محض.
أما الكلمات القدرية فهي خير في ذاتها والشر معها يتعلق بالمخلوقات لا بها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦].
فالخير كله بيد الله والشر ليس إلى الله، فأفعاله سبحانه كلها خيرٌ لا شر فيها، وإنما الشر في مخلوقاته التي خلقها في غاية الحكمة والرحمة، والعدل والإحسان: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وما خلق الله قسمان:
الأول: مخلوقات لا شر فيها، كالملائكة والأنبياء والرسل والجنة.
الثاني: مخلوقات فيها شرٌ وضرر، كالهوام والسباع، والجن والإنس والشياطين، والنار والرياح، فهذه المخلوقات التي فيها خير وشر نستعيذ بالله من شرها.
стр. 501
ففي سورة الفلق استعاذة برب الناس من الشر الخارجي، وهو أربعة شرور كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].
ولم يذكر الله من أسمائه في هذه السورة إلا اسم الرب، وفي سورة الناس استعاذة بثلاثة أسماء من أسماء الله هي الرب، والملك، والإله، من شرٍ واحد هو الشيطان، الذي هو الشر الداخلي، والذي هو سبب كل شر، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦].
وفي هذا بيان أن الشيطان أخطر عدو، فمن آمن بالله فلا يخاف ما سواه، فهو رب بيده ملكوت كل شيء، ملك يحميه من كل عدو، وإله يحبه، ويسأله ما يريد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والله ﷻ هو الملك الحق الذي له الملك والملكوت، وله ملك الملوك، وما يملكون: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
والملك من البشر هو الذي يحكم ولا يملك، والمالك هو الذي يملك ولا يحكم، والله سبحانه هو الملك المالك المليك، الرحيم اللطيف بعباده، فالله سبحانه مالك الملك والملكوت فهو يملك كل شيء ويملك التصرف فيه، ومصير كل شيء إليه: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦].
стр. 502
فكل شيء فيك أو لك أو عندك هو ملك لله ، سمح لك في هذه الدنيا أن تتصرف فيه في حياتك، ثم يعود إليه فمالك ودارك وسيارتك وكل ما في دارك لله في يدك: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
والملك الحق هو الله الذي استغنى بذاته وصفاته عن كل موجود سواه، ويحتاج إليه كل موجود، ففي الكون اثنان، ملك وعبيد، وكل مخلوق مفتقر إلى ربه في خلقه وبقائه، وإمداده وتدبيره، وحركته وسكونه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
والملك الحقيقي من البشر هو الذي يملك هواه، ولا يملكه هواه، هو الذي ملك نفسه وسخرها في طاعة الله، هو الملك الذي أُعتق من أسر نفسه، وليس ملكًا لنفسه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
• والملك نوعان:
الأول: مَلك يؤتيه الله من يشاء من عباده وهذا ملك زائل.
الثاني: ملك الحقيقي هو أن يملك الإنسان نفسه عن الهوى والمعاصي، ويحملها على الإيمان والتقوى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
فإذا ملكت نفسك وهواك، وشهواتك وجوارحك، فأنت ملك.
وإذا قادتك نفسك وهواك، وشهواتك وجوارحك، إلى معصية الله فأنت مملوك لمملوك مخلوق: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ
стр. 503
قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وشتان بين الملك والمملوك، ولن ينفع الإنسان ملك العالم كله إذا لم يملك نفسه، ويحملها على طاعة مولاه: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
وكل إنسان تقف له مدمرتان مهلكتان هما المال والنساء، وكل إنسان إما أن يكون عبدًا لله، أو عبدًا لعبد الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
والملك الحق الذي بيده ملكوت كل شيء، يفعل ما يشاء، ولا ينازعه معارض ولا يمانعه ناقد: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
هو الملك الذي يدور بحكمه الفلك، وله الملك والملكوت، والمؤمن من أعظم ملوك الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
стр. 504
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
فمن كان مؤمنًا مستقيمًا مالكًا لهواه وشهواته، فقد وعده الله في الدنيا بالخلافة في الأرض: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
أما في الآخرة فهو ملك من ملوك الدار الآخرة في ملك كبير بجوار الملك الحق: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ [الإنسان: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
فالله ﷻ هو الملك الذي بيده الملك والملكوت، وله العزة والجبروت.
• والملك أنواع:
١ - ملك النبوة والرسالة.
٢ - ملك العلم.
٣ - ملك العقل.
٤ - ملك العافية.
٥ - ملك الجاه.
٦ - ملك الأموال.
٧ - ملك القدرة.
٨ - ملك الجمال.
٩ - ملك القوة.
١٠ - ملك العزة.
وأعظم أنواع الملك ملك النبوة والرسالة.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤].
стр. 505
فأعظم الملك ملك النبوة والرسالة؛ لأن الأنبياء والعلماء لهم أمر على بواطن الناس وظواهرهم، أما الجبابرة فلهم أمر على ظواهر الناس لا بواطنهم: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
والله سبحانه يؤتي ملكه من يشاء، فالله جعل النبوة والملك في بني إسرائيل، فلما نقضوا العهد نقلها إلى نسل إسماعيل، لمحمد ﷺ ، ونزعها منهم، وسلط عليهم فرعون، حتى نقل هذا الملك العظيم وهذه النبوة العظيمة إلى هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
فسبحان الملك الحق الذي يُملك من يشاء ملك الدنيا، أو ملك الآخرة، أو ملك الدنيا والآخرة، لا اله غيره ولا رب سواه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
стр. 506
٥ - الخزانة الخامسة
• التدبر والتفكر يزيد الإيمان بالله:
الله خلق جميع المخلوقات في العالم العلوي، والعالم السفلي، وجميعها تحت أمره: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
ومن هذه المخلوقات العظيمة ما هو مسخر، ولا خيار له، وهو عام الجماد، وعالم النبات، وعالم الحيوان، وعالم الملائكة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
ومنها ما هو مختار يفعل ما يشاء، وهما الثقلان الجن والإنس.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
والإنس والجن هم الذين أرسل الله إليهم الرسل بالحق، فمن اختار الحق دخل الجنة، ومن اختار الباطل دخل النار: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
стр. 507
وقد سخر الله جميع ما في الكون للإنسان، لأنه يحمل الأمانة: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠].
فالجماد خاضعٌ خادمٌ لمن فوقه، من النبات والحيوان والإنسان، والنبات خاضعٌ وخادمٌ لمن فوقه من الحيوان والإنسان، والحيوان خاضعٌ وخادمٌ لمن فوقه وهو الإنسان، فكل مخلوق يخضع ويطيع من هو أعلى منه، وكذلك الإنسان يجب أن يخضع لربه الذي خلقه ورزقه، وهداه واجتباه، وكرمه واصطفاه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠].
فكما أخضع الله له المخلوقات التي تخدمه، فيجب عليه أن يخضع لربه الذي خلقه وهداه، ورزقه واجتباه، وكرمه واصطفاه، فكما أخضع الله له المخلوقات التي تخدمه فيجب عليه أن يخضع لربه الذي خلقه وهداه ورزقه واجتباه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
وإذا كان خلق اليد أو الرجل أو السمع والبصر وكل عضو له حكمة يؤديها، فكذلك خلق كامل البدن له حكمة وغاية وهي عبادة الله ، والخضوع له، وامتثال أوامره، وطاعته وطاعة رسوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
والله لا يجري شيء في ملكه إلا بإذنه، وعلمه وأمره.
стр. 508
• وإذن الله تعالى نوعان:
الأول: إذنٌ كوني قدري، وهو المتعلق بالخلق والتكوين، وهذا لابد من وقوعه، كما قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
الثاني: إذن شرعي، وهو ما يتعلق بالشرع والعبادة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩].
والفرق بين الإذن القدري، والإذن الشرعي أن المأذون به شرعًا قد يقع وقد لا يقع من العبد، أما المأذون به قدرًا فواقع لا محالة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
ومن جهة أخرى فالمأذون به شرعًا محبوب لله ، والمأذون به قدراً قد يكون محبوبًا، وقد يكون مكروهًا كالإيمان والكفر والخير والشر والنعم والمصائب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨].
• أقسام حكم الله :
حكم الله الذي يجريه في هذا الكون ثلاثة أقسام:
الأول: حكمٌ كوني قدري، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ
стр. 509
أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾ [يوسف: ٨٠].
الثاني: حكمٌ شرعي، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة: ١٠].
الثالث: حكمٌ جزائي، وهو ثمرة الحكم الشرعي، لأنه مبني عليه إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ويكون يوم القيامة، وهو في حقوق الله بالفضل، وفي حقوق العباد فيما بينهم بالعدل، والحكم يوم القيامة لله وحده العلي الكبير: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ [البقرة: ١١٣].
• أقسام آيات الله:
آيات الله تنقسم إلى قسمين:
الأول: آيات شرعية، وهي ما جاءت به الرسل من الله من الشرع.
الثاني: آيات كونية، وهي الكائنات التي خلقها الله في السماوات والأرض من الشمس والقمر، والجماد والنبات، والبحار والجبال، والحيوان والإنسان.
وكون ما جاءت به الرسل من الآيات آية أنه لا يمكن لأحدٍ من البشر أن يأتي بمثلها: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
وكون جميع المخلوقات التي خلقها الله آية أنه لا يمكن لأحد من البشر أن يخلق مثلها: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
стр. 510
وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ [البقرة: ٢٥٢].
• وإرادة الله نوعان:
الأولى: إرادة كونية بمعنى المشيئة، ويلزم منها وقوع المراد، سواء كان مما يحبه الله أو مما لا يحبه الله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
الثانية: إرادة شرعية بمعنى المحبة، ولا يلزم منها وقوع المراد، ولا تتعلق إلا فيما يحبه الله، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].
وا لفرق بين الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية، من ثلاثة أجه:
الأول: من حيث المعنى، الإرادة الكونية بمعنى المشيئة، والإرادة الشرعية بمعنى المحبة.
الثاني: من حيث المتعلق، الإرادة الكونية تتعلق فيما يحبه الله، وفيما لا يحبه، والإرادة الشرعية تتعلق فيما يحبه الله فقط، فالله أراد الكفر كونًا، ولم يرده شرعًا، لأنه لا يحبه، فالله لا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمر به، ولا يحبه، وكذا الله لا يحب الفساد، ولا يحب الظلم.
الثالث: من حيث الأثر الإرادة الكونية لابد فيها من وقوع المراد، لأن الله لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، والإرادة الشرعية قد يقع المراد، وقد لا يقع، فإن الله قد أمر بالإيمان، وبالعبادة له وحده لا شريك له، ومن الناس
стр. 511
من آمن، ومنهم من كفر: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
فالإرادة الشرعية قد يقع المراد، وقد لا يقع، فإيمان أبي بكر مراد كونًا وشرعًا، وإيمان أبي طالب مراد شرعًا لا كونًا، ولذلك لم يقع، وفسق الفاسق، وكفر الكافر، مراد كونًا لا شرعًا، ولذلك وقع: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
والله هو الملك الحق الذي يدبر الأمر في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، وفي الدنيا وفي الآخرة، والله ﷻ هو الذي بيده الملك كله، وله الأمر كله، وله الخلق كله، وإليه يرجع الأمر كله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
والتدبير هو النظر في عواقب الأمور، والتفكر في نتائجها، والإنسان العاقل هو الذي يخاف بعقله، والإنسان الغافل هو الذي يخاف ببصره والحيوان كله يخاف بعينه، والعقل يريك النتيجة قبل أن تصل إليها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
والله سبحانه وحده هو الذي يدبر الأمر في ملكه وملكوته، يدبر الأمر في عالم الجماد والنبات والحيوان والإنسان، وفي العالم العلوي وفي العالم
стр. 512
السفلي، وفي الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى قال الله تعالى: عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
يدبر الرياح، ويدبر المياه، ويدبر الذوات ويدبر النطفة في الأرحام، ويدبر النجوم في السماء، ويدبر الكلام في اللسان، ويدبر السمع في الأذن: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
فسبحان الملك الحق الذي يدبر الأمر، ويوفق بين أوائل الأمور وعواقبها، ويصل المقدمات بالنتائج، فهذه الشمس في المشرق، ثم صارت في المغرب، وهذا نهار جاء بعده ليل، وهذا حر جاء بعده برد، وهذه عافية جاء بعدها مرض، وهذه حبة صارت شجرة، وهذه شجرة أخرجت ثمرة، وهذه نطفة صارت إنسانًا، وهذا الإنسان صار عاقلًا عالمًا، سميعًا بصيرًا، وهذه رغبة في الزواج، والنتيجة زوجة وبنين وبنات، وهذا عمل بشري والنتائج تجارةٌ رابحة أو خسارةٌ فادحة.
يدبر الأمر ﷻ في العالم العلوي والعالم السفلي: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٥ - ٧].
فسبحان الملك الحق الذي يدبر الأمر في جميع ملكه، بيده التدبير المادي فهو الذي يمد خلقه بما يحتاجون من الطعام والشراب، والهواء والماء،
стр. 513
والنور والظلام، وبيده التدبير الروحي فهو الذي يهدي عباده إلى الحق ويوصلهم إليه بما شاء فأحيانًا يبعث إلى العاصي من ينصحه، وأحيانًا يبعث إليه من يضغط عليه.
وأحيانًا يسوق له شدة ويخيفه، وأحيانًا يجمعه بمن يعطف عليه، وأحيانًا يرزقه من فضله كي يستحي منه، وأحيانًا يقتر عليه ليفر إليه، وأحيانًا يبتليه بمرض ثم يشفيه ليبين له فضله عليه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
هو الله الذي يدبر الأمر وحده، فيعطي هذا الإنسان ذكاء، وهذا علمًا، وهذا جاهًا، وهذا خلقًا، يعطي كل إنسان ما ينفعه ويناسبه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فهو الحكيم الذي يدبر الأمر، ويعطي الإنسان الشيء المناسب، في الوقت المناسب، بالقدر المناسب، من النوع المناسب: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١].
هو القادر على كل شيء، وكل ما يقع في الكون من خلق، أو حركة، أو سكون، أو حياة، أو موت، فهو واقعٌ بإرادة الله ومشيئته لأنه وحده الذي يدبر الأمر كله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].
فسبحان الرب القوي القادر الذي يدبر الأمر كله، فأرسى الأرض بالجبال، ورفع السماء بلا عمد، وملأ الشمس بالنور بلا حطب، وأنبت الحب في الثرى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
стр. 514
وسبحان الرب العظيم الحق، الذي ينطق كل شيء في ملكه بحسن تدبيره، وتصريفه، وجمال خلقه، وإبداعه وتصويره، ويشهد له بوحدانيته، ويسبح بحمده، ويخضع لأمره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وإذا جعلك الله خليفة في الأرض، فيجب عليك أن تدبر أمورك حسب توجيه ربك، فتدبر نفسك بالاستقامة على أوامر الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
فأنت كأب يجب عليك أن تدبر أمر أسرتك وأولادك وأعمالك بما أمرك الله به، وأنت كحاكم عليك أن تدبر أمر رعيتك بما أمرك الله به، وأنت كطبيب يجب عليك أن تدبر أمر مرضاك حسب معرفتك، وأنت كعالم يجب عليك أن تدبر أمر عباد الله بالشرع.
فالله وحده هو الذي يدبر الأمر، وأنت خليفة في الأرض، وكلك بتدبير أمور الناس حسب أمره: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
والله وحده مدبر الكون ومن فيه، وقد جعلك خليفة في الأرض، فإذا وكلك بأسرة فكن لها مدبرًا، وإذا وكلك بطلابٍ فكن لهم مدبرًا، فالله يدبر كل من دونه، وقد وكلك أن تدبر من دونك: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وسخر له ما في السموات وما في الأرض من المياه، والرياح، والنور، والجماد، والنبات، والحيوان،
стр. 515
والمسخُر له أكرم من المسخَر، والمسخر له وهو الإنسان، والمسخرَ له هو كل ما في السموات وما في الأرض: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
فالإنسان لما قبل حمل الأمانة كرمه الله، وسخر له المخلوقات كلها، فالجبال مسخرة له، والمياه مسخرة له، والبحر مسخر له، والحديد مسخر له، والنبات مسخر له، والأرض مسخرة له، وقد سخر الله جميع الثمار للإنسان فجعل طعمها طيبًا، وشكلها جميلاً، ورائحتها عطرة، ومذاقها حلوًا، وملأها بالمنافع: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
والله سخر لنا الشمس والقمر، وما في البر والبحر، وما في السماء والأرض: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
• وتسخير الله للكون نوعان:
أحدهما: تسخير تعريف يثمر الإيمان بالله ويزيده.
الثاني: تسخير تكريم يوجب الشكر لمن سخره.
فما نراه في الكون من السموات والأرض، والجبال والبحار، والشمس والقمر، والماء والهواء، والجماد والنبات والحيوان آياتٌ كونية تدل على عظمة الله، وتزيد الإيمان: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا
стр. 516
وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وتسخير التكريم ما نراه من النعم التي لا تعد ولا تحصى، والتي كلها مسخرة من الله للإنسان وبين يديه يفعل بها ما يشاء.
فتسخير التعريف يجلب الإيمان ويزيده، وتسخير التكريم يوجب على العبد الشكر لمن سخره له، كما قال سبحانه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
فسبحان من سخر لنا كل شيء: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: ١٢ - ١٣].
وصفة التسخير تدور معنا في كل ثانية من حياتنا: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)﴾ [الزمر: ٤ - ٥].
فسبحان الرب الكريم الذي سخر لنا ما في السموات وما في الأرض، لنتفرغ لعبادته، وذكره، وشكره، وحمده: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ
٦ - الخزانة السادسة
• معرفة الربوبية طريق العبودية:
في الوجود اثنان:
الأول: واجب الوجود لذاته، وهو الله ، الغني عن كل ما سواه.
والثاني: ممكن الوجود، وهو كل ما سوى الله من العوالم في العالم العلوي، والعالم السفلى، وكل ما سوى الله خلقه الله محتاجاً إلى الله، فوجود كل شيء سوى الله يدل على وجود الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وكل ما سوى الله إما أن يكون مخلوقاً متحيزًا كالأجسام، والسموات والأرض، والجبال، أو صفة للمتحيز من طولِ وعرضِ كصفات الأجسام، أو لا يكون متحيزًا، ولا صفة للمتحيز، كالأرواح العلوية، وهم الملائكة، والأرواح السفلية الخيرة كصالحي الجن، أو الأرواح السفلية الشريرة، الشياطين.
وكل ما سوى الله عبدً لله في خلقه وقوته، وكل ما سوى الله محتاجٌ إلى الله الذي لا يحتاج إلى أحد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
• والمربى على قسمين:
أحدهما: رب يربى غيره ليربح عليه المربى، وهو المخلوق.
الثاني: رب يربى غيره ليربح عليه المربىَ، وهو الله سبحانه.
فالأول تربية الخلق، لأنهم إنما يربون غيرهم، ليربحوا عليه ثوابًا أو ثناءً أو مالًا.
стр. 519
والثاني وهو الحق سبحانه، الذي يربى خلقه، ويحسن إليهم لمصلحتهم لا ليربح عليهم، لأنه الغنى عن كل ما سواه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
والله لأنه هو الرب المربى الذي لا يربح على غيره شيئًا، أثنى على نفسه قبل أن يثنى عليه خلقه فقال: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١].
• وتربية الله تختلف عن تربية غيره من البشر من وجوه:
الأول: أن تربية الرب لعباده لا لغرض نفسه، بل لمصلحتهم، وغيره يربى لغرض نفسه، لا لغرض غيره: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
الثاني: أن الله يربى، ولا تنقص خزائنه، وغيره يربى وتنقص خزائنه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
الثالث: أن الله يفرح بإلحاح الفقير بسؤاله ويحبه، وغيره من المحسنين من البشر إذا ألح عليه الفقير أبغضه، وحرمه.
الرابع: أن الله يعطى عبده قبل السؤال وبعد السؤال، فهو الذي رباك حين كنت جنينًا في بطن أمك، ورزقك، وأحسن إليك مع أنك ما سألته، أما غيره من المحسنين فلا يعطيك شيئاً إلا إذا طلبته منه غالبًا.
الخامس: أن الله أوصل إحسانه إلى عموم خلقه في كل آنٍ ومكان: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
стр. 520
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
أما غيره من المحسنين فيخص إحسانه بقوم دون قوم، فمن يرجو نفعه، أو دفع شره.
السادس: أن إحسان الله إلى خلقه لا ينقطع أبدًا، أما غيره من المحسنين فينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغيبة أو الموت.
فلهذا كله ثبت أن الله هو رب العالمين الذي يربيهم بالنعم المادية، والنعم الروحية، والمحسن إلى خلقه أجمعين برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، ولهذا استحق الحمد وحده، والعبادة وحده لا شريك له: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
جهات التعظيم:
الله هو العظيم الذي لا أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه، لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى في السموات والأرض.
وجهات التعظيم بين البشر أربع، فالذي يحمد، ويعظم، ويشكر، ويكبر من الخلق في الدنيا يعظم لأربعة أمور:
١ - أما لكونه كاملًا في ذاته وصفاته، منزه عن النقائص والآفات.
٢ - وإما لكونه محسنًا إليك وإلى غيرك.
٣ - وأما لأنك ترجو وصوله إحسانه إليك في المستقبل.
٤ - وإما لأنك خائف من قهره، وسطوته في المستقبل.
стр. 521
فهذه هي الجهات الموجبة للتعظيم بين الخلق، ولا يستحق التعظيم المطلق على وجه الكمال إلا الله وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فكأن الله يقول لعباده: إن كنتم ممن يعظمون الكمال الذاتي فاحمدوني فإني أنا الله رب العالمين: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
وإن كنتم ممن يعظمون الإحسان والإنعام فأنا رب العالمين: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وإن كنتم ممن يعظمون للطمع في المستقبل فأنا الرحمن الرحيم، وإن كنتم تعظمون للخوف فأنا مالك يوم الدين، فسبحان الله على عظمة كلام الله : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ١ - ٥].
والله سبحانه وجوه تربيته لخلقه كثيرة غير متناهية، فالله رب العالمين، ورب كل مخلوق يربيه ظاهرًا، وباطنًا، إيجادًا، وإمدادًا، وإسعادًا: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ
стр. 522
فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة: ٦ - ٩].
فالإنسان خلقه الله من نطفه نزلت من صلب الأب، إلى رحم الأم، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم تولد منها بإذن ربها أعضاءٌ مختلفة من العظام، والأعصاب، والعروق، والأوردة، والشرايين.
ثم اتصل البعض بالبعض، ثم حصل في كل عضو نوع خاص من أنواع القوى فحصلت القوة العاقلة في الدماغ، وحصلت القوة الباصرة في العين، وحصلت القوة السامعة في الأذن، وحصلت القوة الناطقة في اللسان، وحصلت القوة الهاضمة في المعدة وهكذا، وكل ذلك يدل على عظمة تربية الله تعالى للإنسان: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦]
هذا بالنسبة للإنسان، أما النبات فالحبة الواحدة منه إذا وقعت في الأرض، وسقيت بالماء، انتفخت، وانشقت من أعلاها وأسفلها، أما الشق الأعلى من النبات فيخرج منه الجزء الصاعد من الشجرة، فيحصل منه الساق، ثم الأغصان، ثم الأوراق، ثم الثمار المختلفة الحجم، واللون، والطعم.
وأما الجزء الأسفل فيخرج منه العروق التي تغوص في الأرض، والله يربيها في كل الأحوال من أجل الإنسان: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ
стр. 523
وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
فلا إله إلا الله، ما أعظم خلقه لعالم النبات بأنواعه وألوانه، وأحجامه، وطعومه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ [الأنعام: ٩٩].
أما خلق العالم العلوي فالله خلق السموات والأرض، والنجومَ، والأفلاك، والشمس، والقمر لحصول مصالح الخلق، فخلق الليل والنهار، الليل للراحة والسكون، والنهار للمعاش والحركة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
فأسماء الله وصفاته وأفعاله وأقداره في منتهى الحكمة، والرحمة، والعدل والإحسان، ومنتهى الجلال والجمال، وكل أحد ينظر إلى أفعال الله بحسب الإيمان أو الكفر.
فالمؤمن يستقبل كل ما يأتي عن الله بحسب ما في قلبه من الإيمان بالله ، فيرى جميع ما يأتيه من الله من ثمرات الإيمان بالله، من علم نافع،
стр. 524
ورزق واسع، وعمل صالح، لأنه أمن بالله ربًا يربيه أحسن تربية يعطيه ما ينفعه، ويصرف عنه ما يضره، ويأمره بما يسعده، وينهاه عن ما يشقيه ويؤذيه، ويقبل كل ما جاء عن طريقه، ويراه حقاً جاء من حق، فهم ذلك أو لم يفهمه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
أما الكافر فالوحي واحد، ولكن القابل مختلف، والقابل هو القلب، والله هو الفاعل ﷻ : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فالقرآن واحد، والقلب مختلف وهو القابل، فالكافر يستنكر كل شيء من الأقدار، والمخلوقات، والدين، والقرآن.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٦ - ٢٧].
وقال الله عن الكافر: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦].
стр. 525
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ [العاديات: ٦ - ٧].
والله هو الرحمن الرحيم بعباده، هو ذو الرحمة الواسعة العامة الشاملة لجميع خلقه، الرحيم بعبادة، القاضي لحاجتهم، اللطيف بتربيتهم، والرحمن هو المنعم بما لا يتصور صدور جنسه من الناس، والرحيم هو المنعم بما يتصور صدور جنسه من الناس من أنواع الإحسان، فالرحمن خاصُ بالله لا يطلق على غيره: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ [الأنبياء: ١١٢].
وقال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
والرحيم يطلق على الله وعلى غيره، فالرحمن أعظم، لأنه واسع الرحمة، كثير الرحمة، عظيم الرحمة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
والرحمن الكبير العظيم يطلب منه العظيم، ولا يطلب منه الشيء الحقير اليسير، لأنه عظيم لا يعطى إلا العظيم كما قال النبي ﷺ «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهَا أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ يُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ». أخرجه البخاري (١).
فمن عرف الرحمن بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وعرف عظمة خزائنه، وعظمة وعده ووعيده، طلب منه الأمور العظيمة، فالعظيم نطلب منه الأمور العظيمة، وأعظم شيء هو طلب الهداية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ
стр. 526
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
فهو ﷻ رحمن فاطلب منه الأمور العظيمة، وهو أيضًا رحيم فاطلب منه الأمور اليسيرة، مثل شراك نعلك، ومثل قدرك، فهو سبحانه الرحمن الرحيم الذي يرحم عباده في الدنيا والآخرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
ولحاجة العباد إلى رحمة الرحمن الرحيم أمر الله بذكرها في الصلاة المفروضة ثمانية وستين مرة، فنقول ونكرر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم في كل ركعة من الصلوات الخمس، التي عدد ركعاتها سبع عشرة ركعة في كل ركعة تقرأ الفاتحة، فسبحان الرحمن الرحيم الذي تسلم إليه نطفه نتنة فيسلمها إليك صورة حسنه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
وسبحان الرحمن الرحيم الذي تسلم إليه طاعة ناقصة فيسلم إليك جنة خالصة: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
فما أعظم رحمة الله بخلقه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
الله ﷻ بيده الملك والملكوت، بيده ملكوت كل شيء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويعطى من يشاء، ويمنع من يشاء وهو الحكيم الخبير: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
стр. 527
هو سبحانه العليم الذي يحمى الإنسان مما يضره، ويؤذيه، ويمنع وليه من عدوه، ويمنعه من المرض، ويمنعه من الشر، ويحفظه مما يؤذيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
هو العليم الحكيم الذي يمنع من يستحق المنع، ويحفظ من يستحق الحفظ من المؤمنين، ويعرض عن من لا يستحق المنع، فينكشف ويصل إليه عدوه، فإذا لم يستقم المؤمن على دين الله يُفتن بالكفار، فينالون منه، لأن الله لم يمنعه، ولم يستحق المنع لانحرافه، فقهره وأذله عدوه.
فمن سلم من المرض أو المصيبة، فالله هو الذي منعها عنه، ومن أصابه ذلك فالله أذن بذلك ليربيه أو يؤدبه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
هو ﷻ الرحمن الرحيم الذي يمنع من يحب من التقصير، كلما قصر ابتلاه ربه بمصيبة، ليتوب إلى ربه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
هو العزيز الرحيم الذي يمنع البلاء حفظًا وعناية من أطاعه، ويمنع عنه العطاء ابتلاءً وحماية، ومن فتح الله له فهم باب المنع والعطاء رأى المنع عين العطاء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٣٠].
ومن كشف الله له الحقيقة سارع إلى ربه في جميع أحواله، وقال قلبه لو علمت أن غدًا أجلى ما قدرت أن أزيد في عملي، لأنه عرف ربه، وعلم أنه
стр. 528
رحمن رحيم لطيف خبير: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والدنيا لصغرها وحقارتها لم يشأ الله أن يجعلها علامة رضوانه، ولا علامة سخطه، لهذا يعطى الله الدنيا لمن يحب، ومن لا يحب، ولكنه لا يعطى الدين إلا من يحب: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
فإذا أعطى الله الإنسان صحة وعافية، وسعة في المال، فلا يظن أن الله يحبه، وإذا كانت صحته معلولة وهو فقير، فلا يظن أن الله لا يحبه: فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]
فليس العطاء إكرامًا، ولا المنع حرمانًا، بل العطاء ابتلاءًا، والمنع دواءً: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾ [الرعد: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ [الشورى: ١٢].
فسبحان الحكيم الرحيم الذي يمنع عن عباده ما يضرهم، أحيانًا بالأسباب كالدواء، وأكل الطيبات، وأحيانًا بضد الأسباب كما جعل النار بردًا
стр. 529
وسلامًا على إبراهيم، وأحيانًا بدون الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
هو سبحانه المعطى، وهو الذي يمنع عن عباده ما يضرهم، وهو الحافظ لا مانع لما أعطى، ولا معطى لما منع، فلا تلتفت إلى غيره، ولا تتعلق إلا به: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والمخلوق إذا أعطى فهو معطٍ صورى، وإذا منع فهو مانع صورى، لأن العطاء والمنع كله بيد الله وحده أما الله فعطاؤه ومنعه كله على الحقيقة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
واعلم أن الذي يعطى ويمنع على الحقيقة هو الله وحده لا شريك له، وهو الحكيم القادر، قد يعطى ويمنع مباشرة، وقد يعطى ويمنع عن طريق خلقه، وهو المحمود على عطائه ومنعه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ [فاطر: ٣].
هو سبحانه المعطى الذي يعطيك ما ينفعك، وهو الذي يمنع عنك كل ما يؤذيك، ويمنعك من كل ما يطغيك، ويمنعك تأديبًا لك: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، يا أرحم الراحمين
стр. 530
٧ - الخزانة السابعة
• أصل الإيمان معرفة الله :
الملكُ والملكوت كله بيد الله وحده لا شريك له، والعطاء والمنع كله بيد الله وحده لا شريك له، والتصريف والتدبير كله بيد الله وحده لا شريك له: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٣].
والعطاء والمنع بيد الله، والله وحده هو العليم بمصالح عباده، يعطيهم ما ينفعهم، ويمنعهم ما يضرهم، فلا تسأله إلا ما تعلمه أنه خير لك، والإنسان بجهله قد يسأل ما يضره: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].
فبجهله قد يحب أشياءً تضره، وبجهله قد يكره أشياء تنفعه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
فلا تسأل ربك شيئًا خيرته مغيبًا عنك، وإذا لم تجد بدًا من سؤاله فعلقه على علم الله سبحانه، واستخر الله في طلبه، بقولك اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب.
ولتكن استخارتك لربك استخارة من لا علم له بمصالحة، ولا قدرة له عليها، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].