← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

ثانيًا: الكتابُ كالخطاب: فيُصار إليه عند الحاجة، ويُستدل به على مراد المُتكلم، ويُعمل به سواء أن كان لفظًا، أو إشارةً، أو كتابًا، فالكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر، تُعقد به العقود، وكل كتاب محرر على وجه المعروف الموثق يُعد حجة على كاتبه: كالنطق باللسان. ثالثًا: تتغير الأحكام بتغير الأزمان، والأحوال، فما يتغير من العادات يتغير حكمه بتغير العُرف والعادة: كالنهي عن ادخار لحوم الأضاحي، ثم لما زالت العلة أُبيح ذلك. الأحكام التي تخضع للتغيير: الأحكام الشرعية نوعان: أولاً: أحكام مستندة إلى القرآن والسنة والإجماع، فهذا لا يتغير أبداً: كحرمة المحرمات المطلقة، ووجوب التراضي في العقود. ثانيًا: أحكام مستندة إلى الاجتهاد أو القياس، أو العُرف، فهذا النوع محل التغيير والتبديل، ويجب فيه تحقيق العدل، وجلب المصلحة، ودفع المفسدة. أسباب تغير الزمان؟. الزمان ظرفٌ يجمع عادات الناس، وأحوالهم، وعلومهم، وحاجاتهم، وهي عادات تختلف بحسب الزمان والمكان. وأسباب تغير الزمان كثيرة أهمها: أولاً: فساد أخلاق الناس، وضعف الوازع الديني. ثانيًا: تغير العادات والأعراف التي هي مناط الحكم الشرعي. ثالثًا: تطور الأوضاع، والأساليب، والوسائل التي تستدعي تغير الأحكام المبنية عليها.

стр. 4657

رابعًا: حدوث ضرورات وحاجات تتطلبها الحياة المعاصرة مما يستدعي تغيير الأحكام: كأخذ الأجرة على الأذان، وتعليم القرآن، ونحو ذلك. القاعدة الخامسة: قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله. فالكلمات قوالب المعاني، واللسان مترجم لما في القلب، ومطهر لما فيه. أقسام الكلام: ينقسم الكلام باعتبار المتكلم إلى قسمين: الأول: كلام الله تعالى، وهو أعظم الكلام، وأفصحه، وأبينه، وأنفعه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]. تمت صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام. الثاني: كلام الناس، وهو الكلام الذي ينطق به اللسان الذي خلقه الله تعالى وهو من أعظم نعم الله على الإنسان: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤]. والبيان إما إشاري، أو كتابي، أو نطقي باللسان. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. وأعلى كلام البشر، وأفصحه، وأبينه كلام النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].

стр. 4658

وينقسم الكلام باعتبار دلالته إلى: حقيقة، ومجاز. أولاً: الكلام الحقيقي: هو: اللفظ المُستعمل فيما وضع له ابتداءً، سواء أن كان لغويًا: كالأسد، أو شرعياً: كالصلاة، أو عرفيًا: كالدابة. ثانيًا: المجاز: وهو: اللفظ المُستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما مع قرينة مانعة من إيراد ما وضع له ومنه قول سبحانه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾ [يوسف: ٨٢]. أي أهل القرية. شروط قبول الكلام: المتكلم هو الشخص الذي يصدر عنه الكلام، ولا يُقبل كلام المتكلم ويُنفذ إلا بثلاثة شروط هي: أولًا: البلوغ، لكن يُقبل كلام الصبي المميز الذي يُدركُ ما يتلفظ به. ثانيًا: العقل، فلا يُقبل كلام المجنون وإقراره، لزوال عقله. ثالثًا: الاختيار، فلا يُقبل كلام المُكره، لأنه مسلوب الاختيار. ويجب إعمال كلام العُقلاء، وترتيب الحُكم الشرعي عليه. والأصل في الكلام الحقيقة، وإذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز، وإذا تعذر إعمال الكلام أُهمل كما لو إدعى من له يدين على رجل آخر أنه قطع يديه، وطالبه بالدية، فهنا يقع الكلام لغوًا. من فروع قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله: أولًا: التأسيس أولى من التأكيد؛ لأن التأسيس يفيد معنى جديدًا، أما التوكيد فهو يكرر اللفظ لتقريره في ذهن المخاطب، فيجب حمل الكلام على التأسيس؛ لأن الإفادة خيرٌ من الإعادة. ثانيًا: المُطلق يبقى على إطلاقه، ما لم يكن دليل التقييد نصًا، أو دلالة.

стр. 4659

ثالثًا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. رابعًا: ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله، فما لا يقبل التجزئة يكون اختيار بعضه كاختيار كله، وإسقاط بعضه كإسقاط كله، كما لو نذر أن يصلي لله ركعة لزم أن يصلي ركعتين؛ لأن أقل الصلاة ركعتان. خامسًا: السؤال معادٌ في الجواب، فالجواب بنعم، أو بل، أو أجل مشتملٌ على مضمون السؤال كما لو قال: هل أخذت من زيدٍ ألف ريال؟ فقال: نعم. القاعدة السادسة: الأمور بمقاصدها. فأفعال العبد مترتبة على نيته صحة وبطلانا، وقبولاً وردا. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]. وقال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].

стр. 4660

٣ - الخزانة الثالثة أقسام القواعد الشرعية: القواعد الشرعية قسمان: الأول: القواعد الكُبرى، وهي ست قواعد وهي: ١ - اليقين لا يزول بالشك. ٢ - الضرر يُزال. ٣ - المشقة تجلب التيسير. ٤ - العادة مُحكمة. ٥ - إعمال الكلام أولى من إهماله، وقد تقدمت. ٦ - الأمور بمقاصدها. الثاني القواعد الشرعية الصُغرى، وهي أقل شمولًا للمسائل من الكبرى، وتدخل في مسائل كثيرة من أبواب الفقه ومنها: القاعدة الأولى: التابع تبع، والتابع يُطلق على عدة أمور: الأول: ما اتصل بغير اتصالًا حقيقيًا بحيث يكون جزءًا منه: كالعضو من الحيوان، والغصن من الشجرة. الثاني: ما اتصل بغيره اتصالًا قابلًا للانفصال عنه: كالجنين من الأم، والثمرة من الشجرة، فذكاة الجنين ذكاة أمه. الثالث: ما اتصل بغيره اتصالًا ضروريًا: كالمفتاح من القفل. الرابع: ما اتصل بغيره اتصالًا عرضيًا: كالنقل، والتفريغ في الأشياء المُباعة مثل: كرتون الفاكهة، وصندوق الطماطم، ويخضع ذلك للعادة والعُرف، فمن ملك شيئًا ملك ما هو من ضروراته، فمن ملك دارًا ملك ما هو من لوازمها كطريقها، وفضائها، وأعماقها.

стр. 4661

والتابع يسقط بسقوط المتبوع، فإذا سقط الأصل سقط الفرع، والتابع لا يتقدم على المتبوع؛ لأنه تابع له فلا يصح تقدم المأموم على إمامه للموقف، ولا في تكبيرة الإحرام، ولا الخروج من الصلاة؛ لأنه إنما جُعل الإمام ليؤتم به. قواعد كلية خاصة بالضمان: الأولى: الخراج بالضمان، فمن ضمن شيئًا، فإنه ينتفع به في مقابة الضمان، كما قال النبي ﷺ : «الخراج بالضمان». أخرجه أبو داود (١). الثانية: الغُرم بالغنم، فالمستفيد من شيء يتحمل خسارة ذلك الشيء. الثالثة: إذا اجتمع مباشر، ومتسبب كان الضمان على المباشر، فمن حفر بئرًا لإنسان ليقع فيه، فجاء آخر فألقاه فيه، فالضمان على الثاني؛ لأنه مباشر. الرابعة: جناية العجماء جبار، فإذا أتلف الحيوان شيئاً من تلقاء نفسه بغير تفريط من مالكه، وليس معه أحد من سائق أو قائد، فذلك غير مضمونٍ على صاحبه، كما قال النبي ﷺ : «العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار». متفق عليه (٢). فجناية البهائم من تلقاء نفسها لا ضمان فيها، ولكن بشروط: أن تكون الجناية صادرة من نفس الحيوان، وأن تكون جناية الحيوان واقعة بدون تعد أو تفريط من مالكها. قواعد كلية خاصة بالحلال والحرام: الحلال هو: كل شيء لا يُعاقب عليه باستعماله، وهو ما أطلق الشرع فعله من كل مباح أذن الشرع في فعله.

стр. 4662

والحرام هو: الشيء الذي نهى الشارع عن فعله نهيًا جازمًا. والتحليل والتحريم حق الله وحده، والحلال والحرام متقابلان، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. ومن هذه القواعد: القاعدة الأولى: قاعدة إذا اجتمع الحلال والحرام غُلب الحرام، فالشرع حريص على اجتناب المنهيات، أكثر من حرصه على الإتيان بالمأمورات. عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفق عليه (١). فإذا اجتمع الحلال والحرام في شيء، واشتبه الأمر، وعسر ترجيح أحدهما على الآخر، غلبنا جانب التحريم. أسباب الاشتباه: أسباب الاشتباه ثلاثة: الأول: تعارض الأدلة الظنية. الثاني: الاختلاف في إنزال الحكم على الواقع. الثالث: اختلاط الحلال بالحرام.

стр. 4663

والاختلاط قسمان: القسم الأول: اختلاط امتزاج: كاختلاط المائعات من الدمِ والخمرِ والبولِ، وهو نوعان: الأول: أن يختلط حلالٌ بحرام، ويظهر أثر الحرام في الحلال، فيحرم تناول الحلال؛ لأنه امتزج بالحرام، كما إذا وقعت النجاسة في ماء طاهر، وغيرت لونه، أو طعمه، أو ريحه، فلاستبراء المسلم لدينه وعرضه يتركه. الثاني: أن يختلط حرامٌ بحلال، ويستهلك فيه دون أن يظهر له أثر في الحلال كما إذا اختلطت نجاسة بماء كثيرًا، ولم يتغير أحد أوصافه، فهذا الماء لا ينجس، ويجوز استعماله. القسم الثاني: اختلاط استبهام بحيث يمكن تمييز الأعيان عن بعضها، لكن لا يمكن تمييز العين المُحرمة من العين الحلال، فيُغلب جانب الحرام كما لو اختلطت شاة ميتة بعشر شياه مذكاة أو اختلطت رضيعة محرمة بعشر نسوة. ويشترط لإعمال هذه القاعدة ما يلي: أولًا: أن يعجز عن إزالة الاشتباه في المسألة. ثانيًا: أن يتساوى الحلال والحرام بلا مرجح. ثالثًا: أن يكون الحلال متعلقًا بالمباحات لا بالواجبات، أما إذا تعلق الحلال بالواجبات كان اختلط واجب بمحرم، فيُغلب الواجب على المحرم، كما إذا اختلطت جثث موتى المسلمين بجثث موتى الكفار، وجب غسل الجميع والصلاة عليهم بنية المسلمين. القاعدة الثانية من القواعد الصُغرى: ما حرم أخذه حرم إعطاؤه. فكما يحرم أخذ الربا يحرم إعطاؤه، ويحرم إعطاء الرشوة كما يحرم أخذها.

стр. 4664

القاعدة الثالثة: يحرم التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإذن الشرع. والتصرف في ملك الغير نوعان: الأول: تصرفٌ فعلي: فإن تقدمه إذن سابق حلَّ وصحَّ؛ لأنه توكيل، وإن لم يسبقه إذن، فإن كان غصبًا بوضع اليد فقط، أو تصرفًا، أو إتلافًا، فإن كان غصبًا وجب رد العين، والمال التالف. وإن كان التصرف بإحداث فعلٍ ذي أثر في العين: كالحفر في ملك الغير بلا إذن، ضمن النقصان، وإن كان إتلافًا ضمنه بكل حال. الثاني: التصرف القولي في ملك الغير: كبيع الفضولي وهبته وإجارته، فإن كان قوليًا محضًا فهو موقوف على إجازة المالك، وإن كان قوليًا يعقبه فعل: كالتسليم كالمتصرف غاصبًا بالتسليم ضمنه إلا أن يجيزه المالك، والأمر بالتصرف في ملك الغير باطل، فمن أمر غيره بإحراق مال زيد مثلًا فأحرقه وهو بالغ عاقل غير مُكره فالضمان على المأمور. القاعدة الرابعة: لا يجوز لأحدٍ أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي. وأسباب التملك الشرعية أربعة: الأول: إحراز المُباحات كحيازة الماء، والكلأ، وصيد البر، والبحر، ونحوها. ثانيًا: عقود: كالبيع، والإجارة، والربا، والوقف، ونحوها. الثالث: الخلفية وهي: حلول شخص محل شخص: كالإرث. الرابع: التولد من المملوك: كمالك الأصل أو لفرعه ونتاجه من سواه، كثمرة الشجرة، ولبن الحيوان. فالحيوان ولبن الحيوان مملوكٌ لصاحب الأصل، وما سوى ذلك يُمنع التملك عن طريقه: كالتملك عن طريق الظلم والاستغلال: كالربا،

стр. 4665

والاحتكار، والقمار، والغصب، والسرقة، والغش، والرشوة، والإتجار بالمُحرمات: كالخمر، والخنزير، ونحو ذلك. فمن أخذ مال غيره بوجه من الوجوه غير المشروعة لزمه رده، فإن تلف ضمنه لصاحبه. قواعد كلية شرعية خاصة بالقضاء: القضاء: الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام. القاعدة الأولى: قاعدة البينة على المدعي، واليمين على من أنكر: فعلى المُدعي إقامة البينة، فإن عجز عنها وجب اليمين على المُدعى عليه إذا كان مُنكرًا للدعوى، كما قال النبي ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». متفق عليه (١). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه». أخرجه الترمذي بسندٍ صحيح (٢). فجانب المدعي ضعيف؛ لأنه يقول بخلاف الظاهر، فكل الحجة القولية هي البينة التي يقوى بها ضعف المُدعي، أما المُدعى عليه فهو قوي؛ لأن الأصل فراغ ذمته فاكتفي منه باليمين، وهي حجة ضعيفة؛ لأن الحالف يجلب لنفسه النفع، ويدفع عنها الضرر. شروط صحة الدعوى: الدعوى: قول يطلب به الإنسان إثبات حقٍ على غيره، وشروطها: أولًا: ألا يسبق من المُدعي ما يناقض دعواه.

стр. 4666

الثاني: أن يكون المُدعى به بما يحتمل الثبوت، فلا يصح ادعاء ما هو مستحيل. الثالث: أن يكون المُدعى به معلوماً. الرابع: أن تكون الدعوى مُلزمةٌ بشيء على الخصم. الخامس: أن تكن الدعوى في مجلس القضاء. السادس: أن يكون المُدعى عليه معينًا في الدعوى. السابع: أن تكون الدعوى محققة مجزوماً بها. القاعدة الثانية: المرء مؤاخذ بإقراره، فمن أقرَّ على نفسه بشيءٍ من غير إكراه لزمه، فالإقرار حجة بالغة، وهو سيد الأدلة، وشروطه: أولاً: أن يكون المُقر بها مميزًا عاقلًا مختارًا غير متهم في إقراره. ثانيًا: أن يكون المقر له معينًا لأهليته للتملك، مُصدقًا لما أقرَّ به المقر مستحق للمُقِر به. ثالثًا: أن يكون المُقر به معلومًا غير ملك للمُقِر. الرابع: أن تكون صيغة الإقرار جازمة منجزة غير معلقة على المستقبل. القاعدة الثالثة: من القواعد الكلية الخاصة بالقضاء: البينة حجة متعدية، والإقرار حجة قاصرة، فالبينة حجة قوية إذا أقيمت على شخص كانت مُلزمة له ومُلزمة لغيره من الناس، والإقرار حجة قوية، لكنها قاصرة على من أقَرَّ على نفسه لا تتعداه إلى غيره. القواعد الكلية الخاصة بالسياسة الشرعية: السياسة الشرعية: هي تدبير أمور الأمة بما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة، حسب الشرع.

стр. 4667

القاعدة الأولى: التصرف عن الرعية منوط بالمصلحة، فمن كانت له ولاية على غيره فلا تكون تصرفاته نافذة على غيره إلا إذا كانت تُحقق المصلحة، سواء كانت الولاية عامة: كالحاكم، أو خاصة: كولي الأيتام، ونحوها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ [الإسراء: ٣٤ - ٣٥]. وعَنْ ابْنِ عُمَر ﵄ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلمأَنَّهُ قَالَ: «أَلا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه (١). وعن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ». متفق عليه (٢). الولاية العامة هي: سلطة تدبير المصالح العامة للأمة: كالملك، والأمير، والوزير، والقاضي، والولي، والوصي، ونحوهم. أما الولاية الخاصة فهي: سلطة تُمكن صاحبها من التصرف عن الغير إما بمباشرة العقود عنه دون توقف على رضاه، وإما بالتربية والرعاية للصغير: كالحضانة.

стр. 4668

ويُشترط لإعمال هذه القاعدة ما يلي: الأول: أن يتوفر في الولي شروط الوكيل. ثانيًا: أن يتضمن التصرف منفعة للمُولى عليه، ومناط الحكم، وتحقيق المصالح، ودفع المضار، والمفاسد، ومتى حصل ذلك نفذ التصرف، وإن ترتب على التصرف مفسدةٌ، أو مضرة، أو ظلم، أو محاباة، ونحوها لم ينفذ التصرف. القاعدة الثانية: قاعدة الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة، فإذا اجتمع الولي والوصي مع السلطان أو الوالي، فتُقدم الولاية الخاصة على العامة كالسلطان، فليس للحاكم أو القاضي ممارسة صلاحيات البيع، والشراء، ونحوها مع وجود الوصي أو الولي. القاعدة الثالثة: قاعدة من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، فإذا كان الشخص يستحق شيئًا بسببٍ لم يحن وقته فلم يصبر وعجل في حصوله بغير وجه حق، عوقب بحرمانه: كمن قتل مورثه بغير حق، فإنه يُحرم من الميراث كأن يقتله عمدًا، ومن قتل الموصي بغير حق، حُرم من الوصية. القواعد الكلية الخاصة بالاجتهاد الفقهي: الاجتهاد: استفراغ الفقيه وسعه لإدراك حُكم ظني شرعي، ومن ذلك: القاعدة الأولى: قاعدة لا اجتهاد مع النص، فلا يجوز من فقيه الاجتهاد في قضية شرعية ورد فيها نصٌ صريحٌ بحكمها؛ لأن الاجتهاد إنما يكون فيما لا نص فيه، أو فيه نص ولكن معناه مُحتمل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].

стр. 4669

وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. أنواع الاجتهاد: الاجتهاد نوعان: الأول: اجتهاد في فهم النص من القرآن، أو السنة، وتطبيقه، فإن كان النص قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، وجب العمل به، كقوله سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَالَّذِينَ﴾ [النور: ٢] وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨]. وإن كان النص ظني الدلالة، قطعي ثبوت، وجب الاجتهاد في فهم النص: كالقروء في قوله سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. هل المُراد بالقروء الطُهُر أو الحيض؟. الثاني: اجتهاد في قياس حُكمٍ لا نص فيه، على حُكمٍ منصوص عليه، فالاجتهاد مع وجود النص الصحيح الصريح حكمٌ بغير ما أنزل الله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. القاعدة الثانية: الاجتهاد لا يُنقض بمثله، فإذا حكم المُجتهد في مسألة لم يرد فيها نصٌ قطعي، ثم وقعت مسألة أخرى مشابهة، فبدا له رأيٌ آخر،

стр. 4670

وعدل عن حكم المسألة الأولى بحكم مناقض، فلا يبطل حُكمه الثاني حكمه في المسألة الأولى؛ لأن ذلك يؤدي إلى عدم استقرار المعاملات، والأحكام الشرعية. فالاجتهاد حجة شرعية لا يتغير، ولا يتبدل، ولو تبدل رأي المُجتهد نفسه، ويُعمل الرأي الجديد في المستقبل، لا فيما مضى؛ رفعًا للحرج، والمشقة عن الناس. شروط هذه القاعدة: يُشترط لإعمال هذه القاعدة عدة شروط: الأول: أن يكون الاجتهاد صادرًا فيما مضى. الثاني: ألا يكون الاجتهاد السابق مخالفًا لنصٍ قطعي في القرآن، والسنة الصحيحة، أو الإجماع القطعي، أو القياس الجلي. الثالث: ألا يكون الاجتهاد السابق مبنيًا على خطأ بيِّن، أو ظلم، أو جور. الرابع: ألا يكون الاجتهاد السابق متعلقًا بمصلحة عامة، فللإمام تغييره. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. الفرق بين خطاب التكليف، وخطاب الوضع: أولاً: خطاب التكليف هو: المتعلق بفعل المكلف بإلزامه بما فيه كلفةٌ أو مشقة وأقسامه خمسة: الواجب .. والمندوب .. والمحرم .. والمكروه .. والمباح.

стр. 4671

ثانيًا: خطاب الوضع هو: الخطاب الوارد بأن هذا الشيء مانعٌ لغيره كالحيض للصلاة، أو سببٌ لغيره كدخول الوقت للصلاة، أو شرطٌ لغيره كالطهارة للصلاة. وعلامة خطاب الوضع أمران: أحدهما: أن لا يكون في طوق المكلف كالحيض، ودخول الوقت للصلاة. الثاني: أن يكون في طوقه لكنه لم يؤمر بتحصيله كنصاب الزكاة. فخطاب الوضع معناه أن الله وضع المنع من الصلاة عند حصول الحيض، ووضع وجوب الصلاة عند عدم دخول وقت الصلاة. فقه سد الذرائع: سد الذرائع له ثلاث حالات: الأولى: ما يجب سده بالإجماع: كتحريم سب الأصنام إذا كان ذلك يُفضي بعابديها إلى سب الله ﷻ كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام: ١٠٨]. وتحريم حفر الآبار في طرق الناس الذي هو وسيلةٌ لسقوطهم فيها. الثانية: ما لا يجب سده بالإجماع وهو: ما كانت المصلحة فيه راجحةٌ على المفسدة، كغرس شجر العنب الذي هو وسيلة لعصر الخمر منه، ثم شربه. الثالثة: ما كان حلالًا في الظاهر، لكن يُجعل وسيلةً إلى محرم، فهذا يُمنع سدًا للذريعة.

стр. 4672

ومثاله: لو باع الإنسان سلعةً بثمنٍ مؤجل، ثم اشتراها بعينها بثمنٍ أقل من الأول نقدًا، فالشراء الثاني مباحٌ في الظاهر، لكنه وسيلةٌ إلى الربا المحرم، فيُمنع سدًا للذريعة. جزاء العمل: كل إنسان مسلمٍ أو كافر سيُجازى بما عمل من خيرٍ أو شر: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. فالكافر يرى جزاء عمله الحسن في الدنيا، ولا حظ له في الآخرة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. لكن يكافئ بما عمل من حسناتٍ عملها في الدنيا، من صحةٍ، ورزقٍ، وكثرة مالٍ، وولد ونحو ذلك. والمؤمن يرى جزاء عمله السيئ في الدنيا بالمصائب والأمراض والآلام كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. وأما في الآخرة فالمؤمن يرى كل ما قدم من خيرٍ وشر، فيغفر الله له الشر أو يُعاقبه، ثم يخرجه من النار، ويُثيبه على ما فعل من الخير.

стр. 4673

والكافر يرى كل ما قدم من خيرٍ وشر، فيحبط الله ما قدم من خير كما قال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. ويُعاقبه الله على ما فعل من شر، ويُحاسبه على ما أعطاه من نعمة. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ١ - ٨]. حكم الإسراف: الإسراف تارةً يكون بالكفر، فهذا إذا لم يتب الإنسان منه فهو في النار كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾ [غافر: ٤٣]. وتارةً يكون الإسراف في ارتكاب المعاصي التي دون الكفر، فهذا إن مات ولم يتب فهو تحت مشيئة الله إن كان مسلمًا، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه في النار ثم أخرجه إلى الجنة، وإن تاب قبل الموت قبل الله توبته كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].

стр. 4674

حكم تعارض المطلق والمقيد في الشريعة: للمطلق والمقيد أربع حالات: الأولى: أن يتحد حكمهما وسببهما معًا كتحريم الدم فقد جاء مطلقًا في ثلاث آيات في البقرة، والمائدة، والنحل، كما قال سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. وجاء الدم مقيدًا بالدم المسفوح في سورة الأنعام، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فهنا يُحمل المطلق على المقيد؛ لاتحاد السبب والحكم معًا، فيكون المحرم فقط هو الدم المسفوح الخارج عند ذبح الذبيحة. الثانية: أن يتحد الحكم، ويختلف السبب، كعتق الرقبة في الكفارة، فالحكم في آية التقييد، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] فهذا في كفارة قتل الخطأ جاءت مقيدة بمؤمنة، والحكم في آية المطلق ككفارة الظهار كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾ [المجادلة: ٣]. ففي كلٍ منهما كفارة، قتل الخطأ، وكفارة الظهار، الحكم واحد، وهو عتق رقبةٍ في كفارة، والسبب مختلف؛ لأن سبب المقيد قتل الخطأ،

стр. 4675

وسبب المطلق الظهار، فيُحمل المطلق على المقيد كذلك، فتكون الكفارة رقبةٌ مؤمنة. الثالثة: أن يتحد السبب، ويختلف الحكم، ومثاله: كفارة الصيام والإطعام في الظهار، فسببهما واحد، وهو الظهار، وحكمهما مختلف؛ لأن أحدهما تكفيرٌ بصوم، والآخر تكفيرٌ بإطعام، وأحدهما مقيد بالتتابع وهو الصوم، والثاني مطلقٌ عن التتابع وهو الإطعام، فهذا لا يُحمل المطلق على المقيد، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٣ - ٤]. الرابعة: أن يختلفا في الحكم والسبب معًا، فهنا لا يُحمل المطلق على المقيد، ويبقى المطلق على إطلاقه، والمقيد على قيده، ومثاله: قضاء رمضان جاء مطلقًا بقوله سبحانه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وكفارة الصوم في الظهار جاء مقيدًا بالتتابع بقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [المجادلة: ٤]. وكفارة صوم المتمتع جاء مفرقًا بقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فيبقى المطلق على إطلاقه، والمقيد على قيده كما ورد في النص الشرعي: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ

стр. 4676

الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال النبي ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». متفقٌ عليه (١).

стр. 4677

٤ - الخزانة الرابعة فقه الشفاعة: الشفاعة هي: طلب الخير للغير. وأحوال الشفاعة ثلاثة: أحدهما: الشفاعة إما أن تكون من المخلوق إلى الخالق. الثاني: أو تكون من المخلوق إلى المخلوق. الثالث: أو تكون من الخالق إلى المخلوق. الأولى: شفاعة المخلوق إلى الخالق، وهي نوعان: شفاعةٌ في الدنيا .. وشفاعةٌ في الآخرة. فالشفاعة إلى الله في الدنيا تكون بالدعاء للمشفوع له. والشفاعة إلى الله في الآخرة تكون بدعاء الله ، وسؤاله التجاوز عن المشفوع له، أو رفع درجته، وهذه الشفاعة ثابتةٌ للنبي ﷺ والمؤمنين والملائكة كما قال النبي ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا». متفقٌ عليه (١). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ». أخرجه أبو داود (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ». أخرجه البخاري (٣).

стр. 4678

أما شفاعة الملائكة، فكما قال سبحانه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]. وشفاعة النبي ﷺ يوم القيامة سبعة أنواعه: ١ - شفاعته ﷺ في أهل الموقف في الإراحة من هول الموقف، والقضاء بينهم، وهي الشفاعة العظمى. ٢ - وشفاعة ﷺ في إدخال قومٍ الجنة بغير حساب. ٣ - وشفاعة ﷺ في قومٍ حوسبوا فاستحقوا العذاب ألا يعذبوا. ٤ - وشفاعة ﷺ في إخراج من أُدخل النار من العصاة أن يخرجوا منها. ٥ - وشفاعة ﷺ في رفع الدرجات. ٦ - وشفاعة ﷺ أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة. ٧ - شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب أن يُخفف عنه العذاب. وطلب الشفاعة على أربعة أقسام: الأولى: طلبها من الله، فهذا طلبٌ من الله، ودعاءٌ مشروع. الثاني: طلبها من الشفيع يوم القيامة، كما يطلبها الناس من الأنبياء يوم القيامة ليقضي الله بينهم، فهذا جائز. الثالث: طلبها في الحياة من المسلم الصالح الحي الحاضر، وهذا طلبٌ مشروع. الرابع: طلبها ممن مات وانتقل إلى عالم الغيب من الأموات، وهذه لا تجوز؛ لِما تفضي إليه من الشرك. الثانية: شفاعة المخلوق إلى المخلوق، فهذه مشروعة؛ لأنها من باب التعاون على البر والخير والتقوى، إذا كان المشفوع إليه يملك التصرف

стр. 4679

فيما طُلب منه، وفيها أجرٌ وثواب: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥]. الثالثة: شفاعة الخالق إلى المخلوق، فهذه لا تجوز؛ لأن الشفيع سائل، والله مسئولٌ لا سائل، فلا يُستشفع به على أحدٍ من خلقه، وإنما يستشفع الفقير إلى الغني: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. والناس يوم القيامة يصدرون للمحاسبة، ورؤية الأعمال، ثم الجزاء عليها كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. ويصدرون أشتاتًا، فبعضهم يذهب إلى الموقف راكبًا مع الثياب الحسنة، وبياض الوجه، وهم المؤمنون، وهم درجات: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥]. وبعضهم يُذهب بهم حفاةً عراة، سود الوجوه، مقيدين في السلاسل والأغلال وهم الكفار، وهم درجات، فيذهب اليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، وكل فريقٍ مع شكله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾ [الصافات: ٢٢].

стр. 4680

وحسنات الكافر محبطةٌ بكفره، وسيئات المؤمن مغفورةٌ إما ابتداءً، وإما بسبب اجتنابه الكبائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]. وليس من مؤمنٍ ولا كافر عمل خيرًا أو شرًا إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته، ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته، ويُعذب بسيئاته: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١]. وهذا هو الحق والعدل، والكرم والإحسان؛ لأن المعصية وإن قلت أو صغرت ففيها استخفافٌ بالملك الجبار، والكريم لا يحتمله، وفي الطاعة تعظيمٌ للملك، فهذا التعظيم وإن قل فالكريم لا يضيعه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]. وكل ذنبٍ مهما كان فهو في حق الله عظيم؛ لأنه وقع في حق العظيم سبحانه؛ ولأنه وقع في مقابلة نعم ربه العظيمة: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]

стр. 4681

حكم الاستغاثة: الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، وغياث المستغيثين هو الله ﵎، وقد أمر الله بالاستغاثة به في كل شدةٍ وكربٍ ومشقة. والفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا في الكرب والشدة. أما الدعاء فيكون من المكروب وغيره فهو أعم. ومن استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشركٌ كافر: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. ومن استغاث بالله مخلصًا أجابه كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال/ ٩] فضل التسبيح: تسبيح الله جاء في القرآن تارةً بمعنى التنزيه، وتارةً بمعنى التعجب، فالتنزيه عن الشريك والمثيل والشبيه، وصفات العيب والنقص كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤]. وقوله : ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤]. والتعجب من ترك عبادة العظيم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى المنعم على عباده بكل نعمة، كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].

стр. 4682

فإذا أردت أيها المسلم رضوان ربك فسبحه: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾ [طه: ١٣٠]. وإن أردت الفرج من البلاء والكرب فسبحه كما قال يونس: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]. وإن أردت الخلاص من النار فسبحه كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩١]. وكن مع المسبحين، فكل ما في الكون من الخلائق يُسبح بحمده من الذرات والدواب، والحجر والرمال، والجبال والشجر، والليل والنهار، والظلمات والنور، والزمان والمكان، والجنة والنار، والأجسام والأرواح، والقطرات والرياح: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: -٤٤]. وقال سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١] والله سبحانه ليس بحاجةٍ لأحد؛ لأنه الغني عن كل ما سواه، لكن إن ذكرته ذكرك: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. والله حمد نفسه قبل أن يحمده أحد، وقبل أن يخلق الحامدين له، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]. وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١].

стр. 4683

وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ [الكهف: ١ - ٢]. فسبحان ربنا الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ [النور: ٤١]. وسبحان من بيده كل شيء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. والرب الذي هذه صفاته أهل أن يعبد ويحمد ويشكر: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥] وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣]. وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]. فقه الأعياد: العيد اسمٌ لِما يعود ويتكرر على وجهٍ معتاد. والأعياد نوعان: الأول: أعيادٌ شرعية، وهي ما حوى عبادةً مشروعة، وعادةً مُباحة، فالعبادة كالصلاة والنُسك، والعادة كالتزين باللباس واللعب المباح.

стр. 4684

والأعياد الشرعية قسمان: أولًا: أعيادٌ زمانية، وهي ما يعود كل زمن، ويُتقرب فيه إلى الله كعيد الفطر، وعيد الأضحى، والجمعة عيد الأسبوع. ثانيًا: أعيادٌ مكانية وهي: ما يتكرر العود إليها كالمسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومشاعر الحج. الثاني: أعيادٌ بدعية، وهي: ما يعظمه الناس من مكانٍ أو زمانٍ لم يرد الشرع بتعظيمه، كتعظيم يوم المولد النبوي، وليلة النصف من شعبان، والسابع والعشرين من شهر رجب، وأعياد تولي السلاطين على الملك، وعيد الاستقلال، وعيد الاستيلاء على البلدان ونحوها من الأعياد المحدثة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. فهذه تحرم إقامتها وتعظيمها؛ لأن الشرع لم يجعلها عيدًا فتبقى على أصل التحريم. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وعن عائشة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفقٌ عليه (١).

стр. 4685

أقسام النذر: النذر هو أن يوجب الإنسان على نفسه شيئًا لم يكن واجبًا عليه بأصل الشرع. والنذر لله تعالى نوعان: الأول: نذرٌ مأمورٌ به عند وجود سببه، كهدي التمتع والقران والأضحية إذا عينها، والعقيقة إذا عينها، هذا نذرٌ عظيم، ونسكٌ كريم، وهو من أجل القرب كما قال سبحانه عن الحجاج: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩]. الثاني: نذرٌ لا يؤمر بابتدائه، وإنما يؤمر بالوفاء به بعد عقده، وهو نذر الطاعة، وهو الذي قيل فيه: أنه لايأتي بخير، وقد مدح الله المؤمنين بالوفاء به بعد عقده بقوله سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧]. حكم السرقة والرشوة: السرقة والرشوة كلاهما سُحت، وأقبح شيءٍ يأكله الإنسان ما أخذه برشوةٍ أو سرقةٍ أو ربا، لكن المرتشي أخس من السارق؛ لأن السارق يأخذ المال بغير حق، مع علمه أن فعله خبيثٌ خسيسٌ منهيٌ عنه، ولكن غلبته نفسه وشهوته فمد يده إلى الحرام، ولو انتظر لجاءه رزقه طيبًا من ربه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦]. أما المرتشي، فإنه يأكل أموال الناس بالباطل، وهو يزعم أن هذا من دين الله وشرعه؛ لِما يراه من قضاء حاجات الناس.

стр. 4686

ومن أعظم أنواع الرشوة خطرًا ارتشاء القاضي، ليحكم بغير الحق، وبغير ما أنزل الله، لأجل عرضٍ من الدنيا كما يفعله اليهود والذين اتبعوهم من الذين يأكلون أموال الناس بالباطل فهؤلاء أخس خلق الله كما قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. فكل قاضٍ أو مسئول يأكل الرشوة، ويغير أحكام الله من أجلها، ويدعي أن الله يغفر له ذلك، فهذا كله من الجهل، والجرأة على الله وكتابه وشرعه؛ لأن الله قد لا يغفر للمُصرين على أكل الرشوة، لِما هم عليه من انتهاك حرمات الله، وزعمهم أن الله يغفر لهم، فهذا كله من الغرور، وصاحبه أخو اليهود في أكل أموال الناس بالباطل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. أقسام المستحيل: المستحيل أقسام: الأول: المستحيل عقلًا، بأن يُكلف الإنسان بالجمع بين الضدين كالبياض والسواد، أو الجمع بين النقيضين كالعدم والوجود. الثاني: المستحيل عادة كتكليف المقعد بالمشي، وتكليف الإنسان بالطيران ونحو ذلك.

стр. 4687

فمثل هذا وما قبله لا يقع التكليف به شرعًا إجماعًا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. حكم التصوير: التصوير هو التخليق والتكوين، والتشكيل والتزيين. والمصور من أسماء الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤]. والتصوير صفته سبحانه كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل عمران: ٦]. والمصور سبحانه هو الذي خص كل مخلوق بما يميزه عن غيره من المخلوقات من جمادٍ ونباتٍ، وحيوانٍ وإنسانٍ، وبما تحصل به مصلحته. والصورة هي: ما يتميز بها الشيء عن غيره. والمصور هو الله وحده؛ لأنه صور المخلوقات على غير مثالٍ سابق. والمصورون من أشد الناس عذابًا؛ لأنهم ينازعون الله في أسمائه وصفاته وأفعاله بعملهم ما يُشابه خلقه، فكانوا بذلك أظلم الناس؛ لتعديهم على سلطان الربوبية، وتعديهم على خصائص الإلهية، وإساءة الأدب مع الله. فالمصور لما صور الصورة على مثل ما خلق الله، صار مضاهيًا لخلق الله، فكان أشد الناس عذابًا يوم القيامة، فإذا اخترع صورةً على غير مثال صار متعديًا على جناب الربوبية بتصوير ما لم يُسبق إليه، والله وحده هو الخالق البارئ المصور، فالمصورون من أشد الناس عذابًا يوم القيامة.

стр. 4688

عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا الْمُصَوِّرُونَ». متفقٌ عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ شَعِيرَةً». متفقٌ عليه (٢). والتصوير كله محرم، سواء كان لجمادٍ أو نباتٍ أو حيوان، لما فيه من مضاهاة خلق الله، ولِما فيه من تعدي حدود الله. وأشد أنواعه تصوير ذوات الأرواح، وما صوره المصور من ذي روح يُعذب به يوم القيامة، حتى يُكمل خلقه بنفخ الروح فيه، وليس بنافخ، فيكون ذلك أطول لعذابه. والتصوير من أعظم وسائل الشرك، فأول شركٍ وقع في الأرض في قوم نوح، بسبب التصوير، فصوروا صالحيهم، وجعلوهم في مجالسهم ومساجدهم؛ ليتذكروا عبادتهم، ثم في النهاية عبدوهم من دون الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١]. والتصوير لذوات الأرواح من المحرمات، بل من كبائر الذنوب، سواءً كان لها ظل أو لم يكن لها ظل، وسواءً كانت ثابتة أو متحركة كالصور على الجدران والألواح والملابس والنقود والأوراق، وصور الفيديو، والتصوير

стр. 4689

بآلات التصوير المختلفة، فتصوير كل ذي روح محرم، بل هو من كبائر الذنوب، وله أثره البالغ المشين في إفساد الدين والخلق قديمًا وحديثًا. فقديمًا التصوير هو سبب أول كفر وقع في الأرض، وهو تصوير بعض الصالحين من قوم نوح، وهم ود وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسراً بقصدٍ حسن، ليراهم الناس، ويتذكروا عبادتهم، فينشطوا للعبادة، ثم طال الزمن فعبدوهم من دون الله. فأول جناية شركية على التوحيد في الدنيا إنما كانت بسبب التصوير الذي كان في قوم نوح. وحديثًا التصوير الآن سبب فساد الدين، وضياع الأخلاق، وانتشار الرذيلة، والقضاء على مكارم الأخلاق بتصوير النساء عاريات متبرجات، وعرضهن أمام غرائز الرجال؛ ليفسدوا دينهم وأخلاقهم، وقد عم البلاء وطم حتى صار كأنه مباح، بل كأنه مشروع، وهذه أعظم جناية على الدين والأخلاق: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وما أفضى إلى المحرم فهو محرم، فكيف إذا كان هو محرمٌ، ثم أفضى إلى محرم. وكيف وقد لعن الله المصورين. وكيف وقد توعد الله المصورين بأشد العذاب. وكيف وفاعله مخالف لأمر الله ورسوله؟: قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].

стр. 4690

وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. وقد محى النبي ﷺ الصور التي في جدران الكعبة عام الفتح بالماء، وما ذلك إلا لأنها محرمة، ووسيلةٌ إلى المحرم، بتعلق قلوب الناس بها من دون الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقد ورد في تحريم التصوير أكثر من أربعين نصًا، ست آيات، وأربعة وثلاثين حديثًا عامتها وأكثرها في الصحيحين أو في أحدهما. فسبحان الله كيف تجرأ كثيرٌ من المسلمين على التصوير، وقد لعن الله المصورين، وكيف وقد توعد الله المصورين بأشد العذاب، وكيف وفاعله مخالف لأمر الله ورسوله؟: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. وكيف إذا كان التصوير في بيت الله الحرام، وفي مسجد نبيه ﷺ من الرجال والنساء كما هو حاصل الآن؟: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤]. عن ابن عباسٍ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ». أخرجه مسلم (١). وعن عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ يَا عَائِشَةُ:

стр. 4691

أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ، فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ». متفقٌ عليه (١). وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ». متفقٌ عليه (٢). والتصوير، والرسم باليد، والتصوير بالآلة، أو الفيديو، كل ذلك عملٌ محرم، بل هو من الكبائر. فالتصوير بالآلة أعظم من التصوير باليد؛ لسهولته وكثرة انتشاره بين الناس، وإفساده الأخلاق بين الرجال والنساء كما هو حاصلٌ عيانًا. والتصوير باليد أعظم واخطر، لِما فيه من مضاهاة خلق الله، فالله هو المصور الذي يصور كيف يشاء: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا الْمُصَوِّرُونَ». متفقٌ عليه (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ شَعِيرَةً». متفقٌ عليه (٤). وإذا كانت قد جاءت النصوص القطعية بتحريم التصوير، وأنه من الكبائر، فيجب على المسلم ان يُطيع الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

стр. 4692

وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. فحذار من اتباع خطوات الشيطان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١]. حكم الإقسام على الله: الإقسام على الله أن يحلف الإنسان على الله أن يفعل كذا. والإقسام على الله له حالتان: الأولى: حال التألي والتكبر والعُجب بالنفس. فهذا فيه تزكيةٌ للنفس، وغمطٌ للناس، كأن يُقسم بأن الله لا يُعطي فلانًا أو لا يغفر له، فهذا محرم؛ لأنه يُنافي كمال التوحيد، ولِما فيه من التحكم على الله، والتألي عليه، والحجر عليه بلا برهان؛ ولهذا أحبط الله عمل من قاله كما قال النبي ﷺ في الذي قال: «وَاللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلانٍ، فَقَالَ اللَّهُ: قَدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَك». أخرجه مسلم (١).

стр. 4693

الثانية أن يُقسم على الله معتقدًا حُسن ظنه بربه، أو مُحسنًا للظن بربه، راجيًا لطفه وفرجه، مفتقرًا إليه سبحانه، طامعًا في فضله ورحمته، لحسن ظنه به، وهذا جائز كما قال النبي ﷺ : «إنَّ مِنْ الناس مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ». أخرجه أبو داود (١). أصول الاقتصاد الإسلامي أربعة: الأول: اكتساب المال الحلال. الثاني: صرفه في مصارفه الشرعية. وكل واحدٍ من هذين الأصلين لابد له من أمرين: الأول: معرفة حكم الله فيه؛ لأن الله سبحانه، لم يبح اكتساب المال بأي طريق، بل أباح بعض الطرق، وحرم بعضها كما قال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ولم يبح سبحانه صرف المال في كل شيء، بل أباح بعض الصرف، وحرم بعضه، فقال في الصرف الحلال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقد وسع الله أبواب الإنفاق الشرعي، ومدح المنفقين، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].

стр. 4694

وقال سبحانه في الصرف الحرام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]. فمن لم يعلم حكم الله في الكسب والصرف، قد يكتسب المال من وجهٍ حرام، ويصرفه في حرام. الثاني: معرفة الطرق الكفيلة باكتساب المال؛ ليحصل له الربح، وحسن النظر في أوجه الصرف، ليحصل للناس النفع والخير. فإذا كان جواز الصرف في طرق الخير معلومًا، فإيقاع الصرف على وجه المصلحة لا يعلمه كل الناس، ومن جمع المال في غير هذه الأصول فلا خير في ماله، ولا بركة في تجارته، كما قال سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]. والشركاء في المال ثلاثة: الأول: القدر، فأنت ومالك عرضةً للفناء والهلاك. الثاني: الوارث، ينتظر أن توضع في القبر، ثم يسوقه إليه وأنت ذميم. الثالث: أنت، فقدم من دنياك ما ينفعك في أخراك: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]. فقه المُلك: أعظم المُلك مُلك النبوة والرسالة، والنبوة أعظم مراتب المُلك؛ لأن الأنبياء والعلماء لهم أمرٌ عظيمٌ على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمرٌ على ظواهر الخلق: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا

стр. 4695

آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٤ - ٥٥]. والملك أنواع: مُلك النبوة، ومُلك العلم، ومُلك العقل، ومُلك الصحة، ومُلك الأخلاق الحسنة، ومُلك المال، ومُلك القدرة، ومُلك البلاد، وجميع أنواع المُلك بيد الملك الواحد الأحد ملك الملوك سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وقال الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. وأعظم مُلكٍ يُكرم الله به عبده أن يملك نفسه، ويقهرها عن شهواتها، ويحملها على طاعة الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. وأعظم مُلكٍ في الآخرة أن تكون بجانب وبقرب ملك الملوك: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وأن تكون في ملكٍ عظيم في الآخرة، بعد ان نفذت أوامر العظيم سبحانه في الدنيا، فيكرمك الله بالقصور الملكية العظيمة: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا
следующие страницы →