أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ، فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ». متفقٌ عليه (١).
وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ». متفقٌ عليه (٢).
والتصوير، والرسم باليد، والتصوير بالآلة، أو الفيديو، كل ذلك عملٌ محرم، بل هو من الكبائر.
فالتصوير بالآلة أعظم من التصوير باليد؛ لسهولته وكثرة انتشاره بين الناس، وإفساده الأخلاق بين الرجال والنساء كما هو حاصلٌ عيانًا.
والتصوير باليد أعظم واخطر، لِما فيه من مضاهاة خلق الله، فالله هو المصور الذي يصور كيف يشاء: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤].
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابًا الْمُصَوِّرُونَ». متفقٌ عليه (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ شَعِيرَةً». متفقٌ عليه (٤).
وإذا كانت قد جاءت النصوص القطعية بتحريم التصوير، وأنه من الكبائر، فيجب على المسلم ان يُطيع الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
стр. 4692
وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
فحذار من اتباع خطوات الشيطان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
حكم الإقسام على الله:
الإقسام على الله أن يحلف الإنسان على الله أن يفعل كذا.
والإقسام على الله له حالتان:
الأولى: حال التألي والتكبر والعُجب بالنفس.
فهذا فيه تزكيةٌ للنفس، وغمطٌ للناس، كأن يُقسم بأن الله لا يُعطي فلانًا أو لا يغفر له، فهذا محرم؛ لأنه يُنافي كمال التوحيد، ولِما فيه من التحكم على الله، والتألي عليه، والحجر عليه بلا برهان؛ ولهذا أحبط الله عمل من قاله كما قال النبي ﷺ في الذي قال: «وَاللَّهِ لا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلانٍ، فَقَالَ اللَّهُ: قَدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَك». أخرجه مسلم (١).
стр. 4693
الثانية أن يُقسم على الله معتقدًا حُسن ظنه بربه، أو مُحسنًا للظن بربه، راجيًا لطفه وفرجه، مفتقرًا إليه سبحانه، طامعًا في فضله ورحمته، لحسن ظنه به، وهذا جائز كما قال النبي ﷺ : «إنَّ مِنْ الناس مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ». أخرجه أبو داود (١).
أصول الاقتصاد الإسلامي أربعة:
الأول: اكتساب المال الحلال.
الثاني: صرفه في مصارفه الشرعية.
وكل واحدٍ من هذين الأصلين لابد له من أمرين:
الأول: معرفة حكم الله فيه؛ لأن الله سبحانه، لم يبح اكتساب المال بأي طريق، بل أباح بعض الطرق، وحرم بعضها كما قال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
ولم يبح سبحانه صرف المال في كل شيء، بل أباح بعض الصرف، وحرم بعضه، فقال في الصرف الحلال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقد وسع الله أبواب الإنفاق الشرعي، ومدح المنفقين، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
стр. 4694
وقال سبحانه في الصرف الحرام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
فمن لم يعلم حكم الله في الكسب والصرف، قد يكتسب المال من وجهٍ حرام، ويصرفه في حرام.
الثاني: معرفة الطرق الكفيلة باكتساب المال؛ ليحصل له الربح، وحسن النظر في أوجه الصرف، ليحصل للناس النفع والخير.
فإذا كان جواز الصرف في طرق الخير معلومًا، فإيقاع الصرف على وجه المصلحة لا يعلمه كل الناس، ومن جمع المال في غير هذه الأصول فلا خير في ماله، ولا بركة في تجارته، كما قال سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠].
والشركاء في المال ثلاثة:
الأول: القدر، فأنت ومالك عرضةً للفناء والهلاك.
الثاني: الوارث، ينتظر أن توضع في القبر، ثم يسوقه إليه وأنت ذميم.
الثالث: أنت، فقدم من دنياك ما ينفعك في أخراك: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢].
فقه المُلك:
أعظم المُلك مُلك النبوة والرسالة، والنبوة أعظم مراتب المُلك؛ لأن الأنبياء والعلماء لهم أمرٌ عظيمٌ على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمرٌ على ظواهر الخلق: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا
стр. 4695
آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٤ - ٥٥].
والملك أنواع:
مُلك النبوة، ومُلك العلم، ومُلك العقل، ومُلك الصحة، ومُلك الأخلاق الحسنة، ومُلك المال، ومُلك القدرة، ومُلك البلاد، وجميع أنواع المُلك بيد الملك الواحد الأحد ملك الملوك سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
وأعظم مُلكٍ يُكرم الله به عبده أن يملك نفسه، ويقهرها عن شهواتها، ويحملها على طاعة الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وأعظم مُلكٍ في الآخرة أن تكون بجانب وبقرب ملك الملوك: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وأن تكون في ملكٍ عظيم في الآخرة، بعد ان نفذت أوامر العظيم سبحانه في الدنيا، فيكرمك الله بالقصور الملكية العظيمة: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا
стр. 4696
وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان: ٢٠ - ٢٢].
فقه المحبة:
المحبة أربعة أنواع:
الأول: محبة الله تعالى، وهي محبة الله لذاته وجلاله وجماله، وإحسانه وإنعامه، محبةً توجب توحيده وعبادته وحده لا شريك له، والذل له.
وهذه المحبة أصل الإيمان، وثمرتها توحيد الله ، والإيمان به، وإخلاص العبودية لله، وبكمالها يقوي الإيمان، ويزيد العمل الصالح، وبنقصها ينقص.
وهذه المحبة حقٌ لله وحده، لا يجوز صرفها لغيره، وصرفها لغيره شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٦].
الثاني: محبةٌ في الله، وهي: محبة كل ما يحبه الله من الأقوال، والأعمال، والأخلاق، والأشخاص، والأماكن، والأزمان.
فالأقوال كذكر الله وحمده، والدعوة إليه، وتعليم شرعه، وتلاوة كتابه.
والأعمال كسائر أنواع العبادات والطاعات، والأخلاق كالأخلاق الحسنة.
والأشخاص كالمؤمنين والمتقين والمحسنين، والأماكن كبيت الله الحرام، ومساجد الله في أرضه.
والأزمان كأوقات الصلوات الخمس، وشهر رمضان، وأشهر الحج.
стр. 4697
فهذه المحبة عبادةٌ لله، وهي أثرٌ من آثار محبة الله، وهي مكملة ومقوية لمحبة الله، فنحن نحب الله ونحب كل ما يحبه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
فالدنيا دار تكميل محبوبات الرب، والأخرة دار تكميل محبوبات العبد.
الثالث: المحبة مع الله، وهي: محبة المشركين لمعبوداتهم مع الله، وتسويتها بالله في المحبة.
وهذه المحبة شركٌ أكبر، مخُرجٌ من الملة، وصاحبها مُخلدٌ في النار، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٦].
وقال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال سبحانه عن الكفار أنهم قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨].
الرابع: المحبة الطبيعية، كمحبة الإنسان لوالديه وزوجته وأولاده، وكمحبة المال والجمال ونحو ذلك مما يلائمه، فهذه المحبة مباحة ما لم تحمل على ترك واجب، أو فعل محرمٍ من غير إكراه، فإن حملت على ترك واجب، أو فعل محرمٍ من غير إكراه، صارت شركًا أصغر يُنقص كمال الإيمان ويعرض صاحبها للوعيد كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ
٥ - الخزانة الخامسة
فقه التوحيد:
المخلوقات كلها في العالم العلوي والعالم السفلي، وفي الدنيا والآخرة، لا تكون إلا من خالق واحد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والأرزاق لا تكون إلا من الرزاق: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
فالأرزاق مقسومة كميةً ونوعيةً، ومكانًا وزمانًا: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢].
والصور لا تكون إلا من مصور واحد: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل عمران: ٦].
والنعم لا تكون إلا من المنعم وحده لا شريك له: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وهذا الكون العظيم لا يكون إلا من الله الذي خلق كل شيءٍ وكونه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
стр. 4700
وكل شيءٍ لا يكون في هذا الكون إلا بمشيئة الله، ومشيئة الإنسان تحت مشيئة الله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩].
ومن ظن أن له مشيئةً من دون الله فيُقال له: أخلقك الله كما شئت أو كما شاء؟: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
ويُقال له: أخلقك الله لِما شاء أو لِما شئت؟: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
ويُقال له: يوم القيامة: تأتيه أيها العبد بما شئت أو بما شاء؟: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١]
فإذا مات الإنسان رجع أهله وماله، وبقي عمله يقدم به على ربه يوم القيامة: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
فقه الطاعة:
جاءت الطاعة في القرآن الكريم على ثلاثة أضرب:
الأول: أن يتحد المطاع، وهو الله والرسول في أمرٍ من الأمور كقوله سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
стр. 4701
وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
الثاني: أن يأتي الأمر من الله إجماليًا، ويأتي الرسول ﷺ ليفصله فيقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
الثالث: أن يفوض الله الخلق بطاعة الرسول ﷺ كقوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فإذا قال الله وأطيعوا الله والرسول، فهذا أمرٌ جاء عن الله، وأكده الرسول ﷺ ، كالتأكيد على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ونحو ذلك.
وإذا قال: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فهذا نطيع الله فيما أمر به إجمالًا، ونطيع الرسول ﷺ فيما فصله كأحكام الصلاة والزكاة ونحوهما.
وإذا قال: وأطيعوا الرسول، فهذا فيما جاء به الرسول ﷺ فقط.
أنواع الطاعة: الطاعة الواجبة قسمان:
الأول: طاعةٌ مطلقة، وهي طاعة الله ورسوله كما قال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
الثاني: طاعةٌ مقيدة، وهي طاعة ما سواهما من الوالدين أو غيرهم.
وهذه الطاعة مقيدةٌ بأمرين:
الأول: الاستطاعة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
الثاني: المعروف، فإذا أُمرت بما لا تستطيع سقط الأمر، وسقط الوجوب، وإذا أُمرت بما تستطيع، لكنه حرام سقط وجوب الطاعة، إنما الطاعة في
стр. 4702
المعروف، فالطاعة بالمعروف، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٤ - ١٥].
حكمة النكاح الشرعي:
من حكمة الله أن جعل في الرجل الماء الذي يُرسل، وفي المرأة الفرج الذي يستقبل، فإن كان الزواج شرعيًا جاء الولد طيبًا، وكل ما سوى هذا خبيثٌ وضار ومحرم.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣١].
لهذا جعل الله الأكل والشرب سببًا للحياة، وقرن الله حفظ النوع بالمتعة بالنكاح الشرعي، فإذا اكتفى الرجل بالرجل، أو اكتفت المرأة بالمرأة، أو جعلت المرأة وعاءها إناءٌ لمياهٍ متعددة من رجالٍ أجانب، جاء الفساد والضرر والفناء.
ولهذا حرم الله اللواط والسحاق والزنا، وجعل لذلك عقوباتٍ بحسب نوع الجريمة من لواطٍ أو سحاقٍ أو زنا.
فالزواج الشرعي يحقق حفظ النوع، وقضاء الشهوة، واللواط والسحاق والزنا فيه المتعة القذرة، وهلاك النوع.
فالمرأة الشاذة تُحبس في البيوت حتى تموت أو تتوب وتتزوج، منعًا للفساد.
стр. 4703
أما الرجال فهم معدون للإرسال، والنساء للاستقبال، فإن دخل إرسالٌ على استقبالٌ شرعي حصل النوع الطيب من الرجال والنساء.
وإن خالف ذلك حصل الفساد، فإن حصل إرسالٌ على غير استقبالٍ شرعي جاء الضرر والفساد في الأمة.
فالنكاح الشرعي نعمةٌ أنعم الله بها على عباده، وهي آيةٌ من آياته: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].
وقال الله في المخالطة الشاذة بين امرأتين: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥].
وقال سبحانه في المخالطة الشاذة بين رجلين في فاحشة اللواط: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦].
وقال سبحانه في المخالطة الشاذة بين رجلٍ وامرأة: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٢ - ٣].
فهذه أربعة أقسام بينها الله في القرآن في العلاقة بين الرجل والمرأة، وكلها محرمة إلا الأخيرة وهي النكاح الشرعي: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ
стр. 4704
مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].
فالبكر مع البكر حده الجلد، والثيب مع الثيب حده الرجم، والبكر مع الثيب أو عكسه، لكلٍ حكمه، والأمة عليها نصف العذاب وهو الجلد بكرًا أو ثيبًا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
فليحذر العبد من مخالفة أوامر الله ورسوله، وليعلم أن الله يراه إن تحرك ويسمعه إن تكلم، ويعلم بما في قلبه إن أضمر: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
واقتحام تلك المعاصي من لواطٍ، أو سحاقٍ، أو زنا، استهانةٌ بأمر الخالق ﷻ ، وسوء أدبٍ مع من أنعم عليه وأكرمه، وبين له وجوه الحلال: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والشيطان يجر الإنسان إلى وجوه الحرام: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
فعلى العبد أن يخاف من ربه، ومن عقوبته، ومن عذابه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
لمن خاف مقام ربه من الجن جنة، ومن الإنس جنة، أو جنتان لكل مسلم من الجن والإنس؛ لأن المسلم يرث منزل الكافر في الجنة، مع الجنة التي أعدها الله له، أو جنتان جنة معرفة الله بأسمائه وصفاته ودينه وشرعه في الدنيا وجنة النعيم في الآخرة، أو جنتان للسابقين من ذهب، وجنتان للأبرار
стр. 4705
من فضة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
أقسام الحيوانات:
الحيوانات من حيث جواز قتلها خمسة أقسام:
الأول: ما يُباح قتله وصيده في الحِل دون الحرم أو المحرم، وهو الصيد البري المأكول، وصيد البحر.
الثاني: ما يُستحب قتله للمحرم وغيره، وهي الحيوانات المأمور بقتلها من كل مؤذٍ كالسباع والحية والعقرب والفأرة والبعوض والحدأة والأسد ونحوها.
الثالث: ما فيه نفعٌ ومضرة كالعقاب والصقر، فهذه إن آذت تُقتل، وإن لم تؤذِ فلا تقتل.
الرابع: ما لا يظهر فيه نفعٌ ولا ضرر كالخنافس والجعلان والذباب، فهذه إن آذت قتلت، وإن لم تؤذِ لا تقتل؛ لأن الله خلق هذه المخلوقات لتدل على عظمته، وعظمة أسمائه وصفاته، وجميعها تُسبح بحمد ربها: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
стр. 4706
الخامس: ما نهى الشرع عن قتله كالنملة والنحلة ونحوهما، فهذه لا تقتل في الحِل ولا في الحرم.
والحيوانات التي لا يحرم على المحرم قتلها أو ذبحها هي الحيوان الإنسي المأكول كالإبل والبقر والغنم، وصيد البحر، ومحرم الأكل كالسباع والحيات ونحوها، ودفع الصائل منها.
فقه العبادات:
أصل العبادة الطاعة، وكل عبادةٍ لها معنىً قطعًا، ومعنى العبادة قد يفهمه الإنسان وقد لا يفهمه.
فالحكمة في الصلاة إظهار التواضع، والخشوع لله، وإظهار الافتقار له سبحانه.
والحكمة في الصوم كسر النفس، وقمع الشهوات.
والحكمة في الزكاة تدريب النفس على البذل والعطاء، ومواساة المحتاجين الفقراء.
والحكمة في الحج إقبال الحاج أشعث أغبر على مولاه من مسافةٍ بعيدة، كإقبال العبد إلى مولاه ذليلًا، والخروج من زينة الدنيا وملذاتها، وتدريب النفس عى المسالمة مع الغير، ولو كان جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا، وتذكير الإنسان بما هو عليه من النقص إذا رأى غيره.
والحج درسٌ عملي للمساواة بين الناس، ومعرضٌ عظيم يظهر فيه أثر التوحيد والإيمان والطاعة والأخلاق العالية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
стр. 4707
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وأحكام الله التي جاء بها الأنبياء والرسل مبنيةٌ على الظاهر، فأحكام شرائعهم مبنيةٌ على الظواهر، والله يتولى السرائر.
أما الخضر فأحكامه ليست مبنيةً على الظاهر، بل على الأسباب الحقيقية في باطن الأمر، كما في قصة موسى ﷺ مع الخضر في المسائل الثلاث: وهي خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار.
شريعة موسى ﷺ أنه يحرم إفساد الشيء، وقتل النفس من غير سبب ظاهرٍ يُبيح ذلك، وإقامة الجدار من غير سبب ظاهر مع التعب الشديد أمرٌ صعبٌ على النفس، وهذا يدل على أن هذا العالم أعطاه الله قدرة أشرف بها على بواطن الأمور، فمرتبته في العلم اللدني كانت فوق مرتبة موسى ﷺ : ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ [يوسف: ٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٥].
والمسائل الثلاث مبنيةٌ على أصلٍ واحد، وهو أنه عند تعارض الضررين يجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى، وهو ما فعله الخضر في المسائل الثلاث، لكنه مبنيٌ على معرفة بواطن الأمور، وقد أعطاه الله معرفة
стр. 4708
ذلك كما قال سبحانه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٥].
ولهذا لما كملت مرتبة موسى ﷺ في علم الشريعة بعثه الله إلى الخضر؛ ليتعلم ويضيف إلى علم الشريعة المبني على الظواهر، علوم الباطن المبنية على حقائق الأشياء، ببناء الأحكام على تلك الأحوال الباطنة، فلهذا ظهر التفاوت بينهما، والله حكيمٌ عليم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
فقه الطواغيت:
الطغيان مجاوزة الحد، والطاغوت هو كل ما عُبد من دون الله وهو راضٍ بذلك، كالشيطان والسحرة والكهان وفرعون وهامان؛ لأنهم راضون بذلك.
والطواغيت كثيرون، ورؤوسهم خمسة:
الأول: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠].
الثالث: كل من حكم بغير ما أنزل الله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
стр. 4709
الرابع: كل من ادعى علم الغيب من دون الله كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
الخامس: كل من عُبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٩].
ما يثبت به الإسلام:
يُحكم للشخص بالإسلام بواحدةٍ من ثلاث:
الأولى: نطقه بالشهادتين كما قال النبي ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّدا رَسُولُ اللّه». متفقٌ عليه (١).
الثانية: الولادة لأبوين مسلمين كما قال النبي ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ». متفقٌ عليه (٢).
الثالثة: الصلاة، فمن صلى حكمنا بإسلامه كما قال النبي ﷺ : «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ». أخرجه الترمذي والنسائي (٣).
وقال النبي ﷺ : «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ». أخرجه مسلم (٤).
حكم النذر:
النذر إلزام المكلف نفسه شيئًا لم يكن واجبًا عليه بأصل الشرع، فيصبح بنذره واجبًا عليه.
стр. 4710
والنذر عبادة من العبادات لا يكون إلا لله، فينعقد، ويلزم الوفاء به: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ [البقرة: ٢٧٠].
وعن ابن عمر أن عمر قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ». أخرجه البخاري (١).
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ». أخرجه البخاري (٢).
أما النذر المشروط كأن يقول المسلم: لله علي إن شفى الله مرضي أو ربح مالي أن أذبح أو أتصدق أو أصوم، فهذا النذر مكروه إلا أنه يجب الوفاء به؛ لقوله ﷺ : «إِنَّ النَّذْرَ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ». متفقٌ عليه (٣).
والنذر لغير الله شرك؛ لأنه عبادةٌ للمنذور له، والنذر لغير الله لا ينعقد إطلاقًا، ولا تجب فيه كفارة، بل هو شرك يجب التوبة منه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
وأما نذر المعصية فينعقد، لكن لا يجوز الوفاء به، كمن نذر ألا يزور أباه أو أمه، فهذا عليه كفارة يمين، فكل من حلف على محرمٍ فإنه ينعقد، وفيه كفارة يمين.
ومن نذر لغير الله من الأصنام والقبور والشمس والقمر، فعليه أن يتوب، ويستغفر الله من فعله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 4711
حكم زيارة القبور:
زيارة القبور تنقسم إلى قسمين:
الأول: الزيارة الشرعية، وهي زيارة القبور من أجل تذكر الآخرة والاعتبار، والسلام على أهلها المؤمنين، والدعاء لهم، وحصول الأجر المترتب على فعل السُنَّة.
الثاني: الزيارة غير الشرعية وهي أقسام:
الأول: الزيارة المحرمة، وهي التي تتضمن شيئاً من المناهي الشرعية، ولم تصل إلى درجة البدعة، وإن كانت من الكبائر كلطم الخدود، والنياحة والجزع وغير ذلك مما يوحي بالتسخط على قدر الله.
الثاني: الزيارة البدعية، وهي أن يزور قبرًا من أجل أن يدعو الله عنده، أو يصلي عنده، أو يقرأ القرآن عنده أو نحو ذلك.
الثالث: الزيارة الشركية، وهي أن يدعو فيها المقبور من دون الله، ويطلب منه قضاء الحوائج، وتفريج الكرب، ودفع المكروه، أو يصلي له، أو يذبح له، ليقضي حاجته ونحو ذلك: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
حكم الرقية:
الرقية الشرعية هي ما كانت بكتاب الله، أو بما ورد من سُنَّة رسول الله ﷺ ، فهذه رقية جائزة.
стр. 4712
عن عوف بن مالك ﵁ قال: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ: ما تقول فِي ذَلِكَ فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ». أخرجه مسلم (١).
وعن جابر قال: كَانَ خَالِي يَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ، فَلَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرُّقَى أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، وَإِنِّي أَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ، فَقَالَ: مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ». أخرجه مسلم (٢).
فقه الإمامة الكبرى:
تثبت الإمامة بأحد ثلاث طرق:
الأولى: النص من الإمام الأول على الثاني كما نص النبي ﷺ على خلافة أبي بكرٍ بالإشارة، ونص أبو بكر ﵁ على خلافة عمر ﵁ بالتعيين.
الثانية: النص على جماعة كما فعل عمر ﵁ بأن اختار ستة من كبار الصحابة ليختاروا واحدًا منهم، فاختاروا عثمان بن عفان ﵁.
الثالثة: إجماع أهل الحل والعقد، فإذا مات الإمام الأول، ولم يستخلف أحدًا فلأهل الحل والعقد من العلماء والوجهاء وذو الرأي السديد، أن يختاروا إمامًا صالحًا يكون خليفةً عليهم، وعلى أهل الآفاق السمع والطاعة له.
وإن وثب على الإمامة من يصلح للإمامة من غير مشورة ولا اختيار، وبايع له الناس تمت له البيعة.
وإن وثب عليها من ليس أهلًا لها من الفساق، وأخذها بالقهر والغلبة، فلا طاعة له؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
стр. 4713
شروط الإمامة:
يُشترط في الإمام الذي يخُتار لإمامة المسلمين ما يلي:
أولًا: أن يكون من صميم قريش؛ لأن الأئمة من قريش ما أقموا الدين.
ثانيًا: أن يكون مسلمًا.
ثالثًا: أن يكون حرًا لا عبدًا.
رابعًا: أن يكون بالغًا.
خامسًا: أن يكون عاقلًا.
سادسًا: أن يكون عدلًا لا فاسقًا.
سابعًا: أن يكون عالمًا مجتهدًا، لئلا يحتاج إلى غيره في أكثر مسائل الشرع.
ثامنًا: أن يكون ذا خبرةٍ ورأيٍ حصيف بأمور الحرب، وتدبير أحوال الأمة، وتدبير الجيوش ونحو ذلك.
تاسعًا: أن يكون قويًا لا تلحقه رقة في إقامة الحدود الشرعية، ولا فزعٌ من ضرب الرقاب، وقطع الأطراف.
عاشرًا: أن يكون ذكرًا.
الحادي عشر: أن يكون سليم الأعضاء.
ويجوز نصب الإمام المفضول مع وجود الفاضل، إذا خيفت الفتنة، وعدم استقامة الأمور؛ دفعًا للهرج والفساد، وتعطيل الأمور، وتمزيق الأمة، وسفك الدماء.
وإذا نُصب الإمام ثم فسق خلعت إمامته بالفسق الظاهر.
ويجب على الإمام أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصًا يؤثر في الإمامة.
стр. 4714
ولا تجوز متابعة إمامين معاً، وإذا بويع لخليفتين فيُقتل الأخر منهما، درءاً للفتنة والشقاق، ومن خرج على إمامٍ عدل وجب على الناس جهاده ودفعه بما يكف شره: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
حكم الاستعاذة:
الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والاستعاذة به من شر كل ذي شر: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].
وحقيقة الاستعاذة الهرب من شيءٍ تخافه إلى من يعصمك منه.
فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه القادر على كل شيء، وفر إليه، والتجأ إليه، واستجار به، واعتصم به، وألقى نفسه بين يديه.
فالاستعاذة بالله حق: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
والاستعاذة بغير الله شرك: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
أقسام الاستعاذة:
الاستعاذة تنقسم إلى قسمين:
الأول: استعاذةٌ بالله ، وهذا عبادةٌ من العبادات: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
стр. 4715
الثاني: استعاذةٌ بغير الله، وهي قسمان:
الأول: استعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه، وهذا ليس من الشرك، إلا إذا تعلق القلب بالمخلوق، فتكون من الشرك الأصغر، مثل تعلق القلب بالطبيب أو بقائد الطائرة ونحو ذلك.
الثاني: استعاذةٌ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهذه تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يقدر عليه الإنسان في العادة، ولكنه يطلبه من غائبٍ أو ميت.
الثاني: ما لا يقدر عليه الإنسان أصلًا في العادة كشفاء المرضى ونحو ذلك.
فهذان النوعان كلاهما من جنسٍ واحد، وهما من الشرك الأكبر؛ لأنها صرفٌ للعبادة لغير الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
стр. 4716
٦ - الخزانة السادسة
أحكام شرعية عامة
أحكام الطهارة:
أقسام المياه:
الماء قسمان:
مطلق .. ومقيد.
فالمطلق كماء العيون والآبار، والسيول والبحار ونحوها، وهذا الماء طاهرٌ في نفسه، مطهرٌ لغيره ويُسمى الماء الطهور.
والماء المقيد كماء الورد، وماء العنب، وماء الرمان فهذا يسمى طاهرًا ولا يسمى طهورًا، ولا يحصل به التطهير من الأحداث والنجاسة.
ماء زمزم السُنَّة الشرب منه؛ لأنه طعام طعم، وشفاء سُقم.
ويجوز الوضوء منه، ويجوز الاستنجاء به، ويجوز الغُسل به من الجنابة إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
الكولونيا عطرٌ مشتمل على الكحول المسكر، فيحرم على الرجال والنساء استعماله.
يجوز للمرأة التطيب إذا كان خروجها لمجمع نسائي لا تمر في الطريق إليه على رجال.
الرطوبة التي تخرج من فرج الرجل أو المرأة إن كانت مستمرة في غالب الأوقات كالمستحاضة ومن به سلس البول، فهذا يتوضأ لكل صلاة إذا دخل الوقت، فإن شق عليه توضأ قبل الوقت بقليل.
стр. 4717
وإن كانت الرطوبة تعرض في بعض الأحيان، وليست مستمرة، فهذه حكمها حكم البول تنقض الوضوء، فيتوضأ من ذلك للصلاة.
صفة الغسل:
الغُسل من الجنابة، ومن الحيض، ومن النفاس، يُجزئ عن الوضوء إذا توضأ مرتبًا، ونوى رفع الحدثين الأصغر والأكبر، والأفضل أن يستنجي بالماء، ثم يتوضأ مرتبًا، ثم يُكمل الغسل اقتداءً بالنبي ﷺ .
وغُسل الجمعة يبدأ بعد طلوع الفجر، وغُسل الجمعة، أو غُسل التبرد، أو غُسل النظافة لا يجزئ عن الوضوء ولو نوى ذلك لعدم الترتيب وهو من فروض الوضوء، بل لابد من الوضوء بشروطه قبله أو بعده.
صفة التيمم:
أن يضرب بيديه التراب، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحد الوجه في التيمم كالوضوء يمسح وجهه بالتراب من أعلى الجبهة إلى اللحية، ومن الأذن إلى الأذن، ويمسح يديه ظاهرهما بباطنهما من مفصل الكف إلى أطراف الأصابع.
مدة الطهر والحيض ليس لها حدٌ محدود، لكن الغالب أن مدة الحيض للنساء كل شهرٍ ستة أو سبعة ايام، ومدة الطهر ثلاثةٌ وعشرون يومًا أو أربعةٌ وعشرون يومًا، وبعض النساء يأتيها الحيض في السنة مرة، وبعضهن في الشهرين مرة، وبعضهن كل ستة أشهر مرة.
إذا أسقطت المرأة ما تبين فيه خلق الإنسان من رأسٍ أو يدٍ أو رجلٍ ونحوها فهي نُفساء لها أحكام النفاس.
стр. 4718
وإن أسقطت ما لم يتبين فيه خلق الإنسان بأن كان لحمًا لا تخطيط فيه، فهي مستحاضة لها حكم المستحاضة لا حكم النفساء، ولا حكم الحائض.
إذا بلغت المرأة خمسين سنة فإن بقيت عادتها على حالها لم تتغير فلها أحكام الحائض، وإن تغيرت باختلاف الدم أو استمراره أو عدم انضباطه فهو دم فساد له حكم المستحاضة.
التخليل بين الأصابع سُنَّة عند الوضوء يُفعل أحيانًا، ويُترك أحيانًا؛ لأن النبي ﷺ ما كان يداوم عليه، ومثله تخليل اللحية الكثيفة.
الأصل في العبادات الحظر والمنع إلا ما جاء عن الله ورسوله؛ لأنها توقيفية.
والأصل في البيوع والمعاملات الحِل والإباحة إلا ما جاء الشرع بتحريمه.
والأصل في الأبضاع الحظر والتحريم إلا ما جاء الشرع بإباحته.
والأصل في الأواني الإباحة إلا آنية الذهب والفضة، فإنها محرمةٌ على الرجال والنساء إلا الضبة اليسيرة من الفضة.
أحكام الصلاة:
من ترك الصلاة عن نسيانٍ أو نومٍ أو شبهه، قضاها كما كانت؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ ذَلِكَ». متفق عليه (١).
ومن ترك الصلاة متعمدًا ثم تاب فليس عليه قضاء؛ لأن تركها عمدًا حتى خرج وقتها أخرجه من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر، والكافر لا يقضي ما ترك حال كفره.
стр. 4719
لا يُشرع للنساء آذانٌ ولا إقامة سواءٌ كن في الحضر أو السفر؛ لأن الآذان والإقامة من خصائص الرجال لا النساء.
المرأة يُشرع لها أن تجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء، وكذلك الفجر كالرجل، والواجب أن تُسمع نفسها.
الأبكم والأصم إذا بلغ الحُلم فهو مكلفٍ بأنواع التكاليف، ويُعلم الأحكام بالكتابة والإشارة.
أوقات الصلوات الخمس:
أولًا: صلاة الظهر، كل وقتها اختياري تجوز الصلاة فيه، من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيءٍ مثله، لكن الأفضل تقديمها إلا في شدة حر فتؤخر.
ثانيًا: صلاة العصر، وقتها الاختياري من أول الوقت إلى أن تصفر الشمس، ووقتها الاضطراري من اصفرار الشمس إلى غروب الشمس، فلا يجوز تأخيرها عن ذلك.
ثالثًا: صلاة المغرب كل وقتها اختياري من غروب الشمس إلى أن يغيب الشفق الأحمر، وتقديمها في أول الوقت أفضل.
رابعًا: صلاة العشاء وقتها الاختياري من مغيب الشفق الأحمر إلى منتصف الليل، ووقتها الاضطراري من منتصف الليل إلى طلوع الفجر، فلا يجوز تأخيرها لما بعد منتصف الليل إلا لمضطر.
خامسًا: صلاة الفجر كل وقتها اختياري من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكن الأفضل تقديمها في أول الوقت، والغالب أن من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة ونصف تقريبًا.
стр. 4720
قراءة الفاتحة في حق المأموم ليست ركنًا، ولكنها واجبة تسقط بالسهو والجهل وعدم إدراك الركعة.
الإشارة في الصلاة لمصلحة لا بأس بها، ولا حرج فيها، ولا تبطل بها الصلاة، وقد فعل ذلك سيد الخلق ﷺ .
الالتفات في الصلاة بالرأس للتعوذ من الشيطان الرجيم عند الوسوسة لا حرج فيه، بل هو مستحب عند شدة الحاجة إليه بالرأس فقط، والالتفات لغير سببٍ مكروه.
السُنَّة للإمام والمأموم والمنفرد الجهر بالأذكار التي بعد كل صلاة فريضة جهرًا متوسطًا، ليس فيه تكلف، كل واحدٍ يذكر الله وحده بنفسه وحده كما ورد شرعًا.
من دخل المسجد يُسلم على المصلين والقراء، ويرد عليه المصلي بالإشارة.
السجود للسهو يجوز أن يكون قبل السلام، أو بعد السلام، لكن الأفضل أن يكون السجود للسهو قبل السلام إلا في صورتين:
الأولى: إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر فيسجد للسهو بعد السلام اقتداءً بالنبي ﷺ .
الثانية: إذا شك في صلاته، فلم يدري كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، وغلب على ظنه أحد الأمرين النقص أو التمام، فإنه يسجد بعد السلام.
إذا قام المصلي لقضاء ما فاته بعد سلام الإمام، ثم سجد الإمام للسهو فالسُنَّة أن يسجد معه، ثم إذا سلم قام، وإن أكمل صلاته ثم سجد للسهو بعد إكمالها فلا بأس عليه.
стр. 4721
إذا سلم المأموم سهوًا قبل الإمام، فإنه يرجع إلى نية الصلاة، ثم يسلم بعد إمامه ولا شيء عليه.
صلاة التطوع:
تحية المسجد سُنَّةٌ لا تقضى، وتكفي عنها السُنَّة الراتبة، وصلاة الفريضة، إذا دخل والناس يصلون.
السُنَّة أن يصلي المسلم سُنَّة الفجر في البيت، ثم يخرج إلى المسجد، ثم يصلي تحية المسجد إذا دخل.
السُنن الرواتب تسقط إذا فات وقتها، إلا سُنَّة الفجر، فإنها تُقضى بعد الصلاة، أو بعد طلوع الشمس، وهو الأفضل.
النوافل المطلقة مشروعة في السفر والحضر، وهكذا ذوات الأسباب كسُنَّة الوضوء، وسُنَّة الطواف، وصلاة الضحى، وتحية المسجد، والتهجد.
سجود التلاوة والشكر
لا تشترط لهما الطهارة من الحدثين، فيجوز للجنب والحائض وغيرهما سجود التلاوة والشكر.
إذا دخل المسلم مع الإمام في صلاة العشاء، وقد صلى ركعة، والداخل قد نوى المغرب، فإنه يجزئه عن صلاة المغرب ما أدركه مع الإمام.
الواجب على من صلى جالسًا على الأرض، أو على الكرسي، أن يجعل سجوده أخفض من ركوعه، والسنة أن يجعل يديه على ركبتيه حال الركوع.
أثناء خطبة الجمعة لا يشرع تشميت العاطس؛ لوجوب الإنصات للخطبة.
стр. 4722
من حضر صلاة العيد، ساغ له ترك الجمعة، إن وافق العيد الجمعة، ويصلي ظهرًا فردًا أو جماعة، وإن صلى الجمعة مع الناس، فهو أفضل وأكمل.
قاتل نفسه يغسل، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين، لأنه عاص ليس بكافر.
أحكام الجنائز:
الرجل الميت يكفن بثلاثة أثواب بيض، ليس فيها قميص ولا عمامة والمرأة تكفن في خمس قطع: إزار وقميص وخمار ولفافتين.
لا حرج في السفر للصلاة على الميت؛ لأنه من تشييع الجنازة وإتباعها.
كانت زيارة القبور أولًا منهيًا عنها للجميع، ثم رخص فيها للجميع، ثم خصص النساء بالمنع، ولا يشرع للمرأة إذا مرت بسور المقبرة أن تدخلها، لكن تدعو للأموات في مكانها من غير زيارة ودخول.
أحكام الزكاة:
كل فقير له قريب ينفق عليه لا يستحق الزكاة مادام قريبه ينفق عليه وكل من عرف أنه من بني هاشم، لا تجوز له الزكاة.
أحكام الصوم:
من صام في بلده ثم سافر لبلد آخر أو العكس، أفطر وصام مع البلد الذي سافر، إليه ولو زاد عن الثلاثين يومًا، فإن صام ثمانية وعشرين يومًا، أفطر معهم، وأكمل الصوم بعد العيد.
المرأة إذا طهرت من الحيض أثناء نهار رمضان، فعليها الإمساك، لزوال العذر الشرعي، وعليها قضاء ذلك اليوم.
стр. 4723
المسافر إذا أفطر في نهار رمضان، ثم قدم بلده نهارًا، فعليه الإمساك، لزوال العذر مع قضاء ذلك اليوم.
من مات وعليه صيام، صام عنه أقرباؤه، فإن لم يصوموا عنه أطعموا عنه من تركته عن كل يوم مسكينًا، وإن لم يكن له تركة، فلا شيء عليه.
من مات وعليه صيام كفارة، ككفارة القتل الخطأ، أو الجماع في نهار رمضان، أو كفارة الظهار، صام عنه واحد من أقاربه شهرين متتابعين، ولا يجوز تقسيمها على جماعة.
من أراد اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، دخل معتكفه بعد الفجر من اليوم الحادي والعشرين اقتداءً بالنبي ﷺ ، ويخرج بعد غروب الشمس من آخر العشر، ونهاية الشهر.
الأعمال الصالحة تضاعف في الحرمين الشريفين، مضاعفة لا يعلمها إلا الله، أما الصلاة فقد جاء مقدار مضاعفتها في المدينة بأفضل من ألف صلاة، وفي مكة بأفضل من مائة ألف صلاة.
أحكام الحج والعمرة:
أفضل أوقات العمرة في شهر رمضان، والعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي ﷺ ، ثم يليها العمرة في ذي القعدة؛ لأن عمر النبي ﷺ كانت كلها في ذي القعدة، ثم يليها بقية أيام العام.
والحج والعمرة أفضل من الصدقة بنفقتها لمن أخلص لله القصد، وجاء بذلك على الوجه المشروع، وقد سئل النبي ﷺ : «أي العمل أفضل؟ وفيه؛ ثم حج مبرور». متفق عليه (١).
стр. 4724
ومن مات ولم يحج وهو قادر، وجب الحج عنه من التركة أوصى بذلك أو لم يوصِ.
العبادات التي ورد الشرع بالنيابة فيها عن الغير هي:
الحج، والعمرة، والصوم الواجب، وقضاء الصوم، والصدقة، والدعاء، أما غيرها فلا؛ لعدم ورود الدليل.
أشهر الحج هي شوال وذو القعدة والعشر الأول من ذي الحجة، هذه هي الأشهر التي يهل بها الحاج بالحج.
ومن اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده، ثم أحرم بالحج مفردًا، فليس عليه دم التمتع، أما إن سافر إلى غير بلده كالمدينة وجدة والطائف ثم رجع محرمًا بالحج، فهو متمتع عليه دم التمتع.
الزعفران طيب فلا ينبغي للمحرم استعماله في القهوة وغيرها.
من لبس المخيط جاهلًا أو ناسيًا قبل أن يقصر، وجب عليه خلعه، ولبس الإحرام، ثم يحلق أو يقصر في مكة أو غيرها ولا شيء عليه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: قد فعلت: أخرجه مسلم (١).
إذا دخل المحرم إلى مسجد الكعبة قطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف.
النبي ﷺ قبل الحجر الأسود واستلمه في طوافه، ومسح الركن اليماني، واستلم جدران الكعبة من الداخل لما دخل الكعبة، وألصق صدره وذراعيه وخده في جدارها، وكبر في نواحيها ودعا، أما في خارجها فلم يفعل شيئًا من ذلك.
стр. 4725
من لم تطهر من الحيض أو النفاس قبل يوم التروية وهى محرمة بالعمرة، أحرمت بالحج من مكانها الذي هي مقيمة فيه، وصارت قارنة، وأدخلت الحج على العمرة، وأكملت نسكها.
يجوز الجمع في منى للحاج كما يجوز القصر، ولكن الاقتصار على القصر دون الجمع هو السنة وهو الأفضل؛ لأنه فعل النبي ﷺ .
السنة صلاة الظهر والعصر في الحج يوم عرفة بعرنة خارج عرفة ولو صلاها في عرفة لشدة الزحام، وحصول المشقة، فلا بأس بذلك.
حصى الجمار فوق الحمص، ودون البندق أقل من بعر الغنم قليلًا.
الحج أكمل من العمرة، وإذا أحرم أحد بهما في وقت قريب للحج، فالأفضل أن يقصر رأسه للعمرة، ويجعل الحلق للحج؛ لأن الحج أكمل من العمرة، فيكون الأكمل للأكمل وهو الحلق.
إذا حاضت المرأة أو نفست قبل طواف الإفاضة، بقى عليها الطواف حتى تطهر ولو تأخرت إلى المحرم أو صفر، فتؤديه ولا دم عليها، فإن شق عليها البقاء، ولم يتيسر لها من يبقى معها، والرفقة لا ينتظرونها، فهي معذورة تتلجم بخرقة، وتطوف للإفاضة والوداع معًا طوافاً واحداً، ثم تغادر إلى بلدها.
من رمي الجمرات جاهلًا أو ناسيًا بدون ترتيب، صح رميه، لأنه معذورٌ بالجهل أو النسيان، وقد حصل المقصود، فإن ذكر قبل فوات الوقت لزمه رمي الثانية، ثم العقبة، ليحصل الترتيب.
من طاف للوداع قبل تمام الرمي، لم يجزئه الوداع؛ لأن الوداع يكون بعد إتمام مناسك الحج كلها.
стр. 4726
ليس على المفرد هدي، وإن أهدي فهو أفضل، ومن ذبح هديه خارج الحرم كعرفات، لم يجزئه ولو وزعه داخل الحرم.
السنة أن تذبح العقيقة في اليوم السابع ولو سقط ميتًا، ومن السنة أن يسمى يوم ولادته، لأن النبي ﷺ سمى ابنه إبراهيم يوم ولد.
النبي ﷺ أهل بالحج بذي الحليفة، لما ركب القسواء، ولما استوت به راحلته في البيداء، أعاد الإهلال وكرره، لتعليم الناس، وأما رواية أنه أهل في مصلاه فضعيفة.
أعلى مكة يقال له كدا بالفتح والمد، وأسفل مكة، يقال له كُدَي بالضم والقصر، فافتح وأدخل مكة، واضمم وأخرج منها.
يوم عرفة ليلته بعده، ويوم العيد يوم النحر ليلته بعده، وليلة الثاني عشر تابعة لليوم الحادي عشر، وليلة الثالث عشر تابعة لليوم الثاني عشر، وأما ليلة الرابع عشر، فليس فيها رمي؛ لأن الرمي ينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر.
стр. 4727
٧ - الخزانة السابعة
حكم التقليد:
التقليد في مسائل الأحكام مع وضوح الدليل من الكتاب والسنة لا يجوز؛ لأن التقليد في منزلة أكل الميتة يحل عند الضرورة فقط، أما مع وجود لحم مذكى فلا نأكل الميتة، فكذلك لا يجوز للعالم بالدليل من الكتاب والسنة، أن يقلد أحدًا، ولهذا لم يأمرنا الله بسؤال أهل العلم إلا عند عدم العلم كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤].
فإذا كنا نعلم بالبينات والزبر فلا نسألهم، ونأخذ من البينات والزبر: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
أقسام الإرادة:
إرادة الله نوعان:
الأول: إرادة كونية قدرية بمعنى المشيئة، ويلزم منها وقوع المراد، سواء كان مما يحبه الله، أو مما لا يحبه الله كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
الثاني: إرادة دينية شرعية؛ بمعنى المحبة، ولا يلزم منها وقوع المراد، ولا تتعلق إلا فيما يحبه الله كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
стр. 4728
وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].
أقسام المعية:
معية الله تنقسم إلى قسمين:
الأول: المعية العامة، وهي المعية الشاملة للخلق كلهم، وتقتضي الإحاطة بهم علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وغير ذلك من معاني الربوبية، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (٤)﴾ [الحديد: ٤].
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
الثانية: المعية الخاصة، وهى المقيدة بوصف أو شخص.
فالمقيدة بوصف كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
والمقيدة بشخص كقوله سبحانه لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦].
وقوله سبحانه عن محمد ﷺ : ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
أقسام الهجر:
الهجر له معنيان:
هجر عام: وهو هجر كل ما حرم الله كما قال النبي ﷺ : «الْمُهَاجِرُ مِنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ». أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح (١).
الثاني: هجر خاص: وهو أن يهجر مسلم بلده لله، فيهاجر منه من أجل إقامة دين الله وحماية نفسه من الزيغ والأذى كما قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا
стр. 4729
الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». متفق عليه (١).
والهجرة من أجل الله، ومن أجل دينه، عبادة أثنى الله على أهلها بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
حكم القتال في الأشهر الحرم:
الأشهر الحرم أربعة، ثلاثة سرد، وواحد فرد، وهى: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦].
والقتال في الشهر الحرام حرام، فلا يجوز ابتداء الكفار بالقتال في الأشهر الحرم، لكن إن اعتدوا علينا، وتألبوا علينا، ندافعهم وتقاتلهم حتى في الشهر الحرام، كما قاتل الرسول ﷺ ثقيفًا في شهر ذي القعدة، وهو شهر حرام، وكما غزا الروم في تبوك في رجب، وهو شهر حرام، فهؤلاء وهؤلاء تجمعوا لقتال المسلمين فخرج الرسول ﷺ إليهم مع أصحابه ليدافعهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ
стр. 4730
سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ [البقرة: ١٩١].
حكم تكرار الطلاق:
السنة في الطلاق أن يطلق الزواج المرأة في طهر لم يجامعها فيه، أو يطلقها وهى حامل قد تبين حملها، فيطلقها طلقة واحدة، وله أن يراجعها مادامت في العدة، فإن طلقها الطلقة الثانية، فله أن يراجعها مادامت في العدة: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠].
والطلاق المكرر بلفظ واحد لا يتكرر به الطلاق، فلا يقع إلا واحدة، كأن يقول لزوجته: أنت طالق طالق طالق، أو أنت طالق ثلاثاً، فلا تطلق بهذا الطلاق ثلاثاً؛ لأنها طلقت الطلقة الأولى واحدة، فإذا قلت ثانية: أنت طالق، فقد أوقعت طلاقًا على مطلقة، والطلاق لا يقع إلا على من كانت زوجة غير مطلقة، لهذا لا يقع طلاق على طلاق، ولا يتكرر إلا على زوجة غير مطلقة، ولا يتكرر الطلاق إلا إذا راجعها، أو عقد عليها عقدًا جديدًا، فالطلاق مرتان أي مرة بعد مرة.
فلابد أن يقع على زوجة غير مطلقة، فمن طلق ثلاثًا بكلمة واحدة أو كلمات فلا تطلق إلا واحدة؛ لأن الطلاق لا يقع إلا على زوجة في عصمته