ليس على المفرد هدي، وإن أهدي فهو أفضل، ومن ذبح هديه خارج الحرم كعرفات، لم يجزئه ولو وزعه داخل الحرم.
السنة أن تذبح العقيقة في اليوم السابع ولو سقط ميتًا، ومن السنة أن يسمى يوم ولادته، لأن النبي ﷺ سمى ابنه إبراهيم يوم ولد.
النبي ﷺ أهل بالحج بذي الحليفة، لما ركب القسواء، ولما استوت به راحلته في البيداء، أعاد الإهلال وكرره، لتعليم الناس، وأما رواية أنه أهل في مصلاه فضعيفة.
أعلى مكة يقال له كدا بالفتح والمد، وأسفل مكة، يقال له كُدَي بالضم والقصر، فافتح وأدخل مكة، واضمم وأخرج منها.
يوم عرفة ليلته بعده، ويوم العيد يوم النحر ليلته بعده، وليلة الثاني عشر تابعة لليوم الحادي عشر، وليلة الثالث عشر تابعة لليوم الثاني عشر، وأما ليلة الرابع عشر، فليس فيها رمي؛ لأن الرمي ينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر.
стр. 4727
٧ - الخزانة السابعة
حكم التقليد:
التقليد في مسائل الأحكام مع وضوح الدليل من الكتاب والسنة لا يجوز؛ لأن التقليد في منزلة أكل الميتة يحل عند الضرورة فقط، أما مع وجود لحم مذكى فلا نأكل الميتة، فكذلك لا يجوز للعالم بالدليل من الكتاب والسنة، أن يقلد أحدًا، ولهذا لم يأمرنا الله بسؤال أهل العلم إلا عند عدم العلم كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤].
فإذا كنا نعلم بالبينات والزبر فلا نسألهم، ونأخذ من البينات والزبر: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
أقسام الإرادة:
إرادة الله نوعان:
الأول: إرادة كونية قدرية بمعنى المشيئة، ويلزم منها وقوع المراد، سواء كان مما يحبه الله، أو مما لا يحبه الله كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
الثاني: إرادة دينية شرعية؛ بمعنى المحبة، ولا يلزم منها وقوع المراد، ولا تتعلق إلا فيما يحبه الله كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
стр. 4728
وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].
أقسام المعية:
معية الله تنقسم إلى قسمين:
الأول: المعية العامة، وهي المعية الشاملة للخلق كلهم، وتقتضي الإحاطة بهم علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وغير ذلك من معاني الربوبية، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (٤)﴾ [الحديد: ٤].
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
الثانية: المعية الخاصة، وهى المقيدة بوصف أو شخص.
فالمقيدة بوصف كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
والمقيدة بشخص كقوله سبحانه لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦].
وقوله سبحانه عن محمد ﷺ : ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
أقسام الهجر:
الهجر له معنيان:
هجر عام: وهو هجر كل ما حرم الله كما قال النبي ﷺ : «الْمُهَاجِرُ مِنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ». أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح (١).
الثاني: هجر خاص: وهو أن يهجر مسلم بلده لله، فيهاجر منه من أجل إقامة دين الله وحماية نفسه من الزيغ والأذى كما قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا
стр. 4729
الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». متفق عليه (١).
والهجرة من أجل الله، ومن أجل دينه، عبادة أثنى الله على أهلها بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
حكم القتال في الأشهر الحرم:
الأشهر الحرم أربعة، ثلاثة سرد، وواحد فرد، وهى: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦].
والقتال في الشهر الحرام حرام، فلا يجوز ابتداء الكفار بالقتال في الأشهر الحرم، لكن إن اعتدوا علينا، وتألبوا علينا، ندافعهم وتقاتلهم حتى في الشهر الحرام، كما قاتل الرسول ﷺ ثقيفًا في شهر ذي القعدة، وهو شهر حرام، وكما غزا الروم في تبوك في رجب، وهو شهر حرام، فهؤلاء وهؤلاء تجمعوا لقتال المسلمين فخرج الرسول ﷺ إليهم مع أصحابه ليدافعهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ
стр. 4730
سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ [البقرة: ١٩١].
حكم تكرار الطلاق:
السنة في الطلاق أن يطلق الزواج المرأة في طهر لم يجامعها فيه، أو يطلقها وهى حامل قد تبين حملها، فيطلقها طلقة واحدة، وله أن يراجعها مادامت في العدة، فإن طلقها الطلقة الثانية، فله أن يراجعها مادامت في العدة: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠].
والطلاق المكرر بلفظ واحد لا يتكرر به الطلاق، فلا يقع إلا واحدة، كأن يقول لزوجته: أنت طالق طالق طالق، أو أنت طالق ثلاثاً، فلا تطلق بهذا الطلاق ثلاثاً؛ لأنها طلقت الطلقة الأولى واحدة، فإذا قلت ثانية: أنت طالق، فقد أوقعت طلاقًا على مطلقة، والطلاق لا يقع إلا على من كانت زوجة غير مطلقة، لهذا لا يقع طلاق على طلاق، ولا يتكرر إلا على زوجة غير مطلقة، ولا يتكرر الطلاق إلا إذا راجعها، أو عقد عليها عقدًا جديدًا، فالطلاق مرتان أي مرة بعد مرة.
فلابد أن يقع على زوجة غير مطلقة، فمن طلق ثلاثًا بكلمة واحدة أو كلمات فلا تطلق إلا واحدة؛ لأن الطلاق لا يقع إلا على زوجة في عصمته
стр. 4731
إما المطلقة فلا يقع عليها طلاق: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة: ٢٢٩ - ٢٣١].
حكم المال المحرم:
المال المحرم لكسبه كالربا إن أنفقه الإنسان للتقرب به إلى الله، لم ينفعه، ولم يسلم من إثمه؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.
وإن أراد الصدقة به للتخلص منه، والبراءة من إثمه، نفعه، فسلم من إثمه، وصار له أجر التوبة منه، لا أجر الصدقة به.
وإن أراد أن يبني بالمال الربوي مسجدًا، فبناه، فالصلاة فيه صحيحة، أما ثواب بناء المسجد، فإن قصد التقرب إلى الله بذلك المال، لم يقبل منه، ولم يسلم من إثمه، وإن قصد التخلص من ذلك المال، سلم من الإثم وأثيب لا ثواب بناء المسجد، ولكن ثواب التائب إلى الله: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
стр. 4732
والإنفاق الموافق للشريعة ابتغاء مرضاة الله، ما كان موافقاً للشرع في الكم والنوع والصفة، فالكم كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧].
والنوع كما قال سبحانه: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
والصفة كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢].
وقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤].
صفة التخلص من المال الحرام:
المال الحرام له حالتان:
الأولى: إن أخذه صاحبه بغير اختيار صاحبه كالمغصوب والمسروق، فإنه يرده على صاحبه، فإن كان ميتًا رده على ورثته، فإن لم يكن له ورثة رده على بيت المال، فإن تعذر ذلك تصدق به عن من هو له.
الثانية: إن أخذ المال الحرام باختيار صاحبه كالربا ومهر البغي، وحلوان الكاهن، فهذا لا يرده عليه، وإنما يتصدق به؛ ليتخلص منه، ويسلم من إثمه وله أجر التوبة لا أجر الصدقة، هذا حكم من كان عالمًا بالتحريم.
стр. 4733
أما إن كان حين اكتساب المال جاهل بالتحريم، فلا يجب عليه أن يتصدق به لقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٦].
أقسام الأحكام الشرعية:
تنقسم الأحكام إلى قسمين:
الأول: عبادات: وهى ما تكون بين العبد وربه كالطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والأذكار والأدعية ونحوها.
الثاني: معاملات: وهى ما يكون بين الإنسان وغيره من الخلق، وهى أربعة أقسام:
الأول: معاملات مالية: كالبيع والإجارة والشركة ونحوها كالزكاة والميراث.
الثاني: معاملات بدنية: كالنكاح والصداق والطلاق والعدة ونحوها.
الثالث: معاملات جنائية: كالقصاص والحدود ونحوها.
الرابع: معاملات قضائية: كالقضاء والفصل في المعاملات ونحوها.
قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وأعظم قواعد المعاملات أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يعامله بما يحب أن يعامله به؛ لأنه بذلك يقوم بعبادة لله من بيع وشراء أو تأجير ونحو ذلك ممتثلًا في ذلك أمر ربه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 4734
ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال النبي ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». متفق عليه (١).
فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، والمؤمن للمؤمن كاليدين، تغسل إحداهما الأخرى، فيجب التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان كما قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
فقه الحكم:
الحكم إثبات أمر لشيء أو نفيه عنه، والحكم ثلاثة أنواع:
الأول: حكم شرعي: وهو المستند إلى أدلة الشرع من قرآن وسنة.
الثاني: حكم عادي: وهو المستند على العادة والتجربة.
الثالث: حكم عقلي: وهو المستند على العقل.
فالحكم العقلي كقولنا: الواحد نصف الاثنين، والحكم العادي والحسي كقولنا: السماء فوق الأرض، والحكم الشرعي كأحكام الله الشرعية التي بينها الله في كتابه، وبينها الرسول ﷺ في سنته.
حكم العمل:
الله غني عن العالمين، وعن أعمالهم: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
ولا يقبل الله عملًا من العبد إلا إذا كان مشروعًا خالصًا لوجه الله وحده.
стр. 4735
ولعمل المسلم ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون العمل مشروعًا، والقصد موافقًا؛ كمن يصلي الظهر قاصدًا وجه الله، فهذا عمله مقبول، وفاعله مأجور.
الثانية: أن يكون العمل مشروعًا، والقصد مخالفًا؛ كمن يصلي العشاء وقصده الرياء والسمعة، فهذا العمل غير مقبول، ولا أجر لفاعله.
الثالثة: أن يكون العمل مخالفًا، والقصد موافقًا؛ كمن يحدث بدعة المولد، يقصد بها التقرب إلى الله ، فهذا عمله مردود عليه، ولا يقبله الله منه.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وعن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذا ما ليْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
وعن عمر ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى». متفق عليه (٢).
стр. 4736
٨ - الخزانة الثامنة
حكم تغيير النية في الصلاة:
النية في الأصل تسبق العمل، لأن النية روح العمل: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
ومن دخل في صلاة ثم أراد الانتقال من نية إلى نية فله ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن ينتقل من مساوٍ إلى مثله، كمن دخل في صلاة بنية الظهر، ثم تذكر أنه صلاها، فنوى العصر، فهذا لا يصح؛ لأن النية تسبق العمل.
الثانية: أن ينتقل من الأعلى إلى الأدنى، كمن دخل في صلاة الظهر مثلًا، ثم تذكر أنه صلاها فنوى النافلة، فهذا يصح، وتقع منه نافلة.
الثالثة: أن ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، كمن دخل في النفل، ثم تذكر أنه لم يصلي الصبح، فنوى بها صلاة الصبح، فهذا لا يصح؛ لأن النية تسبق العمل.
عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى». متفق عليه (١).
والأصل صلاة الفرائض جماعة، وصلوات النوافل وحدها إلا ما شرع الله له الجماعة كالتراويح ونحوها، فإن صلى قيام الليل جماعة أحيانًا فلا بأس بشرط ألا يتقصد ذلك دائماً.
والأصل في الأذكار الإسرار بها إلا ما ورد في الشرع الجهر به، كالتلبية والأذكار بعد السلام ونحوهما.
لا تصح الصلاة إلا بوضوء، ومن فقد الطهورين الماء والتيمم يصلي حسب حاله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
стр. 4737
وقال النبي ﷺ : «إذا أَمَرْتُكُمْ بِأمر فَآتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ و مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ». متفق عليه (١).
أحكام عامة:
إذا خرج المني من الرجل بعد الغسل منه فعليه الوضوء لا الغسل.
إذا مرت الحائض أو النفساء بالميقات وجب عليها إن نَوت العمرة أو الحج أن تغتسل وتُحرم من الميقات؛ لحديث أسماء بنت عميس أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: «مرها فلتغتسل، ثم لتهلّ بالحج». أخرجه مسلم (٢).
إذا وقعت النجاسة في الماء، وغيرت لونه أو طعمه أو ريحه حرم التطهر به، سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا، وإن لم تغير النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه، فهو طاهر يجوز التطهر به، سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا؛ لقول النبي ﷺ : «الماء طهور لا ينجسّه شيء». أخرجه الترمذي والنسائي (٣).
وإذا تغير الماء بطاهر فهو طاهر، وإن تغير بنجس فهو نجس؛ فالماء يأخذ حكم ما غيره من طاهرٍ أو نجس.
والكلب يطلق على كل سبع ضار، سواء كان كلبًا أو ذئبًا أو أسدًا؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤].
فإذا ولغ في الإناء يغسل سبعًا، ويعفر الثامنة بالتراب.
وإذا صاد الكلب شيئا من الصيد بعد إرساله جاز أكل صيده، ولا يجوز اتخاذ الكلب إلا لصيد أو ماشية أو زرع، والكلاب نجسة ما خالطته نجسته، وما كان نجسًا لا يجوز بيعه ولا أكله، لكن يعفى عن أثره في الصيد؛ لأنه من باب الرخصة كالرخصة في أكل الميتة للمضطر.
стр. 4738
والأصل غسل النجاسة ثلاث مرات كغسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم، ويستثنى من ذلك غسل ما ولغ فيه الكلب سبع مرات لورود النص به.
من اقتنى الكلاب لغير صيد أو ماشية أو زرع ينقص من أجره كل يوم قيراطان، ومن اتخذه في البيوت فقد ارتكب محرمًا؛ لأن «الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة». متفق عليه (١).
أحكام البيع:
الثمن هو المبلغ النقدي الذي يدفع مقابل السلعة كالريال والدولار مثلا.
والسلعة هي ما يعرض في السوق من السلع والبضائع كالسيارات والأواني ونحوها.
والعوض هو كل ما ينتفع به الإنسان مباشرة بلا ثمن، فيعطي مثلًا قمحا، ويأخذ ثوبًا، وهذا هو المعروف قديمًا. وقد يكون عندك شيء تريد بيعه لأحد، والآخر لا يريده، فاخترعوا شيئًا تبادل المنافع والسلع، وهو الأثمان مقابل السلع كالريال ونحوه.
فقه التقوى:
والتقوى أن تجعل بينك وبين صفات الجلال لله وقاية، فإن لم تفعل في مقام افعل، وفعلت في مقام لا تفعل، فقد عصيت الله؛ فستأخذ صفة الجلال لله منك حقها بعزة الربوبية والملك والقدرة والجبروت: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
وإن فعلت في مقام افعل، وتركت في مقام لا تفعل، فقد أطعت الله ، فستعطيك صفة الجمال لله ثواب ذلك العمل من الكريم المحسن
стр. 4739
الرحمن الرحيم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
نعمة اللباس:
الله بمنه وكرمه أنزل على عباده لباسين:
لباسٌ يستر البدن، وهو الثياب.
ولباسٌ يستر الروح، وهو الدين كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
والشيطان يجتهد على الإنسان ليعريه من هذا وهذا كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ [الأعراف: ٢٧].
أنواع اللباس:
تختلف أنواع اللباس من بلدٍ إلى بلد، وأسماء الملابس التي يلبسها الرجال هي على النحو التالي:
الإزار: هو الملحفة، والملحفة هي الملاءة، والملاءة هي الريطة، والريطة قطعةٌ واحدة من القماش.
النقبة: هي الوزرة والتنورة، أعلاها كالسراويل، وأسفلها كالإزار، وهي سراويلٌ في أعلاها حجزةٌ أو تكة تمسكها.
النطاق: هو ما يشد به وسط الثوب من قماشٍ ونحوه.
стр. 4740
الدثار: هو اللباس الذي تستدفئ به من فوق الشعار من غير خياطة.
الشعار: هو الثوب الذي يلي كل البدن وهو الثوب.
الإزار: ما يستر أسفل البدن من غير خياطة.
الرداء: ما يستر أعلى البدن من غير خياطة.
والشعار والدثار أعم من الرداء والإزار.
السراويل: ما يستر أسفل البدن له نقبتان لكل رجل.
التبان: سروالٌ صغير مقدار شبرٍ يستر العورة المغلظة فقط.
القباء: ثوبٌ واسع له أكمام، مفتوحٌ من الأمام، ومثله البشت والعباءة.
الجبة: كل ثوبٍ جُب فيه موضع إخراج الرأس.
الدرع: ثوبٌ مشقوق المقدم تلبسه النساء.
البرنس: كل ثوبٍ رأسه منه ملتصقٌ به.
النقاب: هو غطاء الوجه الذي لا يبدو منه إلا العينان وهو البرقع.
القميص: ثوبٌ يفصل على البدن يغطي أعلى البدن و أسفله.
النعال: هي ما يقي أسفل القدم من الأرض.
الخفاف: هي ما ستر أسفل القدم و أعلاه.
الرداء: قطعةٌ واحدة من القماش ليست مخيطة، ولا مفصلة على قدر البدن ولا على قدر أعلاه.
فالرداء والإزار والوشاح واللحاف والريطة والملاءة كلها لباسٌ يصلح أن يكون لأعلى البدن أو أسفله، ويسمى الرداء والإزار ثوبا.
والمحرم بالحج أو العمرة مأمورٌ بكشف القدمين، فعليه لبس النعلين؛ لأن ظهور القدمين مقصودٌ في الإحرام. ولا يجوز للرجل المحرم أن يغطي
стр. 4741
رأسه ووجهه، أما المرأة فتغطي رأسها، وتكشف وجهها إلا إذا كانت بحضرة رجال أجانبٍ فتغطيه.
بيوت الله :
بيوت الله التي يتعبد بها الخلق ثلاثة:
الأول: العرش العظيم الذي تطوف به الملائكة: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧].
الثاني: البيت المعمور، فوق السماء السابعة، والذي هو مُتعبد أهل السماوات: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ [الطور: ١ - ٤].
الثالث: بيت الله، وهو الكعبة في الأرض: ﴿جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].
فالكعبة بيت الله، باختيار الله ومساجد الأرض بيوت الله باختيار خلق الله، وهذا وهذا كله مسجدٌ للسجود لله ؛ ولهذا كان بيت الله وهو الكعبة باختيار الله قبلة لبيوت الله التي بناها خلق الله في الأرض: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨].
فالذي يصلي أمام الكعبة قبلته الكعبة، والذي يصلي خارج المسجد قبلته المسجد الحرام، والذي يصلي في جهات الدنيا قبلته جهة المسجد الحرام في مكة كما قال سبحانه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
стр. 4742
أنواع الأحكام:
لله : سننٌ كونية .. وسننٌ شرعية.
فالسنن الشرعية هي الدين، وهو مجموعٌ في خمسة أمور:
إيمانيات .. عبادات .. معاملات .. معاشرات .. أخلاق.
قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
والسنن الكونية نوعان:
الأول: سننٌ كونيةٌ ثابتة لا تتغير أبدا، مثل طلوع الشمس من المشرق وغروبها في المغرب، ومثل ظهور النبات في الأرض، ومثل خروج الكلام من اللسان ونحو ذلك: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [المعارج: ٢٣].
الثاني: سننٌ كونية متغيرة:
فالماء ينزل بقدرة الله من السحاب، وأحيانًا لا ينزل؛ لأن الله لم يشأ نزوله، فالرياح لم ترفعه إلى منطقةٍ باردة في السماء ليتكثف ثم يمطر، فالماء ينزل من السحاب بأمر الله، والملائكة تدبر الريح بأمر الله، فإذا لم ينزل الماء نستغيث بالله، ونستسقي، فيأمر الله الملائكة بالسقيَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى: ٢٨]
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧].
أقسام الناس: الناس اثنان:
تقيٌ .. وفاجر.
стр. 4743
فالفاجر هو الذي يفجر، ويفسد في الأرض، فيقتل أو يزني أو يسرق ونحو ذلك، فالذي يستحق السجن هو المنحرف الذي ضر نفسه أو ضر غيره، فهذا يستحق العقوبة بإبعاده وعزله عن الناس.
والسجن نوعان:
الأول: سجنٌ و إبعادٌ تأديبي، بترك المنحرف حرًا طليقًا في المجتمع لا يكلم أحد، ولا يكلمه أحد.
الثاني: سجن المجتمع عنه، فلا يكلمه أحد، كالثلاثة الذين خُلفوا حيث أمر الرسول ﷺ بهجرهم؛ ليعيش المنحرف حالة عزلةٍ وشدة، ليعرف مقدار ذنبه، فيتوب إلى ربه.
الثاني: سجن المنحرف بعزله عن الناس، حتى لا يضرهم، كما في السجن لمن قتل أو سرق أو زنى أو شرب الخمر، حتى يتم الحكم عليه.
فالسجن الأول لمن عنده قوة الإيمان والعلم بالأحكام، والثاني لمن عنده ضعف الإيمان، مع علمه بالأحكام.
وأعظم السجون هو سجن الإنسان عن الإيمان بالله، وعن طاعته، وعن عبادته وحده لا شريك له، فالشيطان يجر الناس إلى المعاصي، ثم إلى نار جهنم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
والخير كله بحذافيره في الجنة، والشر كله بحذافيره في النار، والدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر، كما قال النبي ﷺ : «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». أخرجه مسلم (١).
стр. 4744
٩ - الخزانة التاسعة
فقه استلام الحجر الأسود:
استلام الحجر الأسود عند ابتداء الطواف، وفى أول كل شوط، سُنة مشروعة، ولا يشرع استلام الحجر الأسود في غير الطواف بالكعبة.
ولاستلام الحجر الأسود مراتب:
الأولى: استلام الحجر باليد، ثم تقبيله بالفم.
عن ابن عمر ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله». أخرجه البخاري (١).
الثانية: استلامه باليد، ثم تقبيل اليد.
عن نافع قال: رأيت ابن عمر استلمه بيده، وقبل يده، واخبر أنه رأى رسول الله ﷺ يفعله. أخرجه مسلم (٢).
الثالثة: استلام بعصا ونحوه، ثم تقبيل طرف ذلك العصا الذي استلم بها الحجر.
عن أَبَي الطُّفَيْلِ قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ». أخرجه مسلم (٣).
الرابعة: الإشارة إليه باليد اليمني أو بشيء دون تقبيل.
عن ابن عباس ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ طاف بالبيت على بعير كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشيءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ». أخرجه البخاري (٤).
стр. 4745
حكم سجود الشكر:
سجود الشكر من أعظم ما يشكر به العبد ربه على نعمة؛ لما فيه من الخضوع لله؛ ولما فيه من شكر الله بالقلب واللسان والجوارح.
وسجود الشكر مشروع في الأحوال الآتية:
إذا حصلت للمسلمين نعمة عامة، أو اندفعت عنهم نقمة.
وإذا حصلت للمسلم نعمة خاصة، أو اندفعت عنه نقمة.
سواء تسبب في ذلك أو لم يتسبب، ولا يسجد المسلم للشكر أثناء الصلاة، كما أنه يشرع سجود الشكر عند رؤية مبتلى في دينه أو بدنه أو ماله. وسجود الشكر لا يشترط له ما يشترط الصلاة من الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة وغيرها، بل يسجد حسب حاله، لكنه مع تلك الأمور أولى.
وسجود الشكر ليس له تكبير في أوله، ولا في آخرة، وليس له تشهد ولا تسليم، وإنما يشرع للساجد أن يقول ما يقال في سجود الصلاة، وما يناسب المقام من حمد الله وشكره واستغفاره.
وسجود الشكر سجدة واحدة، وهو مشروع للقائم والقاعد، والماشي والراكب، ويجوز قضاء سجود الشكر إذا لم يتمكن من أدائه في وقته بعذر من جهلٍ أو نسيان ونحوهما.
والسجود المفرد من غير سبب تقربا إلى الله من البدع المحرمة، لأنه لم يرد في كتاب ولا سنة.
стр. 4746
عن أبي بكر ﵁ أن رسول الله ﷺ : ((كانَ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْيُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِداً شُكْراً للهِ ﵎». أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند حسن (١).
حكم الصلاة داخل الكعبة:
تجوز صلاة الفريضة و النافلة داخل الكعبة، وقد صلى النبي ﷺ في جوف الكعبة صلاة النافلة، وما صح في النفل صح في الفرض.
ويحرم المرور بين يدي المصلى، ويجوز في حال الضرورة، وفى حال الحاجة الملحة المرور بين يدي المصلي مطلقًا، كما هو الحال عند الزحام في الطواف بالكعبة في مناسبات الحج أو العمرة، ولا إثم على المار؛ لأن الضرورات تبح المحذورات.
ويجوز المرور بين أيدي المأمومين في المسجد الحرام وغيره، لكن الأولى ألا يمر إلا عند الحاجة، لئلا يشوش على المصلين.
ويحرم المرور بين يدي الإمام والمنفرد داخل المسجد الحرام وغيره، في غير حال الضرورة والحاجة.
الفرق بين المرأة البكر والثيب:
المرأة البكر هي التي لم يمسها أحد، والثيب من زالت بكارتها بنكاح صحيح، أو شبهة نكاح، أو ملك يمين، وهى التي جربت النكاح ومارسته.
أما من زالت بكارتها بزنا أو غصب، فهذه لم تمارس النكاح، فلها حكم البكر، وإذا طلقها أو مات عنها ولم يجامعها، فهي في حكم البكر.
стр. 4747
ومن زالت بكارتها بغير جماع كمن زالت بكارتها بوثبة أو أصبع ونحو ذلك، فحكمها حكم البكر، لأنها بكر حقيقة، ولأنها لو زنت أقيم عليها حد البكر، إلا إنها ليست عذراء.
حكم تزويج البكر والثيب:
أولا: لا يجوز للأب أو لغيره من الأولياء تزويج الثيب البالغة إلا برضاها، وإذنها لا يكون إلا بالنطق.
ثانيًا: لا يجوز للأب أن يزوج ابنته الصغيرة الثيب ولا غيره إلا برضاها.
ثالثا: يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر التي لم تبلغ تسع سنين، ولا خيار لها إذا بلغت، إذا زوجها من رجل كفء.
ويجوز للولي غير الأب تزويج البكر الصغيرة إذا بلغت تسع سنين بإذنها، ولا خيار لها، وليس له تزويجها قبل ذلك.
وقد زوج أبو بكر الصديق ﵁ الرسول ﷺ عائشة وهى بنت ست سنين.
والمرأة إذا زوجت بغير إذنها، وهي ممن يجب استئذانها، فإن العقد موقوف على إجازتها.
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذَنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صماتها». أخرجه مسلم (١).
стр. 4748
أقسام الأحكام الشرعية:
الأحكام الشرعية تنقسم إلي قسمين:
الأول: العبادات: وهي أركان الإسلام الخمسة، وما يتبعها من الآداب والأذكار والأدعية وغيرها من الفرائض والنوافل.
الثاني: المعاملات: وهي أربعة أنواع:
الأول: المعاملات المالية كالبيع والإجارة والشركة ونحوها.
الثاني: المعاملات الشخصية، كالنكاح، والطلاق، والظهار، ونحوها، كالمواريث.
الثالث: معاملات القضاء، كالإقرار، والأيمان، والشهادة، ونحوها، من المعاملات.
الرابع: معاملات القصاص والجنايات، والحدود كحد الزنا والسرقة ونحوهما.
والواجبات الشرعية إما فرض عين، أو فرض كفاية.
والفرق بين فرض العين، وفرض الكفاية، أن الأمر إذا تعلق بالفاعل فهو فرض عين كالصلاة والصوم ونحوهما، وإذا تعلق بالعمل فهو فرض كفاية كالأذان والإفتاء ونحوهما.
مقدار وليمة النكاح:
أولم النبي صلى الله عليه وسلمبحيس حين تزوج صفية، وأولم بشاة حين تزوج بزينب بنت جحش، وأولم بأكثر من شاة حين تزوج ميمونة في مكة، فليس للوليمة حد معين، فيكون بحسب العرف، وبحسب اليسر والعسر، وبحسب كثرة الناس وقلتهم، بلا إسراف ولا مباهاة.
стр. 4749
ووقت الوليمة المسنون بعد الدخول بالزوجة؛ لأنه المنقول من فعل النبي ﷺ ، والأمر فيه سعة من حين العقد إلى انتهاء أيام العرس.
أنواع الطلاق:
الطلاق على أربعة أوجه:
وجهان حلال وهما:
الأول: أن يطلق المرأة في طهر لم يجامعها فيه.
الثاني: أو يطلق زوجته حاملا قد استبان حملها.
ووجهان حرام وهما:
الأول: أن يطلق زوجته وهي حائض.
الثاني: أو يطلقها في طهر جامعها فيه، وهذا كله في طلاق المدخول بها.
أما من لم يدخل بها فيجوز طلاقها طاهرا أو حائضا.
ومن الطلاق المحرم أن يطلقها ثلاثاً بكلمة واحدة أو كلمات، وهذا الطلاق لا يقع إلا واحدة؛ لأن الطلاق إنما يقع على زوجة في عصمته لا مطلقه، وهى تطلق هنا من الطلقة الأولى.
أقسام الإحداد:
الإحداد على الميت ينقسم إلى قسمين:
الأول: الإحداد الشرعي وهو إحداد المرأة على زوجها المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا.
الثاني: إحداد المرأة على غير زوجها ثلاثة أيام.
стр. 4750
فقه المشتبهات:
الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، والمشتبهات هي المشكلات، وهي كل ما يحتمل أن يكون من الحلال البيّن أو الحرام البيّن.
والمشتبهات أنواع كثيرة:
الأول: ما تعارضت فيه الأدلة الشرعية وهو قسمان:
أحدهما: ما لم يترجح لدى المجتهد حِله، ولا تحريمه.
الثاني: وما يترجح لديه حِله، لكن عنده بعض التردد في حكمه، لقوة الدليل المعارض له.
الثاني: ما اختلف فيه العلماء، وأشكل عليه معرفة الأقرب للصواب.
الثالث: أن يشتبه الشيء الذي أصله مباح من جهة واقعه، والحالة التي هو عليها، هذا حكمه أنه باقٍ على أصله، لكن الورع اجتنابه من أجل هذه الشبهة، ومن هذا النوع:
اختلاط الحرام بالحلال كأموال السراق والفساق، فإن الورع ترك معاملة هؤلاء، وعدم قبول هداياهم، وعدم الأكل من موائدهم، ولا يحكم بتحريم شيء من ذلك؛ لأن الأصل في الأموال الحل، ولا يحرم منها إلا ما تيقن العبد حرمته بعينه.
الرابع: الاشتباه في وجود الصفة التي أنيط بها الحكم الشرعي.
الخامس: ما حصل فيه التردد، هل هو مباح أم لا؟.
السادس: ما ورد في النهي عنه حديثٌ ضعيف.
السابع: ما ثبت حكمه بالقياس الذي اختلف فيه أهل العلم.
стр. 4751
الثامن: ما ورد في النهي عنه نص عام، وكانت هذه الصيغة من الصيغ التي اخُتلف في دلالاتها على العموم.
التاسع: المباح إذا كان يفضي أحيانًا إلى الوقوع في المحرم، مثل الإكثار من الأكل من الطيبات التي تفضي إلى كثرة الاكتساب والبطر، والانشغال بها عن العبادة.
وحكم المشتبهات أنها مباحة، لكن الأولى والورع تركها، والبعد عنها، فيجب على كل مسلم أن يكون بيعه وشراؤه، وطعامه وشرابه، وسائر معاملاته على السنة البينة الواضحة، فيأخذ الحلال البيّن، ويتعامل به، ويجتنب الحرام البيّن، ولا يتعامل به، أما المشتبه فينبغي تركه؛ حماية لدينه وعرضه، وصيانةً له من الوقوع في الحرام.
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلميَقُولُ: «إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ وإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْب». متفق عليه (١).
أحكام العيد:
العيد اسم لما يعود ويتكرر مرة بعد أخرى.
وهو تعظيم زمن لذات الزمن، وليس في الإسلام إلا ثلاثة أعياد:
عيد الفطر، وعيد الأضحى كل عام، والجمعة عيد الأسبوع.
стр. 4752
أما أعياد الموالد والزواج والتعيين على الوظائف وغيرها فهي بدعة، لما فيها من تعظيم الزمن، سواء كان ذلك احتفالًا، أو طعاماً أو تهنئة عند مرور ذلك الزمان: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعن عَائِشَةَ أَنَّ اَلْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ». متفق عليه (١).
حكم الإحداد الجاهلي:
الإحداد الشرعي ينقسم إلى قسمين:
إحداد على الزوج أربعة أشهر وعشرة أيام، وهذا واجب.
وإحداد على غيره ثلاثة أيام، وهذا جائز.
أما الإحداد الجاهلي، وهو كل إحداد يخالف الإحداد الشرعي، ومنه الإحداد الجاهلي المعاصر، وهو الإحداد العام في الدول على موت رئيس، أو عظيم أو حلول مصاب عام.
ومن مظاهره الجاهلية في هذه المناسبات: تنكيس الأعلام، وإيقاف الأعمال، وتغيير برامج الإعلام، وهذا كله من البدع المحدثة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
فقد تُوفي سيد الخلق ﷺ ، وتوفي الخلفاء الراشدون فلم يفعل الصحابة شيئًا من ذلك، وهذا الإحداد إنما أخذه بعض المسلمين عن الكفار، ومن تشبه بقوم فهو منهم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
стр. 4753
١٠ - الخزانة العاشرة
فقه اليمين:
اليمين هو القسم بالله، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، على أمر من الأمور؛ لتأكيده ومن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك.
قال النبي ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ». أخرجه الترمذي وأبو داود (١).
أقسام اليمين:
الأيمان أربعة أقسام، يمينان يكفران، ويمينان لا يكفران.
اليمينان اللذان يكفران كأن يقول الإنسان: والله لأ أفعل كذا وكذا، ويفعل.
أو يقول: والله لأفعلن كذا وكذا، فلا يفعل.
واليمينان اللذان لا يكفران كأن يقول: والله ما فعلت كذا وكذا، وهو قد فعل، أو يقول والله لقد فعلت كذا وكذا، وهو لم يفعل، فهذه وما قبلها هي اليمين الغموس، وفاعلها آثم، ولا كفارة لها؛ لأنها أغلظ إثمًا من أن تكفرها كفارة اليمين.
واليمين الغموس من أعظم الكذب؛ وهي تغمس صاحبها في النار.
стр. 4754
حكم اليمين:
يخرج الحالف من عهدة اليمين بواحد من ثلاثة أشياء:
الأول: إبرارها، بفعل ما حلف عليه.
الثاني: الكفارة، وهي جائزة قبل الحنث وبعده؛ فإن كانت الكفارة قبله فهي محللة، وإن كانت بعده، فهي مكفرة.
الثالث: الاستثناء بنحو: إن شاء الله، كأن يقول: والله سوف أسافر إن شاء الله.
ومن فعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا فلا حنث عليه؛ لأنه معذورٌ بجهله أو نسيانه والله يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: قد فعلت: أخرجه مسلم (١).
وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
ولا ينبغي الإكثار من الحلف في كل مناسبة: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠ - ١١].
أما قول الإنسان في كلامه اليومي: لا والله، وبلى والله، فهذا من اللغو ولا يؤاخذ عليه لكن الأولى البعد عنه، وعدم فعله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ
стр. 4755
أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].
الفرق بين الناسي والمخطئ:
الناسي، أن يفعل الشيء المنهي عنه ناسيًا، كمن قتل الصيد في الحرم، أو الإحرام ناسيًا أنه في الحرم، أو ناسيًا أنه محرم.
والمخطئ أن يفعل ما له فعله فيصيب ما لم يقصده، كأن يرمي غرضًا فيصيب إنساناً فيقتله من غير قصد قتله، ولا إثم على المخطئ والناسي كما قال سبحانه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: قد فعلت: أخرجه مسلم (١).
لكن إذا تعلق الخطأ أو النسيان بإتلاف مال أو دم فعليه ضمانة أو ديته.
حكمة النسخ:
النسخ في الشريعة يكون في الأحكام لا في الأخبار.
ويجوز نسخ الأخف بالأثقل؛ لأنه أكثر أجرًا كنسخ التخيير بين الصيام والإطعام في صيام رمضان بإيجاب صوم رمضان كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ويجوز نسخ الأثقل بالأخف؛ لأنه أسهل منه، كنسخ إعتداد المتوفي عنها زوجها بسنة إلى أربعة أشهر وعشرا.
стр. 4756
أما النسخ بالمثل فكالنسخ للقبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام في مكة، وفي هذا النسخ حكم منها:
أولًا: أنه سقط به احتجاج كفار مكة، حيث قالوا للنبي ﷺ : تزعم أنك على ملة إبراهيم، ولا تستقبل قبلته.
ثانيًا: سقطت به حجة اليهود حيث قالوا للنبي ﷺ : تعيب ديننا وتستقبل قبلتنا، وقبلتنا من ديننا.
وسقطت به حجة علماء اليهود الذين عندهم في التوراة أنه ﷺ يؤمر باستقبال بيت المقدس، ثم يؤمر بالتحول عنها إلى استقبال الكعبة: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ [البقرة: ١٤٩ - ١٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧].
стр. 4757
فضل الرجال على النساء:
خلق الله الذكور والإناث، وجعل لكل منهما خصائص ينفرد بها عن الآخر: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢٠ - ٢١].
وفضّل الله الرجال على النساء في أصل الخلقة والطبيعة، فالمرأة الأولى وهي حواء خُلقت من ضلع الرجل الأول وهو آدم ﷺ ، فهي جزء منه، والرجل أكمل وأقوى من المرأة، والعقل يقضي بأن الناقص الضعيف يلزم أن يكون تحت الكامل القوي في خلقته؛ ليجلب له ما ينفعه، ويدفع عنه ما يضره.
قال النبي ﷺ : «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ». أخرجه مسلم (١).
لهذا جعل الله الرجل هو المسئول عن المرأة في جميع أحوالها كما قال سبحانه ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء: ٣٤ - ٣٥].
стр. 4758
وخص سبحانه الرجال بالرسالة، والنبوة، والخلافة، دونها كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].
وملَّك الله الرجل الطلاق دونها، وجعلها للولي في النكاح دونها، وجعل انتساب الأولاد إليه لا إليها، وجعل شهادة الرجل في الأموال بشهادة امرأتين، وجعل شهادته في الحدود والقصاص دونها، وجعل له مثل حظ الأنثيين من الميراث؛ لأنه ينفق عليها، وجعل ديتها نصف دية الرجل لعظم المصيبة بفقد الرجل.
فسبحان العليم الخبير بأحوال خلقه.
حكمة إباحة تعدد الزوجات:
أباح الإسلام تعدد الزوجات إلى أربع، لمن قدر على العدل؛ لحكم عظيمة منها أن المرأة الواحدة تحيض وتمرض وتنشغل بالولادة ونحوها من الأعذار المانعة من أخص لوازم الزوجية، والرجل مستعد ومطالب بزيادة نسل الأمة، فلو حُبس عليها في حال أعذارها؛ لتعطلت منافعه.
ومنها أن الرجال أقل عددًا من النساء، فلو قصر الرجل على واحدة؛ لبقي عدد كبير من النساء محرومٌ من الزواج، ومن ثَم يقع في الفاحشة، وتكثر الفاحشة بين الرجال والنساء.
ومنها أن النساء كلهن مستعدات للزواج؛ لأنه لا عائق لهن، وكثير من الرجال يعوقهم الفقر عن الزواج، فلو قُصر الزواج على واحدة لضاع كثير من المستعدات للزواج؛ لعدم وجود أزواج، فيقعن في الفاحشة.
стр. 4759
فالتعدد مباح في الكتاب والسنة؛ لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج ولمصلحة الرجل في عدم تعطل منافعه في حال قيام العذر بالمرأة الواحدة، ولمصلحة الأمة بتكثير نسلها الذي يعبد الله، ويقاوم عدوها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].
فقه الوكالة:
أولاً: لا يجوز التوكيل إلا في شيءٍ تصح النيابة فيه، فلا تصح في فعل محرم؛ لأن التوكيل من التعاون على البر والتقوى، ولا يجوز التعاون على الإثم والعدوان كما قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
ولا تصح الوكالة في عبادة محضة كالصلاة والصوم ونحوها؛ لأن ذلك مطلوب من كل أحدٍ بعينه، لكن يجوز قضاء الصوم الواجب عن الميت.
ثانيًا: يجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق، سواءً كان الموكل حاضرًا أو غائبًا، وسواءً كان مريضًا أو صحيحًا، فإن كان الموكل معروفًا بالظلم والجبروت، والإدعاء بالباطل، فلا يُقبل منه التوكيل لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥].
وتجوز الوكالة بعوضٍ، وبدون عوض.
стр. 4760
فقه هلاك الأمم:
قدر الله مقادير الخلائق مربوطًة بأسبابها كما قال النبي ﷺ : «قدر اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وكان وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». أخرجه مسلم (١).
فقدر سبحانه مقادير الخلائق مربوطة بأسبابها، فإذا أراد الله ظهور ما قدره، وإهلاك من سبق في علمه أن يُهلكه، أمر الناس بطاعة الله، وتصديق رسله وإتباعهم فخرجوا عن طاعة ربهم، وعصوا رسله، وكذبوهم، فحق عليهم القول بالتدمير فأهلكهم إهلاكًا مُستأصلًا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦].
فالله لا يأمر بالفحشاء، ولا يأمر بالفسق ثم يُعذب على ذلك: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ [الإسراء: ٤٣].
فالله يأمر بالعدل والإحسان، ولا يأمر بالفواحش والمنكرات، بل ينهى عنها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ
стр. 4761
تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٣٠].
حكم أهل الفترة:
أهل الفترة معذورون في الدنيا، لكن الله يوم القيامة يمتحنهم، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، فيأمرهم سبحانه في عرصات القيامة باقتحام النار، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، فينكشف علم الله فيه بسابق السعادة، ومن امتنع عن اقتحامها دخل النار، وهو الذي كان يُكذب الرسل لو جاءته في الدنيا، فينكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١].
فالله وحده هو الذي يعلم ما كانوا فاعلين لو جاءتهم الرسل، ويلحق بهم كل مجنون، ومعتوه ونحوهما من أهل الأعذار.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
نقص الأرحام، وزيادتها:
الله وحده هو العليم بكل شيء، هو عالم الغيب، والشهادة، والله وحده يعلم بالحمل من بدايته، ويعلم زيادته، ونقصه كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد: ٨ - ١٠].
стр. 4762
فالله ﷻ عالم بما تنقصه الأرحام، وما تزيده، فالغيض هو النقص الذي يشمل نقص العدد، ونقص العضو من الجنين، ونقص جسمه إذا حاضت عليه أمه فتقلص، ونقص مدة الحمل.
أما ما تزيد الأرحام فيشمل زيادة العضو كاليد أو الأصبع ونحوهما، وزيادة العدد، وزيادة الجسم إذا لم تحض وهي حامل، وزيادة مدة الحمل عن المعتاد.
وأقل مدة الحمل ستة أشهر، وغالبه تسعة أشهر، ولا حد لأكثره.
والحامل لا تحيض وما تراه من الدم دم فساد، وأكثر مدة النفاس أربعون يومًا وقد تصل إلى ستين يومًا، ولا حد لأقله.
فسبحان العليم بكل شيء القادر على كل شيء الذي لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
стр. 4763
فسبحان ربنا العظيم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، والذي جميع مخلوقاته في العالم العلوي، والعالم السفلي، مسبحة بحمده وشاهدة بوحدانيته، ومستجيبة لمشيئته، ومسرعةٌ إلى إرادته، وخاضعة لأمره، ومنقادة له، ومتصاغرة لكبريائه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
стр. 4764
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
٣٠ - خزائن الأحكام العامة
القسم الثاني
ويشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 4765
٣٠ - خزائن الأحكام العامة
القسم الثاني
١ - الخزانة الأولى
أسباب وجوب النفقة:
أسباب وجوب النفقة ثلاثة:
الزوجية .. والقرابة .. والملك.
والفرق بينها أن سبب الزوجية معاوضة، فالنفقة في مقابلة الاستمتاع والرضاع لأولاده؛ ولهذا لا تسقط بإعسار الزوج، ولا بمضي الزمان بخلاف نفقة الأقارب والمماليك.
والأقارب أصول، وفروع، وحواشي.
فالأصول من تفرعت منهم من آباء وأمهات، والفروع من تفرعوا منك من بنين وبنات، والحواشي من تفرعوا من أصولك، فيدخل فيهم الإخوة والأعمام والأخوال.
وذوي الأرحام من الأصول كل ذكرٍ بينه وبين المنفق أنثى مثل أبي الأم، وأم أبي الأم.
وذوي الأرحام من الفروع كل ذكرٍ بينه وبين المنفق أنثى مثل ابن البنت، وبنت البنت.
فذوي الأرحام من الأصول والفروع تجب لهم النفقة بشروطها، ولا نفقة مع اختلاف دين؛ لانقطاع المولاة والمناصرة، ولكن تجب الصلة بحسب