← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٣٠]. حكم أهل الفترة: أهل الفترة معذورون في الدنيا، لكن الله يوم القيامة يمتحنهم، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، فيأمرهم سبحانه في عرصات القيامة باقتحام النار، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، فينكشف علم الله فيه بسابق السعادة، ومن امتنع عن اقتحامها دخل النار، وهو الذي كان يُكذب الرسل لو جاءته في الدنيا، فينكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١]. فالله وحده هو الذي يعلم ما كانوا فاعلين لو جاءتهم الرسل، ويلحق بهم كل مجنون، ومعتوه ونحوهما من أهل الأعذار. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. نقص الأرحام، وزيادتها: الله وحده هو العليم بكل شيء، هو عالم الغيب، والشهادة، والله وحده يعلم بالحمل من بدايته، ويعلم زيادته، ونقصه كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد: ٨ - ١٠].

стр. 4762

فالله ﷻ عالم بما تنقصه الأرحام، وما تزيده، فالغيض هو النقص الذي يشمل نقص العدد، ونقص العضو من الجنين، ونقص جسمه إذا حاضت عليه أمه فتقلص، ونقص مدة الحمل. أما ما تزيد الأرحام فيشمل زيادة العضو كاليد أو الأصبع ونحوهما، وزيادة العدد، وزيادة الجسم إذا لم تحض وهي حامل، وزيادة مدة الحمل عن المعتاد. وأقل مدة الحمل ستة أشهر، وغالبه تسعة أشهر، ولا حد لأكثره. والحامل لا تحيض وما تراه من الدم دم فساد، وأكثر مدة النفاس أربعون يومًا وقد تصل إلى ستين يومًا، ولا حد لأقله. فسبحان العليم بكل شيء القادر على كل شيء الذي لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].

стр. 4763

فسبحان ربنا العظيم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، والذي جميع مخلوقاته في العالم العلوي، والعالم السفلي، مسبحة بحمده وشاهدة بوحدانيته، ومستجيبة لمشيئته، ومسرعةٌ إلى إرادته، وخاضعة لأمره، ومنقادة له، ومتصاغرة لكبريائه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].

стр. 4764

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٣٠ - خزائن الأحكام العامة القسم الثاني ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 4765

٣٠ - خزائن الأحكام العامة القسم الثاني ١ - الخزانة الأولى أسباب وجوب النفقة: أسباب وجوب النفقة ثلاثة: الزوجية .. والقرابة .. والملك. والفرق بينها أن سبب الزوجية معاوضة، فالنفقة في مقابلة الاستمتاع والرضاع لأولاده؛ ولهذا لا تسقط بإعسار الزوج، ولا بمضي الزمان بخلاف نفقة الأقارب والمماليك. والأقارب أصول، وفروع، وحواشي. فالأصول من تفرعت منهم من آباء وأمهات، والفروع من تفرعوا منك من بنين وبنات، والحواشي من تفرعوا من أصولك، فيدخل فيهم الإخوة والأعمام والأخوال. وذوي الأرحام من الأصول كل ذكرٍ بينه وبين المنفق أنثى مثل أبي الأم، وأم أبي الأم. وذوي الأرحام من الفروع كل ذكرٍ بينه وبين المنفق أنثى مثل ابن البنت، وبنت البنت. فذوي الأرحام من الأصول والفروع تجب لهم النفقة بشروطها، ولا نفقة مع اختلاف دين؛ لانقطاع المولاة والمناصرة، ولكن تجب الصلة بحسب

стр. 4766

القرابة، والصلة غير النفقة: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]. شروط وجوب النفقة: شروط وجوب النفقة على الإنسان أربعة: الأول: غنى المنفق. الثاني: حاجة المنفق عليه. الثالث: اتفاق الدين. الرابع: أن يكون المنفق ورثًا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب أو رحم إلا في عمودي النسب فلا يشترط ذلك. حكم إرضاع الولد: أولًا: إن كانت الزوجة في عصمة الزوج، وجب عليها إرضاع ولدها؛ لأن لها النفقة مقابل الاستمتاع والرضاع. ثانيا: إذا تراضى الزوجان بأن يرضعه غيرها جاز. ثالثًا: إذا اختلف في الرضاع فقال الزوج: أُريد أن يرضع إبني من اللبن الصناعي، وقالت هي: أُريد أن أُرضعه أنا مني، فالحق للزوجة. رابعًا: إذا كانت الأم في غير حبل الزوجية كالمطلقة فلها أن تطلب من أبيه أجرة المثل، مقابل الرضاع: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].

стр. 4767

حكم الحضانة: الحضانة هي حفظ الطفل ونحوه عما يضره، والقيام بمصالحه. وتجب الحضانة لثلاثة: ١ - الصغير. ٢ - والمعتوه: وهو مختل العقل. ٣ - والمجنون: وهو مسلوب العقل بالكلية. والحضانة حق للحاضن، لا حق عليه، فمن أراد أن يتخلى عنها فله ذلك، وتنتقل إلى من بعده إلى أن تصل إلى الحاكم. ويُقدم في الحضانة الأقرب مطلقًا، سواءً كان الأب أو الأم، أو من جهة الأب أو من جهة الأم، فإن تساواا في القرب كأم، وأب، قُدمت الأنثى، وهي الأم، فإن كان ذكرين أو أنثيين فإنه يقرع بينهما، إذا كان في جهة واحدة، فأم وجد تُقدم الأم؛ لأنها أقرب، وأب، وجدة يقدم الأب؛ لأنه أقرب، وأم وأب تُقدم الأم؛ لأنهما تساويا في القرب، فتُقدم الأنثى، وجد وجدة تُقدم الجدة، والخال والخالة تُقدم الخالة وهكذا، وجدة من جهة الأب، وجدة من جهة الأم، تُقدم الجدة من جهة الأب، فإذا كان في جهة واحدة تكون قرعة، وإذا كان في جهتين قدمنا جهة الأبوة. شروط الحاضن: يُشترط في الحاضن ما يلي: الإسلام .. والحرية .. والعدالة .. والبلوغ .. والعقل .. والقدرة على الحضانة .. وأن يكون محرمًا لمن بلغت سبع سنين.

стр. 4768

حكم النفقة على الزوجة: النفقة واجبة على الزوج لزوجته، وله أن يعطيها ما شاء، وإذا حصل بينهما نزاع فالمعتبر حال الزوج، حسب استطاعته. فإن كان غنيًا أُلزم بنفقة غني، وإن كان فقيرًا أُلزم بنفقة فقير، كما قال سبحانه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]. مكان المحضون: اولاً: إذا بلغ الغلام سبع سنين عاقلًا خُير بين أبويه، فكان مع من اختار منهما، فإن لم يختر أُقرع بينهما، فإن اختار أمه كان عند أبيه نهارًا؛ ليتدرب ويتعلم، وعند أمه ليلًا، وإن اختار أبيه كان عنده ليلًا ونهارًا، ولا يمنعه من زيارة أمه. ثانيًا: الأنثى تكون عند أمها حتى يتسلمها زوجها؛ لأن الأم أشفق من غيرها حتى من الأب؛ لأن الأب سيخرج لمصالحه، وتبقى البنت في البيت محرومة من أمها. ثالثًا: يكون الذكر بعد الرشد حيث شاء. رابعًا: لا يقر المحضون بيد من لا يصونه، ولا يؤدبه، ولا يحفظه كالفاسق ونحوه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. شروط التأديب: التأديب هو التقويم والتهذيب والتربية. ويشترط للتأديب خمسة شروط: الأول: أن يكون المؤدَب مستحقًا للتأديب.

стр. 4769

الثاني: أن يكون المؤدَب قابلًا للتأديب. الثالث: أن يقصد المؤدِب التأديب لا الانتقام لنفسه. الرابع: أن تكون للمؤدِب ولاية التأديب، سواءً كانت ولايةً عامة كالسلطان، أو ولايةً خاصة كما لو أدب الرجل ولده، أو المعلم طلابه. الخامس: عدم الإسراف في التأديب. والإسراف مجاوزة الحد كميةً أو كيفية، لأن المقصود من الحضانة التأديب لا التعذب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. فمن أدب من هؤلاء بهذه الشروط لم يضمن ما تلف به، لأنه مأذونٌ له شرعا، وكل ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، فإن اختل شرطٌ من هذه الشروط ضمِن، وإن تعدى إلى الغير ضمِن كما لو أدب حاملًا فأسقطت ما في بطنها ضمِن. فقه صلاح الأمة: صلاح الناس في كل زمان ومكان بطاعة الله ورسوله، والتحاكم إلى شريعة الله في كل شيء. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].

стр. 4770

وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وفساد أحوال الناس بمقدار بعدهم عن شريعة الله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. ومن البلاء العظيم، والفهم السقيم، أن يظن بعض الناس أن ما حصل في الأمة من فساد الأحوال، واضطراب الأمور، بسبب تمسكهم بالدين، فيوغلون في الإعراض عن دين الله، ويتحاكمون إلى الطاغوت، فيخرجون من النور إلى الظلمات، ومن السعادة إلى الشقاء، ويخسرون الأمن والطمأنينة، والعزة والنصر: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٥].

стр. 4771

فقه الحدود: يطلق الحد في الشريعة الإسلامية على عدة أمور: الأول: تطلق الحدود على الواجبات كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فقد حدد الله الصلوات المفروضة، وحدد مقادير الزكاة، وهكذا سائر الواجبات لها حدٌ ووقت معلوم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. ثانيًا: وتطلق الحدود على المحرمات كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧]. فالله حرم الزنا والربا، والخمر والسرقة: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧]. هذا في المحرمات. وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. هذا في الواجبات. ثالثًا: وتطلق الحدود على الواجبات المقدرة شرعًا في معصية، لتمنع من الوقوع في مثلها، وتكفر ذنب صاحبها كالحدود الشرعية الواجبة، كالزنا والسرقة والقذف ونحو ذلك. رابعًا: ويطلق الحد على ما يحصل به التعريف للشيء، فيقولون الحد هو الوصف المحيط بموصوفه، المميز له عن غيره، مثل حد الطهارة، حد الصوم، حد الزكاة أي تعريفه المميز له عن غيره. خامسًا: ويطلق الحد على المراسيم، وهي العلامات التي تفصل بين جارين فيقال هذه حدود أرض فلان.

стр. 4772

سادسًا: ويطلق الحد على النصيب المقدر لكل وارث، كما قال الله سبحانه في ختام المواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. حكم الصغير والمجنون: الصغير، والمجنون، والنائم، مرفوع عنه القلم؛ لأن هؤلاء غير مكلفين، وكلٌ من الصغير والمجنون ناقصٌ في التصور، وناقصٌ في التصرف؛ لعدم صحة القصد التام منه، فإذا اتلفوا شيئًا من الأموال ضمنوه؛ لأنه حقٌ للآدمي، ولا تلزمهم الواجبات؛ لأنهم غير مكلفين. ومن سرق أو فعل الفاحشة من الصغار فلا يُقام عليه الحد؛ لأنه غير مكلف، لكن يعزره الإمام بما يردعه، ومن فعل ذلك من المجانين، فلا يُقام عليه الحد؛ لأنه غير مكلف، فليس له قصدٌ تامٌ يعرف به ما ينفعه وما يضره، فهذا لا يعزر، ولا يُترك يُفسد في الأرض، وإنما يُمنع عن ذلك بالحبس عند وليه، أو في الحبس العام منعًا للفساد الذي لا يحبه الله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧]. وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثة: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يفيق، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يبلغَ يُفِيقَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (١).

стр. 4773

حكم العلم بالحكم: من لم يبلغه الشرع بأن هذا الفعل مُكفرٌ أو محرم، فإنه لا يؤاخذ به، ولا إثم عليه، لكن يضمن ما أخذ أو أتلف للآدمي؛ لأن عدم المؤاخذة في رفع الإثم، لا في الضمان: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [التوبة: ١١٥]. المحرمات في النكاح: جميع أقارب الرجل من النسب حرامٌ عليه إلا أربع هي: بنات عمه. ٢ - بنات عمته. ٣ - بنات خاله. ٤ - بنات خالته. بخلاف الأصهار، فإن كل نساء الصهر حلالٌ له إلا أربع هن: ١ - حلائل الآباء. ٢ - حلائل الأبناء. ٣ - أمهات النساء. ٤ - بنات الزوجات. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي

стр. 4774

حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٣ - ٢٤]. حكم الضيافة: الضيافة أن يكرم الإنسان من قدم إليه، ويُنزله بيته، ويقدم له ما يليق به من الأكل والشرب ونحو ذلك. والضيافة من محاسن الإسلام، ومن سُنن الأنبياء والمرسلين، والضيافة واجبة، إكرام الضيف واجب، وإكرامه من كمال الإيمان. قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ». متفقٌ عليه (١). صفة إكرام الضيف: إكرام الضيف بما جرت به العادة يختلف باختلاف الضيف والمُضيف.

стр. 4775

فأما المُضيف فيُكرم بحسب حاله، غنيًا كان أو فقيرًا. فإذا نزل به فقيرٌ وهو فقير أكرمه بما تيسر من غير تكلف، وإذا نزل به غنيٌ وهو فقير أكرمه بما قدر عليه. وإن كان المضيف غنيًا أكرم الناس بما وسع الله عليه، كلٌ على حسب حاله. أما الضيف فالضيوف يختلفون، فليسوا على حدٍ سواء كل شخصٌ له إكرامٌ وضيافةٌ تليق به، فالصاحب له إكرامٌ يليق به، والضيف الكبير عند الناس في ماله أو علمه أو سلطانه له إكرامٌ يليق به، والشخص العادي من الناس له إكرامٌ يليق به، فليُنزل الناس منازلهم. حد الضيف: الضيف الذي تجب ضيافته هو المسافر الذي مر بك مجتازًا، لا المقيم ولا المسافر الذي ينوي الإقامة يومين فأكثر، وكل ما سوى ذلك من الضيوف فتُستحب ضيافته ولا تجب. ومدة الضيافة الواجبة أكثرها يومٌ وليلة، وما فوقها صدقة، ولا يجوز للضيف أن يحرج المضيف بطول البقاء إلا إن لم يحرجه فله أن يبقى عنده. عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلة، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ». متفقٌ عليه (١).

стр. 4776

٢ - الخزانة الثانية صفة اليمين: اليمين: هي تأكيد المحلوف عليه بذكر معظم، وهي القسم بالله أو باسم من أسمائه أو صفةٍ من صفاته. وحروف القسم خمسة: الواو .. والباء .. والتاء .. والهاء الممدودة .. والهمزة الممدودة. والمشهور منها ثلاثة: الواو .. والباء .. والتاء. فالأم هي الباء؛ ولهذا تدخل على المقسَم به مقرونةٌ بالفعل مثل: أقسم بالله، وتدخل على جميع الأسماء مثل: أقسم بالرحمن، فهي أوسع أدوات القسم. والواو أكثر استعمالًا من الباء، ولكنها لا تقترن مع فعل القسم، كأن تقول: والله لاشترين هذه السيارة. والتاء لا تدخل إلا على لفظ الجلالة فقط مثل: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ [الأنبياء: ٥٧]. والهاء الممدودة يقسم بها أحيانًا مثل: هالله لأدخلن. والهمزة الممدودة مثل: أالله لأفعلن. والهاء والهمزة لا تدخلان إلا على لفظ الجلالة فقط. حكم اليمين: اليمين تنقسم إلى خمسة أقسام: فقد تكون واجبة، أو مستحبة، أو محرمة، أو مكروهة، أو مباحة.

стр. 4777

والأصل في اليمين أن تركها أولى وأسلم، فعلى المسلم ألا يُكثر منها؛ لقوله سبحانه: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. وقوله : ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠ - ١١]. فتكون اليمين واجبة إذا كان المقصود بها إثبات حق، أو في دعوى عند القاضي، ليدفع بها الظلم عن غيره ونحو ذلك. وتكون مستحبة إذا توقف عليها فعلٌ مستحب. وتكون محرمة إذا كانت على فعل محرم، أو ترك واجب، كأن يقول والله لا أصلي مع الجماعة، أو تالله لأشربن الخمر. وتكون مكروهة إذا توقف عليها فعلٌ مكروه. وتكون مباحة إذا توقف عليها فعلٌ مباح. كفارة اليمين: الأصل وجوب البر باليمين، ولكن الله رحيمٌ بعباده، رخص لهم في الحنث من باب التخفيف، وأوجب الكفارة على من حنث، والكفارة تدل على أن هناك ذنبًا يحتاج إلى تكفير، وهذا الذنب هو انتهاك حرمة المُقسم به بالحنث. والحنث فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف عليه، كأن يقول: والله لا أشرب الحليب، ثم شربه، فهذا يُسمى حانثًا، أو يقول والله لأزورن زيدًا اليوم، ثم ذهب اليوم ولم يزره، هذا يحنث؛ لأنه ترك ما حلف على فعله. واليمين التي تجب بها الكفارة إذا حنث هي الحلف بالله، أو باسمٍ من أسمائه أو صفةً من صفاته، كأن يقول: أقسم بالله، أو يقول: ورب الناس لأدخلن، أو يقول: أقسم بمجيء الله للفصل بين عباده، أقسم بوجه الله،

стр. 4778

أقسم بعظمة الله، أقسم بآيات الله، فهذه أيمانٌ منعقدة إن بر بها فلا شيء عليه، وإن حنث فعليه الكفارة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]. حكم الحلف بغير الله: الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكبيرة، فسيئة الشرك وإن صغرت أعظم من سيئة المعصية وإن كبرت، كأن يحلف بنبي أو ملك أو رسول أو ولي أو بالشمس أو بالقمر أو الجبل أو السماء أو الأرض أو غيرها من المخلوقات، فالحلف بغير الله محرمٌ وشرك، ولا تجب به الكفارة؛ لأنه يمينٌ غير شرعي، وما ليس بشرعي لا يترتب عليه أثره، فهو مردودٌ على صاحبه، وصاحبه آثمٌ بالحلف به. عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنُ عُمَرَ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ». متفقٌ عليه (١). وَعَنْ عَبْدِ اللَّه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ». متفقٌ عليه (٢). وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ». أخرجه مسلم (٣).

стр. 4779

أما الله فيقسم بما شاء من خلقه كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ [الطارق: ١]. حكم إبرار القسم: الحنث يقع من المقسم، وكذا إبرار القسم والوفاء به، اما إذا حلف على شخص كأن يقول لأخيه: والله لتدخلن بيتي، فهذا الأفضل أن يبر بيمينه ما لم يكن عليه ضرر؛ لأن إبرار القسم من حق المسلم على المسلم، فإن كان فيه ضررٌ على المقسم عليه فلا يبر بيمينه، كأن يقول له: أقسم عليك بالله أن تخبرني كم مالك؟ وكيف تُعاشر زوجتك؟ والكفارة تجب على الحالف، لا على الحانث؛ لأن الكفارة تتعلق بالحالف المتسبب. ومن قال لغيره: والله لتدخلن قبلي، وقصده الإكرام له لا الإلزام، فلا تلزمه الكفارة إذا حنث، أما إذا قصد الإلزام وحنث فعليه الكفارة. ويُخير من لزمته كفارة يمين بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيامٍ متتابعة وهو الأفضل أو متفرقة. والإطعام له كيفيتان: الأولى: أن يصنع طعامًا يكفي عشرة مساكين غداءً أو عشاءً، فيطعمهم إياه. الثانية: أن يُعطي عشرة مساكين عشر كيلو من أرزٍ ونحوه مع ما يتبعه من لحمٍ ونحوه، أو يعطي كل مسكين كيلو ونصفٍ من الأرز. والإطعام له أربع حالات: تارةً يُقدر المدفوع، دون المدفوع إليه مثل: زكاة الفطر صاع. وتارةً يُقدر المدفوع إليه دون المدفوع مثل: إطعام كفارة اليمين لعشرة مساكين.

стр. 4780

وتارةً لا يُقدر المدفوع، ولا المدفوع إليه كالصدقة. وتارةً يُقدر المدفوع والمدفوع إليه كالزكاة للفقراء والمساكين ونحوهم من أهل الزكاة. أنواع اليمين: اليمين التي تصدر من المسلم أنواع: الأول: اليمين بالله كأن يقول: والله لأفعل كذا. الثاني: اليمين بالنذر كأن يقول: إن فعلت هذا فلله علي نذر أن أصوم شهراً. الثالث: اليمين بالطلاق كأن يقول: إن فعلت كذا فزوجتي طالق. الرابع: اليمين بالتحريم كأن يقول: إن فعلت كذا فزوجتي علي حرام. واليمين المشروعة للحالف والمُحلِف هي اليمين بالله؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ». متفقٌ عليه (١). ولا يجوز للقاضي أن يُحلِف بالطلاق، أو بالتحريم؛ لأن اليمين المشروعة هي اليمين بالله أو باسم من أسمائه، أو صفةٍ من صفاته. حكم التسمية على الذبيحة: يجب على المسلم عند الذبح أن يقول: بسم الله، والتسمية شرطٌ لحِل الحيوان، ولا تسقط التسمية لا سهوًا ولا جهلًا ولا عمدًا، فإذا فقدت التسمية لم تحِل الذبيحة؛ لأن التسمية شرطٌ لحِل الحيوان المذبوح. والشروط الثبوتية الوجودية لا تسقط بالسهو ولا بالجهل، والذي ترك التسمية ناسيًا أو جاهلًا لا إثم عليه، لكن لا يلزم من انتفاء المؤاخذة صحة

стр. 4781

العمل، فلا نأكل مما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ومن أكل مما لم يذكر اسم الله عليه ناسيًا أو جاهلًا فلا إثم عليه؛ لقوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: قد فعلت: أخرجه مسلم (١). والأصل في الفعل الصادر من أهله الصحة، حتى يقوم دليل الفساد، فمن ترك التسمية ناسيًا، فلا إثم عليه، لكن ذبيحته لا تحِل؛ لأنه لم يذكر اسم الله عليها، ومن صلى بغير وضوء ناسيًا فلا إثم عليه، لكن يجب عليه إعادة الصلاة؛ لأنه لم يتوضأ، والصلاة لا تصح بغير وضوء. فقه أعمال الحج: أعمال الحج ثلاثة أقسام: منها ما يختص بالحج وحده كالوقوف بعرفة، ومزدلفة، والمبيت بمنى، ورمي الجمار والهدي. ومنها ما يشترك في الحج والعمرة كالإحرام، والطواف، والسعي، والحلق، والتقصير، والتلبية. ومنها ما يُشرع منفردًا عن الحج والعمرة، وهو الطواف تطوعاً بالبيت العتيق الذي يُشرع للمحرم والمحِل على حدٍ سواء والوقوف بعرفة، والطواف بالبيت هما أعظم أعمال الحج. الأول: من جنس السكون. والثاني: من جنس الحركة.

стр. 4782

ومن مر بالمواقيت يريد الحج أو العمرة، أو يريد مكة لتجارة وزيارة ونحوهما مما لا يتكرر، فينبغي له أن يدخل مكة محرمًا، والنبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون لم يدخل أحد منهم مكة إلا محرمًا، إلا عام الفتح من أجل القتال، وليس لأحدٍ أن يقف بعرفة في موسم الحج إلا مكشوف الرأس محرمًا إلا من كان معذورًا. أقسام الحيلة على الربا: الحيلة على أكل الربا ثلاثة أقسام: الأول: ما يكون من طرفٍ واحد كما إذا باعه سلعةً نسيئة، ثم اشتراها منه نقدًا بأقل من ثمنها. الثاني: ما يكون من اثنين كما إذا جمع مع القرض بيعاً أو إجارة أو نحو ذلك. الثالث: ما يكون من ثلاثة بأن يدخل بينهما محلل للربا، فيشتري السلعة منه آكل الربا، ثم يبيعها لمعطي الربا إلى أجل، ثم يعيدها إلى صاحبها الأول بنقص دراهم يستعيدها المحلل. حكم اختلاط الرجال بالنساء: يجب على ولي الأمر أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في المدارس، وأماكن العمل، ومجامع الرجال؛ لعظيم الفتنة التي تحصل بذلك، فاختلاط الرجال بالنساء أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة والخاصة، كما أنه من أسباب فساد أمور الأمة، وانتشار الزنا والفواحش، والموت العام والطواعين المتصلة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].

стр. 4783

عن أُسامَةَ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا تركْتُ بعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجالِ مِنَ النِّسَاءِ». متفقٌ عليه (١). فاختلاط الرجال بالنساء من أعظم الفتن التي تجر على الأمة الويلات والفساد، فما أعظم عقوبة من دعا إلى ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [النور: ١٩ - ٢٠]. واختلاط الرجال بالنساء في أماكن العمل، وفي المدارس والجامعات وأمثالها، كل هذا يجر به الشيطان الرجال والنساء إلى الفتنة، حتى يقعوا في الفاحشة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١]. اختياراتٌ فقهية: حمل التراب من أجل التيمم بدعةٌ لم يفعلها أحدٌ من السلف. والوضوء من الحدث الدائم كسلس البول ونحوه واجبٌ لكل صلاة. والقصاص في إتلاف الأموال غير مشروع؛ لأنه إفساد كأن يهدم داره فيهدم داره، وإنما يضمنه بمثله أو قيمته. والإطعام في كفارة اليمين ونحوها مقدرٌ بالعرف لا بالشرع، فيطعم أهل كل بلد من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرًا ونوعًا.

стр. 4784

وصدقة الفطر جاريةٌ مجرى صدقة الأبدان كالكفارات، لا صدقة الأموال، فسببها البدن لا المال، فلا تُصرف إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم من الفقراء والمساكين. وصدقة الفطر تتبع الإنسان حيث كان في بلده أو غير بلده. والإمام في صلاة التراويح إذا أوتر، مخيرٌ في وصل الوتر وفصله، وفي القنوت وتركه، ويكون الفصل أكثر، فيصلي ركعتين، ثم يوتر بواحدة، ويكون ترك القنوت أكثر. وقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة سُنَّة، وإن لم يقرأ بل دعا جاز. ومن كان مداومًا على قيام الليل، أغناه عن المداومة علي صلاة الضحى كما كان النبي ﷺ يفعل. ومن كان ينام عن قيام الليل، فصلاة الضحى بدل قيام الليل أفضل له، والأفضل والأحسن والأكمل أن يداوم على هذا وهذا، طلبًا للأجر والثواب. والجمع والقصر في السفر مشروع، والجمع بين الصلاتين لا يفتقر إلى نية، ولا تُشترط الموالاة في الجمع بين الصلاتين. ويُستحب للجُنُب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضأ، ويكره له النوم إذا لم يتوضأ، كراهية أن تقبض روحه وهو نائم، فلا تشهد الملائكة جنازته، ووضوء الجُنب يرفع الجنابة الغليظة. وصلاة الاستسقاء صلاة رغبةٍ ورجاء، وصلاة الكسوف صلاة رهبةٍ وخوف، وبقية الصلوات صلاة رجاءٍ وخوف، وقد أمر الله عباده أن يدعوه خوفًا وطمعًا كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].

стр. 4785

ويجوز الوقوف بعرفة راكبًا وماشيًا وقاعداً، والفضل يختلف باختلاف الناس، فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجةٍ إليه كعالمٍ يُفتيهم، أو كان يشق عليه ترك الركوب كمريض وقف راكبًا، والنبي ﷺ وقف راكبًا. وهكذا الحج فمن الناس من يكون حجه راكبًا أفضل، ومنهم من يكون حجه ماشيًا أفضل، والأفضل ما يحضر فيه قلبه. والحاج يقطع التلبية إذا وصل إلى عرفة، ثم إذا أفاض من عرفة إلى مزدلفة لبى، وإذا أفاض من مزدلفة إلى منى لبى حتى يرمي جمرة العقبة، ولا تُشرع التلبية وقت الوقوف بعرفة ومزدلفة، وإنما تُشرع في السير بينهما. وليس على المفرد والقارن إلا سعيٌ واحد، أما المتمتع فقد أدى نُسكين بإحرامٍ مستقل، فعليه للعمرة سعي، وعليه للحج سعي. وإذا كان بين اثنين ما لا يقبل القسمة كحيوان، وطلب الشريك البيع وقسمة الثمن، أُجبر الآخر على ذلك. وتُشرع الصلاة على الغائب الذي لم يصلى عليه، وبعض الناس يُصلي كل ليلة على جميع من مات من المسلمين، وهذه بدعة لم يفعلها أحدٌ من السلف: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. ومن ميقاته الجحفة كأهل الشام ومصر، إذا مروا على المدينة فالأولى أن يحرموا من ذي الحليفة، ويجوز لهم أن يحرموا من ميقاتهم ويؤخروه فيحرموا من الجحفة التي هي ميقاتهم. والدم والقيء ونحوهما من النجاسات الخارجة من غير المخرج المعتاد لا تنقض الوضوء ولو كثرت، فإن خرجت من أحد السبيلين نقضت الوضوء.

стр. 4786

ويجوز التيمم للخوف من فوات صلاة الجنازة، وفوات صلاة العيد، وفوات الجمعة. والإمام إذا أخطأ في الصلاة كان خطؤه عليه لا على المأموم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : قَالَ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ». أخرجه البخاري (١). فقه الأولويات: أفضل العبادات في وقت الجهاد، الجهاد في سبيل الله، وإن آل إلى ترك بعض الأوراد والسُنن: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١]. والأفضل وقت الآذان ترك الأوراد، وقراءة القرآن، والاشتغال بإجابة المؤذن؛ لأن إجابة المؤذن عبادةٌ تفوت بفوات الآذان. والأفضل في أوقات الصلوات الخمس المبادرة إليها، وإيقاعها في أوقاتها على أكمل الوجوه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. والأفضل في أوقات السحر الاشتغال بالصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر والدعاء، والاستغفار: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].

стр. 4787

والأفضل في وقت قراءة القرآن جمع القلب على تدبره وفهمه حتى كأن الله يُخاطبك: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. والأفضل وقت حاجة المحتاج، وضرورة المضطر، الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهاد والتضرع بالدعاء والذكر والاستغفار. والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبد، لاسيما التكبير والتحميد والتهليل؛ لقول النبي ﷺ : «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأيَّامِ». أخرجه البخاري والترمذي (١). ومن تنوعت أعماله الصالحة، تنوعت كراماته في الجنة، وارتفعت درجاته. والأفضل في العشر الأخيرة من رمضان لزوم المسجد فيها، والخلوة، والاعتكاف، والصلاة، والأذكار والإكثار من الدعاء وتلاوة القرآن: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ١ - ٥] وذلك لمداومة النبي ﷺ على ذلك.

стр. 4788

والأفضل وقت مرض أخيك المسلم عيادته، وعند موته شهود جنازته، وتعزية أهله. والأفضل وقت الجهل، وظهور البدع، تعليم الناس أمور دينهم: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. والأفضل وقت حضور الضيف القيام بحقه وإكرامه، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ». متفقٌ عليه (١). والأفضل وقت انتشار الكفر والمعاصي الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. والدعوة إلى الله لها كل الأوقات ماعدا الفرائض والواجبات: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. والأفضل في كل وقتٍ وحال، إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت، والقيام بواجب ذلك الوقت، وتلك الحال: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. اللهم فقهنا في الدين واجعلنا من ورثة سيد المرسلين.

стр. 4789

٣ - الخزانة الثالثة فقه الأحكام الشرعية: حرم الله بعض الأشياء إما تحريمًا مطلقًا كتحريم الزنا، والربا، والغيبة، والنميمة ونحو ذلك من المحرمات التي تضر الفرد وغيره. أو تحريمًا مقيدًا إلى أن يتغير حالٌ من الأحوال كتحريم نكاح المطلقة ثلاثًا على زوجها حتى تنكح زوجًا غيره، وتحريم نكاح المحرم حتى يحِل. وأوجب الله أشياء معلقةً بأسباب إما لله كالزكاة إذا بلغ المال النصاب، أو حقًا للعباد كالشفعة. وشرع الله أسبابًا تُفعل لتحصيل مقاصد، كما شرع العبادات لابتغاء فضله، وكما شرع عقد البيع لنقل الملك بالعوض، وكما شرع عقد القرض لإرفاق المقترض، وكما شرع عقد النكاح للألفة والسكن بين الزوجين، وكما شرع الخلع من الزوج، لافتداء المرأة نفسها من رق بعلها ونحو ذلك: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. وكما خضعنا لربوبيته سبحانه في خلقنا، فيجب أن نخضع لإلوهيته في أفعالنا وحركاتنا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. حكم الحيل:

стр. 4790

الحيلة أن يقصد الإنسان سقوط الواجب، أو حِل المحرم، بفعلٍ لم يشرعه الله . والحيل محرمةٌ بالكتاب والسُنَّة وإجماع سلف الأمة، لما فيها من خداع الله، والاستهزاء بآيات الله، والتلاعب بحدود الله، وتغيير الأحكام الشرعية بالحيل الإبليسية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥]. وعن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا». متفقٌ عليه (١). وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». متفقٌ عليه (٢). أفضل البلاد: أفضل البلاد في حق كل شخص حيث كان أبر وأتقى لله ، كما أن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].

стр. 4791

فأفضل البلاد في حق كل شخص حيث كان أبر وأتقى لله ، سواءٌ كان هذا في مكة أو المدينة أو بيت المقدس أو الثغور وغيرها. وعلى وجه العموم المرابطة في الثغور حال الخوف من العدو أفضل من المجاورة في الحرمين. ومقام النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار في المدينة أفضل من مكة؛ لأنهم مهاجرون، ومجاهدون، ومرابطون، بخلاف مكة، وأفضل الأعمال بعد الإيمان الرباط والجهاد في سبيل الله، والإيمان لا يتم إلا بالجهاد: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وأعظم الجهاد وأعلاه هو الدعوة إلى الله، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥١ - ٥٢]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ». متفقٌ عليه (١). وقصر الصلاة في السفر سُنَّةٌ نبوية، ورخصةٌ شرعية، وقصر العدد سُنَّة السفر، وقصر العمل سُنَّة الخوف، وإذا اجتمع الأمران الخوف والسفر شُرع القصر المطلق كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١]. فقه كمال الدين:

стр. 4792

نصوص القرآن والسُنًّة محيطةٌ بجميع أحكام العباد الدينية والدنيوية والأخروية، فقد بين الله في كتابه الكريم، وبين الرسول ﷺ في سُنَّته، جميع ما أمر الله به، وجميع ما نهى الله عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وبهذا أكمل الله الدين مفصلًا بإنزال الكتاب والميزان، ولكن قد يقصر فهم كثيرٍ من الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص الشرعية؛ لأنهم متفاوتون في الأفهام والعقول. أما الدين فهو كامل، والنبي ﷺ ترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولله سبحانه حكمةٌ ورحمة في كل ما خلق وأمر: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢]. ومن أعرض عن دين الله، وحكم بغير ما أنزل الله، فقد ضل سواء السبيل، ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٥].

стр. 4793

وقال الله تعالى مثنيًا على نفسه بإكمال هذا الدين: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. فقه علو الله : الله له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧]. وصفات الرب ﷻ ليست كصفات خلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. فالله مستوٍ على العرش العظيم، وليس مفتقرًا إليه، واستواء الله على عرشه ليس كاستواء الملك المخلوق على سريره، فإن الملك المخلوق مفتقرٌ إلى سريره؛ ليحمله، ولو زال سريره لسقط. أما الله فهو الغني عن كل ما سواه، غنيٌ عن العرش، وكل ما سواه، بل العرش مفتقرٌ إلى ربه في خلقه وبقائه. وهو سبحانه خالق العرش، وحملة العرش، فالله خلق المخلوقات عاليًا وسافلًا، وجعل العالي غنيًا عن السافل، كما جعل الهواء فوق الأرض، وليس محتاجًا إليها، وجعل السماء فوق الهواء وليست مفتقرةٌ إليه

стр. 4794

ليحملها، فالله في علوه أعظم وأجل من أن يحتاج إلى من دونه من خلقه من العرش وغيره: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس: ٦٨ - ٧٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٦ - ١١٧]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. فقه تكليف الثقلين: أولاً: الثقلان هما الجن والإنس، وقد ثبت بالكتاب والسُنَّة أمر الثقلين، بالإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ [الأنعام: ١٣٠ - ١٣١].

стр. 4795

ثانيًا: ثبت بالكتاب والسُنَّة أن محمدًا ﷺ رسولٌ إلى الجن والإنس معًا في سورة الرحمن، وفي سورة الأحقاف كما قال سبحانه في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢]. وقال الله تعالى في سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١ - ١٥].

стр. 4796

وَعَنْ عَلْقَمَةُ قال: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ قَالَ لَا، وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَفَقَدْنَاهُ فَالْتَمَسْنَاهُ فِى الأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ، قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَقَال: «أَتَانِى دَاعِى الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ». قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِى أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعَرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ». أخرجه مسلم (١). والبشر منهم الأنبياء والرسل، والجن منهم النُذر. ومن لوازم التكليف الثواب والعقاب: عقاب الكافر والعاصي، وثواب المؤمن والمطيع، ويُبعث الجن والإنس يوم القيامة جميعًا، وكذلك البهائم والوحوش تُبعث ثم يُقتص لبعضها من بعض، ثُم يُقال لها كوني تُرابًا. والمعاد يوم القيامة للروح والبدن، ينعمان ويعذبان بحسب العمل، وكلٌ سوف يُحاسب على عمله من الجن والإنس، ثم بعد ذلك يكون الثواب والعقاب، فيدخل المؤمنون من الإنس والجن الجنة بإيمانهم وأعمالهم الصالحة، فضلًا من الله ورحمة.

стр. 4797

ويدخل الكفار والعصاة من الجن والإنس النار، فيعاقبون فيها، فيُخلد الكفار، ويخرج العصاة بعد تطهيرهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٤ - ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢]. ومن لم يكلف في الدنيا من الأطفال والمجانين، ومن مات في الفترة، هؤلاء يمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار. أما أطفال المؤمنين فهم مع آبائهم في الجنة.

стр. 4798

٤ - الخزانة الرابعة حكم زيارة القبور: زيارة القبور مشروعة سواءً كان الميت مسلمًا أو كافرًا. لكن يُفرق بينهما في الزيارة كما يلي: أولًا: الكافر، يُزار قبره للعظة والاعتبار، وتذكر الموت، ولا يجوز الدعاء له بالرحمة، ولا الاستغفار له، لأنه مات كافراً. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ». أخرجه مسلم (١). وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِىِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ». أخرجه مسلم (٢). ثانيًا: المؤمنون، تُزار قبورهم للاعتبار، وتذكر الموت، والدعاء لهم بالرحمة والاستغفار لهم عند الدفن، وبعد الدفن. عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كان رَسُولُ اللَّه ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذا خَرَجُوا إِلى المَقابِرِ فكَانْ قَائِلُهُم يَقُولَ: «السَّلامُ عَلَيكُمْ أَهْل الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ للاحقُونَ، أَسْأَلُ اللَّه لَنَا وَلَكُمُ العافِيَةَ». أخرجه مسلم (٣). وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا». أخرجه مسلم (٤).

стр. 4799

ثالثًا: الدعاء حين زيارة الميت المسلم من جنس الدعاء في صلاة الجنازة كل ذلك حقٌ للميت، وعملٌ صالحٌ من الحي. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بمثل ذَلِكَ». أخرجه مسلم (١). وَعَنْ أم الدَّرْدَاءِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ». أخرجه مسلم (٢). رابعًا: دعاء الأموات، والسجود عند قبورهم، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، كل ذلك من جنس الشرك بالله، فلا يجوز لأحدٍ فعله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]. وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن النبي ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، قالت: وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ». متفقٌ عليه (٣). فضل الصلاة على الجنازة وإتباعها حتى تُدفن: السُنَّة إتباع الجنازة إيمانًا واحتسابًا، حتى يُصلى عليها، ويُفرغ من دفنها، وإتباع الجنائز سُنَّةٌ للرجال دون النساء. أما الصلاة على الجنائز فسُنَّةٌ للرجال والنساء معًا. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ

стр. 4800

كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ». متفقٌ عليه (١). ولا يجوز للنساء زيارة القبور، ولا إتباع الجنائز. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أن رَسُولُ اللَّه ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ. أخرجه الترمذي وابن ماجة بسندٍ حسن (٢). لكن إذا مرت المرأة بالمقبرة بدون قصد زيارة، فيُسن أن تسلم على أهل القبور، وتدعو لهم بما ورد من غير أن تدخلها، كما وصى النبي ﷺ عَائِشَةَ ﵂ بذلك حيث قال: «قُولِي: السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ». أخرجه مسلم (٣). فقه الشهادات: شهادة النساء تنقسم إلى قسمين: الأول: نوعٌ يُقبل فيه شهادة النساء منفردات كالرضاع، والاستهلال، والولادة، والحيض ونحو ذلك مما تراه بعينها أو تلمسها بيدها ونحو ذلك مما يخص النساء. الثاني: نوعٌ لا يُقبل فيه شهادة النساء إلا مع الرجال، وهو جميع الأحكام، إلا القصاص والحدود، فيُقبلن مع الرجال في الأموال، والنكاح، والطلاق، والوصية وغيرها، ويُقبلن منفردات فيما لا يطلع عليه إلا النساء كالحيض ونحوه.
следующие страницы →