وَعَنْ عَلْقَمَةُ قال: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ قَالَ لَا، وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَفَقَدْنَاهُ فَالْتَمَسْنَاهُ فِى الأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ، قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَقَال: «أَتَانِى دَاعِى الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ».
قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِى أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعَرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ».
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ». أخرجه مسلم (١).
والبشر منهم الأنبياء والرسل، والجن منهم النُذر.
ومن لوازم التكليف الثواب والعقاب:
عقاب الكافر والعاصي، وثواب المؤمن والمطيع، ويُبعث الجن والإنس يوم القيامة جميعًا، وكذلك البهائم والوحوش تُبعث ثم يُقتص لبعضها من بعض، ثُم يُقال لها كوني تُرابًا.
والمعاد يوم القيامة للروح والبدن، ينعمان ويعذبان بحسب العمل، وكلٌ سوف يُحاسب على عمله من الجن والإنس، ثم بعد ذلك يكون الثواب والعقاب، فيدخل المؤمنون من الإنس والجن الجنة بإيمانهم وأعمالهم الصالحة، فضلًا من الله ورحمة.
стр. 4797
ويدخل الكفار والعصاة من الجن والإنس النار، فيعاقبون فيها، فيُخلد الكفار، ويخرج العصاة بعد تطهيرهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٤ - ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢].
ومن لم يكلف في الدنيا من الأطفال والمجانين، ومن مات في الفترة، هؤلاء يمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار.
أما أطفال المؤمنين فهم مع آبائهم في الجنة.
стр. 4798
٤ - الخزانة الرابعة
حكم زيارة القبور:
زيارة القبور مشروعة سواءً كان الميت مسلمًا أو كافرًا.
لكن يُفرق بينهما في الزيارة كما يلي:
أولًا: الكافر، يُزار قبره للعظة والاعتبار، وتذكر الموت، ولا يجوز الدعاء له بالرحمة، ولا الاستغفار له، لأنه مات كافراً.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ». أخرجه مسلم (١).
وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِىِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ». أخرجه مسلم (٢).
ثانيًا: المؤمنون، تُزار قبورهم للاعتبار، وتذكر الموت، والدعاء لهم بالرحمة والاستغفار لهم عند الدفن، وبعد الدفن.
عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كان رَسُولُ اللَّه ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذا خَرَجُوا إِلى المَقابِرِ فكَانْ قَائِلُهُم يَقُولَ: «السَّلامُ عَلَيكُمْ أَهْل الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ للاحقُونَ، أَسْأَلُ اللَّه لَنَا وَلَكُمُ العافِيَةَ». أخرجه مسلم (٣).
وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا». أخرجه مسلم (٤).
стр. 4799
ثالثًا: الدعاء حين زيارة الميت المسلم من جنس الدعاء في صلاة الجنازة كل ذلك حقٌ للميت، وعملٌ صالحٌ من الحي.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بمثل ذَلِكَ». أخرجه مسلم (١).
وَعَنْ أم الدَّرْدَاءِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ». أخرجه مسلم (٢).
رابعًا: دعاء الأموات، والسجود عند قبورهم، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، كل ذلك من جنس الشرك بالله، فلا يجوز لأحدٍ فعله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن النبي ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، قالت: وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ». متفقٌ عليه (٣).
فضل الصلاة على الجنازة وإتباعها حتى تُدفن:
السُنَّة إتباع الجنازة إيمانًا واحتسابًا، حتى يُصلى عليها، ويُفرغ من دفنها، وإتباع الجنائز سُنَّةٌ للرجال دون النساء.
أما الصلاة على الجنائز فسُنَّةٌ للرجال والنساء معًا.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ
стр. 4800
كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ». متفقٌ عليه (١).
ولا يجوز للنساء زيارة القبور، ولا إتباع الجنائز.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أن رَسُولُ اللَّه ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ. أخرجه الترمذي وابن ماجة بسندٍ حسن (٢).
لكن إذا مرت المرأة بالمقبرة بدون قصد زيارة، فيُسن أن تسلم على أهل القبور، وتدعو لهم بما ورد من غير أن تدخلها، كما وصى النبي ﷺ عَائِشَةَ ﵂ بذلك حيث قال: «قُولِي: السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاحِقُونَ». أخرجه مسلم (٣).
فقه الشهادات:
شهادة النساء تنقسم إلى قسمين:
الأول: نوعٌ يُقبل فيه شهادة النساء منفردات كالرضاع، والاستهلال، والولادة، والحيض ونحو ذلك مما تراه بعينها أو تلمسها بيدها ونحو ذلك مما يخص النساء.
الثاني: نوعٌ لا يُقبل فيه شهادة النساء إلا مع الرجال، وهو جميع الأحكام، إلا القصاص والحدود، فيُقبلن مع الرجال في الأموال، والنكاح، والطلاق، والوصية وغيرها، ويُقبلن منفردات فيما لا يطلع عليه إلا النساء كالحيض ونحوه.
стр. 4801
حكم شهادة الفاسق:
لا تُقبل شهادة الفاسق وخبره لأمرين:
أحدهما: عدم الوثوق به، إذ يحمله فسقه وعدم وقار الله في قلبه على الكذب.
الثاني: هجره على إعلانه بفسقه، ليرتدع عنه.
والعدالة شرطٌ في الشهادة، ولكن العدالة تتبعض، فيكون الرجل عدلًا في شيء، فاسقًا في شيء، فإذا تبين للقاضي أنه عدلٌ فيما شهد به قبل شهادته، ولم يضره فسقه في غيره، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
وإن كان الناس كلهم فُساقًا إلا القليل قُبلت شهادة بعضهم على بعض، ويُحكم بشهادة الأمثل فالأمثل من الفُساق.
حكم شهادة الكافر:
شهادة الكافر لها حالتان:
إما أن تكون على كافر .. وإما أن تكون على مسلم.
أولاً: فشهادة الكفار بعضهم على بعض تجوز للحاجة، سواءً كان يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا، وقد أمر الله بالحكم بينهم إذا جاءوا إلينا، فإذا تجاحدوا وقامت البينة منهم، ولم يحضرهم أحدٌ من المسلمين، حكمنا بينهم بالعدل؛ ليصل إلى كل ذي حقٍ حقه، وإذا لم نحكم بينهم أدى ذلك إلى تظالمهم، وضياع حقوقهم، وفي ذلك فسادٌ عظيم لهم ولغيرهم كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢].
стр. 4802
وليس في قبول شهادتهم إكرام لهم؛ لأن الحكم بينهم مقصوده دفع شر بعضهم عن بعض، وعن المسلمين، وإيصال الحق إلى صاحبه بقول من يرضونه، ومن كان منهم معروفًا بالكذب لا نقبله، ولا نلزمهم بشهادته.
عَنْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَال: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ، قَدْ أَحْدَثَا جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُمْ: مَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ، قَالُوا: إِنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا تَحْمِيمَ الْوَجْهِ وَالتَّجْبِيهَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ادْعُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالتَّوْرَاةِ، فَأُتِيَ بِهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ: فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرُجِمَا عِنْدَ الْبَلَاطِ، فَرَأَيْتُ الْيَهُودِيَّ أَجْنَأَ عَلَيْهَا». متفقٌ عليه (١).
ثانيًا: تُقبل شهادة الكفار على المسلمين في السفر والحضر عند الضرورة إذا لم يُوجد غيرهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨].
فتُقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض، وفي شهادتهم على المسلمين مع أيمانهم إذا عُدِم المسلمون.
стр. 4803
عموم العقوبة:
كل من شارك أهل البغي والعدوان، وأهل الباطل، فإنه يكون معهم في الإثم والعقوبة، والعقوبة إذا وقعت تعم الصالح والطالح، والبار والفاجر، والمؤمن والكافر، ولا تترك أحدًا، ثم يوم القيامة يُبعث الناس على نياتهم، ولا يسلم إلا من كان قائمًا بأمر الله، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنها قالت: قال رَسُولُ اللَّه ﷺ : «يغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ. قَالَتْ: قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بأوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهمْ أسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟! قَالَ: يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيّاتِهمْ». متفقٌ عليه (١).
فقه كمال النية:
تكمل النية في كل عمل بثلاثة أشياء:
الأول: نية العبادة كالصلاة ونحوها.
الثاني: نية الإخلاص بأن تكون لله وجل.
стр. 4804
الثالث: نية أنه قام بها امتثالًا لأمر الله.
فمثلًا تنوي صلاة الظهر، وتنوي أنك تُصلي لله لا لغيره، وتستحضر أنك تصلي امتثالًا لأمر الله حيث قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفقٌ عليه (١).
حكم السفر إلى بلاد الكفار:
السفر المشروع الذي جاء عن النبي ﷺ هو السفر للحج والعمرة، والجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله.
ولا يجوز السفر إلى بلاد الكفر إلا بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون عند المسافر علمٌ يدفع به الشبهات.
الثاني: أن يكون عنده دينٌ وتقوى وورعٌ يحميه من الشهوات المحرمة.
الثالث: أن يكون محتاجًا إلى السفر لمرضٍ، أو تجارة، أو طلب علم ليس عند المسلمين، وهم محتاجون له ونحو ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
أما السفر للدعوة إلى الله، فواجبٌ على المستطيع؛ لإبلاغ دين الله لقول الله : ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
стр. 4805
وقول الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقد ابتلي كثيرٌ من المسلمين بالسفر إلى بلاد الكفار، والاختلاط بهم، ورؤية المنكرات، وجرهم الشيطان إلى تلك الديار؛ ليتأثروا بأحوالهم، ويقلدوهم في صفاتهم، ثم يرجعون إلى بلادهم يحدثون بما رأوا من أحوال الكفار وصفاتهم وديارهم.
ونتج من ذلك تقليد اليهود والنصارى وسائر الكفار في عاداتهم ولباسهم وطريقة حياتهم، كما قال النبي ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ. قَالُوا: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟». متفقٌ عليه (١).
فليحذر العبد من ذلك، وليلزم بيئة المؤمنين، ولا يدخل بيئة الكفار إلا لضرورة، وإلا للدعوة إلى الله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وكل إنسانٍ مسئولٌ عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن وقته ماذا عمل به؟: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
стр. 4806
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٢ - ١١٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠].
وليعلم كل مسلم ومسلمة أن الله قد خلقه وهداه واشتراه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
فهو مسئول بين يدي ربه عن عشرة أمور:
فيُسأل في قبره من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟
ويُسأل يوم القيامة عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن وقته ماذا عمل به؟.
ويُسأل كذلك في عرصات القيامة، كما قال سبحانه: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص: ٦٥].
وقال سبحانه: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ [النمل: ٨٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
стр. 4807
٥ - الخزانة الخامسة
حكم الغيبة والنميمة:
الغيبة والنميمة محرمتان، فالغيبة محرمة، لما فيها من الضرر العظيم على الأمة، وأعظم الغيبة غيبة العلماء والدعاة إلى الله؛ لأن غيبة غيرهم من الناس غيبةٌ شخصية لا تضر إلا الذي اغتاب، والذي قيلت فيه الغيبة، لكن غيبة العلماء والدعاة إلى الله تضر الإسلام كله؛ لأن العلماء حملة لواء الإسلام، فإذا سقطت الثقة بأقوالهم سقط لواء الإسلام.
وإذا كانت لحوم الناس كما يأكل الميتة، فإن لحوم العلماء ميتةٌ مسمومة؛ لما فيها من الضرر العظيم على الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٢ - ١٣].
فالغيبة محرمة، بل هي من الكبائر.
والغيبة ذكرك أخاك بما يكره، والنميمة نقل الكلام بين الناس.
فالغيبة محرمة بل هي من كبائر الذنوب، ولاسيما إذا كانت الغيبة في العلماء والدعاة وولاة الأمور، فغيبة هؤلاء أشد من غيبة سائر الناس؛ لأن غيبة العلماء تقلل من شان العلم، وغيبة الأمراء والحكام تقلل من هيبة شأن السلطان، ومن ثَم لا يقبل الناس من العلماء، ولا يخضعون للأمراء، فيتمردون عليهم.
стр. 4808
وإذا استهان الناس بالعلماء، وتمردوا على الأمراء فلا تسأل عن الفوضى، واضطراب الأمور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠].
حكم الصرع:
الصرع هو المس، وهو صرع الجن للإنس.
والصرع ينقسم إلى قسمين:
الأول: صرع سببه تشنج الأعصاب، وهذا مرضٌ عضوي يمكن أن يُعالج كغيره من قِبل الأطباء بدواء يسكنه أو يُزيله.
الثاني: صرعٌ سببه تسلط الجني على الإنسي فيصرعه، ثم يغمى عليه من شدة الصرع، ثم يتكلم الجني على لسانه.
وقد ثبت هذا النوع بالقرآن والسُنَّة والواقع: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وهذا النوع يُعالج بالقراءة من الإنسان نفسه، بقراءة الفاتحة والمعوذات وغيرها من القرآن والسنة كما ورد في الرقية الشرعية، أو يُعالج بالقراءة من أهل العلم والتقوى.
فإذا وقع مثل هذا فيدفع الإنسان ذلك عن نفسه بالأوراد الشرعية صباحًا ومساءً، وبالرقية الشرعية التي جاءت في القرآن والسُنَّة.
حكم تمني الموت:
لا يجوز للإنسان أن يتمنى الموت لضرٍ نزل به، فربما يكون الموت شرًا عليه، وربما إذا بقي يتوب ويرجع إلى الله، فتمني الموت يدل على ضجر صاحبه، وعدم صبره على قضاء الله، والأحسن أن يكل أمره إلى الله الذي هو أرحم بالإنسان من نفسه.
стр. 4809
عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِى، وَتَوَفَّنِى إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِى». متفقٌ عليه (١).
وأما تمني الموت على صفةٍ يرضاها الله فهذا جائز، كأن يتمنى أن يتوفاه الله على الإسلام والإيمان والإخلاص، وهو راضٍ عنه، كما في دعاء يوسف ﷺ : ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
فقه الكسوة:
كل إنسان محتاجٌ إلى كسوة تستر عورته حسًا، ومحتاجٌ إلى إيمانٍ وعملٍ صالح يستر عورته معنى؛ لأن التقوى لباس القلب، والقماش لباس الجسد، وكلٌ منهما لازم، وكلٌ منهما نعمة من الله وحده.
فالطعام كسوة البدن باطنًا من عُري الجوع، والكسوة ستر البدن ظاهرًا، والهداية ستر القلوب والنفوس من عيوب الذنوب والأخلاق:: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
وقال الله في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي: إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ
стр. 4810
جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي، فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي: إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ». أخرجه مسلم (١).
فستر الأبدان بالثياب حسن، وستر القلوب بالتوحيد والإيمان والأعمال الصالحة أحسن: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].
حكم الديون:
تحمل الديون عظيم يُولد الهم والفرقة، وسداد الديون ثقيل على النفوس؛ لهذا لا ينبغي للإنسان أن يستدين إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، فلا يستدين لزواج، ولا لبناء بيت، ولا شراء أشياء لا حاجة لها ضرورية، كل هذا من السفه، والحل أن يستعفف الإنسان حتى يرزقه الله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢].
стр. 4811
فإذا كان هذا في النكاح الذي يعف الإنسان به نفسه عن الوقوع في فاحشة الزنا، فما بالك بما هو دونه.
ومن أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله.
والدَّين هو كل ما ثبت في الذمة من ثمن بيعٍ أو قرضٍ أو أجرة او غير ذلك: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
حكم إجابة الدعوة:
من حق المسلم على أخيه إذا دعاه أن يجيبه، إذا كان الداعي مسلمًا، ولم يكن مجاهراً بالمعصية، ولم تكن الدعوة مشتملةٌ على معصية لا يستطيع إزالتها، ولم يكن ثَم مانعٌ لديه يمنعه من الحضور.
وتجب إجابة الدعوة في العرس خاصة.
فإن كان الداعي غير مسلم فلا تجب الإجابة، وتشرع إجابة دعوة الكافر لمصلحة كرجاء إسلامه، أو تأليف قلبه؛ لأن النبي ﷺ أجاب دعوة يهودي في المدينة.
وإن كان الداعي مسلمًا مجاهراً بالمعصية كحلق اللحى وشرب الدخان علنًا أو غير ذلك من المحرمات، فإن إجابته ليست بواجبة، وإن كان في إجابته مصلحة أجابه، وإن كان ليس في إجابته مصلحة فلا يجبه.
وإن كان ليس في إجابته مصلحة نظرت، فإن كان في عدم إجابته مصلحة، فلا تجبه لعل الله أن يهديه، وإن كان لا فائدة من ذلك فأنت بالخيار.
стр. 4812
وإن كان في الدعوة منكر، فإن كان الإنسان قادراً على التغيير وجب عليه الإجابة؛ لإزالة المنكر، وإجابة دعوة أخيه، وإن كان المنكر لا تستطيع تغييره كالأغاني وشرب الدخان ونحو ذلك من المعاصي الظاهرة، فلا تجوز إجابته؛ لأن حضور المحرم ولو مع كراهة الإنسان له بقلبه يكون فيه الإنسان مشاركًا للفاعل كما قال سبحانه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].
وفي مثل هذه المجامع العامة كالأعراس والحفلات يجمع الشيطان بين الناس؛ لينشر بينهم الفاحشة، ويأمرهم بالفحشاء والمنكر إلا من رحم ربك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
أقسام العورة:
العورة تنقسم إلى قسمين:
عورةٌ حسية .. وعورةٌ معنوية.
العورة الحسية هي ما يحرم النظر إليه كالقبل والدبر وما أشبه ذلك.
والعورة المعنوية هي العيب والخلق السيئ قوليًا أو عمليًا، كالظلم والجهل والفسوق ونحو ذلك.
فالإنسان إما أن يرتكب الخطأ عن عمد فيكون ظالمًا، وإما أن يرتكب الخطأ عن جهل فيكون جهولًا، هذه حال الإنسان إلا من عصم الله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
стр. 4813
وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
ولما كان الإنسان من طبيعته النقص والتقصير والعيب، فالواجب على المسلم نحو أخيه أن يستر عورته، ولا يشيعها إلا من ضرورةٍ أو مصلحةٍ راجحة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيُّ ﷺ قال: «لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أخرجه مسلم (١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيُّ ﷺ قال: «لا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أخرجه مسلم (٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيُّ ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ». أخرجه مسلم (٣).
حكم الستر على الإنسان:
الستر ينقسم إلى قسمين:
الأول: سترٌ محمود، وهو ستر الإنسان الذي لم يجري منه عدوان أو فاحشة إلا نادرًا، هذا ينبغي أن يُستَر ويُنصَح، ويُبين له أنه على خطأ ليتركه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
стр. 4814
وقال النبي ﷺ : «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». متفق عليه (١).
الثاني: سترٌ مذموم، وهو ستر الإنسان المستهتر المتهاون في الأمور، الفاسق الشرير الذي يعتدي على الناس، هذا لا يُستَر، بل المشروع أن يُبين أمره لولاة الأمر؛ ليردعوه عما هو عليه، ويكفوا شره عن الناس، وحتى يكون نكالًا لغيره: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
فالستر يتبع المصالح، فإن كانت المصلحة في الستر فهو أولى، وإن كانت المصلحة في الكشف فهو أولى، وإن تردد الأمر بين هذا وهذا فالستر أولى، والله ستير يحب الستر وأهله.
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». متفقٌ عليه (٢).
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حق المسلم على المسلم خمس، رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ». متفق عليه (٣).
حكم إنظار المعسر:
يجب إنظار المعسر، ومن كان له غريمٌ معسر، فإنه يحرم عليه أن يطلب منه الدين، أو أن يطالبه به، أو يرفع أمره إلى الحاكم، بل يجب عليه إنظاره، ولا يجوز للحاكم حبسه، ومن طالب معسرًا فهو آثم.
стр. 4815
ومن ضيق على أخيه المسلم المعسر فإنه يوشك أن يضيق الله عليه في الدنيا، أو في الآخرة أو فيهما معًا، ويوشك أن يُعجل له بالعقوبة، ومن العقوبة أن يستمر في مطالبة أخيه المعسر؛ ليزداد إثمًا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨٠ - ٢٨١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٤].
стр. 4816
٦ - الخزانة السادسة
فقه الشفاعة بين الناس:
الشفاعة؛ هي التوسط للغير في جلب منفعة، أو دفع مضرة، كان يتوسط لشخص، ليحصل على عمل، أو يشفع لشخص عند آخر ليسامحه ويعفو عن مظلمته.
والشفاعة أقسام:
الأول: شفاعة محرمة، وهي الشفاعة في الحدود، بعد بلوغها الإمام، لما في ذلك من تعطيل حدود الله التي بها تصلح أحوال الناس.
عن عائشة ﵂: أن امرأة من بني مخزوم سرقت فقالوا: مَنْ يكلمُ فيها رسولَ اللهِ ﷺ ؟ فلم يجترئ أحدٌ أن يكلمَه، فكلمَهُ أسامةُ بنُ زيدٍ، فقال: إنَّ بَنيِ إسرائيلَ كَانَ إِذَا سَرَقَ فيهمُ الشريفُ تركوهُ، وإِذَا سَرقَ فيهمُ الضعيفُ قَطعوهُ، لو كانت فاطمةُ لقطعتُ يدَها». وفي رواية «أتَشْفَعُ في حَدٍّ من حُدُود اللّه؟». متفق عليه (١).
الثاني: أن يشفع في شيء محرم، كان يشفع أحد لإنسان معتدٍ على أخيه، أو يشفع لرجل على امرأة مخطوبة، فهذا لا يحل له أن يشفع؛ لأن الخطبة على الخطبة محرمه، والشفاعة في المحرم تعاون على الإثم والعدوان والله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
أو يشفع في شراء محرم من خمر ودخانٍ أو قرض ربا ونحو ذلك فهذا كله لا يجوز، لأنه من التعاون على الإثم والعدوان: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً
стр. 4817
يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥].
الثالث: الشفاعة في شيء مباح، فهذه مشروعة، وللإنسان فيها أجر، كأن يريد شخصٌ شراء بيتِ فتشفع له عند صاحبه في إنقاص الثمن، أو تأجيل بعضه، هذه الشفاعة حسنة؛ لأن فيها إحسان إلى الغير: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥].
وعن أبي موسى ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، قَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا شَاءَ». متفق عليه (١).
حكم شهادة الزور:
شهادة الزور من أكبر الكبائر، لما فيها من الظلم والضرر العظيم.
فشاهد الزور أساء إلى نفسه، وأساء إلى من شهد له، وأساء إلى من شهد عليه.
أما إساءته إلى نفسه، فإنه قد أتى كبيرةً من أكبر الكبائر، وأما كونه أساء إلى من شهد له، فلأنه سلطه على ما لا يستحق، وسهل له أكل المحرم والباطل، والشاهد يظن أنه محسنٌ لمن شهد له، وأما كونه أساء إلى المشهود عليه فلأنه ظلمه، وكذب عليه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
стр. 4818
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وعن أبي بكر قال، قال رسول الله ﷺ : «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِر؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ، أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لا يَسْكُتُ». متفق عليه (١).
وعن أنس بن مالك قال: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، فَقَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّور». متفق عليه (٢).
فقه صلة الرحم:
الأرحام؛ هم الأقارب، وصلة الأرحام تكون بما جرى به العرف؛ لأن الله لم يذكر في الكتاب، والرسول ﷺ لم يبين في السنة، نوعها، ولا جنسها، ولا مقدارها، فما جرى به عرف المسلمين أنه صلة فهو صلة، وما تعارفوا عليه أنه قطيعة فهو قطيعة.
وصلة الأرحام فضلها عظيم، فمن أراد أن يصله الله فليصل رحمه، ومن أراد أن يقطعه الله فليقطع رحمه جزاء وفاقا، وكلما كان الإنسان لرحمه أوصل كان الله له أوصل، وكلما وصل أو قصر جاءه من الثواب بقدر ما عمل: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: -٧٥].
стр. 4819
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأُ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». متفق عليه (١).
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتْ الرَّحِمُ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ فَهُوَ لَكِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢].». متفق عليه (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ إن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُه». متفق عليه (٣).
وعن عائشة ﵂ وزج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: «الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ، فمَنْ وَصَلَها وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَها قَطَعْتُه». متفق عليه (٤).
صفة الواصل للرحم:
الواصل؛ هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها، فتكون صلة لله لا مكافأة لعباد الله، ولا من أجل أن ينال بذلك مدحًا عند الناس، فليس الواصل بالمكافئ الذي إذا وصله أقاربه وصلهم.
عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا». أخرجه البخاري (٥).
стр. 4820
والمؤمن يبتغي الأجرَ من الله، ويختار الأخلاق الحسنة، ومن ضمنها العفو والوصل لمن أساء إليه، فالمؤمن يعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمة، ويصل من قطعة، ويحسن إلى من أساء إليه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
اغفر لنا: امحوا عنا ذنوبنا حتى لا ندخل النار، وارحمنا: اقبل طاعتنا حتى ندخل الجنة، ولا أحد أرحم بعباده من ربهم أرحم الراحمين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
اللهم فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين.
ولا يمكن لأحد أن يفوز بالجنة، وينجو من النار، إلا بفضل الله ورحمته ومغفرته: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
стр. 4821
وقال النبي ﷺ : «لَا يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ الْجَنَّة عَمَلُهُ قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا أنا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْه و فَضْلِ». متفق عليه (١).
فقه الوصية:
الوصية؛ هي عهد الإنسان بعد موته إلى شخص بشيء يملكه.
والوصية أنواع:
منها أن يوصي لفلان أن ينتفع بشيء من ماله بعد موته كالثلث أو الربع ونحوهما، أو يعهد لشخص بالنظر على أولاده الصغار، أو يوصي فلاناً بتفريق ثلث المال، أو يوصي فلانًا بقضاء ديونه وغير ذلك من أنواع الوصية.
حكم الوصية:
الوصية ثلاثة أقسام:
واجبة .. ومحرمة .. وجائزه.
أولاً: الوصية الواجبة
أن يوصي الإنسان بما عليه من الحقوق الواجبة من زكاة أو ديون للناس، لئلا يجحدها الورثة، خاصة إذا لم يكن عليها بينة، وكذا الوصية لأقاربه غير الوارثين إذا كان له مال كثير: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨١].
وعن سعد بن أبي وقاس ﵁ قال: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ قَالَ لَا قُلْتُ: الثُّلُثُ،
стр. 4822
قَالَ فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ». متفق عليه (١).
ثانيًا: الوصية المحرمة:
كان يوصي لأحد الورثة بمال من بين سائر الورثة، و الوصية لأحد الورثة لا تجوز مطلقا، ومن أوصى بذلك فالحق للورثة، إن شاءوا نفذوا، وإن شاءوا ردوها، والوصية لغير وارث بأكثر من ثلث لا تجوز.
قال النبي ﷺ : «إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لَوَارِثٍ». أخرجه الترمذي وابن ماجة (٢).
ثالثًا: الوصية المباحة:
كأن يوصي الإنسان بشيء من ماله لا يتجاوز الثلث لغير وارث، والوصية بما دون الثلث أفضل كالربع أو الخمس، والحد الأعلى الثلث، فلا يزاد عليه، أما الوصية للوارث فلا تجوز مطلقًا، ولابد أن تكون الكتابة للوصية معلومة إما بخط يده، أو بخط شخصٍ معتمدٍ يشهد عليها.
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». متفق عليه (٣).
أما إن كان المال قليلًا، والورثة محتاجون، فترك الوصية أولى؛ لأن ورثته أولى من غيرهم بمال أبيهم.
فقه الرضاع المحرم:
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وذلك بثلاثة شروط:
стр. 4823
الأول: أن يكون اللبن من آدمية؛ لقوله سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
الثاني: أن تكون الرضعات خمسًا فأكثر، فلا تحرم المصة ولا المصتان.
الثالث: أن يكون الرضاع في زمن الرضاع؛ وهو ما قبل الفطام في الحولين، فالرضاع بعد الحولين لا يحرم.
قال النبي ﷺ : «فإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ». متفق عليه (١).
وإذا ثبت الرضاع بهذه الشروط، ثبت التحريم، وإذا ثبت التحريم، فإنه ينتشر على المرتضع وذريته فقط، ولا ينتشر على إخوانه وأخواته، وآبائه وأمهاته، فالتحريم إنما ينتشر على الراضع وفروعه، وهم ذريته فقط.
فأما أصول الراضع، وهم آباؤه وأمهاته، وحواشيه من إخوة وأخوات، وأعمام وأخوال وأبنائهم، فلا تأثير لهم في الرضاع، فيجوز لأخ الراضع من النسب أن يتزوج أخت أخيه من الرضاعة أو أمه أو عمته؛ لأن التحريم لا يشمله وإذا رضع طفل أو طفلة من امرأة فزوجها أبوه، وعمها عمه، وخالها خاله، وبناتها وأبناؤها إخوته.
فقه علة الأحكام:
ذكر الحكمة مقرونةٌ بالحكم له فائدتان:
الأولى: بيان سمو الشريعة، وأنها مبنيةٌ على جلب المصالح، ودرء المفاسد، فكل ما أمر الله ورسوله به، فالخير في وجوده، وكل ما نهى الله ورسوله عنه، فالخير في تركه، وما أمر الله بشيء إلا أعان عليه، ولا نهى عن شيء إلا أغنى عنه، وبيان علة الحكم ترغب في فعله كما قال سبحانه:
стр. 4824
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
فجعل الحكمة من الصيام حصول التقوى.
الثانية: زيادة اطمئنان النفس، فذكر الحكمة يزيد العبد إيمانًا، ويزيده يقينًا وينشطه لفعل المأمور، وترك المحظور: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقد يكون عدم ذكر الحكمة، أقوى في التسليم لأمر الله، والاستجابة إليه.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
فالتعبد لله بأحكام نعرف حكمتها، وبأحكامٍ لا نعرف حكمتها أقوى في التسليم، فعلينا أن نسلم بهذا وهذا؛ لأن الله حكيمٌ لا يأمر إلا بما فيه حكمة.
ومما لا نعرف حكمته: الوضوء من لحم الإبل، وتقبيل الحجر الأسود، ورمي الجمار في الحج ونحو ذلك.
حكم السلام:
السلام سنة، ورده واجب، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦].
والفريضة أفضل من النافلة؛ لأنها أحب إلى الله من النافلة، وابتداء السلام أفضل من الرد، وإن كان الرد فرضًا، وبدء السلام سنة، لكن لما كان الفرض مبنياً على هذه السنة، كانت السنة أفضل من هذا الفرض؛ لأنه مبنيٌ عليه.
стр. 4825
عن عبد الله بن عمرو ﵄ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ فقَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». متفقٌ عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُون الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ». أخرجه مسلم (٢).
عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُون الْجَنَّةَ بِسَلامٍ». أخرجه الترمذي وابن ماجه بسندٍ صحيح (٣).
حكم إتيان الكهان:
الكاهن هو الذي يُخبر عن الغيب في المستقبل بإعانة الشياطين.
والكهان رجالٌ تأتيهم الشياطين بما يسمعونه من خبر السماء، فيحدثون الناس بما أخبرت به الشياطين من الحق، ويضيفون إلى الخبر الحق أشياء كثيرة من الكذب والباطل؛ ليأكلوا أموال الناس، ويتخذونهم حكامًا لهم.
واتخاذ الكهان له ثلاث حالات:
الأولى: أن يأتي الإنسان إلى الكاهن فيسأله، ولا يصدقه؛ فهذا لا تُقبل له صلاة أربعين يومًا.
الثانية: أن يأتيه فيسأله، ويصدقه؛ فهذا كافر؛ لأن تصديقه يتضمن تكذيب القرآن الذي بين أنه لا يعلم الغيب إلا الله، والكاهن يُخبر عن الغيب في:
стр. 4826
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
وقال النبي ﷺ : «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ». أخرجه مسلم (١).
الثالثة: أن يأتيه ويسأله، ليفضحه ويكشف كذبه وحاله للناس، فهذا لا بأس به، وقد يكون محمودًا، لما فيه من إبطال الباطل، كما سأل النبي ﷺ ابن صياد عما أضمره وفيه: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ». متفقٌ عليه (٢).
стр. 4827
٧ - الخزانة السابعة
أفضل نساء الرسول ﷺ :
خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر، ﵄، أفضل زوجات الرسول ﷺ ، وأحب نسائه إليه.
فخديجة ﵂ أول امرأةٍ تزوجها الرسول ﷺ ، ولم يتزوج عليها أحدًا حتى ماتت، وولدت له بناته الأربع، وأولاده القاسم وعبد الله.
وكانت امرأةً عاقلةً تقيةً ذكيةً حكيمةً لها مآثر طيبة معروفة.
وعائشة أم المؤمنين، كانت امرأةً تقيةً ذكيةً، ولم يتزوج ﷺ بكرًا غيرها.
ولكل واحدةٍ منهما مزية تختص بها، ولا تشاركها فيها الأخرى.
فخديجة لها في أول الرسالة من مناصرة الرسول ﷺ ونصيحتها بنفسها ومالها ما ليس لعائشة، وعائشة ﵂ لها في آخر الرسالة، وبعد موت النبي ﷺ من نشر العلم والشريعة ما ليس لخديجة، فلكلٍ منهما مزيةٌ تختص بها، أما الفضيلة فكفى لهما فخرًا أنهما أحب نساء النبي ﷺ إليه.
حكم الاستخارة والاستشارة:
الاستخارة هي طلب خير الأمرين من الله.
والاستشارة: مشاورة أهل الرأي والصلاح في أمرٍ من الأمور.
فالاستخارة تكون مع الله، والاستشارة مع أهل الرأي والصلاح.
فالإنسان خُلق جهولاً ضعيفًا، وقد تُشكل عليه الأمور، وقد يتردد ولا يهتدي إلى الأصوب، ولابد للإنسان من جهلٍ أو تقصير؛ فلأجل هذا شرع الله الاستخارة والمشاورة فيقدم الاستخارة ويكررها ثلاثًا؛ لأنها دعاء،
стр. 4828
ومن عادة النبي ﷺ أنه إذا دعا دعا ثلاثًا، فإذا لم يتبين الأمر، فاستشر لتصل إلى الرأي السديد، فرأي الاثنين أقوى وأفضل من رأي الواحد.
فمن هَمَّ بسفر أو زواج أو بيع أو شراء أو أي عملٍ وهو متردد فله طريقان:
الأول: استخارة رب العالمين الذي يعلم ما كان وما يكون وما سوف يكون، فيصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يدعو بدعاء الاستخارة كما ورد في السنة.
الثاني: ثم استشارة أهل الرأي والصلاح والأمانة، وما أشاروا به فهو الخير إن شاء الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
وعن جابرٍ ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كالسُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يقول إِذَا هَمَّ أحدكم بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: في عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ». أخرجه البخاري (١).
стр. 4829
فقه النوم:
النوم آيةٌ من آيات الله الدالة على كمال قدرته ورحمته وحكمته.
وهو نعمةٌ من نعم الله تعالى على العبد؛ لأنه يستريح فيه الإنسان من تعبٍ سابق، وينشط فيه لعملٍ لاعق، وهو من كمال الدنيا؛ لأن الدنيا ناقصة فتُكمل بالنوم، لأجل الراحة، أما في الآخرة فلا نوم فيها؛ لأن النوم أخو الموت: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾ [الروم: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾ [النبأ: ٩].
فسبحان الحي القيوم الذي لا تأخذه سنةٌ ولا نوم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
أحسن السلام:
ينبغي للمسلم إذا سلم عليه أحد أن يرد عليه بأحسن منه، وهو الأفضل، وأدنى الدرجات أن يرد عليه بمثل ما سلم عليه
والأحسن ثلاثة أنواع:
الأول: الأحسن نوعًا، فإذا قال له: السلام عليكم، رد عليه بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله، ولا يكتفي بأهلًا أو مرحبًا، وإنما يقول ذلك بعد السلام، بعد رد التحية.
ثانيًا: الأحسن كمية، فإذا قال له: السلام عليكم، رد عليه بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
стр. 4830
ثالثًا: الأحسن كيفية فإذا سلم عليك أحدٌ بصوتٍ واضح مرتفع رد عليه بمثل ذلك، وإذا سلم عليك أحد وقد أقبل إليك بوجهه، فرد عليه كذلك، ولا تصعر خدك له: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩].
أقسام الرؤيا:
ما يراه الإنسان في منامه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يرى خيرًا، ويستبشر به ويفرح، فهذا لا يُحدث به إلا من يحب؛ لأن الإنسان له حسادٌ كثيرون، ربما يكيدون له كيدًا يحول بينه وبين ما رأى من الخير، كما كان إخوة يوسف معه: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ [يوسف: ٤ - ٥].
وعن أبي قتادة ﵁ قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ اللَّهِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفِلْ ثَلَاثًا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ». متفقٌ عليه (١).
стр. 4831
وعن أبي سعيدٍ ﵁ أنه سمع الرسول ﷺ يقول: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا». أخرجه البخاري (١).
الثاني: رؤيا شر تزعجه وتخوفه، فهذه لا يخبر الناس بها، لا يخبر الإنسان بها أحدًا لا صديقًا ولا عدوًا، لكن إذا قام من النوم تفل عن يساره ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله من شر الشيطان، ومن شر ما رأيت.
ولا يخبر بها أحدًا، وإن أراد أن يواصل النوم انقلب عن الجنب الذي رأى فيه الرؤيا إلى الجنب الآخر، فإذا فعل هذا فإنها لا تضره بإذن الله.
الثالث: رؤيا أضغاث أحلام، ليس لها رأسٌ ولا قدم، وهي من تلاعب الشيطان، فهذه لا يُحدث بها أحدًا، ولا يهتم بها.
عن جابر ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله رَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَال: إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ، فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ». أخرجه مسلم (٢).
صفة الفجور في الخصومة:
الفجور في الخصومة قسمان، كلاهما محرم:
الأول: أن يجحد الإنسان ما كان عليه.
الثاني: أن يدعي ما ليس له.
فمن فجر أمام القاضي، وكذب وجاء بالبينة، وحكم له القاضي، فهذا قد فجر في الخصومة، وهذا من علامات النفاق.
عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ
стр. 4832
حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». متفقٌ عليه (١).
حكم التصوير:
الله سبحانه هو المصور الذي يصور ما يشاء وحده لا شريك له، فندع التصوير للمصور وحده: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
والصور نوعان:
الأول: صورٌ مجسمة، بأن يصنع الإنسان تمثالًا على صورة إنسانٍ أو حيوانٍ.
فهذا محرم، سواءٍ كان لغرضٍ محرم، أو غرضٍ مباح، بل هو من كبائر الذنوب؛ لما فيه من المضاهاة لخلق الله؛ لأن النبي ﷺ لعن المصورين، وبين أن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله.
عن بن عباسٍ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ فَتعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ». أخرجه مسلم (٢).
وعن عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ».
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ، فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْن. متفقٌ عليه (٣).
الثاني: صورٌ ملونة يعني ليست بجسم، إنما هي رقمٌ وتلوينٌ على القماش أو الورق أو الجدار ونحوها، وهذا كالذي قبله محرم إذا كان لذي روح؛
стр. 4833
لأن الذي يرقم باليد صورة يحاول أن يكون مبدعًا مشابهًا لخلق الله، وهذا محرم، لما فيه من مضاهاة خلق الله.
عن ابن عباس ﵄ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ». متفق عليه (١).
وعَنْ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنّ من أَشَدّ النّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَاباً المُصَوّرُونَ «متفق عليه. (٢)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «قال الله تَعالَى: ومَن أظلم ممَّن ذهب يَخلق كخَلْقي، فلْيَخْلُقُوا ذرةً، ولْيخلُقُوا حبةً، أو لِيَخْلُقُوا شعيرةً». متفقٌ عليه (٣).
وأما التقاط الصور بآلة التصوير، فهذا التقط الصورة التي صورها الله، وطبعها على ورقة، أو على الفيديو، ولم يُضاهي بها خلق الله؛ لأن الذي
بالورقة من الصورة خلق الله لا خلق الإنسان، فهذا كذلك محرم، لما فيه من الفتنة، فتنة الرجال بالنساء، وفتنة النساء بالرجال، كما يحصل في الصور التي تُرى في الشاشات من المغنيات والمذيعات والمذيعين والمذيعات وغيرهم، وما أفضى إلى المحرم فهو محرم، ودرء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح.
وكم حصل بالتصوير من الفتن والفساد، والاتصال المحرم، فتصوير كل ذي روح محرم، بل هو من الكبائر، وله أثره البالغ المشين في إفساد الدين والخُلق قديمًا وحديثًا.
стр. 4834
فقديمًا: التصوير هو سبب أول كفرٍ وقع في الأرض، وهو تصوير بعض الصالحين من قوم نوح، ليراهم الناس، ويتذكروا عبادتهم، فينشطوا للعبادة، ثم طال الزمن فعبدوهم من دون الله، وهكذى خدع الشيطان هؤلاء.
فأول جنايةٍ شركية على التوحيد في الدنيا إنما كانت بسبب التصوير.
وحديثًا: التصوير الآن سبب فساد الدين، وضياع الأخلاق، وانتشار الرذيلة، والقضاء على مكارم الأخلاق، كما في ظهور الرجال والنساء في أحسن زينة في الشاشات والقنوات، وفتنة هؤلاء بهؤلاء، وقد عم هذا البلاء في كل مكان.
وهذه أعظم جنايةٍ على الدين والأخلاق، ولا شك أن ما أفضى إلى المحرم، فهو محرم فكيف إذا كان هو محرم، ثم أفضى إلى محرم: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وعَنْ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنّ أَشَدّ النّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوّرُونَ». متفق عليه (١).
والتصوير لذوات الأرواح كله محرم، ولا يُستثنى منه شيء إلا ما كان للضرورة، وغرضٍ صحيح كالتصوير لاستخراج البطاقة الشخصية أو الرخصة أو الجواز وما شابه ذلك، فهذا لا بأس به للحاجة، وهو من باب الضرورة التي أباحها الله تعالى للمضطر، فإن كان المصور ليس له روح كالنجوم والشمس والأشجار والجبال فهذا مباح، والورع تركه.
стр. 4835
فصارت الأقسام في التصوير خمسة:
الأول: ما فيه روح، فهذا لا يجوز أن يصور، سواء كان مجسمًا، أو ملونًا باليد، أو بالفيديو.
الثاني: ما كان من خلق الله، وليس ينمو كالشمس والقمر والجبال ونحو ذلك، فهذا لا بأس به، والورع تركه.
الثالث: ما كان من خلق الله، ولكنه ينمو، كالزرع والنبات والشجر ونحو ذلك، فهذا لا بأس به، والورع تركه.
الرابع: ما يصنعه الإنسان بيده مما ليس فيه روح كالسيارات والأبواب والقصور ونحو ذلك، فهذا لا بأس به.
الخامس: التقاط الصور بآلة التصوير، فهذا كذلك حرام، ولا يُستثنى منه إلا ما سبق، والسلامة لا يعدلها شيء، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعن عَائِشَةَ أَنَّ اَلْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ». متفق عليه (١).