وعن أبي سعيدٍ ﵁ أنه سمع الرسول ﷺ يقول: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا». أخرجه البخاري (١).
الثاني: رؤيا شر تزعجه وتخوفه، فهذه لا يخبر الناس بها، لا يخبر الإنسان بها أحدًا لا صديقًا ولا عدوًا، لكن إذا قام من النوم تفل عن يساره ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله من شر الشيطان، ومن شر ما رأيت.
ولا يخبر بها أحدًا، وإن أراد أن يواصل النوم انقلب عن الجنب الذي رأى فيه الرؤيا إلى الجنب الآخر، فإذا فعل هذا فإنها لا تضره بإذن الله.
الثالث: رؤيا أضغاث أحلام، ليس لها رأسٌ ولا قدم، وهي من تلاعب الشيطان، فهذه لا يُحدث بها أحدًا، ولا يهتم بها.
عن جابر ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله رَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَال: إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ، فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ». أخرجه مسلم (٢).
صفة الفجور في الخصومة:
الفجور في الخصومة قسمان، كلاهما محرم:
الأول: أن يجحد الإنسان ما كان عليه.
الثاني: أن يدعي ما ليس له.
فمن فجر أمام القاضي، وكذب وجاء بالبينة، وحكم له القاضي، فهذا قد فجر في الخصومة، وهذا من علامات النفاق.
عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ
стр. 4832
حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». متفقٌ عليه (١).
حكم التصوير:
الله سبحانه هو المصور الذي يصور ما يشاء وحده لا شريك له، فندع التصوير للمصور وحده: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
والصور نوعان:
الأول: صورٌ مجسمة، بأن يصنع الإنسان تمثالًا على صورة إنسانٍ أو حيوانٍ.
فهذا محرم، سواءٍ كان لغرضٍ محرم، أو غرضٍ مباح، بل هو من كبائر الذنوب؛ لما فيه من المضاهاة لخلق الله؛ لأن النبي ﷺ لعن المصورين، وبين أن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله.
عن بن عباسٍ ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ فَتعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ». أخرجه مسلم (٢).
وعن عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ».
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ، فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْن. متفقٌ عليه (٣).
الثاني: صورٌ ملونة يعني ليست بجسم، إنما هي رقمٌ وتلوينٌ على القماش أو الورق أو الجدار ونحوها، وهذا كالذي قبله محرم إذا كان لذي روح؛
стр. 4833
لأن الذي يرقم باليد صورة يحاول أن يكون مبدعًا مشابهًا لخلق الله، وهذا محرم، لما فيه من مضاهاة خلق الله.
عن ابن عباس ﵄ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ». متفق عليه (١).
وعَنْ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنّ من أَشَدّ النّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَاباً المُصَوّرُونَ «متفق عليه. (٢)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «قال الله تَعالَى: ومَن أظلم ممَّن ذهب يَخلق كخَلْقي، فلْيَخْلُقُوا ذرةً، ولْيخلُقُوا حبةً، أو لِيَخْلُقُوا شعيرةً». متفقٌ عليه (٣).
وأما التقاط الصور بآلة التصوير، فهذا التقط الصورة التي صورها الله، وطبعها على ورقة، أو على الفيديو، ولم يُضاهي بها خلق الله؛ لأن الذي
بالورقة من الصورة خلق الله لا خلق الإنسان، فهذا كذلك محرم، لما فيه من الفتنة، فتنة الرجال بالنساء، وفتنة النساء بالرجال، كما يحصل في الصور التي تُرى في الشاشات من المغنيات والمذيعات والمذيعين والمذيعات وغيرهم، وما أفضى إلى المحرم فهو محرم، ودرء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح.
وكم حصل بالتصوير من الفتن والفساد، والاتصال المحرم، فتصوير كل ذي روح محرم، بل هو من الكبائر، وله أثره البالغ المشين في إفساد الدين والخُلق قديمًا وحديثًا.
стр. 4834
فقديمًا: التصوير هو سبب أول كفرٍ وقع في الأرض، وهو تصوير بعض الصالحين من قوم نوح، ليراهم الناس، ويتذكروا عبادتهم، فينشطوا للعبادة، ثم طال الزمن فعبدوهم من دون الله، وهكذى خدع الشيطان هؤلاء.
فأول جنايةٍ شركية على التوحيد في الدنيا إنما كانت بسبب التصوير.
وحديثًا: التصوير الآن سبب فساد الدين، وضياع الأخلاق، وانتشار الرذيلة، والقضاء على مكارم الأخلاق، كما في ظهور الرجال والنساء في أحسن زينة في الشاشات والقنوات، وفتنة هؤلاء بهؤلاء، وقد عم هذا البلاء في كل مكان.
وهذه أعظم جنايةٍ على الدين والأخلاق، ولا شك أن ما أفضى إلى المحرم، فهو محرم فكيف إذا كان هو محرم، ثم أفضى إلى محرم: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وعَنْ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنّ أَشَدّ النّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوّرُونَ». متفق عليه (١).
والتصوير لذوات الأرواح كله محرم، ولا يُستثنى منه شيء إلا ما كان للضرورة، وغرضٍ صحيح كالتصوير لاستخراج البطاقة الشخصية أو الرخصة أو الجواز وما شابه ذلك، فهذا لا بأس به للحاجة، وهو من باب الضرورة التي أباحها الله تعالى للمضطر، فإن كان المصور ليس له روح كالنجوم والشمس والأشجار والجبال فهذا مباح، والورع تركه.
стр. 4835
فصارت الأقسام في التصوير خمسة:
الأول: ما فيه روح، فهذا لا يجوز أن يصور، سواء كان مجسمًا، أو ملونًا باليد، أو بالفيديو.
الثاني: ما كان من خلق الله، وليس ينمو كالشمس والقمر والجبال ونحو ذلك، فهذا لا بأس به، والورع تركه.
الثالث: ما كان من خلق الله، ولكنه ينمو، كالزرع والنبات والشجر ونحو ذلك، فهذا لا بأس به، والورع تركه.
الرابع: ما يصنعه الإنسان بيده مما ليس فيه روح كالسيارات والأبواب والقصور ونحو ذلك، فهذا لا بأس به.
الخامس: التقاط الصور بآلة التصوير، فهذا كذلك حرام، ولا يُستثنى منه إلا ما سبق، والسلامة لا يعدلها شيء، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعن عَائِشَةَ أَنَّ اَلْنَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ». متفق عليه (١).
стр. 4836
٨ - الخزانة الثامنة
حكم الإحداث في المدينة:
الإحداث في المدينة نوعان:
الأول: إحداث البدعة، فكل من ابتدع فيها بدعةً، فقد أحدث فيها ما لم يشرعه الله في المدينة، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
هذا استحق أن يلعنه كل لاعن؛ لأن المدينة مدينة السنة، والبدعة مضادةٌ للسنة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٣ - ١٦].
الثاني: إحداث الفتنة، فمن أحدث في المدينة فتنةً بين المسلمين، سواء أدت إلى إراقة الدماء، أو أدت إلى العداوة والبغضاء، أو أدت إلى الفرقة والخلاف فمن فعل هذا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠].
أما من أحدث معصيةً في المدينة، فهو آثم، لكن لا ينطبق عليه هذا الحكم، عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائرٍ إِلَى كذا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ
стр. 4837
وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْل». متفقٌ عليه (١).
حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبر:
بناء المساجد على القبور، ثم الصلاة فيها، من كبائر الذنوب، وقد لعن النبي ﷺ اليهود والنصارى؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
ومن بنى المسجد على القبر، وصلى فيه، فهو ملعون، سواءً كان من اليهود أو النصارى أو ممن يدعي أنه مسلم، وإذا بُني المسجد على القبر، وصلى الإنسان فيه لله، فإن صلاته باطلة ومحرمة، فيجب عليه إعادتها، وهذا المسجد الذي بُني على القبر يجب هدمه، ولا تجوز الصلاة فيه.
أما إذا كان المسجد قائمًا ثم دُفن فيه رجل صالح أو غيره، فإنه يجب نبش القبر، ودفن رفاته في مقابر المسلمين؛ لأن المسجد لم يُبنى ليُقبر فيه الأموات، إنما بُني للأحياء للصلاة فيه، وقراءة القرآن، وذكر الله، وعبادة الله، ومن صلى فيه لا نلعنه، لكن نعظه حتى لا يصلي فيه.
أما قبر النبي ﷺ فلم يُبنى عليه المسجد؛ لأنه ﷺ دُفن في بيته، ولم يُدفن في المسجد، ولم يُبنى عليه المسجد، لكنهم احتاجوا لزيادة المسجد فوسعوه من جهة القبلة، فبقي القبر قي مقصورةٍ منفصلة عن المسجد، وبينهما جدارٌ فاصلٌ كما هو معلوم.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لم يقم منه: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْاجِد، قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أنه خُشَي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا». متفقٌ عليه (٢).
стр. 4838
حكم أذاة المسلم:
كلما كان الإنسان أحق بالإكرام، كانت أذيته أعظم، وأكبر إثمًا، وأشد عقوبة، فسباب المسلم فسوق، وقتاله كفر.
والأذى سواء كان بالقول أو الفعل يختلف بحسب الأذى والمؤذي.
فأذية ولي الأمر، والعالم، والعابد الزاهد، ليست كأذية عامة الناس؛ لما تسببه من الشر والفساد والفتنة.
وأذية القريب ليست كأذية البعيد، وأذية الجار أشد من أذية غير الجار، وأذية من له حق عليك ليست كأذية من لا حق له عليك.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨].
وعن ابْنِ مَسْعودٍ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «سِبَابُ الْمُسْلِم فُسُوقٌ وَقِتالُهُ كُفْرٌ». متفقٌ عليه (١).
فقه أحكام الخمر:
الخمر، كل ما أسكر فهو خمر، سواء كان من العنب أو التمر أو الشعير أو غير ذلك.
والإسكار هو تغطية العقل على وجه اللذة والطرب.
أما تغطية العقل بالبنج من أجل العمليات الجراحية، هذا تخديرٌ لا سُكر، حتى لا يشعر المريض بالألم، فالتخدير تغطية العقل حتى لا يدري ولا يشعر المريض بما حصل له.
عن عائشة ﵂ قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن البتع وهو شراب العسل فقال رسول الله ﷺ : «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». متفقٌ عليه (٢).
стр. 4839
مراحل تحريم الخمر:
تحريم الخمر مر بأربع مراحل:
الأولى: الإباحة كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [النحل: ٦٧].
الثانية: التعريض بالتحريم، كما قال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
الثالثة: النهي عن قربان الصلاة وقت السُكر، وإباحته في غير وقت الصلاة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣].
الرابعة: التحريم الصريح البات كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
عقوبة الخمر:
لما كانت بعض النفوس تميل إلى الخمر وشربها، جعل الرسول ﷺ رادعًا يردع عن شربها، وهو العقوبة التعزيرية، ولم يقدر فيها الرسول ﷺ شيئًا، فعقوبة الشارب ليست عقوبةٌ حدية، ولكنها تعزيرية، بما يدفع شرها، ويؤدب شاربها.
وفي عهد عمر بن الخطاب ﵁ انتشر شرب الخمر، لما كثرت الفتوحات، فشاور الصحابة، فأشار عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن يكون الجلد ثمانين
стр. 4840
كأخف الحدود وهو القذف، فرفع عمر ﵁ عقوبة شارب الخمر إلى ثمانين جلدة؛ ليرتدع الناس، وهذا صريحٌ في أن عقوبة شارب الخمر ليست حدًا، وشارب الخمر يُجلد، ولكن إذا كثر شرب الخمر في الناس ولم ينتهي الناس عنه، فإنه يُقتل الشارب في المرة الرابعة درءًا للشر والفساد.
عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَسْرِقُ السارق حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ «متفقٌ عليه (١).
وعن أنس ابن مالك ﵁ أن النبي ﷺ : ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ، وَالنِّعَالِ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ». متفقٌ عليه (٢).
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ أَوْ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ شَارِبًا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَانَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ، قَالَ: فَضَرَبُوهُ، فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ». أخرجه البخاري (٣).
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: «أتي النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، قَالَ: فاضْرِبُوهُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، قَالَ: لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ». أخرجه البخاري (٤).
وعن السائب بن يزيد قال: كُنَّا نُؤْتَى بالشَّارِبِ علَى عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ وإمْرَةِ أبي بكرٍ، وصَدرًا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ، فنقُومُ إليه بأيْدينا ونِعالِنا وأرْديَتِنا،
стр. 4841
حتى كان آخِرُ إمْرَةِ عُمَرَ، فجَلَدَ أرْبَعينَ، حتى إذا عَتَوْا وفسَقُوا جلَدَ ثَمانينَ». أخرجه البخاري (١).
حكم موالات الكفار:
يحرم على المسلمين أن يتخذوا اليهود والنصارى وجميع الكفار والمشركين أولياء، لأنهم أعداء الله ورسوله، وأعداء دينه، وعباده المؤمنين، ولا يمكن أن يرضوا عن المسلمين إلا إذا تهودوا أو تنصروا أو كفروا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾ [الممتحنة: ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة: ١٠٩ - ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠].
٩ - الخزانة التاسعة
حكم قول هلك الناس:
من قال: هلك الناس إعجابًا بنفسه، واستصغارًا لغيره من الناس، وارتفاعًا عليهم، فهذا محرم؛ وبقوله هذا يكون هو أهلك الناس، لأنه أحبط عمله وهو لا يشعر، وزكَّى نفسه، وقدح في غيره بقوله: ضل الناس، ضاع الناس، فسق الناس، فسد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩].
وقال : ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
وأما تزكية النفس بالتوحيد والإيمان والتقوى، فهذا أمر مطلوب شرعًا، قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
وأما من قال: هلك الناس، لما يرى في الناس من نقصٍ في دينهم، وقاله حزنًا عليهم وعلى الدين، فلا بأس به، لما فيه من تذكير الناس والعلماء بهذا النقص؛ ليتداركوه ويبادروا بطاعة ربهم.
عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ». أخرجه مسلم (١).
فمن قالها إعجابًا بنفسه، فهو أشد الناس هلاكًا على رواية الضم «أَهْلَكُهُمْ»، وعلى الرواية الثانية «أَهْلَكَهُمْ». بالفتح يكون المعنى أن قول هذا يسبب هلاكهم، وترك نصحهم، فيعظم فسادهم وهلاكهم.
стр. 4844
فالواجب نصحهم، وعدم اليأس منهم: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وعن تميم الداري، أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (١).
حكم الوسائل:
الوسائل لها أحكام المقاصد، فالأفعال التي تؤدي إلى المقاصد يختلف حكمها باختلاف حكم المقاصد، فإن كان المقصود واجبًا فوسيلته واجبة، وإن كان محرمًا فوسيلته محرمة، وإن كان مُستحبًا فوسيلته مستحبة، وإن كان مكروهًا فوسيلته مكروهة، وإن كان مباحًا فوسيلته مباحة.
فوسائل الطاعات والقربات واجبة أو مستحبة، ووسائل المعاصي والمحرمات محرمة أو مكروهة.
المقاصد لا تحصل إلا بالوسائل، والغايات لا تتحقق إلا بأسباب تُوصِّل إليها، وتلك سُنة الله في خلقه وأمره وحكمه، والحصول على الشيء دون مباشرة سببه ضرب من العبث، يستحق صاحبه الملامة؛ لكن يجب الاعتماد على الله لا على السبب، فنفعل الأسباب بجوارحنا، ونتوكل على
стр. 4845
الله بقلوبنا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣].
لهذا أمر الله عبادة بمباشرة الأسباب، واتخاذ الوسائل، لبلوغ الغايات والمقاصد، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].
وقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
ومباشرة الوسائل من حيث الجملة فطرةٌ إنسانية، كما هي سُنة كونية، وفريضة شرعية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
حكم أخذ الربا:
إذا أودع المسلم أمواله في بنوك ربوية، فهذا لا يجوز، بل هو من الكبائر، ثم إذا أعطوه فوائد ربوية على ماله، فلا يجوز له أخذها، ولا يجوز له التصدق بها، لأنها كسبٌ خبيث، والله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا.
стр. 4846
فلا يليق بالمسلم أن يلوث يده بالنجاسة، ثم يذهب ويغسلها، فلا يجوز أن يأخذ المسلم الربا مهما بلغ، لأن شرعنا يُحرِّم الربا قليلًا كان أو كثيرًا، وإذا تركته لهم ثم صرفوه في مُحرَّم، أو في حرب المسلمين، فأنت لم تأمرهم بذلك، ولم تعطهم إياه، لأنك لم تملكه، فلا إثم عليك، والحل أن تتركه ولا تأخذه كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١].
فقه محق الربا:
محق الربا له صورتان:
الأولى: محقٌ حسِّي، بأن يسلط الله على مال المرابي آفةٌ تفنيه، أو جائحة تتلفه، أو يمرض صاحبه ويحتاج إلى دواء ومعالجات، أو يمرض أهله، أو يُسرَق ماله، أو يُنهَب، أو يحترق ماله ونحو ذلك من عقوبات الدنيا.
الثاني: محقٌ معنوي، فيكون ماله كثيرٌ جدًا، لكنه لا ينتفع به، بل يكنزه ويدخره لورثته، أما هو فلا ينتفع به: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦].
أما الملعونون في الربا فقد لعن رسول الله ﷺ في الربا خمسة:
آكله .. وموكله .. وشاهديه .. وكاتبه.
فآكله هو آخذ الربا، وموكله هو الذي يعطي الربا، وهو ملعون مع أنه مظلوم من المرابي الظالم؛ لأنه أعانه على الإثم والعدوان، والشاهدان
стр. 4847
والكاتب ليس لهما مصلحة ولا منفعة، لكن أعانوا على تثبيت الربا، وأعانوا على الإثم والعدوان، فهؤلاء الخمسة كلهم ملعونون على لسان محمد ﷺ ، وما أقرب الإجابة فيمن لعنه الرسول ﷺ : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وعن جابر ﵁ قال: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ: «هُمْ سَوَاء». أخرجه مسلم (١).
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ». متفق عليه (٢).
حكم الألعاب:
الألعاب ثلاثة أقسام:
الأول: ألعاب مشروعة.
الثاني: وألعاب ممنوعة.
الثالث: وألعاب مسكوت عنها.
стр. 4848
القسم الأول: الألعاب المشروعة، وهي نوعان:
الأول: ألعاب نصت عليها الشريعة كالرماية، والمسابقة، والمصارعة، ونحو ذلك مما يعين على الجهاد في سبيل الله، فهذه جائزة، يقول النبي ﷺ : «لَا سَبْقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ». أخرجه أبو داود والترمذي سندٍ صحيح (١).
الثاني: ألعاب لم تنص عليها الشريعة، إلا أنها مما يُستعان بها في الجهاد في سبيل الله، وهذا داخل في النوع الأول من باب القياس، وربما كان أولى، لا سيما مع تطور آلات الجهاد كما هو الآن من دبابات وطيارات وصواريخ ونحوها من العُدد الحربية، فالمسابقة على هذا وما قبله جائزة بعِوض وبدون عِوض؛ لأن الله أمر بإعداد القوة، ولما فيها من حسن إعداد الجندي المسلم وتدريبه على حمل السلاح والرمي به.
القسم الثاني: الألعاب الممنوعة، وهي ثلاثة أنوع:
الأول: ألعاب نصت الشريعة الإسلامية على تحريمها كالميسر، والقمار، والنرد، والشطرنج، والتحريش بين البهائم، واتخاذها غرضًا، ونحو ذلك مما حرمته الشريعة، لما في ذلك من الظلم، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وشغل القلب بها، وإلهاء الإنسان عن أوامر الله بها، وإيقاع العداوة والبغضاء بسببها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
стр. 4849
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثاني: ألعاب لم تنص الشريعة على تحريمها، لكن حرمتها لاقترانها بمحظور شرعي خارج عن أصلها، لما اقترن بها من أضرار، أو سبٌ، أو عداوة، أو صد عن ذكر الله، أو إشغال عما هو أفضل وأولى، مثل اللعب بكرة القدم، أو غيرها مما يسبب العداوة.
وإذا كان يحرم تعلم العلوم المفضولة إذا زاحمت العلوم الفاضلة، فكيف باللعب بالكرة التي أكلت أموال الناس وأوقاتهم، وأوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وأشعلت العصبيات فيما بين أصحاب تلك الفرق؟.
الثالث: ألعاب ليس فيها إعمال للعقل والتفكير، بل هي قائمة على التخمين والحظ، فهذه محرمة؛ لأنها قمارٌ تؤكل من غير إعمال فكر أو بذل جهد، فهي من الميسر الذي حرمه الله.
القسم الثالث: ألعاب سكتت عنها الشريعة:
وهو القسم المباح من الألعاب، فهذا القسم إذا لم يحصل به ضرر، أو يقترن بمحظور شرعي، أو أشغل عن فرض، فيبقى على أصل الإباحة؛ لأنه لابد لبعض النفوس من استجمام، خاصةً النساء والأطفال، ولكن لا يليق بالإنسان الإكثار منه، فهذا لا إثم فيه ولا أجر، فإن العبد مأمور بأن يقوم بأوامر الله في حياته كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
стр. 4850
وقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
حكم أخذ العِوض في الألعاب:
السَبْق: هو المال الذي يأخذه السابق.
والسَبَق: هو بلوغ الغاية قبل غيره.
والرهان: هو عقد بين متعاقدين يقتضي الالتزام بدفع المال المشروط.
والرهان محرم؛ لأنه قمار، والقمار نوع من الميسر، والميسر حرام، والفرق بين الرهان والقمار، أنهما يتفقان في أن حق المتعاقد يتوقف على واقعة غير محققة، ويفترقان في أن المقامر يقوم بدورٍ فعلي في محاولة تحقيق الواقعة غير المحققة، أما المُراهِن فلا يقوم بدور في تحقيق صدق قوله.
فالذين يتسابقون على الخيل مثلًا لغرض شرعي على جُعل، هؤلاء مقامرون، والذين يتراهنون على الفرس السابق يسمون مراهنين، فالمسابق يبذل جهدًا لتحقيق الواقعة، والمراهن لم يبذل جهدًا، وكلاهما محرَّم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
وأما أخذ العوض في الألعاب الرياضية فحكمه كما يلي:
أولًا: الألعاب المشروعة نوعان:
الأول: منصوص عليه كالرماية، والسباق في الخيل والإبل، فهذا يجوز أخذ العوض عليه.
стр. 4851
الثاني: ما يستعان به على الجهاد مما لم ينص عليه، فهذا يجوز أخذ العوض عليه كالتدرب على الدبابات والطائرات والبنادق ونحوها مما يستعان به على نصرة الدين.
فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض إذا كانت مما يعين على الدين كما في مراهنة أبي بكر الصديق ﵁ على أن الروم سوف تغلب الفرس.
ثانيًا: الألعاب الممنوعة، وهي ثلاثة أقسام:
الأول: الميسر، والقمار، والنرد، والشطرنج، فهذه يحرم اللعب بها، وأخذ العوض عليها كما سبق.
الثاني: ألعاب حلال في أصلها، لكن اقترن بها محظور شرعي خارج عن أصلها، كما لو اقترن بها إضرارٌ، أو سب، أو عداوة، أو صد عن ذكر الله، أو إشغال عما هو أولى كاللعب بالكرة ونحوها، فهذه يحرم أخذ العوض عليها.
الثالث: ألعاب تعتمد على التخمين والصدفة والحظ مثل اليانصيب، فهذه يحرم أخذ العوض عليها.
ثالثًا: الألعاب المباحة:
وهي كل ما لا يستعان به على الجهاد، ولم يشغل عن فرض، ولم يتسبب في ضرر، فهذا جائز، تستجم به النفوس، وتستريح به، لكن يحرم أخذ العوض عليه، لئلا يتخذ حرفة للكسب، ويلهي عن المصالح الدينية والدنيوية.
أحوال اللعب والسبق:
اللعب والسبق لا يخرج من أربعة أقسام:
الأول: أن يكون مما يعين على الجهاد، فهذا محبوب مرضي لله تعالى، فيجوز السَبْق به، ويباح وقد يستحب بذل العوض فيه.
стр. 4852
الثاني: أن يكون اللعب قائمًا على التخمين والحظ، فهذا يحرم مطلقًا، ويحرم أخذ العوض عليه.
الثالث: أن يكون اللعب لا يقوم على التخمين، ولا يعين على الجهاد، لكن فيه تقوية للبدن كالسباحة، هذا تجوز المسابقة فيه، لكن يحرم بذل العوض فيه.
الرابع: أن يكون اللعب فيه ضرر مؤكد، أو يصد عن ذكر الله، وعن الواجبات الشرعية، وعما هو أفضل منه، فهذا يحرم اللعب به، ويحرم أخذ العِوض فيه.
واللعب بالكرة لا يخرج عن القسم الثالث والرابع، فهي لا يستعان بها على الجهاد، بل هي مجرد لهو ولعب، مع اشتمالها على محاذير ومحرمات، من إضاعة الأوقات والأقوال، وكشف العورات.
وأما الرابعة فلاشتمال اللعب بالكرة على ضرر مؤكد، وفعل محرم، وصد عن واجب: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وقال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
стр. 4853
١٠ - الخزانة العاشرة
حكم مناصحة ولاة الأمر:
يجب على المسلم مناصحة ولاة الأمر، لأن الدين النصيحة، وتعظم النصيحة، ويكثر ثوابها، بقدر ما يحصل بسببها من خيرٍ، ودفع شر، كمناصحة ولاة الأمر الذين تخفى عليهم كثير من الأمور.
فيجب على المسلم إذا دخل على ولاة الأمور، من الحكام والأمراء والوزراء وغيرهم أن ينصح لهم، ويبين الحقيقة والواقع، سواء كان الناس على استقامة، أو على اعوجاج، ولا يجوز غش ولاة الأمر بالكذب عليهم، كأن يقول لهم: الناس بخير، الناس في أمن، الناس في رغد من العيش، وهو كاذب، فهذا حرام وخداع لولاة الأمر وخداع للأمة، لأنه كذب خلاف الواقع، ومن فعل هذا فهو عاصٍ غادر خائن كذاب: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
فيجب على المسلم الصادق أن ينصح لله ورسوله ولكتابة ولأئمة المسلمين وعامتهم، ويحذر من النفاق والمداهنة، وليس هذا النصح والبيان من الغيبة، لأنه من أجل النصح والإصلاح، لا من أجل الهوى والإفساد.
قال رسول الله ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (١).
стр. 4854
وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
عقوبة الرياء:
من عمل عملًا صالحًا، ليراه الناس، ويمدحوه عليه، فإن الله يرائي به، ويبين عيبه للناس، ويفضحه.
ومن سمَّع فقال قولًا يتعبد به لله من علم أو ذكر، ورفع صوته به؛ ليقال فلان كثير الذكر، كثير القراءة، فهذا يُسمِّع الله به، فيفضحه ويكشف أمره، ويبين عيبه للناس، فالمرائي مهما اختفى وأخفى، فلابد أن يتبين أمره، لأن الله تعالى تكفل بهذا، فيفضحه ويكشف أمره في الدنيا والآخرة: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
وعن جندب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «مَنْ سَمّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِه». متفق عليه (١).
حكم تعلم العلم الشرعي:
تعلم العلم الشرعي من أعظم العبادات، لما فيه من النفع العظيم له ولغيره: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
وكل علم يُبتغى به وجه الله، فهو عبادة مندوبٌ إليها، وفيه أجر كبير، ومن طلب العلم الشرعي لا يريد به إلا أن ينال عرضًا من الدنيا، لم يجد عُرف الجنة أي رائحتها: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وأما العلوم التي لا يبتغي بها وجه الله من علوم الدنيا كعلم الحساب، والهندسة والبناء، فلا شيء على الإنسان أن يتعلمها، لينال بها عرضًا من
стр. 4855
الدنيا، ليكون مصدر رزقه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
فهذه العلوم مما يعين الناس على تحقيق مصالحهم الدنيوية.
ومن تعلم العلم الشرعي، لينال الشهادة العالية، لينال بها المرتبة والوظيفة فقط، فهذا أراد عرضًا من الدنيا، وإن أراد بذلك أن يتبوأ منصبًا، لينفع الناس، ليكون مدرسًا أو مديرًا، فهذا خير لا بأس به، لأن نيته طيبة، وإن كان يعطى مقابل شهادته وظيفة، لأن الناس اليوم يقدرون الإنسان بشهادته لا بعلمه.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ». متفق عليه (١).
وهذه العلوم الدنيوية تعلمها فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وذلك لحاجة المسلمين إليها، وينبغي ألا تشغل الإنسان هذه العلوم الدنيوية عن العلوم الأخروية والأعمال الصالحة، كما قال سبحانه: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٦ - ٧].
فعلى المسلم والمسلمة واجبات يومية لابد له من أدائها، والقيام بها وهي: أولاً: عبادة الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
стр. 4856
ثانيًا: الدعوة إلى الله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
ثالثًا: تعليم القرآن والسنة، لمن عنده قدرة على ذلك، كما قال سبحانه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
رابعًا: الإحسان إلى الناس، كما قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
حكم النظر إلى المرأة الأجنبية:
النظر إلى النساء الأجنبيات محرم، وهو سهم من سهام إبليس، يوقع الإنسان في الزنا، ويخطو به إلى الفواحش، والنساء حبائل شيطان، وكل إنسان مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده، والله عليم بالمنظور والمستور، ويجازي من فعل ذلك بحسب ذلك في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ [النور: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ،
стр. 4857
وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». متفق عليه (١).
حكم نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي:
يجب على المرأة أن تغض بصرها عمن ليس بمحرم لها، ويجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل الأجنبي، لكن بغير شهوة، ولا استمتاع أو تلذذ، بل يكون نظرًا عاديًا كما يحصل في الطريق، وعند البيع والشراء، وعند سؤال العالم، وعند الطواف ونحو ذلك.
أما الرجل فيحرم عليه أن ينظر إلى المرأة الأجنبية نظر شهوة، وللطبيب أن ينظر إلى المرأة عند الحاجة لعلاجٍ ونحوه.
حكم الخلوة بالمرأة الأجنبية:
المرأة الأجنبية هي التي ليس بينك وبينها محرم مثل بنت العم، بنت الخال، وبنت العمة، وبنت الخالة، وزوجة الأخ والعم والخال وما أشبه ذلك.
والخلوة بالمرأة الأجنبية حرام لا يجوز، سواء كانت في البيت أو الدكان أو السيارة أو العمل.
قال النبي ﷺ «مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأة إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا». أخرجه الترمذي (٢).
وإذا أراد الرجل منها شيئًا سألها من وراء حجاب، لئلا تحصل الخلوة.
ودخول أقارب الزوج إلى بيت الزوج أخطر من دخول الأجانب، لأن هؤلاء يدخلون باعتبارهم أقارب فلا يستنكرهم أحد، ولا يشك فيهم أحد،
стр. 4858
ثم تقع الفتنة بهذا الدخول، وقد حذر النبي ﷺ من دخول حمو الزوج على زوجته، وحمو الزوج هم أقاربه كالأخ، والعم، والخال وغيرهم من الحواشي، فهؤلاء ليسوا بمحارم، فيحرم عليهم الخلوة بمرأة الرجل.
ويحرم خلوة السائقين بزوجة الرجل، أو بنته، أو أي امرأة أجنبية من السائق، والخلوة في السيارة أشد من الخلوة في البيت، لأنه يخلو بها، ويذهب بها، إلى ما شاء، فيقع ما حرم الله من الفاحشة، وقد ابتليت الأمة بمثل هذا، فنسأل الله أن يحفظ الجميع: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾ [الأحزاب: ٥٣ - ٥٥].
وقال النبي ﷺ : «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». متفق عليه (١).
وقال النبي ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ قَال: الْحَمْوُ المَوتُ». متفق عليه (٢).
حكم تشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال:
خلق الله الرجال والنساء، ومَّيز بعضهم عن بعض في الخلق والقوة واللباس، فمن حاول أن يجعل النساء كالرجال أو عكسه، فقد ضاد الله في قدره وشرعه، وحاد الله في قدره وشرعه، لأن الله له حكمة فيما خلق وشرع
стр. 4859
وقدر، ولهذا جاءت النصوص الشرعية بلعن من تشبه من النساء بالرجال وعكسه في أي شيء، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فمن فعل ذلك من الرجال أو النساء فهو ملعون على لسان رسول الله ﷺ .
وذلك يشمل التشبه بالأقوال، واللباس، والهيئات، والمشيات ونحو ذلك. عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لَعَنَ اللهُ المُتَشَبهِينَ مِنَ الرّجالِ بالنّسَاءِ، وَالمُتشبِهاتِ مِنْ النّسَاءِ بالرّجَالْ». أخرجه البخاري (١).
حكم التشبه بالشيطان والكفار:
يحرم على المسلم والمسلمة التشبه بالشيطان والكفار؛ لأن الشيطان رأس الكفر، والكفار هم أولياء الشيطان وأتباعه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
والتشبه بالشيطان أو الكفار، أن يعمل الإنسان أعمالهم، أو يتخلق بأخلاقهم، أو يلبس لباسهم، سواء قصد التشبه أو لم يقصد.
فيحرم على المسلم أن يأكل أو يشرب بشماله، أو يأخذ أو يعطي بشماله، لما فيه من التشبه بالشيطان عدونا وعدو الله ، وعدو رسله، ولا يحل له فعل ذلك إلا لضرورة كأن تكون اليد اليمنى مشلولة أو مكسورة ونحو ذلك.
عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 4860
وقال النبي ﷺ : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ». أخرجه أبو داود وأحمد (١).
وأقل درجاته التحريم.
حكم التنجيم:
المُنَجِّمُون هم الذين يمتهنون علم النجوم للاستدلال به.
وعلم النجوم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: جائز لا بأس به، وهو ما يسمى بعلم سير النجوم، يُستدل به على المكان والزمان، وعلى الفصول، وعلى طول النهار والليل، وقصرهما؛ فهذا لا بأس به، لأن الناس يهتدون به لمصالحهم الدنيوية، والدينية، ومن ذلك علم جهات النجوم كالقطب الشمالي الذي يسمى الجَدْي يُستدل به في أي مكان على الجهات، وعلى القبلة في البر والبحر والجو.
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ٣]
وقد خلق الله النجوم لثلاث:
زينة للسماء كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ [الملك: ٥].
الثانية: أنها رجومًا للشياطين.
الثالثة: علاماتٍ يُهتَدَى بها: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ٣]
القسم الثاني: مُحرَّم، وهو علم التأثير، بأن يعتقد أن ما حصل في الأرض من حوادث سببه طلوع النجم الفلاني، كما كانوا يقولون في الجاهلية: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فهذا محرم.
стр. 4861
لأن النجوم و غيرها لا دخل لها فيما يحدث في الكون، وإنما يقع كل شيء بقضاء الله وقدره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١].
و قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
حكم التَّطّيُّر:
التطير هو التشاؤم بمرئيٍ أو مسموعٍ، أو زمانٍ أو مكانٍ أو غيرها.
وسمي تطيرًا، لأن العرب يتشاءمون في الجاهلية بالطيور، فغلب الاسم على كل تشاؤم، فمن العرب من كان يتشاءم بالطير إذا طار يسارًا أو رجع إليه، و يتفاءل إذا طار يمينًا أو إلى الأمام.
ومنهم من يتشاءم بنوع الطير كالغراب والبوم ونحوهما.
ومنهم من يتشاءم بالزمان كالزواج في شوال أو السفر يوم الثلاثاء والأربعاء، ومنهم من يتشاءم بشهر صفر، وهذا كله محرم لا يجوز، ولا دخل لهذه الأشياء في قدر الله.
ولا يجوز أن نعالج البدعة ببدعة؛ فنقول: شوال الخير، أو صفر الخير مثلًا؛ لأن البدعة تُزال بالسُّنَّة فقط.
ومن أصابه شيءٌ من التطير والتشاؤم فليعرض عنه وليقل: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك.
حكم سَبِّ الريح:
الرياح من آيات الله العظيمة في إرسالها، وتصريفها، وكيفيتها، فلا يقدر أحدٌ أن يُصَرِّف هذه الرياح إلا الله وحده: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
стр. 4862
والريح تنقسم إلى قسمين:
الأول: ريحٌ عادية لا تُخيف، ولا يُسَن لها ذكرٌ معين.
الثاني: ريحٌ عاصفة شديدة، فإذا عصفت هذه الريح فلا يجوز سَبُّها، لأن الذي خلقها وأرسلها هو الله، ومن سَبَّها فقد سبَّ الله الذي أرسلها.
ولكي يحصل للإنسان خير الريح، ويزول عنه شرها، يُسَنُ للمسلم أن يدعو بهذا الدعاء حين تعصف، فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ». أخرجه مسلم (١).
والرياح خلقها الله وأرسلها لحكمٍ عظيمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧].
وقال النبي ﷺ : «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ». أخرجه الترمذي وأحمد (٢).
حكم الحديث بعد صلاة العشاء الآخرة:
الحديث بعدها ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: حديث محرم؛ كالحديث في الغيبة، والنميمة، والقيل والقال، وقول الزور، والاستماع إلى اللهو، والغناء، ومشاهدة ما لا يحل من الأفلام وغيرها، فهذا حرامٌ في كل وقت، ويزداد إثمًا وكراهةً وتحريمًا إذا كان بعد العشاء الآخرة، لأنه في وقتٍ يُكرَه فيه الكلام المباح، فكيف بالمحرم، والمكروه؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
стр. 4863
الثاني: حديث مباح؛ ليس محرمًا ولا مكروهًا ولا مندوبًا، وهو كلام فعله وتركه سواء، فهذا أكثر كلام الناس، وكان النبي ﷺ يكرهه بعد صلاة العشاء، لأنه يطول به المجلس، ثم يتأخر نومه، فيكسل عن قيام الليل، وصلاة الفجر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا». متفق عليه (١).
الثالث: حديث مُستحب؛ كالحديث في الخير، كمذاكرة العلم حفظًا ومطالعة، وحكايات الصالحين، ومكارم الأخلاق، والحديث مع الضيف، وصاحب الحاجة، والحديث مع الأهل، ليؤلف قلوبهم، ويدخل السرور عليهم، فهذا جائز لا كراهةً فيه، بل هو مستحب لما يحصل به من الخير، وكذلك الحديث لعذرٍ وعارضٍ لا كراهة فيه، بل هو مستحب، كما كان النبي ﷺ يُحَدِّث أصحابه بعد صلاة العشاء وينصحهم، ويسمُر أحيانًا مع بعض أصحابه.
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الأَمْرِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُمَا. أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح (٢).
وَعَنِ عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». متفق عليه (٣).
стр. 4864
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
٣٠ - خزائن الأحكام العامة
القسم الثالث
ويشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 4865
٣٠ - خزائن الأحكام العامة
القسم الثالث
١ - الخزانة الأولى
حكمة العالِم:
ينبغي للعالِم الذي يُعلِّم الناس الخير، إذا ذكر لهم الأبواب الممنوعة، أن يفتح لهم الأبواب الجائزة، حتى يخرج الناس من هذا إلى هذا، ويُشتغل الناس بالحلال عن الحرام، وهذه طريقة القرآن والسُّنَّة في الحلال والحرام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦].
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ». أخرجه البخاري (١).
حكم قول الله ورسوله أعلم:
إذا سُئل الإنسان عما لا يعلم من الأمور الشرعية، فالواجب أن يقول: الله ورسوله أعلم.
стр. 4866
مثاله: أن يُسأل هل هذا حلالٌ أو حرام؟ فيقول الله ورسوله أعلم.
وإذا سُئل الإنسان عن ما لا يعلم من الأمور الكونية القدرية في المستقبل، فهذا لا يقول: الله ورسوله أعلم، لأن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، إلا ما عَلَّمه الله، بل يقول: الله أعلم.
مثاله: أن يقال له؛ هل تظن أن ينزل المطر غدًا؟ فيقول الله أعلم، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
وظيفة اللسان:
يجب على الإنسان أن لا يتكلم إلا بخير، والخير نوعان:
الأول: خيرٌ لذاته؛ كأن يتكلم الإنسان بالذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم، والدعوة إلى الله ونحو ذلك: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
الثاني: خيرٌ لغيره؛ كأن يتكلم الإنسان بكلام طيب ومباح، يريد أن يبسط إخوانه، ويزيل عنهم الوحشة، ويؤلف قلوبهم، فهذا من الخير؛ كما قال النبي: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». متفق عليه (١).
حكم الهبة والعطية:
الهبة هي التبرع بالمال حال الحياة، والعطية هي التبرع بالمال حال مرض الموت، وتطلق كل واحدةٍ على الأخرى، والهبة مُستحبة بالنسبة للواهب،
стр. 4867
لما فيها من المصالح، والإحسان، وتأليف القلوب، وكان ﷺ يُهدِي ويُهدَى إليه.
والسُّنَّة للموهوب له أن يقبل الهدية ولا يَرُدَّها، ولكن لقبول الهدية شروط:
الأول: أن لا يعلم انه أَهدَى إليه حياءً وخجلًا.
الثاني: ألا يتضمن قبولها محظورًا شرعيًا، كأن تقع موقع الرشوة، أو مقابل السكوت عن حق، أو الدفاع عن باطل.
الثالث: ألا تكون محرمة لعينها كالخنزير، والخمر ونحوهما.
الرابع: أن لا تكون الهدية حقًا للغير كالمسروق، والمغصوب ونحوهما.
أما المُحرَّم لكسبه فيجوز قبوله لأن النبي ﷺ قَبِلَ هدية اليهودية وهي الشاة المسمومة، وهو يعلم أنهم يأكلون الربا.
حكم المكافأة على الهدية:
الهدية في الأصل لا تقتضي ثوابًا، فلا يلزم من أُهديَ إليه شيئًا أن يثيب من أهداه، والأولى قبول الهدية، مع الإثابة إن تيسر، لأن النبي ﷺ كان يقبل الهدية، ويُثيب عليها، وكل ذلك عبادة.
حكم التسوية بين الأولاد في الهبة:
يجب على الأب التسوية بين الأولاد في الهبة، على حسب ميراثهم منه، ذكورًا كانوا أم إناثًا، وكذا الزوج يجب عليه أن يسوي بين زوجاته في النفقة، والكسوة، والسكن، والقسم.
وإذا فَضَّلَ الأب أحد أولاده بشيء، فيلزمه واحد من ثلاثة:
الأول: الرجوع في الهبة التي وهب.
أو يعطي البقية مثلما أعطى الأول، أو يأخذ العطية ويقسمها بينهم.
أو يستحلهم فيحللوه عن رضًا وقناعة.
стр. 4868
فهو مخير بين هذه الأمور الثلاثة؛ وإن مات قبل التسوية رُدَّت إلى التركة، أو يعطى بقية الأولاد مثل ما أخذ من أعطي قبل قسمة التركة.
الفرق بين النفقة والعطية:
النفقة أن يعطي الإنسان أولاده ما يحتاجونه قليلًا كان أو كثيرًا؛ فمن تلزمه نفقةٌ لزواج، أو علاج، أو تفرغ لطلب علم ونحو ذلك، فيعطيه بحسب حاجته.
أما العطية فهي تبرع محض تجب فيها التسوية بين الأولاد حسب ميراثهم منه، لأنه لا قسمة أعدل من قسمة الله ، وكل ما كان لدفع الحاجة فالتسوية فيه أن يعطى كل إنسان ما يحتاجه، أما إذا كان تبرع محض فلا بد من العدل بين الأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين.
الفرق بين العطية والوصية:
أولًا: الأمور التي تجوز فيها العطية والوصية.
أولًا: العطية هي التبرع بالمال حال مرض الموت، فإن كانت بالثلث فأقل فهي جائزة، وإن كانت بأكثر من الثلث، فلا بد من إجازة الورثة لها بعد الموت.
ثانيًا: العطية؛ لا تجوز لوارث إلا بإجازة الورثة كالوصية.
ثالثًا: العطية إذا وقعت دفعةً واحدة فتتزاحم في الثلث كالوصية، لكن لو أَعطى اليوم واحدًا، وفي اليوم الثاني أَعطى الثاني، فالعطية من الثلث للمتقدم بخلاف الوصية.
رابعًا: أن قضية العطية والوصية ناقصة، فالصدقة حال الصحة أفضل من الصدقة حال الموت.
стр. 4869
ثانياً: الفرق بين العطية والوصية:
أولًا: أن العطية لا يجوز فيها الرجوع بعد القبض، أما الوصية فيجوز للموصي الرجوع فيها.
ثانيًا: أن الوصية يسوى فيها بين المتقدم والمتأخر، أما العطية فيُقَدَّم الأول فالأول إذا ضاق الثلث.
ثالثًا: أن العطية يكون قبولها عند وجودها، أما الوصية فيكون القبول بعد الموت.
رابعًا: الوصية تكون في المال والتصرفات، أما العطية فتكون فقط في الأموال.
خامسًا: أن الوصية تكون واجبة إذا كان عليه حقوق، أما العطية فهي مستحبة، لا واجبة.
وهذه هي أهم الفروق بين العطية والوصية.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهنا، وارفعنا ولا تضعنا يا ذا الجلال والإكرام.
والهدية هي ما قصَد الإنسان بها إكرام شخصٍ، إما لمحبة أو قرابة أو صداقة أو طلب حاجه، وذلك مُستحب، وقبول الهدية من السُّنَّة ويُكرهُ رَدُّها.
أما هدايا العمال فحرام، لأن ما يُهدى للعمال وأهل المناصب رشوة وليس بهدية، فلولا العمل لم يُهدى إليه، لكن إن كانت الهدية للإنسان لا من أجل الوظيفة والعمل، كأن يكون بينهما رحم أو قرابة أو جوار أو صداقه فلا بأس بذلك.
стр. 4870
حكم الإحداد:
الإحداد: هو اجتناب المرأة ما يدعو إلى نكاحها.
ولا يجوز الإحداد على ميت أكثر من ثلاثة أيام، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشرًا.
وكانوا في الجاهلية إذا مات لهم أحد تركوا الزينة والطيب، وحادُّوا عليه مدةٍ يقدرونها بأنفسهم.
ولما كانت النفوس ضعيفةٌ لا تطيق الصبر، لاسيما مع عِظَم المصائب، رَخَصَّ النبي ﷺ في الإحداد ثلاثة أيام لمن مات له قريبٌ، أو صديق وحَزِنَ عليه، أن يبقى في بيته ثلاثة أيام، من رجلٍ أو امرأة، لكن الرجل يشهد صلاة الجماعة مع المسلمين.
لكن السُّنَّة والأفضل والأرفق والأوفق والأحسن أن يصبر المصاب على من مات له، ويحتسب الأجر عند الله، وأن تجري الأمور على ما هي عليه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
فالأفضل له الصبر، ولا يُحِد على أحدٍ مات له، إلا المرأة تُحِد على زوجها أربعه أشهرٍ وعشرًا، لأن الأمر لله ، وهو المحمود على كل حال، فيصبر، ويحتسب، ويحزن، لكن لا يُغيِّر شيئًا من أمور دنياه بسبب المصيبة، ولمن مات له أحد أن يُحِد عليه ثلاثة أيام فما دونها، لكن الأفضل عدم الإحداد.
عَنْ أُمِّ عَطِيَّة ﵂ أَنَّ الرسُولَ ﷺ قال: «لا تُحِدُّ اِمْرَأَة عَلَىَ مَيِّتٍ فَوقَ ثَلاثٍ، إِلّاَ عَلَىَ زَوجٍ أَربَعةِ أَشْهُرٍ وَعَشرًا، وَلَا تَلبَسُ ثَوبًا مًصبُوغًا إِلَّا