وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
فهو ﷻ رحمن فاطلب منه الأمور العظيمة، وهو أيضًا رحيم فاطلب منه الأمور اليسيرة، مثل شراك نعلك، ومثل قدرك، فهو سبحانه الرحمن الرحيم الذي يرحم عباده في الدنيا والآخرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
ولحاجة العباد إلى رحمة الرحمن الرحيم أمر الله بذكرها في الصلاة المفروضة ثمانية وستين مرة، فنقول ونكرر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم في كل ركعة من الصلوات الخمس، التي عدد ركعاتها سبع عشرة ركعة في كل ركعة تقرأ الفاتحة، فسبحان الرحمن الرحيم الذي تسلم إليه نطفه نتنة فيسلمها إليك صورة حسنه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
وسبحان الرحمن الرحيم الذي تسلم إليه طاعة ناقصة فيسلم إليك جنة خالصة: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
فما أعظم رحمة الله بخلقه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
الله ﷻ بيده الملك والملكوت، بيده ملكوت كل شيء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويعطى من يشاء، ويمنع من يشاء وهو الحكيم الخبير: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
стр. 527
هو سبحانه العليم الذي يحمى الإنسان مما يضره، ويؤذيه، ويمنع وليه من عدوه، ويمنعه من المرض، ويمنعه من الشر، ويحفظه مما يؤذيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
هو العليم الحكيم الذي يمنع من يستحق المنع، ويحفظ من يستحق الحفظ من المؤمنين، ويعرض عن من لا يستحق المنع، فينكشف ويصل إليه عدوه، فإذا لم يستقم المؤمن على دين الله يُفتن بالكفار، فينالون منه، لأن الله لم يمنعه، ولم يستحق المنع لانحرافه، فقهره وأذله عدوه.
فمن سلم من المرض أو المصيبة، فالله هو الذي منعها عنه، ومن أصابه ذلك فالله أذن بذلك ليربيه أو يؤدبه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
هو ﷻ الرحمن الرحيم الذي يمنع من يحب من التقصير، كلما قصر ابتلاه ربه بمصيبة، ليتوب إلى ربه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
هو العزيز الرحيم الذي يمنع البلاء حفظًا وعناية من أطاعه، ويمنع عنه العطاء ابتلاءً وحماية، ومن فتح الله له فهم باب المنع والعطاء رأى المنع عين العطاء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٣٠].
ومن كشف الله له الحقيقة سارع إلى ربه في جميع أحواله، وقال قلبه لو علمت أن غدًا أجلى ما قدرت أن أزيد في عملي، لأنه عرف ربه، وعلم أنه
стр. 528
رحمن رحيم لطيف خبير: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والدنيا لصغرها وحقارتها لم يشأ الله أن يجعلها علامة رضوانه، ولا علامة سخطه، لهذا يعطى الله الدنيا لمن يحب، ومن لا يحب، ولكنه لا يعطى الدين إلا من يحب: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
فإذا أعطى الله الإنسان صحة وعافية، وسعة في المال، فلا يظن أن الله يحبه، وإذا كانت صحته معلولة وهو فقير، فلا يظن أن الله لا يحبه: فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]
فليس العطاء إكرامًا، ولا المنع حرمانًا، بل العطاء ابتلاءًا، والمنع دواءً: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾ [الرعد: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ [الشورى: ١٢].
فسبحان الحكيم الرحيم الذي يمنع عن عباده ما يضرهم، أحيانًا بالأسباب كالدواء، وأكل الطيبات، وأحيانًا بضد الأسباب كما جعل النار بردًا
стр. 529
وسلامًا على إبراهيم، وأحيانًا بدون الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
هو سبحانه المعطى، وهو الذي يمنع عن عباده ما يضرهم، وهو الحافظ لا مانع لما أعطى، ولا معطى لما منع، فلا تلتفت إلى غيره، ولا تتعلق إلا به: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والمخلوق إذا أعطى فهو معطٍ صورى، وإذا منع فهو مانع صورى، لأن العطاء والمنع كله بيد الله وحده أما الله فعطاؤه ومنعه كله على الحقيقة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
واعلم أن الذي يعطى ويمنع على الحقيقة هو الله وحده لا شريك له، وهو الحكيم القادر، قد يعطى ويمنع مباشرة، وقد يعطى ويمنع عن طريق خلقه، وهو المحمود على عطائه ومنعه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ [فاطر: ٣].
هو سبحانه المعطى الذي يعطيك ما ينفعك، وهو الذي يمنع عنك كل ما يؤذيك، ويمنعك من كل ما يطغيك، ويمنعك تأديبًا لك: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، يا أرحم الراحمين
стр. 530
٧ - الخزانة السابعة
• أصل الإيمان معرفة الله :
الملكُ والملكوت كله بيد الله وحده لا شريك له، والعطاء والمنع كله بيد الله وحده لا شريك له، والتصريف والتدبير كله بيد الله وحده لا شريك له: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٣].
والعطاء والمنع بيد الله، والله وحده هو العليم بمصالح عباده، يعطيهم ما ينفعهم، ويمنعهم ما يضرهم، فلا تسأله إلا ما تعلمه أنه خير لك، والإنسان بجهله قد يسأل ما يضره: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].
فبجهله قد يحب أشياءً تضره، وبجهله قد يكره أشياء تنفعه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
فلا تسأل ربك شيئًا خيرته مغيبًا عنك، وإذا لم تجد بدًا من سؤاله فعلقه على علم الله سبحانه، واستخر الله في طلبه، بقولك اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب.
ولتكن استخارتك لربك استخارة من لا علم له بمصالحة، ولا قدرة له عليها، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].
стр. 531
وإذا أعطاك ربك ما أعطاك بلا سؤال، فاسأله أن يكون عوناً لك على طاعته، وبلاغًا إلى مرضاته، وباعثاً لك على مرضاته، وألا يكون قاطعًا لك عنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
ولا تظن أن ما أعطى الله عبده لكرامته عليه، ولا منعه له لهوانه عليه، ولكن عطاؤه ومنعه ابتلاء: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦].
فالعطاء والمنع ابتلاء وامتحان، لا إكرام ولا إهانة، فالعطاء والمنع كله ابتلاء من الرب لعبده أيشكرني إذا أعطيته فأزيده، أم يكفرني فأسلبه إياه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
فكل عبد إما مبتلى بالغنى ليشكر ربه، أو مبتلى بالفقر ليصبر، وإنما إكرام الله لعبده بطاعته، وإهانته بمعصيته، إكرام الله لعبده بإيمانه، وإهانته بإعراضه عنه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
جهة النصر واحدة وهى من عند الله النصير العزيز الحكيم: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].
стр. 532
والبشر يقدرون على بعضهم إذا ابتعدوا جميعًا عن منهج الله، فإن أتصل المخلوق بخالقه بالإيمان نصره الله على عدوه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
وإذا اتصل هذا وهذا بالله لم يحصل بينهم خلاف ولا قتال، لأن الجميع موصولون بالله العزيز الحكيم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
فالنصر لا يكون إلا من الناصر وحده لا شريك له، وكل نصر تحقق فأن كان للمؤمنين فهو من الله، وإن كان للكفار فهو بإذنه، لحكم يريدها ثم تكون عاقبة النصر للمؤمنين: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢].
ونصر الله للمؤمنين يكون بحسب إيمانهم، والقيام بالدين قولًا وعملاً: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
ونصر الله لرسله وأتباعه في الدنيا يكون بإعلاء كلمة الله، وقهر أعدائه، وإظهار دينه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
стр. 533
وفي الآخرة يكون بإعلاء درجات المؤمنين، والانتقام ممن كذبهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١].
فالله هو الناصر النصير الذي بيده النصر، فالنصر ينزل من السماء إلى الأرض، كما ينزل الغيث من السماء إلى الأرض، كل من عند الله، فالله هو الناصر القوى الذي لا أحد أقوى منه، الناصر الغنى الذي يملك خزائن النصر كلها، الملك الناصر الذي وهب النصر لكل منتصر، الناصر وحده لا شريك له، الناصر الذي بيده النصر كله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦].
والله سبحانه هو الناصر القوى الذي لا يعجزه شيء، ولا يقف له شيء، النصير الذي لا يغلبه أحد، قهر بقوته جميع الأقوياء، وأهلك جميع الطواغيت، وأذل بجبروته جميع الجبابرة، إن ربك هو القوى العزيز.
وهو سبحانه الناصر النصير الذي ينصر من يشاء، في أي وقت شاء، النصير الذي ينصر رسله وأنبياءه والمؤمنين على أعدائهم، ويثبت أقدامهم عند لقاء عدوهم، ويلقى الرعب في أعدائهم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].
وهو سبحانه الناصر الحق الذي بيده النصر وحده لا شريك له، ينصر كل من أمن به، وتوكل عليه، ولاذ به: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ٤ - ٥].
стр. 534
وهو سبحانه الناصر لأهل الإيمان على مر الدهور، فلو اجتمع عليهم أهل الأرض جميعًا بما عندهم من العددِ والعُددِ، نصر الله المؤمنين عليهم، لأن الله لا غالب له: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١].
وهو سبحانه الناصر البالغ مراده من خلقه، القوى الذي لا يغلبُ ولا يقهر، لكمال قدرته، وعظمه سلطانه: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤].
وسبحانه هو الناصر النصير الغالب على أمره، الذي لا يغلبه شيء، ولا يرد حكمه راد، الذي يفعل ما يشاء، وأمره نافذ كيف شاء.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾ [يوسف: ٢١].
فسبحان الملك القادر، النصير الناصر الغالب القاهر، الذي أمره نافذ في جميع ملكه، الذي لا يملك أحداً أن يرد ما قضى، أو يمنع ما أمضى، الذي تفرد بالخلق والأمر، فلا رد لقضائه، ولا معقب لحكمه.
والنصر بيد الناصر الحق، فمن نصره الله فلا خاذل له، ومن خذله الله فلا ناصر له: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠].
وفعل الأسباب من أسباب النصر المطلوبة، ولكن النصر بيد الناصر وحده لا شريك له كما قال سبحانه للمؤمنين في بدر حين أمدهم بالملائكة: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٥ - ١٢٦].
стр. 535
فاسأل ربك العزيز الحكيم أن ينصرك على نفسك، لتستقيم على طاعته، وأن ينصرك على هواك لتستقيم على هداه، وأن ينصرك على جميع أعدائك من الشياطين والكافرين، فلا ناصر إلا هو ﷻ ، كما قال نوح ﷺ : ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)﴾ [المؤمنون: ٢٦].
• كتابة المقادير:
الله على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء.
والكتابة من الله أنواع:
الأول: الكتابة لكل شيء في اللوح المحفوظ، وهذه الكتابة لا تبدل ولا تغير، كما قال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ [النبأ: ٢٩].
الثاني: الكتابة على بني آدم، وهم في بطون أمهاتهم، فإذا نفخت في الجنين الروح بعث الله إليه ملكًا يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. متفق عليه (١).
الثالث: كتابة حولية كل سنة، وهى الكتابة التي تكون ليلة القدر، لأن الله يقدر في تلك الليلة ما يكون في تلك السنة، كما قال سبحانه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان: ٤].
стр. 536
الرابع: كتابة يومية وهى كل ما تكتبه الملائكة من أقوال وأعمال بني آدم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
وهذه الكتابة تكون بعد العمل، والكتابات الثلاث السابقة تكون قبل العمل، ثم يوم القيامة يعطى الإنسان هذا الكتاب، ليحاسب نفسه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤].
فسبحان ربنا العظيم الذي كتب كل شيء، وقدر كل شيء، وعلم كل شيء، ومن كتابته : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
ومن كتابته: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨].
ومن كتابته ﷻ : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]
ومن كتابته ﷻ : ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام: ١٢].
ومن كتابته ﷻ : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١].
ومن كتابته ﷻ : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
أفعال الله في منتهى الحكمة والرحمة، وفي منتهى العدل والإحسان، فالخير مرادُ من الله لذاته، أما الضر فغير مراد لذاته، إنما هو علاج يحقق للعبد مصلحة، والكل بيد الله، لا يأتي بالحسنة إلا هو، ولا
стр. 537
يدفع السيئة إلا هو، ولا يكشف المرض ويأخذه إلا هو: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧].
هو الرحمن الرحيم، آياته الكونية تذكرك بعظمته، فتكبره، وتعظمه، وتطيعه، وتؤمن به: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠].
ونعمه الظاهرة والباطنة توجب عليك محبته، وحمده، وشكره: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والمصائب والآلام والأمراض، والقهر والزلازل والبراكين، من أجل أن تخافه فلا تعصيه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩].
فالآيات الكونية من أجل أن تعظم ربك، والنعم من أجل أن تحب ربك، والمصائب من أجل أن تخافه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
стр. 538
والله سبحانه يعرض على نبينا محمد ﷺ المحاسن والمساوي، والطاعات والمعاصي، من أعمال الأمة، فرأى ﷺ عند العرض أن من المحاسن إماطة الأذى عن الطريق، فهو من محاسن الأعمال، وصدقة للعبد، ومن خصال الإيمان، ومن شعب الإيمان كما قال النبي ﷺ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَان». متفق عليه (١).
وعن أبى ذر ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا قَالَ: فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لا تُدْفَنُ» أخرجه مسلم (٢).
стр. 539
٨ - الخزانة الثامنة
• أصل الإيمان معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله:
الله له الملك والخلق والأمر كله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون أبدًا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فكل شيء واقع بمشيئة الله؛ لأنه لا يقع في ملك الله إلا ما أذن به، أو أمر به فأفعال الإنسان كلها خيرًا أو شرًا واقعةٌ بمشيئة الله، فإن كانت طاعات فقد أمر الله بها، وأذن الله بوقوعها، ورغب فيها، وأثاب عليها، وإن كانت معاصي فقد أذن الله بوقوعها، وحذر منها، ولم يأمر بها، وفاعلها مستحق للعقوبة: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٣٠].
وقد قال على ﵁ لرجل جاهل بالقدر: إني سائلك عن ثلاث، فإن قلت في واحدة منهن لا، كفرت، وإن قلت نعم فأنت أنت، فقال له على ﵁: أخبرني عنك أخلقك الله كما شاء أم كما شئت؟ فقال: بل كما شاء الله : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل عمران: ٦].
فقال له: أخلقك الله لما شاء أو لما شئت؟
فقال: بل لما شاء: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
стр. 540
فقال له: يوم القيامة تأتيه بما شئت أو بما شاء؟ قال: بما شاء: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
قال: قم فلا مشيئة لك: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
والله سبحانه أنعم على الخلق بنعم لا تعد ولا تحصى، ونعم الله لا تؤخذ بذاتها منفصلة عن حكمة من أرسلها، المتصرف بها، ولكن تؤخذ النعم بتوجيهات القادر عليها، فالأصل في الماء أنه سببٌ للحياة، والأصل في النار أنها سببٌ للهلاك.
فالماء الذي خلق الله فيه أو منه كل شيء حي، إذا أراد سبحانه أن يجعله هلاكًا ودمارًا جعله طوفانًا يغرق الأرض ومن عليها كالذي حدث في عهد نوح حينما كفر به قومه، كما قال سبحانه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ [القمر: ١٠ - ١٥].
وأغرق الله بذلك الماء قوم نوح الذين كفروا به، فأهلك الله به الكافرين، ونجَّا به المؤمنين، لأنه القادر الذي يفعل بالأسباب، وبضد الأسباب، وبدون الأسباب.
والطوفان الذي حدث في عهد نوح ﷺ عام، والطوفان الذي حدث في عهد موسى خاص بالقبط الذين كفروا بموسى، حيث بلغ إلى نهاية رقبة الإنسان، وأغرق بيوت أل فرعون ومزارعهم، وسلمت منه
стр. 541
بيوت بنى إسرائيل: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ [الأعراف: ١٣٠].
وقال الله عن فرعون وقومه: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ [الأعراف: ١٣٢ - ١٣٣].
فلما لم يؤمنوا بموسى وأذوه ومن معه، أغرقهم الله بالماء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ [الأنبياء: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥].
والنار طبعها الإحراق لكن الله جعلها بردًا وسلامًا على خليله إبراهيم: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
الله له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الحميدة المثل الأعلى، بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
هو الشافي ﷻ وحده لا شريك له، وأصل المرض الخروج عن منهج الله، ومرض الأجسام والقلوب أصله الخروج عن منهج الله؛ لأن الله كامل الذات والصفات فإذا خلق شيئًا خلقه كاملًا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ
стр. 542
مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ [الملك: ١ - ٤].
فالله هو الذي خلق، ورزق، وأطعم وأسقى، وأمات وأحيا: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء: ٧٧ - ٨٢].
أما الإنسان فهو الذي يخطئ ويصيب، ويصلح ويفسد، ويستقيم وينحرف، ويحسن ويسيء، ويعدل ويظلم، ويؤمن ويكفر بما أعطاه الله من حرية الاختيار: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
والإنسان مخلوق أودع الله فيه الشهوات، وابتلاه بالمصائب القدرية، والشهوات الحيوانية، والأوامر الشرعية، وإذا لم يكن هذا ا لمخلوق متصلًا بالله ، ولم يسر على منهج الله، فسد وأفسد.
وقد أودع الله في الإنس والجن حب الشهوات، وحرية الاختيار، فإذا سار الإنسان دون مقودٍ ولا ضابط وهو الإيمان والعمل الصالح، فالدمار والهلاك واقع له لا محالة، لا محالة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
стр. 543
والذي يحرك الإنسان حب الشهوات، فإذا تحرك دون اتصال بالهادي هلك وفسد: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فالإنسان فيه شهوات، وفيه حرية الاختيار، ومع هذه الحرية أعطاه الله عقلًا بمنزلة ميزان دقيق: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وأعطاه فوق هذا الميزان الدقيق ميزانًا مهيمنًا هو الشرع، ومع هذا ترك أكثر الخلق هذا الدين وراء ظهورهم، وانطلقوا مع شهواتهم، بلا هدى ولا كتاب منير فحصل الفساد، وعم البلاء: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
ومن رحمة الله بالإنسان أن هيأ له شفائين:
شفاء لروحه وهو القرآن الكريم .. وشفاء لجسده، وهو الأدوية التي أمر الشرع بها.
والشفاء لا يكون إلا من مرض، والمرض في الأصل خروج عن منهج الله، وشفاؤه باتباع منهج الله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
فإذا أعرض القلب عن منهج الله، ظهرت فيه أعراض هذا المرض من الكفر، والشرك، والكبر، والحسد، والظلم، والغش، وغيرها من المعاصي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ
стр. 544
تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
وسبب ذلك أن هذا الإنسان تعلق بالشهوات، وأعرض عن منهج الله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]
ثم حلت به عقوبة الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
وكذلك الجسم يصاب بالعلل إذا خالف منهج الله في الأكل والشرب والعمل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
قال النبي ﷺ : «مَا أنزل دَاء إِلَّا أنزل لَهُ شِفَاء علمه من علمه وجهله من جَهله» أخرجه أبو داود (١).
وأمراض القلب أخطر من أمراض الجسم؛ لأن أمراض الجسد تنتهي بالموت، والموت ينهي كل ما له علاقة بالجسم، أما أمراض القلب فتبدأ خطورتها وآثارها بعد الموت، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
стр. 545
فالقلب محل نظر الرب، فإن كان متصلًا بربه انفسح وانشرح، وأشرق بالتوحيد والإيمان والطاعات، والصدق والصفات الحسنة، وكلما طهر القلب من الشرك والكبر والحسد وغيرها من الصفات السيئة تجلى عليه الرب واطمئن بذكر الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
فسبحان الشافي الذي يشفي الأجساد والقلوب من جميع الأمراض القلبية والبدنية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
اللهم رب الناس اذهب البأس اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاءك شفاء لا يغادر سقمًا.
وقال النبي ﷺ : «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ ». أخرجه مسلم (١).
وهذا الحديث أصلٌ في الشفاء من الأمراض قاطبة، فهو يدفع العلماء والأطباء إلى البحث عن الدواء، ومعرفة الأحكام، ويملأ قلوب المرضى بالأمل بالله أن يشفيهم من الداء الذي أصابهم، فما من داء خلقه الله إلا خلق له دواء يشفي به بإذن الله.
والله هو الشافي وحده لا شريك له، والدواء والطبيب أسباب قد تشفي وقد لا تشفي، ومن أراد الشفاء من كل داء فليتصل بالشافي من كل داء: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
стр. 546
الله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
الله هو البصير الذي يبصر الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، كبيرها وصغيرها، وسع سمعه الأصوات، ووسع بصره الذوات، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، هو البصير الذي تنكشف له صفات الأشياء، وحقائقها، البصير الذي يبصر جميع المبصرات، ويشاهد الأشياء كلها ظاهرها وباطنها: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
هو سبحانه البصير بكل شيء، يعلم النيات، ويعلم ما في الصدور، ويعلم المقاصد، ويعلم خائنة الأعين، ويعلم سر الأقوال والأعمال، ويعلم ما في القلوب من الإرادات والنيات، هو البصير الذي يرى كل ذرة، وكل نية، وكل خاطرة، وكل خافية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ [الملك: ١٩].
ومن علم أن الله يبصره ويراه عبد ربه كأنه يراه، وخاف منه، ورجاه، واستحيا منه، وتتلذذ بمناجاته، وسارع إلى طاعته وفر من معصيته، كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
والإنسان الذي أكرمه الله بنعمة البصر يجب أن يبصر به آيات الله الكونية الدالة على عظمته، وآيات الله الشرعية الدالة على كمال علمه وعدله وإحسانه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
فالمؤمن حقًا صمته فكرًا، ونطقه ذكرًا، ونظره عبرة.
стр. 547
وأعلم بأن ربك السميع البصير، الذي خلق لك السمع والبصر يبصرك في جميع أحوالك، ويسمع كلامك، فأطعه ولا تعصه، ولا تجعله أهون الناظرين إليك، فاتق الله أن يكون هو أهون الناظرين إليك، وأعلم أن من أخفى عن غير الله ما لا يخفيه عن الله، فقد استهان بنظر الله إليه، فاستح من الله على قدر قربه منك، واشكره على قدر نعمه عليك، وخف منه على قدر قدرته عليك: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
فيا من عصيت ربك في خلوتك، إن كنت ظننت أن الله لا يراك فقد كفرت، وإن كنت أيقنت أنه يراك فقد اجترأت، فزين باطنك بالمراقبة، وزين ظاهرة بالمحاسبة، وإتباع السنة، وإذا أردت أن تعصي ربك فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه، أو أخرج من سلطان ملكه، وهذا محال حتى في الخيال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
إلهي أنت البصير بعيوبي، الخبير بذنوبي، مطلع على سري، وبيدك زمام أمري، أجعل في قلبي نورًا حتى أعبدك كأني أراك.
الله هو الشهيد الرقيب الذي لا تخفى عليه خافية، وكل ذرات العالم مكشوفة له: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣].
стр. 548
هو الشهيد القريب من كل مخلوق، الشهيد العليم بكل مخلوق، الشهيد الذي يُعلم خلقه بما يشاء، الشهيد الذي شهد لنفسه بالوحدانية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].
فالأمور كلها بيد الشهيد سبحانه، لا بذكاء الناس، ولا بأموالهم، ولا بأحسابهم، فالله مع المحسن ينصره ويعزه، وينتقم من المسيء ويذله، فسبحان الشهيد الذي لا يغيب عنه شيءٌ في ملكه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣].
هو الشهيد البصير الذي يعلم المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب، ويفوت على أهل المكر مكرهم، ويحفظ للناس حقوقهم: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
وعلامة المخلص لله في عمله أنه لا يبحث عن تقدير الناس، ولا عن إعجابهم بعمله، ولا ينتظر حمدهم وشكرهم؛ لأنه يعلم أن الله على كل شيءٍ شهيد: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
هو سبحانه الشهيد لما ظهر، الخبير لما بطن، العليم بما ظهر وبطن.
هو الشهيد الذي يُشهد العباد أعمالهم يوم القيامة: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤].
стр. 549
وإذا علمت أن ربك عليم بكل شيء، قدير على كل شيء، فاستقم كما أمرت؛ لأنه سوف يحاسبك: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
والله أعلن أسماءه وصفاته في ملكه العظيم، فأنت ترى في الكون الخالق يخلق والمصور يصور، والرازق يرزق، والرحمن يرحم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فسبحان الشهيد الحق، العليم بكل ذرةٍ في ملكه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
هو سبحانه الشهيد العليم بما ظهر وبطن، الخبير بالنيات والأسرار: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٨ - ٩].
والرب العظيم الذي هذه أسماؤه وصفاته وأفعاله هو الرب الذي يجب الإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
стр. 550
٩ - الخزانة التاسعة
• فقه زيادة الإيمان بالله:
الله سبحانه هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، وله الأسماء والصفات المتقابلة كالمقدم والمؤخر، وله الأسماء المطلقة كالعزيز والرحمن، وله الأسماء المضافة كفاطر السماوات والأرض، وفالق الحب والنوى، وغافر الذنب: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وأسماؤه ﷻ كلها حسنى، وصفاته وأفعاله كلها عليا، فهو الرب الكريم الرحيم الذي يقبض ليبسط، ويمنع ليعطي، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز، ويبتلي ليصطفي: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].
هو البديع الذي ابتدع خلق هذا الكون على غير مثال سابق: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١].
هو المبدئ الذي ابتدأ العباد بالفيض والإمداد، الذي أظهر الخلائق من العدم إلى الوجود: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
стр. 551
الله هو الحافظ الذي يثبت أوليائهن على الطريق البين المستقيم، هو الحافظ الذي يحفظ كل شيء، هو حافظ السماوات والأرض، وحافظ ما بينهما: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
وهو سبحانه حافظ الأقوال والأعمال والأحوال، وحافظ الخلق من كل سوء قال النبي ﷺ : «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدُهُ تُجَاهَكَ، إِذَاَ سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَاَ اسْتَعَنتَ فَاسْتَعِن بِاللهِ، وَاعْلَم أَنَّ الأُمّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنفَعُوْكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوْكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوْكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضَرُّوْكَ إِلَّا بشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفعَتِ الأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» أخرجه أحمد (١).
هو ﷻ خير حافظًا من كل حافظ، هو وحده الذي يحفظ الصحة، والأهل، والمال، والدار، ويحفظ سمعك، وبصرك، وعقلك، ووقتك، والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين، فاحفظ الله يحفظك.
وحفظ الله إنما يكون لك إذا استقمت على أوامره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
فاستقم كما أمرك الله الاستقامة، والحفاظة من الله ، والاستقامة من العبد تكون بالإيمان بالله ، وفعل الأوامر، واجتناب النواهي،
стр. 552
والصبر على كل شيء، ابتغاء مرضاة الله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾ [الطور: ٤٨ - ٤٩].
ومن كان الحفيظ معه فلن يضره أحد، ومن تخلى عنه الحفيظ استلمه عدوه، وخذله من جهته: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فاعتمد على الحفيظ القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، البصير بكل شيء، ولا تعتد بقوتك وعلمك، وذكائك ومالك، فيتخلى الله عنك: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦].
واظهر الضراعة لمولاك العزيز يعزك وينصرك: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
فكن لربك العظيم كما يريد يكن لك كما تريد، وسلم لله في ما يريد يكفيك ما تريد، فإن عصيته فيما يريد تعبت فيما تريد: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
فإن عصيته فيما يريد تعبت فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما يريد هو سبحانه، وذلك رحمة بك لتعود إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥].
• فقه الغيب:
стр. 553
الله سبحانه هو عالم الغيب والشهادة، والغيب كل ما غاب عن الحواس، فكل ما غاب عن علم الإنسان، أو بصره، أو سمعه فهو غيب.
والغيب أنواع:
الأول: نوع من الغيب استأثر الله بعلمه كعلم الساعة، وموت الإنسان.
الثاني: نوع أطلع الله عليه بعض أنبيائه كأشراط الساعة التي بينها النبي ﷺ ، وأحوال اليوم الآخر، كما جاءت في القرآن والسنة.
وهذا الغيب ثلاثة أنواع:
غيب الماضي .. وغيب الحاضر .. وغيب المستقبل.
والله وحده هو عالم الغيب والشهادة: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ [السجدة: ٦ - ٨].
وكلما ارتقى الإنسان بفكره خاف بعقله، وكلما هبط إلى مستوى البهائم خاف بعينه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
ومن يعبد ربه عالم الغيب والشهادة فلا خوف عليه؛ لأن الله يسوقه إلى ما ينفعه مما يجهله، ويدفع عنه ما يضره مما يجهله، فإذا كنت مع الله ألهمك وسددك، وألهمك الخلاص من عدوك الشيطان، وألهمك تدبيرًا مضادًا لتدبيره، وألهمك سلوكًا يعطل عليه فكره؛ لأن الله وحده الذي يعلم الغيب: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
стр. 554
وحين يكون الإنسان منحرفًا مع الشيطان تخلى عنه عالم الغيب والشهادة، فتفكر وأجهد نفسه في أمر من الأمور، ثم جعل الله تدميره في تدبيره كما فعل بفرعون حين جمع السحرة، فأبطل الله كيده، وكما فعل بفرعون وجنوده حين تبع موسى وقومه، فأغرقه الله في البحر: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥].
ففي بحر واحد، وبأمر واحد، وفي وقت واحد، أنجى الله موسى وقومه، وأغرق فرعون وجنوده.
فسبحان عالم الغيب والشهادة الذي يعلم ما كان، وما يكون، وما سيكون، فكن مع عالم الغيب يلهمك رشدك، ويحفظك مما يضرك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
والله لا تخفى عليه خافية في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، وكل ما هو واقع هو من عالم الشهادة، وكل ما لم يقع فهو من عالم الغيب.
ومن الأشياء ما يغيب عنا لبعد زمانه، ومنها ما يغيب عنا لبعد مكانه، والله وحده عالم الغيب والشهادة: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
فسبحان العليم بكل شيء، العليم بالذرات والمجرات، العليم بالظواهر والبواطن، العليم بالأقوال والأفعال، العليم بالكلمات والحروف، والأرقام، العليم بما يجري وما لم يجر في كل زمانٍ ومكان: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ
стр. 555
إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
زيادة الإيمان:
الإيمان بالله يزيد بالنظر والتدبر، يزيد بالنظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات الشرعية، ويكمل بالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
وأساس الدين هو الإيمان بالله ، واليقين على ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وخزائنه، ووعده ووعيده، والعمل بموجب ذلك.
فهذا هو الإيمان الحق، الإيمان المطلوب: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وجميع العبادات مبناها وقبولها مبني على هذا الأصل العظيم.
وإذا ضعف هذا الإيمان ونقص ضعفت الأعمال والعبادات، فساءت الأحوال، ثم جاء سخط الله، ثم نزلت عقوبته: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
والإيمان بالله أفضل الأعمال.
ولتحصيل هذا الإيمان وزيادته في القلب لابد من أربعة جهود:
الأول: جهد على تحصيل الإيمان.
الثاني: ثم جهد على حفظه.
стр. 556
الثالث: ثم جهد على الاستفادة منه
الرابع: ثم جهد على نشره بين الناس.
ومن قام بهذه الجهود هداه الله إلى سبل رضاه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سُئِلَ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ الجِهَادُ، ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ». متفق عليه (١).
والإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ [الفتح: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].
وقال النبي ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ». متفق عليه (٢).
وعن أنس ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنَ الخَيْرِ ذَرَّةً». متفق عليه (٣).
стр. 557
وكلما عرف العبد ربه أكثر زاد إيمانه، وقويت عبادته لربه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 558
١٠ - الخزانة العاشرة
كيف يزيد الإيمان في قلوبنا:
حتى يأتي الإيمان في حياتنا ويزيد في قلوبنا لابد من العلم بأمور:
الأول: أن نعلم ونتيقن أن خالق كل شيء هو الله، ظاهرًا كان أو باطنًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، فخالق السماء هو الله، وخالق الأرض هو الله، وخالق العرش هو الله، وخالق الملائكة هو الله، وخالق النجوم هو الله، وخالق البحار والجبال هو الله، وخالق الإنسان والحيوان، والنبات والجماد هو الله، وخالق الجنة هو الله، وخالق النار هو الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
فالعرش شيء، والسماوات شيء، والأراضون شيء، والقمر شيء، والشمس شيء، والهواء شيء، والماء شيء، والبحار شيء، والجبال شيء، والناس شيء، والملائكة شيء، والجن شيء، والحيوانات شيء، والطيور شيء، والذرات شيء، والله خالق كل شيء، القادر على كل شيء العليم بكل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فنتكلم بذلك، ونسمعه، ونفكر به، ونكرره، وننظر في الآيات الكونية، والآيات القرآنية، نظر اعتبار وتفكر، حتى يرسخ الإيمان في قلوبنا، ويزيد، وقد أمرنا الله بذلك بقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
стр. 559
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]
الثاني: أن نعلم ونتيقن أن الله خلق المخلوقات، وخلق فيها الأثر، فخلق العين وفيها الأثر وهو البصر، وخلق الأذن وخلق فيها الأثر وهو السمع، وخلق اللسان، وخلق فيه الأثر وهو الكلام، وخلق الشمس وخلق فيها الأثر وهو النور، وخلق النار وخلق فيها الأثر وهو الإحراق، وخلق الشجر وخلق فيه الأثر وهو الثمر وهكذا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
فالمخلوق لا يخلق المخلوق، فالله خلق الشجرة، وخلق فيها الثمرة، وجعل الشجرة ممر لقدرة الله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
الثالث: أن نعلم ونتيقن أن الذي يملك جميع المخلوقات، ويتصرف فيها ويدبرها هو الله وحده لا شريك له، فكل ما في السماوات والأرض من المخلوقات كبيرهم وصغيرهم، كلهم عبيد فقراء إلى الله، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ولا نصرًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا.
فالله مالكهم، والله خالقهم، وهم محتاجون إليه وهو الغني عنهم، وهم فقراء إليه، سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
стр. 560
وهو سبحانه الملك الذي يصرف الكون، ويدبر أمر جميع خلقه، فالذي يتصرف في السماوات والأرض، وفي المياه والبحار هو الله وحده، والذي يتصرف في النار والرياح، وفي الأنفس والنباتات، وفي الكواكب والجمادات هو الله وحده، والذي يتصرف في الرؤساء والوزراء، وفي الأغنياء الفقراء، وفي الأقوياء والضعفاء وغيرهم، هو الله وحده لا شريك له، وهم جميعًا في قبضته خاضعون لأمره: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
الله يتصرف في جميع مخلوقاته في العالم العلوي والعالم السفلي بقدرته وحكمته وعلمه كيف شاء، متى شاء، فقد يخلق الشيء، ويسلب أثره بقدرته، فقد توجد العين ولا تبصر، وقد توجد الأذن ولا تسمع، وقد يوجد اللسان ولا يتكلم، وقد يوجد البحر ولا يغرق، والنار ولا تحرق، وقد فعل ذلك سبحانه؛ لأنه الذي يتصرف في الخلق كيف شاء لا إله إلا هو الواحد القهار وهو على كل شيء قدير: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وبعض القلوب تتأثر بالشيء أكثر من خالق الشيء، فتتعلق بالشيء وتغفل عن خالق الشيء سبحانه، والواجب أن نصل بهذا العلم، وبهذا النظر من المخلوق إلى الخالق، ومن الصور إلى المصور الذي خلق كل شيء وصوره، فنعبده وحده لا شريك له، ولا نلتفت لأحدٍ سواه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ
стр. 561
مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]
الرابع: أن نعلم ونتيقن أن خزائن جميع الأشياء عند الله وحده لا شريك له، فكل شيء في الوجود فخزائنه عند الله وحده، خزائن العلم عند الله، وخزائن الهداية عند الله، وخزائن النور عند الله، وخزائن الكلام عند الله، وخزائن الأخلاق عند الله، وخزائن الطعام والشراب والحبوب والثمار، وخزان المياه والرياح، وخزائن الأموال والبحار، وخزائن الجبال وغيرها كلها عند الله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾ [المنافقون: ٧].
فكل ما نحتاجه نطلبه من الله وحده، ونسأله إياه، ونكثر من العبادات والطاعات التي أمر الله ورسوله بها: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
فهو سبحانه قاضي الحاجات، ومجيب الدعوات، وهو خير المسئولين، وخير المعطين، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع وكل ما تحتاجه في خزائنه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
فالله كما يرزق الخلق جميعاً، عليهم أن يعبدوه جميعاً: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
стр. 562
والله له القدرة المطلقة في كل شيء أحيانًا يعطي ويرزق بالأسباب كما جعل الماء سببًا للإنبات، ووطء الأنثى سببًا للإنجاب، ونحن في دار الأسباب فنأخذ بالأسباب المشروعة امتثالًا لأمر الله، ولا نتوكل إلا على الله وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
فنفعل الأسباب بجوارحنا، ونتوكل على الله بقلوبنا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وأحيانًا يعطي الله ويزرق بدون الأسباب يقول للشيء كن فيكون، كما رزق مريم طعامًا بلا شجر، وابنًا بلا ذكر: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧].
وأحيانًا يستعمل قدرته سبحانه بضد الأسباب كما جعل النار وسلامًا على إبراهيم ﷺ ، وكما نجا موسى ﷺ ، وأغرق فرعون وقومه في البحر بأمر واحد، وبحر واحد، في وقتٍ واحد، وكما نجا الله يونس في ظلمة بطن الحوت والبحر: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
فالله أظهر قدرته لخلقه بالأسباب، وبدون الأسباب، وبضد الأسباب، وبقلة الأسباب، وبكثرة الأسباب: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
هذا بالنسبة للمخلوقات.
стр. 563
أما بالنسبة للأحوال، فعلينا
أولاً: أن نعلم ونتيقن أن خالق جميع الأحوال هو الله وحده من الغنى والفقر، والصحة والمرض، والفرح والحزن، والضحك والبكاء، والعزة والذلة، والحياة والموت، والأمن والخوف، والبرد والحر، والهداية والضلالة، والسعادة والشقاوة، فهذه وغيرها من الأحوال خلقها الله وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
ثانياً: ان نعلم ونتيقن أن الذي يدبر الأمر، ويصرف هذه الأحوال، هو الله وحده لا شريك له، فلا يتبدل الفقر بالغنى إلا بأمر الله، ولا يتبدل المرض بالعافية إلا بأمر الله، ولا تتغير الذلة بالعزة إلا بأمر الله، ولا يتغير الضحك بالبكاء إلا بأمر الله، ولا يموت حي إلا بإذن الله، ولا يتغير البرد بالحر إلا بأمر الله، ولا تتبدل الضلالة بالهداية إلا بأمر الله، وهكذا في جميع الأحوال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ [المؤمنون: ٨٠].
فتأتي الأحوال بأمره سبحانه، وتزيد بأمره وتنقص بأمره، وتبقى بأمره وتنتهي بأمره، فعلينا أن نطلب تغيير الأحوال ممن يملكها بالتقرب إليه وحده بما شرع: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 564
ثالثاً: أن نعلم ونتيقن أن خزائن جميع الأحوال السابقة وغيرها عند الله وحده لا شريك له، فلو أعطى الله سبحانه الصحة أو الغنى أو غيرهما كل الناس لم ينقص ما في خزائنه سبحانه مثقال ذرة؛ لأن ما عند الله لا ينقص أبدًا مهما أعطى منه أبدًا، فسبحان الغني الحميد: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾ [لقمان: ٢٦].
وقال الله في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ». أخرجه مسلم (١).
• درجات الإيمان:
الإيمان في القلوب على ثلاثة درجات:
إيمان موجود .. وإيمان مفقود .. وإيمان مطلوب.
والإيمان هو مراد الله من خلقه، والإيمان له أركان وشعب، والمؤمن مأمور أن يجتهد لزيادة إيمانه كما يجتهد لزيادة ماله، ليضيف إلى الإيمان
стр. 565
الموجود الإيمان المفقود، وبذلك يصل إلى الإيمان المطلوب الذي يحصل به الموعود من الله .
والإيمان المطلوب هو أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
فإذا أضفنا إلى الإيمان الموجود الإيمان المفقود وصلنا إلى الإيمان المطلوب، والذي تتحقق به موعودات الله في الدنيا والآخرة، لهذا قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
والمسلمون يتفاضلون في الإيمان، فإيمان الخلق درجات متفاوتة:
الأول: إيمان الملائكة، وهذا الإيمان ثابت لا يزيد ولا ينقص، فهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فهم مجبولون على الطاعة كما جبلت الشمس على الإنارة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
الثاني: إيمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يزيد ولا ينقص؛ لكمال معرفتهم بالله، وهم درجات، وأعلاهم وأعظمهم إيمانًا سيد الأنبياء والمرسلين محمدٍ ﷺ : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].