← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

• حكم الرطوبة التي تخرج من فرج المرأة. الرطوبة التي تخرج من فرج المرأة لها حالتان: الأولى: إن كانت الرطوبة تخرج من الرحم، فهي طاهرة لا تنقد الوضوء، وهذا هو الغالب. الثانية: إن كانت تخرج من مخرج البول، فهي نجسة يجب منها الوضوء، فإن كانت مستمرة، فحكمها حكم من به سلس البول. • حكم خروج الدم: الدم الخارج من الإنسان نوعان: الأول: الدم الخارج من السبيلين ينقض الوضوء. الثاني: الدم الخارج من بقية البدن من الأنف، أو السن، أو الجرح، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا ينقض الوضوء، قليلًا كان الدم أو كثيرًا، لكن يحسن غسله من باب النظافة والنزاهة، وذلك لأن الصحابة ﵃ كانوا يصلون في المعارك في جراحاتهم، ولا يتوضؤون. • حكم النوم والغيبوبة: النوم المستغرق ينقض الوضوء، أما النوم اليسير من قائمٍ وجالسٍ ومضطجع فلا ينقض الوضوء. أما الغيبوبة فإن كانت يسيرة لا يفقد معها الوعي والإحساس فلا تنقض الوضوء، وإن كانت تمنع شعوره بما يخرج منه كمريضٍ، ومصروعٍ، وسكران، فإنه ينتقض وضوؤه. عَنْ أَنَسٍ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلًا فَلَمْ يَزَلْ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَامَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ». متفقٌ عليه (١).

стр. 5217

٤ - الخزانة الرابعة ٢ - صفة المسح على الخفين المسح هو التعبد لله بمسح الخفين عند الوضوء على صفةٍ مخصوصة. والخف اسمٌ لكل ما يلبس على الرجل، ويغطي الكعبين، من جلدٍ نحوه، والجورب اسمٌ لكل ما يلبس على الرجل، ويغطي الكعبين من قطنٍ ونحوه. والعادة أن الجوارب يكون داخل الخف. • حكم المسح على الخفين: من السنة المسح على الخفين عند الوضوء عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، قَالَ: «بَيْنَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ نَزَلَ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنْ إِدَاوَةٍ كَانَتْ مَعِي، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ». متفقٌ عليه (١). • مدة المسح على الخفين: يجوز المسح على الخفين يومًا وليلة للمقيم، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وتبدأ مدة المسح من أول مسحٍ بعد لبس. عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «جَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ». أخرجه مسلم (٢). ولا تتوقت مدة المسح للمسافر الذي يشق عليه اشتغاله بالخلع واللبس، كرجال المطافئ، ورجال الإنقاذ في النكبات والكوارث العامة، وكالبريد المجهز في مصلحة المسلمين ونحو ذلك.

стр. 5218

• شروط المسح على الخفين: شروط المسح على الخفين سنة: أن يكون الملبوس مباحًا، طاهرًا، ساترًا للكعبين، ملبوسًا على طهارة، وأن يكون المسح في الحدث الأصغر، وفي المدة للمقيم أو المسافر. • صفة المسح على الخفين: يُدخل المسلم يديه بالماء، ثم يمسح بيده اليمنى ظهر خف أو جورب القدم اليمنى، من أصابعه إلى أسفل ساقه مرة واحدة دون أسفله وعقبه، والرجل اليسرى بيده اليسرى كذلك، ويقدم اليمنى على اليسرى. ومن لبس جورباً على جورب، وهو على طهارة، مسح على الفوقاني، وإن لبسه على غير طهارة مسح على الأسفل، ومن مسح في السفر يومًا، ثم دخل بلده أتم مسح مقيم، يومًا وليلة، وإن سافر مقيم، وقد مسح على خفّيه يومًا أتم مسح مسافر ثلاثة أيام بلياليهن. • يبطل المسح على الخفين بما يلي: الأول: إذا نُزع الملبوس من القدم. الثاني: إذا لزمه غسل كالجنابة. الثالث: إذا تمت مدة المسح. أما الطهارة فلا تنتقض إلا بأحد نواقض الوضوء. • صفة المسح على العمامة والخمار: يجوز المسح على عمامة الرجل، وعلى خمار المرأة، عند الحاجة، بلا توقيت، ويكون المسح على أكثر العمامة أو الخمار، والأولى لبسهما على طهارة، وتأخذ الباروكة حكم العمامة، وخمر النساء، فيجوز المسح عليها عند الوضوء، ويجب نزعها عند الغسل، فإن لم توجد مشقة عند الوضوء،

стр. 5219

فيجب نزعها، والمسح على الشعر الأصلي، ولا يجوز لبس الباروكة للمرأة إلا إذا كانت صلعاء. عن عمرو بن أمية ﵁ قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيهِ». أخرجه البخاري (١). ويجوز المسح على الخفين، والجوربين، والنعلين، والعمامة، وخمار المرأة، في الحدث الأصغر كالبول، والغائط، والنوم ونحوها، فإن أصابته جنابة في مدة المسح، أو أصاب المرأة حيض، فلا يمسح، ويلزمه الغسل لكل بدنه، ثم لبس الخف، أو الجورب، ونحو ذلك. • صفة المسح على الجبيرة: أولاً: يجب المسح على الجبيرة واللفائف من جميع الجهات إلى حَلِّها ولو طال الزمن، أو أصابته جنابة، أو لبسها على غير طهارة، وإن لم يمكنه المسح إلا على بعضها أجزأه ذلك. ثانيًا: الجرح إن كان مكشوفًا فالواجب غسله بالماء، فإن تضرر مَسَحَ الجرح بالماء، أو تعذر المسح بالماء، عَدَل إلى التيمم. وإن كان الجرح مستورًا مَسَحه بالماء، فإن تعذر عدل إلى التيمم، وفي كلا الحالين يكون التيمم بعد الفراغ من غسل أعضاء الوضوء.

стр. 5220

٣ - صفة الغسل الغسل: هو التعبد لله بغسل جميع البدن بماء طهور، على صفةٍ مخصوصة. • موجبات الغسل: موجبات الغسل ستة: الأول: خروج المني دفقًا بلذة من رجل، أو امرأة، استمناءً، أو جماعًا، أو احتلامًا. الثاني: تغييب حشفة الذكر في الفرج، ولو لم ينزل. الثالث: إذا مات المسلم إلا شهيد المعركة في سبيل الله. الرابع: إذا أسلم الكافر. الخامس: الحيض. السادس: النفاس. عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ». متفقٌ عليه (١). • صفة الغسل المجزئ: أن ينوي المسلم الغسل، ثم يعم بدنه بالغسل مرةً واحدة بالماء. • صفة الغسل الكامل: أن ينوي المسلم الغسل، ثم يغسل يديه ثلاثًا، ثم يغسل فرجه وما لوَّثه، ثم يتوضأ وضوءًا كاملًا، ثم يُروي رأسه بالماء ثلاثًا، ويخلِّل شعره بيده، ثم يغسل بقية جسده مرة واحدة، ويتيامن، ويدلكه، ولا يسرف في الماء.

стр. 5221

• صفة غسل النبي ﷺ : عن ابن عباس ﵄ قال: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ ﵂ قَالَتْ: «أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ الله ﷺ غُسْلَهُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإنَاءِ، ثُمَّ أَفْرَغَ بِهِ عَلَى فَرْجِهِ، وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الأَرْضَ، فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ مِلءَ كَفِّهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالمِنْدِيلِ». متفقٌ عليه (١). والسنة أن يتوضأ المسلم وضوؤه للصلاة قبل الغسل، فإن اغتسل ولم يتوضأ قبله، أو أتى بالوضوء قبل الغسل، فإنه لا يشرع له الوضوء بعد الغسل إذا نوه. • يحرم على الجنب ما يلي: ١ - الصلاة. ٢ - والطواف بالكعبة. ٣ - والمكث في السجد. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. ويجوز للجنب قراءة القرآن، ومسه، والأفضل فعل ذلك على طهارة. • صفة نوم الجنب: السنة أن يغتسل الإنسان بعد الجماع، ويجوز أن ينام الإنسان وهو جنب، والأفضل أن لا ينام إلا بعد أن يغسل فرجه ويتوضأ.

стр. 5222

عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلاة». متفقٌ عليه (١). ويجوز للرجل أن يغتسل من الجنابة مع زوجته من إناءٍ واحد ولو رأى كل منهما عورة الآخر. عن عائشة ﵂ قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ». متفقٌ عليه (٢). • صفة غسل من كرر الجماع: يستحب لمن جامع أهله ثم أراد أن يعود، أو أراد أن يطوف على نسائه، أن يغتسل بين الجماعين، فإن لم يتيسر توضأ؛ فذلك أنشطٌ للعَوْد، ويجزئ الغسل مرةً لمن جامع مرتين أو أكثر، لزوجةٍ أو أكثر. عن أنسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ». متفقٌ عليه (٣). • الأغسال المستحبة: من الأغسال المستحبة: غُسل الإحرام بالحج أو العمرة، غُسْل من غَسَّلَ الميت إذا أفاق من جنون أو إغماء، غسل دخول مكة، الغسل لكل جماع مكررٍ بعده، غسل من دفن المشرك. • أحكام الغسل: أولًا: يجب الاستتار من الناس عند الغسل، فإن اغتسل وحده في الخلوة من حمامٍ وغيره جاز له التعري، ولكن التستر أفضل، ولو كان وحده، فالله أحق أن يُستحى منه من الناس.

стр. 5223

ثانيًا: يجزئ غسلٌ واحد عن حيضٍ وجنابة، أو عن جنابةٍ وجمعة ونحو ذلك. ثالثًا: غسل المرأة كالرجل، ولا يجب على المرأة نقض شعرها في الغسل من الجنابة. رابعًا: صفة غسل الحائض والنفساء كغسل الجنابة إلا أنه يستحب من الحائض والنفساء نقض شعرها، والغسل بماءٍ وسدر، ودلك الرأس دلكًا شديدًا، ومسح الفرج بقطعةٍ من مسك. خامسًا: يجوز استعمال جميع المنظفات التي تحتوي على شيءٍ من الأطعمة كالشامبو، ومزيل الشعر، لكن بشرط أن تحول الصناعة إلى شكل آخر، كالصابون السائل والجامد، فإن أصله من الزيت. السادس: من ولدت بعمليةٍ قيصرية عن طريق فتح البطن، فلا غسل عليها إن لم يخرج منها دمٌ مع الفرج، ومن ولدت ولادةً طبيعية فعليها الغسل إذا طهرت. • من سنن الغسل: الوضوء قبله، وإزالة الأذى، وإفراغ الماء على الرأس ثلاثًا، والتيامن. • مقدار ماء الغسل: السنة أن يغتسل الجنب بالصاع إلى خمسة أمداد، فإن نقص أو دعت الحاجة إلى الزيادة على ما سبق كثلاثة آصع ونحوها جاز، ولا يجوز الإسراف في ماء الوضوء والغسل والنظافة. عن أنسٍ ﵁ قال: «كَان النَّبِيُّ ﷺ يَغْسِلُ أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأ بِالمُدّ». متفقٌ عليه (١).

стр. 5224

• حكم الاغتسال في المراحيض: السنة أن يغتسل المسلم في مكانٍ نظيف كالحمام ونحوه، ويكره الاغتسال في المراحيض وهي أماكن قضاء الحاجة؛ لأنها محل النجاسات، والغسل فيها يؤدي إلى الوسواس، ولا يبول في مكان ثم يغتسل فيه؛ لئلا يتنجس. أما الحمامات الحديثة، فيجوز قضاء الحاجة فيها، والاغتسال فيها، والوضوء فيها. • حكم من اغتسل، ثم خرج منه الماء: من اغتسل ثم خرج منه المني بدون تدفقٍ ولا شهوة فلا يعيد الغسل، لكن يجب عليه غسله، والوضوء إذا أراد الصلاة. • حكم غسل المحتلم: إذا استيقظ النائم فوجد بللًا فله ثلاث حالات: الأولى: أن يتيقن أنه مني فيجب عليه الغسل. ثانيًا: أن يتيقن أنه ليس بمني، فحكمه حكم البول، فيغسل ما أصابه منه. الثالث: أن يجهل الحال، فإن ذكر أنه احتلم فعليه الغسل، وإن لم يذكر فهو مذي حكمه حكم البول. • حكم من تعذر عليه الغسل: الجنب إذا تعذر عليه الغسل، لفقد الماء، أو تضرر باستعماله، تيمم، فإذا وجد الماء اغتسل، ولا يعيد ما صلى بالتيمم. والمرأة إذا عدمت الماء، وهي جنب، أو خافت من استعماله مرضًا، أو تأخر برأ، تيممت، فإذا زال موجب التيمم اغتسلت.

стр. 5225

• حكم غسل يوم الجمعة: غسل يوم الجمعة سنةٌ مؤكدة على كل مسلمٍ تجب عليه صلاة الجمعة، ويجب الغسل على من به رائحةٌ كريهة تؤذي المصلين والملائكة، ومن ترك الغسل ممن به رائحة كريهة فصلاته صحيحة، لكنه قصر في واجب الغسل. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». متفقٌ عليه (١).

стр. 5226

٥ - الخزانة الخامسة ٤ - صفة التيمم التيمم هو التعبد لله بضرب الصعيد الطيب باليدين بنية استباحة الصلاة وغيرها، والتيمم من خصائص الأمة الإسلامية، وهو بدل طهارة الماء. عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً». متفقٌ عليه (١). • حكم التيمم: يشرع التيمم للمحدث حدثًا أصغر أو أكبر إذا تعذر استعمال الماء، إما لفقده، أو التضرر باستعماله، أو العجز عن استعماله، أو شرائه. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦].

стр. 5227

• ما يجوز التيمم به: يجوز التيمم بكل ما على الأرض من صعيد طاهرٍ، من تراب، أو رملٍ، أو حجرٍ، أو طينٍ رطب أو يابس. • صفة التيمم: أن ينوي المسلم التيمم، ثم يضرب الأرض مرةً واحد بباطن يديه، ثم ينفخهما لتخفيف الغبار عنهما، ثم يمسح بهما وجهه، ثم كفيه، يمسح ظهر اليمنى بباطن كف اليسرى، ثم يمسح ظهر اليسرى بباطن كف اليمنى، وأحيانًا يقدم مسح اليدين على الوجه، يفعل هذا مرة، وهذا مرة إحياءً للسنة. عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أَنَّا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فَتَمَعَّكْتُ فصليت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ». متفقٌ عليه (١). وعن عمار بن ياسر ﵁ في صفة التيمم وفيه: فقال النبي ﷺ : «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا، فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ ضَرْبَةً عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ». متفقٌ عليه (٢).

стр. 5228

• ماذا يرفع التيمم؟. إذا نوى بتيممه أحداثًا متنوعة كما لو بال، وتغوط، واحتلم، ومن أصابه جنابة، أو حيض، أو نفاس أجزأه التيمم عن الكل، فلله الحمد على التيسير، ورفع الحرج: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. والمتيمم كالمتوضئ فيما يشرع ويباح كالصلاة، والطواف، والوطء ونحو ذلك، لأن التيمم بدل الماء. • مبطلات التيمم: يبطل التيمم بما يلي: وجود الماء، زوال العذر من مرض أو حاجة ونحوهما، أحد نواقض الوضوء السابقة. • ما يشرع له التيمم: أولاً: يشرع التيمم للطهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر. أما طهارة الخَبث، سواءً كانت على البدن أو الثوب فليس لها تيمم، فيزيلها، فإن لم يستطع إزالتها صلى بحسب حاله. ثانيًا: مَنْ عَدِم الماء، وما يجوز التيمم عليه، أو لم يقدر على استعمالهما، صلى على حسب حاله بلا وضوءٍ ولا تيمم، ولا إعادة عليه. ثالثًا: مَنْ جُرح وخاف أن يضره الماء إذا اغتسل مسح عليه، وغسل الباقي، فإن تضرر بالمسح تيمم له، وغسل الباقي، ويكون التيمم بعد الفراغ من الوضوء.

стр. 5229

رابعًا: إذا وجد المتيمم الماء، وهو في أثناء الصلاة، بطل تيممه، فيقطعها، ثم يتوضأ ويصلي، وإن وجد الماء بعد أن صلى فصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ اَلصَّلَاةَ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا اَلْمَاءَ فِي اَلْوَقْتِ. فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا اَلصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ اَلْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ»، وقال للذي توضأ وأعاد: «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ». أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح (١).

стр. 5230

٥ - أحكام الحيض والنفاس • الحيض هو دم طبيعة وجِبِلَّة يرخيه الرحم فيخرج من فرج المرأة في أوقاتٍ معلومة. • أصل دم الحيض: خلق الله دم الحيض لحكمة غذاء الولد في بطن أمه، لذلك قَلَّ أن تحيض الحامل، فإذا ولدت قَلَبه الله لبنًا يَدرُّ من ثدييها، لذلك قَلَّ أن تحيض المرضع، فإذا خلت المرأة من حمل ورضاع بقي لا مصرف له، فيستقر في الرحم، ثم يخرج في كل شهرٍ ستة أو سبعةٍ أيام غالبًا، والحيض دمٌ نجس. • حد الحيض: غالب مدة الحيض ستة، أو سبعة أيام، وغالب مدة الطهر ثلاثة أو أربعة وعشرون يومًا، ولا حد لأقل الحيض، ولا لأكثره، ولا لبدايته، ولا لنهايته، ولا حد لأقل الطهر ولا لأكثره. وبعض النساء حيضها أو طهرها أكثر من ذلك أو أقل منه، وبعضهن يأتيها الحيض مرةً كل شهرين أو ثلاثة، وبعضهن يأتيها مرةً كل ستة أشهر، وبعضهن يأتيها كل سنةٍ مرة. • النفاس هو الدم الخارج من قُبل المرأة عند الولادة، أو معها، أو قبلها، أو بعدها.

стр. 5231

• غالب مدة النفاس: غالب مدة النفاس أربعون يومًا، فإذا طهرت قبله صلت وصامت بعد أن تغتسل، ولزوجها وطؤها، وإن زاد إلى ستين فهو نفاس، لكن إن استمر، فهو دم فساد تغتسل منه مرة، ويستحب أن تتوضأ لكل صلاة، وتؤدي العبادات كغيرها من الطاهرات. • حكم الدم الذي يخرج من الحامل: الحامل إذا خرج منها دمٌ كثيرٌ أحمر، ولم يسقط الولد فهو دم فسادٍ لا تترك الصلاة لأجله، لكن تتوضأ لكل صلاة. وإذا رأت المرأة دم الحيض المعتاد الذي يأتيها في وقته وشهره ولونه فهو حيض، تترك من أجله الصلاة والصوم وغير ذلك. • ما يحرم على الحائض والنفساء: يحرم على الحائض والنفساء الصلاة، والصوم، والطواف بالبيت الحرام، والوطء في الفرج، حتى تطهر وتغتسل. • حكم تناول ما يقطع الحيض: يجوز للمرأة إن احتاجت تناول ما يقطع الحيض ما لم تتضرر، ويكون طهرًا تصوم فيه وتصلي، وتفعل ما تفعل الطاهر. • علامة طهر الحائض: أن ترى المرأة سائلًا أبيضاً يخرج إذا توقف الحيض، ومن لم تر هذا السائل فعلامة طهرها أن تُدخل قطنة بيضاء في محل الحيض، فإن خرجت ولم تتغير فهو علامة طهرها، ويسمى الجفاف.

стр. 5232

• حكم الصفرة والكدرة عند النساء: الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، وإن رأت ذلك قبل العادة أو بعدها فليس بحيض، فتصلي وتصوم، ولزوجها أن يباشرها، وإن تجاوزت الصفرة أو الكدرة العادة الغالبة للنساء فتغتسل وتصلي كالطاهرات، والمرأة إذا حاضت بعد دخول وقت الصلاة، أو طهرت قبل خروج وقت الصلاة، وجب عليها أن تصلي تلك الصلاة، ومثلها النفساء. • حكم مباشرة الحائض: يجوز للرجل مباشرة زوجته وهي حائض من فوق الإزار. عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الْإِزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ». أخرجه مسلم (١). • حكم وطء الحائض: يحرم وطء الحائض في الفرج، كما يحرم وطء المرأة في الدبر: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].

стр. 5233

ولا يجوز وطء الحائض حتى ينقطع دم حيضها وتتطهر أي تغتسل، ومن وطئها قبل الغسل فهو آثم، عليه التوبة والاستغفار، وإذا وطئ الرجل زوجته مختارًا متعمدًا عالمًا أنها حائض فهو آثم، وعليه التوبة والاستغفار، والمرأة مثله: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩]. • والمستحاضة هي من استمر خروج الدم منها في غير أوانه: والفرق بين الحيض والاستحاضة: أن الحيض سيلان دم عرقٍ في قعر الرحم، يسمى العاذر، ولون هذا الدم أسود، ثخين، غليظ، منتن، كريه، لا يتجمد إذا ظهر. والاستحاضة: سيلان دم عرقٍ في أدنى الرحم يسمى العاذل، ولون هذا الدم أحمر، رقيق، غير منتن، يتجمد إذا خرج؛ لأنه دم عرقٍ عادي. • صفة غسل الحائض والمستحاضة والنفساء: غسل الحائض والنفساء كغسل الجنب، إلا أنه يستحب من الحائض والنفساء نقض شعرها، والغسل بماءٍ وسدر، ودلك الرأس دلكًا شديدًا، ومسح الفرج بقطعةٍ من مسك، فالمستحاضة تغتسل مرةً واحدة عند إدبار الحيض، ولا يلزمها الوضوء لكل صلاة عن هذا الدم، لكن يستحب، وتحشو فرجها بخرقةٍ أو نحوها، لئلا تتنجس، وتتلوث. • أحوال المستحاضة: المستحاضة لها أربع حالات وهي: الأولى: أن تكون مدة الحيض معروفةً لها، فتجلس تلك المدة، ثم تغتسل وتصلي.

стр. 5234

الثاني: أن تكون مدة الحيض غير معلومة لها، فتجلس ستة أو سبعة أيام؛ لأن ذلك غالب مدة الحيض، ثم تغتسل وتصلي. الثالثة: أن لا تكون لها عادة، ولكنها تستطيع تمييز دم الحيض الأسود من غيره، فإذا انقطع دم الحيض المميَّز، اغتسلت وصلت. الرابعة: أن لا تكون لها عادة، ولا تستطيع أن تميز الدم فتجلس ستة أو سبعة أيام ثم تغتسل وتصلي، وتسمى المبتدئة. • حكم من اقتربت دورتها: من اقتربت دورتها من النساء فأصبحت تأتيها في الشهر أكثر من مرة، فإن تيقنت أنه حيض، فهو حيض، وإن لم تتيقن أنه حيض، فهو دم فساد تغتسل منه مرة وتصلي، ولزوجها أن يجامعها. • حكم ما يخرج من المرأة: أولًا: إذا وضعت المرأة نطفة، فهذا ليس بحيض ولا نفاس، وإن وضعت الجنين لأربعة أشهر، فهذا نفاس، وإن وضعت علقةٍ أو مضغةٍ غير مُخلَّقة فليس بنفاس، ولو رأت الدم، وإن وضعت مضغةً مُخلَّقة، بأن تم له ثلاثة أشهر تأكد أنه ولد، وأنه نفاس، وإن أسقطت المرأة ما تبين فيه خلق الإنسان من رأسٍ، أو أذنٍ، أو رجل، ونحوها، فهي نفساء لها أحكام النفاس. ثانيًا: المرأة التي تستعمل اللولب لمنع الحمل إذا نزل منها دمٌ بعد انقطاع الحيض، ورؤية الطهر، فهذا من أثر اللولب فقط، فلا يعتبر حيضًا.

стр. 5235

• ما تفعله المستحاضة: يجب على المستحاضة أن تصلي الفرائض، وتصوم رمضان، وتجلس ولا تصلي قدر عادتها من كل شهر، ويسن لها كغيرها فعل التطوعات من صلاةٍ، أو صومٍ، أو طواف، ونحو ذلك، ولزوجها أن يجامعها. عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ سألت النبي ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ، فَلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فقال: «لا، إنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَكِن دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي». متفقٌ عليه (١).

стр. 5236

٣٣ - خزائن الصلاة القسم الأول: ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 5237

٣٣ - خزائن الصلاة القسم الأول ١ - الخزانة الأولى • فقه الصلاة: الصلاة عبادة ذات أقوالٍ وأفعال مخصوصة، مفتتحةٌ بالتكبير، ومختتمةٌ بالتسليم. والصلوات الخمس آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين. والصلوات الخمس واجبةٌ على كل مسلمٍ ومسلمة مهما كانت الأحوال في حال الأمن والخوف، وفي حال الصحة والمرض، وفي حال الحضر والسفر، ولكل حالٍ صلاةٌ تناسبها في الهيئة والعدد: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال الله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ». مُتَفَقٌ عَلَيْه (١).

стр. 5238

• حكمة مشروعية الصلاة: أولاً: الصلاة نور: فكما أن النور يستضاء به، فكذلك الصلاة تهدي إلى الصواب، وتذكر بالله، وتمنع من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ثانيًا: الصلاة صلةٌ بين العبد وربه، وهي عماد الدين، يجد فيها المسلم لذة مناجاة ربه، فتطيب نفسه، وتقر عينه بربه، ويطمئن قلبه، وينشرح صدره، وتقضى حاجته، وبها يرتاح من هموم الدنيا وآلمها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. ثالثا: الصلاة فيها إعلان توحيد الله، وتقويته، وتصفيته، بظهوره على القلب واللسان، والجوارح، فالصلاة لها ظاهرٌ يتعلق بالبدن كالقيام والجلوس، والركوع، السجود، وسائر الأقوال والأعمال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. ولها باطن يتعلق بالقلب، ويكون بتعظيم الله تعالى، وتكبيره، وخشيته، ومحبته، وطاعته، وحمده، وشكره، وذل العبد وخضوعه لربه، فالظاهر يتحقق بفعل ما جاء عن النبي ﷺ في الصلاة، كما قَالَ ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». أخرجه البخاري (١). والباطن يتحقق بالتوحيد والإيمان، والإخلاص والخشوع: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].

стр. 5239

الرابع: الصلاة لها جسدٌ وروح، فجسدها القيام والركوع، والسجود والقراءة، وروحها تعظيم الله وتوحيده وخشيته، وحمده واستغفاره، والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وآله وعلى عباد الله الصالحين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. خامسًا: أمر الله كل مسلمٍ بعد إقراره بالشهادتين أن يقيد حياته بأربعة أمور هي: الصلاة .. والزكاة .. والصيام .. والحج. وهذه أركان الإسلام بعد الشهادتين، في كلٍ منها تمرينٌ لتنفيذ أوامر الله على نفس الإنسان، وماله، وشهواته، وطبيعته، ليقضي حياته حسب أمر الله ورسوله، وحسب ما يحب الله ورسوله، لا حسب هواه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. سادسًا: المسلم في الصلاة ينفذ أوامر الله على كل عضوٍ من أعضائه، ليتدرب على طاعة الله، وتنفيذ أوامر الله في شئون حياته كلها، بأخلاقه، وعباداته، ومعاملاته، وطعامه، ولباسه، وهكذا حتى يكون مطيعًا لربه داخل الصلاة وخارج الصلاة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. سابعًا: الصلاة زاجرةٌ عن فعل المنكرات، وسببٌ لتكفير السيئات: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].

стр. 5240

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟». قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا». مُتَفَقٌ عَلَيْه (١). • فقه استقامة القلب: إذا استقام القلب استقامت الجوارح، وصلحت أحوال العبد في الدنيا والآخرة. وإنما يستقيم القلب بأمرين: الأول: تقديم ما يحبه الله على ما تحبه النفس. الثاني: تعظيم الأمر والنهي، وهو الشريعة. وذلك كله ناشئٌ عن تعظيم ومعرفة الآمر الناهي، وهو الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وخزائنه، ومعرفة وعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. فالإنسان قد يفعل الأمر لنظر الخلق إليه، وطلب الجاه والمنزلة عندهم، وقد يتقيهم خشية السقوط من أعينهم، أو خوفًا من العقوبات الدنيوية التي رتبها الله على الجرائم كالحدود، فهذا ليس فعله وتركه صادرًا عن تعظيم الأمر والنهي، ولا عن تعظيم الآمر الناهي: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].

стр. 5241

• علامة تعظيم أوامر الله: أن يراعي العبد أوقات العبادات، وحدودها، ويأتي بأركانها، وواجباتها، وسننها، ويحرص على كمالها، ويسارع إليها عند وجوبها، فرحًا بها، ويحزن عند فواتها، كمن فاتته صلاة الجماعة ونحوها، وأن يغضب لله إذا انتهكت محارمه، ويحزن عند معصيته، ويفرح بطاعته، وأن تكون عبادته في الخفاء أقوى منها في العلانية، وأن لا يسترسل مع الرخص، ولا يكون دأبه البحث عن علل الأحكام، فإن ظهرت له الحكمة حمله ذلك على مزيد الانقياد والعمل: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. وقال الله تعالى عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. • فقه الأمر والنهي: الله ﷻ هو الملك الحق، والملك له أوامر على خلقه ومماليكه وعبيده. والله حكيمٌ عليم لا يأمر العبد إلا بما فيه صلاحه، ولا ينهاه إلا عما في فعله فساده. وما أمر الله بشيء إلا أعان عليه، وما نهى عن شيء إلا أغنى عنه. وقد ابتلى الله العباد بالأوامر الشرعية، والشهوات الحيوانية، والمصائب القدرية.

стр. 5242

فالله سبحانه يبتلي العباد بالأوامر والشهوات، والواجبات والمحرمات، والمحبوبات والمكروهات، ليميز بذلك الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، ومن يطيعه ممن يعصيه، ومن يتبع هداه ممن يتبع هواه، فالأوامر هي الواجبات والمستحبات، والنواهي هي المحرمات والمكروهات: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. فالمأمور به بمنزلة الغذاء الذي هو قوام البدن، والمنهي عنه بمنزلة السم الذي فيه هلاك البدن، ومن تيقن هذا انشرح صدره لطاعة الله ورسوله، وطابت نفسه بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، وحسن العبادة، محبةً لله، وتعظيمًا له، وتقربًا إليه بما يحب: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وإذا ضعف الإيمان مال الإنسان إلى الحيل والبدع، والمعاصي والشهوات، وكسل عن لطاعات، وتساهل في الأوامر والنواهي، واتبع الشهوات، وزلت به قدمه في المعاصي، ثم إلى النار إن لم يتب: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ [مريم/ ٥٩ - ٦٠].

стр. 5243

• فقه الأوامر الشرعية: أوامر الله نوعان: • الأول: أوامر محبوبة للنفس، كالأمر بالأكل من الطيبات، ونكاح ما طاب من النساء الأربع، وصيد البر والبحر، ونحو ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. الثاني: أوامر مكروهة للنفس وهي نوعان: الأول: أوامر خفيفة كالأدعية والأذكار، والآداب والنوافل، وتلاوة القرآن ونحو ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. الثاني: أوامر ثقيلة كالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله. والإيمان يزيد بامتثال الأوامر الخفيفة والثقيلة معًا، والنظر في الآيات لكونية، والآيات الشرعية، وبذل الجهد لإعلاء كلمة الله، والإكثار من ذكر الله . فإذا زاد الإيمان صار المبغوض محبوبًا، وصار الثقيل خفيفًا، وتحقق مراد الله من العبد بالدعوة والعبادة، وتحركت بذلك جوارحه، ونال مرضاة ربه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].

стр. 5244

وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. • صفات النفس: ركب الله سبحانه في كل إنسانٍ نفسين: الأولى: النفس الأمارة بالسوء. الثانية: النفس المطمئنة. وهما متعاديتان، فكل ما خف على هذه ثقل على الأخرى، وكل ما التذت به بهذه، تألمت به الأخرى، مع هذه ملك، ومع تلك شيطان، والحق كله مع لملك، والنفس المطمئنة، والباطل كله مع الشيطان، والنفس لأمارة، والحرب سيجال. فشمر رحمك الله، وقدم ما يحبه الرب، على ما تحبه النفس، يرضيك ربك بما تحب: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٤ - ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].

стр. 5245

٢ - الخزانة الثانية • حكم الصلوات الخمس: تجب الصلوات الخمس في اليوم والليلة، على كل مسلمٍ مكلف، ذكرًا كان أو أنثى إلا حائضًا ونفسًا حتى تطهرًا. والصلوات الخمس هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]. وقال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الإِسْلامُ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَيامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ». مُتَفَقٌ عَلَيْه (١). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ». مُتَفَقٌ عَلَيْه (٢). • علامات البلوغ: المسلم المكلف هو البالغ العاقل. وعلامات البلوغ ثلاثة أقسام: الأول: مشتركٌ بين الرجل والمرأة، وهو إتمام خمس عشرة سنة، ونبات شعر العانة، وإنزال المني. الثاني: خاصٌ بالرجال فقط، وهو نبات شعر اللحية، والشارب.

стр. 5246

الثالث: خاصٌ بالنساء فقط، وهو الحمل، والحيض. ويؤمر الصغير بالصلاة إذا تم له سبع سنين، ويضرب عليها إذا تم له عشر سنين. • أهمية الصلاة: الصلاة صلةٌ بين العبد وربه، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ وُجِدَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتُقِصَ مِنْهَا شَيْءٌ قَالَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ يُكَمِّلُ لَهُ مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرِيضَةٍ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ سَائِرُ الْأَعْمَالِ تَجْرِي عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ». أخرجه النسائي وابن ماجه بسندٍ صحيح (١). • عدد الصلوات المفروضة: فرض الله الصلاة ليلة الإسراء على رسوله ﷺ بدون واسطة قبل الهجرة بسنة، وفرضها الله سبحانه خمسين صلاة في اليوم والليلة على كل مسلمٍ ومسلمة، وهذا يدل على أهميتها، وعلى محبة الله لها، وعلى حاجة الإنسان إليها، ثم خففها الله فجعلها خمسًا بالعمل، وخمسين بالأجر، فضلً منه ورحمة. والصلوات المفروضة في اليوم والليلة على كل مسلمٍ ومسلمة خمس صلواتٍ، وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، وصلاة الجمعة يوم الجمعة في الأسبوع مرة: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨].

стр. 5247

• حكم تارك الصلاة: من جحد وجوب الصلاة كفر، وكذا تاركها تركًا مطلقًا تهاونًا وكسلًا، فإن كان جاهلًا يُعلم، وإن كان عالمًا بوجوبها وتركها يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرًا كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ [التوبة: ١١]. وعَنِ جَابِرَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ». أخرجه مسلم (١). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». أخرجه البخاري (٢). ومن ترك الصلاة تركًا مطلقًا بحيث لا يصلي أبدًا فهو كافرٌ مرتدٌ عن دين الإسلام، ومن يصلي أحيانًا، ويتركها أحيانًا، فليس بكافر، لكنه فاسقٌ، ومرتكبٌ إثمًا عظيمًا، وجانٍ على نفسه جنايةٌ عظيمة، وعاصٍ لله ورسوله في أعظم فريضةٍ في الدين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. • الآثار المترتبة على من ترك الصلاة أبدًا: أولًا: في الحياة، لا يحق لمن ترك الصلاة مطلقًا الزواج بمسلمة، وتسقط ولايته، ويسقط حقه في الحضانة، ولا يرث ولا يورث، ويحرم ما ذكاه من حيوان، ولا يحل له دخول مكة وحرمها؛ لأنه كافر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ

стр. 5248

خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨]. ثانيًا: إذا مات تارك الصلاة مطلقًا، لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه ليس منهم، ولا يدعى له بالرحمة، ولا يورث، ويخلد في النار؛ لأنه كافر: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. • فضل انتظار الصلاة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ، وَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ أَوْ يُحْدِثَ». متفقٌ عليه (١). • فضل المشي إلى الصلاة في المسجد على طهارة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَضَى إلى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، لِيَقْضِي فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خُطُواتُهُ، إحْدَاهَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً». أخرجه مسلم (٢). وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ». أخرجه أبو داود بسندٍ حسنٍ (٣).

стр. 5249

• بمَ يحصل الخشوع في الصلاة؟. يحصل الخشوع في الصلاة بأمورٍ منها: الأول: حضور القلب بين يدي الله في الصلاة. الثاني: الفهم والإدراك لما يقرأ أو يسمع من الآيات في الصلاة. الثالث: التعظيم، ويتولد من أمرين: معرفة جلال الله وعظمته، ومعرفة حقارة النفس، فيتولد منهما الانكسار لله، والخشوع له: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. الرابع: الهيبة، وهي أسمى من التعظيم، وتتولد من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وبقدرة الله وعظمته، ورؤية تقصير العبد في حقه سبحانه. الخامس: الرجاء، وهو أن يرجو بصلاته ثواب الله ، ورضاه، ويطمع في فضله ومغفرته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠] السادس: الحياء، ويتولد من معرفة نعم الله، وتقصيره في حق الله . والمحافظة على فضيلة تتعلق بذات العبادة، كالخشوع في الصلاة مثلًا، أهم من فضيلةٍ تتعلق بمكانها، فلا يصلي في مكان يذهب معه الخشوع كالزحام ونحوه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ١ - ٣].

стр. 5250

• صفة البكاء المشروع: بكاؤه ﷺ لم يكن بشهيق، ورفع صوت، بل كانت تدمع عيناه، ويسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. وكان بكاؤه ﷺ تارةً من خشية الله، وتارةً خوفًا على أمته، وشفقةً عليها، وتارةً رحمةً للميت، وتارةً عند سماع القرآن حين يسمع آيات الوعد والوعيد، وذكر الله وآلائه ونعمه وإحسانه، وأخبار الأنبياء ونحو ذلك: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩]. • فقه العبودية: حياة المسلم كلها عبادة الله، خلق الله الأرض كلها مسجدًا للعبادة، والوقت كله مسجدٌ للعبادة، والإنسان بقلبه وجوارحه يتعبد في كل زمانٍ ومكانٍ لربه العظيم، فلا يليق به أن يعبث في أصل وجوده، وهو عبادة الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣] • أوقات عرض الأعمال على الله : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا». أخرجه مسلم (١).

стр. 5251

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي، فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ». متفقٌ عليه (١). • فقه الصلاة: أعظم المخلوقات مهابةً وجلالة المكان والزمان، أما المكان فهو الفضاء الذي لا نهاية له، وأما الزمان فهو الليل والنهار الذي لا يعرف لانفجاره مبدأ، ولا لاستقراره منزل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. وقال الله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]. فالأول والآخر صفةٌ للزمان، والظاهر والباطن صفةٌ للمكان، والله محيطٌ بالزمان كله، والمكان كله. والعلو والعظمة من صفات جلاله وكماله، ودرجة العظمة أكمل وأقوى من درجة العلو، وفوقهما درجة الكبرياء كما قال سبحانه في الحديث القدسي: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعِظمة إزَارِي، فمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قذفته في النار». أخرجه أبو داود وأحمد (٢). وفوق جميع هذه الصفات صفة الجلال، فله سبحانه جميع صفات الكمال، وهو منزهٌ عن مشابهة غيره، ولهذا مجد الله نفسه بهذه الصفة فقال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].

стр. 5252

وأعظم مقامات المسلم أن يقف ذليلًا منكراً متضرعًا بين يدي ربه ذي الجلال والإكرام، فالمؤمن يقف في صلاته بين يدي ذي الجلال والإكرام بهذه الصفة، ومن أراد الدخول على السلطان العظيم، وجب عليه أن يطهر نفسه من الأنجاس والأدناس، ويطيبها بكمال الخضوع والخشوع: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. • مراتب تطهير النفس: لهذا التطهير مراتب: الأولى: التطهر من الذنوب بالتوبة، ومن الأنجاس بالماء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]. الثانية: من كان في مقام الإخلاص، كانت طهارته عدم الالتفات إلى أعماله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. الثالثة: ومن كان في مقام المحسنين، فطهارته بعدم الالتفات إلى حسناته: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. الرابعة: من كان في مقام الصديقين، كانت طهارته من كل ما سوى الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. الخامسة: ومن كان في مقام الزهد، فطهارته من الدنيا حلالها وحرامها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ

стр. 5253

اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. فقف أيها المؤمن أمام ربك ناظرًا إلى عظمة أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وأفعاله الحميدة، مستحضرًا عظمته وكبرياءه، وجملة مخلوقاته في العالم العلوي، والعالم السفلي، وما فيهما من المخلوقات العظيمة العجيبة، فإذا استحضرت هذه المخلوقات العظيمة فقل: الله أكبر، الذي خلق هذا الكون العظيم، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، المنزه عن مشابهة مخلوقاته، الذي تعجز العقول عن إدراك كنه عظمته: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. وصل لربك واعبده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وقل: الله أكبر من أن لا يراني، ومن أن لا يسمع كلامي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. وقل: الله أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأوهامهم وأفهامهم. والله أكبر من أن يقدر الخلق على أداء حق عبوديته: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. فطاعات الخلق كلهم قاصرةٌ عن واجب عبوديته وعبادته، وثناؤهم قاصرٌ عن مجده وكبريائه، وعلومهم قاصرةٌ عن إدارك كنه صمديته: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١].

стр. 5254

وإذا قلت: الله أكبر، فاجعل عين عقلك في آفاق جلال الله وجماله، ثم قل: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم انتقل منها إلى عالم الأمر والتكليف، واجعل سورة الفاتحة مرآةً تبصر فيها جمال ربك وجلاله، وترى فيها عجائب عالم الدنيا والآخرة، وأنوار أسماء الله الحسنى. فإذا قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣]. فأبصر به عالم الجمال، وهو الفضل، والإحسان، والرحمة الشاملة. وإذا قلت: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] فأبصر به عالم الجلال، وما يحصل فيه من الأهوال. فإذا قلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٥ - ٧]. فأبصر به من تعبد، ودرجات أرباب السعادات من النبيين والمؤمنين، ومراتب الفساق المغضوب عليهم، ودركات الكفار الضالين. وإذا انكشفت لك هذه الأحوال العظيمة، فاعلم أنك ما عرفت إلا القليل عن ربك، فعد إلى الإقرار لربك الكبير بالكبرياء، ولنفسك بالذلة والمسكنة، وقل: الله أكبر. ثم انزل من صفة الكبرياء إلى صفة العظمة بالركوع، وقل: سبحان ربي العظيم، ثم عد إلى القيام ثانيًا، وادع لمن وقف موقفك، وحمد حمدك، وقل: سمع الله لمن حمده، فإذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك، ربنا ولك

стр. 5255

الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا ملء السماء وملأ الأرض، وملء ما شئت من شيءٍ بعد. ثم عد إلى التكبير، وقل: الله أكبر، وانحدر إلى الأرض متواضعًا لربك العلي وقل: سبحان ربي الأعلى؛ لأن السجود أكثر تواضعًا من الركوع. السجدة الأولى سجدة الشكر لما أعطانا ربنا من نعمه وإحسانه، ولما علمنا عن أسمائه وصفاته وأفعاله. والثانية سجدة العجز والخوف مما لم يصل إليه الإنسان من أداء حقوق جلال الله وكبريائه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. ثم تستمر في إكمال صلاتك، ناظراً إلى عز الربوبية، وذلة العبودية. ثم قدم لربك أعظم التحيات، لجلاله وجماله وكماله: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
следующие страницы →