← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢] الرابع: أن نعلم ونتيقن أن خزائن جميع الأشياء عند الله وحده لا شريك له، فكل شيء في الوجود فخزائنه عند الله وحده، خزائن العلم عند الله، وخزائن الهداية عند الله، وخزائن النور عند الله، وخزائن الكلام عند الله، وخزائن الأخلاق عند الله، وخزائن الطعام والشراب والحبوب والثمار، وخزان المياه والرياح، وخزائن الأموال والبحار، وخزائن الجبال وغيرها كلها عند الله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾ [المنافقون: ٧]. فكل ما نحتاجه نطلبه من الله وحده، ونسأله إياه، ونكثر من العبادات والطاعات التي أمر الله ورسوله بها: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. فهو سبحانه قاضي الحاجات، ومجيب الدعوات، وهو خير المسئولين، وخير المعطين، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع وكل ما تحتاجه في خزائنه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]. فالله كما يرزق الخلق جميعاً، عليهم أن يعبدوه جميعاً: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].

стр. 562

والله له القدرة المطلقة في كل شيء أحيانًا يعطي ويرزق بالأسباب كما جعل الماء سببًا للإنبات، ووطء الأنثى سببًا للإنجاب، ونحن في دار الأسباب فنأخذ بالأسباب المشروعة امتثالًا لأمر الله، ولا نتوكل إلا على الله وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]. فنفعل الأسباب بجوارحنا، ونتوكل على الله بقلوبنا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. وأحيانًا يعطي الله ويزرق بدون الأسباب يقول للشيء كن فيكون، كما رزق مريم طعامًا بلا شجر، وابنًا بلا ذكر: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧]. وأحيانًا يستعمل قدرته سبحانه بضد الأسباب كما جعل النار وسلامًا على إبراهيم ﷺ ، وكما نجا موسى ﷺ ، وأغرق فرعون وقومه في البحر بأمر واحد، وبحر واحد، في وقتٍ واحد، وكما نجا الله يونس في ظلمة بطن الحوت والبحر: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣]. فالله أظهر قدرته لخلقه بالأسباب، وبدون الأسباب، وبضد الأسباب، وبقلة الأسباب، وبكثرة الأسباب: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. هذا بالنسبة للمخلوقات.

стр. 563

أما بالنسبة للأحوال، فعلينا أولاً: أن نعلم ونتيقن أن خالق جميع الأحوال هو الله وحده من الغنى والفقر، والصحة والمرض، والفرح والحزن، والضحك والبكاء، والعزة والذلة، والحياة والموت، والأمن والخوف، والبرد والحر، والهداية والضلالة، والسعادة والشقاوة، فهذه وغيرها من الأحوال خلقها الله وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢]. ثانياً: ان نعلم ونتيقن أن الذي يدبر الأمر، ويصرف هذه الأحوال، هو الله وحده لا شريك له، فلا يتبدل الفقر بالغنى إلا بأمر الله، ولا يتبدل المرض بالعافية إلا بأمر الله، ولا تتغير الذلة بالعزة إلا بأمر الله، ولا يتغير الضحك بالبكاء إلا بأمر الله، ولا يموت حي إلا بإذن الله، ولا يتغير البرد بالحر إلا بأمر الله، ولا تتبدل الضلالة بالهداية إلا بأمر الله، وهكذا في جميع الأحوال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ [المؤمنون: ٨٠]. فتأتي الأحوال بأمره سبحانه، وتزيد بأمره وتنقص بأمره، وتبقى بأمره وتنتهي بأمره، فعلينا أن نطلب تغيير الأحوال ممن يملكها بالتقرب إليه وحده بما شرع: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].

стр. 564

ثالثاً: أن نعلم ونتيقن أن خزائن جميع الأحوال السابقة وغيرها عند الله وحده لا شريك له، فلو أعطى الله سبحانه الصحة أو الغنى أو غيرهما كل الناس لم ينقص ما في خزائنه سبحانه مثقال ذرة؛ لأن ما عند الله لا ينقص أبدًا مهما أعطى منه أبدًا، فسبحان الغني الحميد: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾ [لقمان: ٢٦]. وقال الله في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ». أخرجه مسلم (١). • درجات الإيمان: الإيمان في القلوب على ثلاثة درجات: إيمان موجود .. وإيمان مفقود .. وإيمان مطلوب. والإيمان هو مراد الله من خلقه، والإيمان له أركان وشعب، والمؤمن مأمور أن يجتهد لزيادة إيمانه كما يجتهد لزيادة ماله، ليضيف إلى الإيمان

стр. 565

الموجود الإيمان المفقود، وبذلك يصل إلى الإيمان المطلوب الذي يحصل به الموعود من الله . والإيمان المطلوب هو أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره. فإذا أضفنا إلى الإيمان الموجود الإيمان المفقود وصلنا إلى الإيمان المطلوب، والذي تتحقق به موعودات الله في الدنيا والآخرة، لهذا قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. والمسلمون يتفاضلون في الإيمان، فإيمان الخلق درجات متفاوتة: الأول: إيمان الملائكة، وهذا الإيمان ثابت لا يزيد ولا ينقص، فهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فهم مجبولون على الطاعة كما جبلت الشمس على الإنارة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. الثاني: إيمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يزيد ولا ينقص؛ لكمال معرفتهم بالله، وهم درجات، وأعلاهم وأعظمهم إيمانًا سيد الأنبياء والمرسلين محمدٍ ﷺ : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].

стр. 566

الثالث: إيمان سائر المسلمين يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهم درجات في الإيمان، فأول درجات الإيمان تجعل المسلم يحب الله ويعظمه ويؤدي العبادة لله ، ويتلذذ بها، ويحافظ عليه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ولحسن المعاملة مع من فوقه، أو مثله من الناس يحتاج إلى إيمان أقوى يحجزه عن الظلم لنفسه، والظلم لغيره. ولحسن المعاشرة لمن دونه من الخلق كالحاكم مع رعيته، والرجل مع أهله يحتاج إلى إيمان أقوى يحجزه عن الظلم لمن دونه. وكلما زاد الإيمان زاد اليقين، وزاد العمل الصالح، وصار العبد يؤدي حق الله، وحقوق عباده، فهو حسن الخُلق مع الخالق ومع المخلوق، فهو حسن الخلق مع الخالق يؤدي العبادة لله خالصة له، وحسن الخلق مع الخلق فيبذل الندى، ويكف الأذى، وينصحهم فيما ينفعهم في دنياهم وأخراهم فهذا في أرفع المنازل في الدنيا والآخرة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩] اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وقلبا خاشعا، ولساناً ذاكر، يا أرحم الراحمين.

стр. 567

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٢ - خزائن الإيمان بالملائكة وتشمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة

стр. 568

٢ - خزائن الإيمان بالملائكة ١ - الخزانة الأولى • فقه الإيمان بالملائكة: الإيمان له ستة أركان: وهي أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الأخر، والقدر خيره وشره. والإيمان بالملائكة هو التصديق الجازم بأن لله ملائكةً موجودين، نؤمن بمن سمى الله منهم كجبريل ﷺ ، ومن لم نعلم أسمه منهم فنؤمن بهم إجمالًا، ونؤمن بما علمنا: من صفاتهم وأعمالهم الواردة في القرآن والسنة الصحيحة. والملائكة من حيث الرتبة عبادٌ مكرمون، عابدون لله سبحانه، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، وهم عالم غيبي خلقهم الله من نور، كما خلق آدم من تراب. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ». أخرجه مسلم (١). والملائكة من حيث العمل يعبدون الله ويسبحونه، ويفعلون ما يؤمرون: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].

стр. 569

وهم من حيث الطاعة لله منحهم الله الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه، وهم مجبولون على الطاعة كما جبلت الشمس على الإنارة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. عدد الملائكة: الملائكة خلق كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى، منهم حملة العرش، وخزنة الجنة، وخزنة النار، والحفظة والكتبة وغيرهم، يصلى منهم كل يوم في البيت المعمور سبعون ألف ملك، فإذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم. ففي قصة المعراج أن النبي ﷺ لما أتى السماء السابعة قال: «فَرُفِعَ لِي البَيْتُ المَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: هَذَا البَيْتُ المَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ». متفقٌ علية (١). • أعمال الملائكة: الملائكة عبادًا مكرمون خلقهم الله لعبادته، وطاعته، وتنفيذ أمره، منهم من اختص الله بعلمهم، ومنهم من أعلمنا الله بأسمائهم وأعمالهم، وقد وكّلهم الله بأعمال، ومنهم: الأول: جبريل ﷺ وهو الموكل بالوحي إلي الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. الثاني: ميكائيل ﷺ وهو الموكل بالقطر والنبات. الثالث: إسرافيل، الموكل بالنفخ في الصور.

стр. 570

وهؤلاء أعظم الملائكة، وهم موكلون بأسباب الحياة، جبريل موكل بالوحي الذي به حياه القلوب، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض بعد موتها، وإسرافيل موكلٌ بالنفخ في الصور الذي به حياة الأجساد بعد موتها للبعث. الرابع: مالك خازن النار، وهو الموكل بالنار. الخامس: رضوان خازن الجنة، وهو الموكل بالجنة. ومنهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح عند الموت، ومنهم حمله العرش، وخزنة الجنة، وخزنة النار، والموكلون بالجبال، والموكلون بالبحار. ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم، وحفظ أعمالهم، وكتابتها لكل شخص، ومنهم الموكل بالعبد دائمًا، ومنهم ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، ومنهم ملائكة يتّبعون مجالس الذكر، ومنهم الملائكة الموكلون بالأجنة في الأرحام، يكتبون رزق الإنسان وعمله وأجله وشقي أو سعيد. ومنهم الملائكة الموكلون بسؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، وغيرهم كثير مما لا يحصيه إلا الله الذي أحصي كل شيء عددا. • وظيفة الكرام الكاتبين: خلق الله الملائكة الكرام الكاتبين، وجعلهم علينا حافظين، يكتبون الأقوال والأعمال والنيات، مع كل إنسان ملكان، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحدٌ من أمامه وواحدٌ من خلفه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].

стр. 571

وقال الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٦ - ١٨]. وقال الله : ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١٠ - ١١]. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ». متفقٌ عليه (١). • عظمة خلق الملائكة: الملائكة خلق عظيم الخلق، خلقهم الله من نور، وهم متفاوتون في عظمة الخلق، خلقهم الله ، وملأ بهم السموات السبع، فما في السموات السبع موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائمٌ أو راكعٌ أو ساجدٌ لله ، وهم دائمون في التسبيح والتقديس: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. والملائكة مجبولون على الطاعة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].

стр. 572

لهم زجلٌ بالتسبيح والتقديس والتكبير لله . والملائكة متفاوتون في عظمة الخلق: فجبريل ﷺ من أعظم الملائكة له ستمائة جناح، جناح منها يسد الأفق، وبطرف جناحه رفع خمس قرى من قرى قوم لوط إلى السماء، ثم قلبها بمن فيها، وهي مكان البحر الميت الآن، فكم تكون قوة كامل جناحه؟ وكم تكون قوة أجنحته الستمائة؟ وكم تكون قوة رجليه؟ وكم تكون قوة كامل بدنه؟ وفوق ذلك، كم تكون قوة الرب القوي العظيم الذي خلقه؟: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. وإسرافيل ﷺ ملكٌ موكلٌ بالنفخ في الصور، إذا نفخ نفخةً واحدة صعق من في السموات والأرض، وإذا نفخ فيه أخرى قاموا أحياء ينظرون: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨]. فهذه قوة نفخته، فكم تكون قوة بدنه؟ وكم تكون قوة الرب العظيم الذي خلقه؟ ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]. وملكٌ من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، فكم تكون المسافة من رأسه إلى قدميه؟ وكم تكون عظمة الملك الكبير الجبار الذي خلقه؟: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦]. فلا إله إلا الله، ما أعظم خلقه وقدرته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].

стр. 573

وقال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١]. وعن ابن مسعود ﵁: أن محمدًا ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ. متفقٌ عليه (١). وعن جابر ﵄: أن النبي ﷺ قال: أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ». أخرجه أبو داود (٢). فسبحان الخلاق العليم، الذي خلق هذا الخلق العظيم، وملأ بهم السماوات والأراضين، فهم يدبرون الأمر بأمر الله ، ومنهم الكرام الكاتبين الحافظين. فسبحان من خلقهم وسبحان من دبرهم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]. • خصائص الملائكة: المخلوقات العاقلة ثلاث: الإنس .. والجن .. والملائكة. وقد ميز الله الملائكة عن الإنس والجن وغيرهم من المخلوقات بما يلي: الأول: أن الله خلقهم من نور كما قال النبي ﷺ : «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ». أخرجه مسلم (٣).

стр. 574

الثاني: أن مسكنهم السماء، ويهبطون إلى الأرض، لتنفيذ أوامر الله : ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. الثالث: أنهم لا يوصفون بالأنوثة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾ [النجم: ٢٧]. وقال الله : ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف: ١٩]. الرابع: دوام عبادتهم بلا فتورٍ ولا سأم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. الخامس: أنهم يطيعون الله ولا يعصونه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. أما صفات الملائكة: فالملائكة خلقٌ عظيم من مخلوقات الله ولهم صفات عظيمة منها: الأولى: القوة، والشدة، والعلم، كما قال سبحانه: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. وقال سبحانه عن جبريل: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٥]. الثانية: عظمة الخلق كما قال سبحانه عن حملة العرش العظيم: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧].

стр. 575

عن عائشة ﵂ قال: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ، وَلَكِنْ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَخَلْقُهُ سَادٌّ مَا بَيْنَ الأُفُقِ» متفق عليه (١). وحدث النبي ﷺ عن أحد حملة العرش: «أن مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ». أخرجه أبو داود (٢). الثالثة: أنهم كرامٌ بررة: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾ [عبس: ١١ - ١٥]. وهم الملائكة. الرابعة: الحسن والجمال، كما قال الله عن جبريل ﷺ : ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)﴾ [النجم: ٦]. وقالت النسوة عن يوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ [يوسف: ٣١]. الخامسة: الحياء الشديد: كما وصف النبي ﷺ عثمان ﵁ فقال: «ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة». أخرجه مسلم (٣). السادسة: أنهم لا يملون من العبادة، ولا يسأمون أبدًا: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت/ ٣٨]. السابعة: أنهم يقومون بما كلفوا به من الأعمال خير قيام، مع قيامهم بعبادة الله كما قال الله سبحانه: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].

стр. 576

٢ - الخزانة الثانية • صفات خلق الملائكة: الملائكة خلقٌ عظيمٌ من خلق الله، ولهم صفاتٌ كثيرة منها: الأولى: أنهم خلقوا من نور كما قال النبي ﷺ : «خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ». أخرجه مسلم (١). الثانية: أن لهم أجنحة يتفاوتون في أعدادها كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١]. وقد رأى النبي ﷺ جبريل «لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ». أخرجه مسلم (٢). الثالثة: أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ [هود: ٦٩ - ٧٠]. الرابعة: أن الملائكة لا يوصفون بالذكورة والأنوثة، وقد عاب الله علي مشركي العرب اعتقادهم أن الملائكة إناث، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف: ١٩].

стр. 577

الخامسة: أن الملائكة لا يتناكحون ولا ينامون ولا يسأمون، كما قال سبحانه: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. السادسة: أنهم لا يدخلون بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة ولا تمثال، كما قال النبي ﷺ : «لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ». متفقٌ عليه (١). السابعة: أنهم يموتون كما يموت الإنس والجن، كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. وأخرهم ملك الموت، وهو آخر الملائكة موتًا. الثامنة: أنهم خلق عظيم من خلق الله سبحانه كما قال النبي ﷺ : «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» أخرجه أبو داود (٢). التاسعة: أن الملائكة من أعظم الخلق عبادة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨]. العاشرة: أن الملائكة من أكثر خلق الله، ولا يحصيهم إلا الذي خلقهم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وقال النبي ﷺ لأصحابه: «إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقٌّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ

стр. 578

كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ ». اخرجه أحمد والترمذي (١). • الإيمان بالملائكة له أربع أوجه: الأول: الإيمان بوجودهم، فهم أجسامٌ نورانيةٌ لطيفة، خلقهم الله من نور. الثاني: العلم بأنهم معصومون مطهرون: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]. وقال الله : ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. وحياتهم بذكر الله وعبادته وتنفيذ أوامره. الثالث: أنهم وسائط بين الله وبين البشر، وكل قسمٍ منهم موكل على قسمٍ من أقسام العالم العلوي والعالم السفلي. الرابع: أن كتب الله المنزلة وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة كما قال سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢]. وقد شهد الله لنفسه بالوحدانية وأشهد ملائكته كما قال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨]. والملائكة من أعظم خلق الله عبادةً: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠) وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥١].

стр. 579

والملائكة يصلون على النبي، ويستغفرون للمؤمنين كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقال : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. وظائف الملائكة: تنقسم أعمال الملائكة من حيث متعلقها إلى ثلاث أقسام: الأول: عبادة الله ﷻ ، وهذا وصفهم العام، فهم يعبدون الله مع ما يكلفون به من مهام، وتنفيذ أوامر الله في خلق الله، ومنهم من هذا شأنه أبدًا، فهم صفوفٌ لا يفترون كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦]. ولهم زجلٌ بالتسبيح والتقديس كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] ومنهم سجدٌ لله لا يرفعون، ومنهم ركعٌ لا يرفعون، ومنه قيامٌ لا يجلسون كما قال النبي ﷺ : «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقٌّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ » اخرجه الترمذي (١).

стр. 580

الثاني: تدبير أمر الملكوت، العالم العلوي والعالم والسفلي وما فيهما من المخلوقات، يدبرونهم بأمر الله تعالى فهم المدبرات أمرًا، وهؤلاء مجموعاتٌ عظيمةٌ متنوعة، لكل مجموعةٍ من الملائكة عملٌ يقومون به، أعظمهم حملة العرش: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧]. ومنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم المكلفون بتبليغ الوحي ورئيسهم جبريل، وملائكة الأرواح ورئيسهم إسرافيل، وملائكة الأرزاق ورئيسهم ميكائيل، ومنهم المكلفون بحفظ السماوات، والمكلفون بالرياح والسحاب. ومنهم المكلفون بالجبال والبحار والنبات، ومنهم المكلفون بأمور الحيوان والطير والدواب، وغيرهم من الملائكة الذين لا يحصيهم إلا الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] والملائكة أعظم جنود الله : ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام: ١١١] الثالث من وظائف الملائكة: تدبير أمر بني آدم في حياتهم وبعد مماتهم، فالمعقبات تحفظ بني آدم في الدنيا: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. والكرام الكاتبون يحفظون أعمال بني آدم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. ومنهم ملائكةٌ سيّاحون يتّبعون مجالس الذكر وحِلق العلم. ومنهم المصلون على المصلين الذين ينتظرون الصلاة بعد الصلاة.

стр. 581

ومنهم الذين يكتبون الناس على أبواب المساجد يوم الجمعة الأول فالأول، فإذا دخل الإمام طووا صحفهم، ودخلوا يستمعون الخطبة. فسبحان الله العظيم ما أعظم ملكه وسلطانه، وما أعظم هذا الخلق العظيم للملائكة، وما أحسن عبادتهم وصفوفهم. والملائكة عالم غيبي خلقهم الله من نور، وجعل لهم أعمالاً خاصة، وقد خلقهم الله لعبادته، وتنفيذ أوامره، سواءً كان بالعبادات المتعلقة بهم، أو في تدبيرِ مصالح الخلق، وليس عند الملائكة استكبارًا عن الأمر، ولا عجزٌ عنه، فهم يفعلون ما أمِرُوا به، ويقدرون عليه، بخلاف البشر الذين قد يستكبرون عن الأمر: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت/ ٣٨]. وقال سبحانه عنهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. وأعظم الملائكة ثلاثة: ١ - جبريل أشرف الملائكة، موكَّل بما فيه حياة القلوب، وهو الوحي إلى الأنبياء والرسل. ٢ - ميكائيل موكل بما فيه حياة الأبدان، وهو القطر والنبات. ٣ - إسرافيل أحد حملة العرش، موكَّل بما فيه حياة الأبدان، وهو النفخ في الصور الذي تحيا به الأبدان بعد موتها. ومنهم مالك خازن النار، ومنهم ملك الموت الموكَّل بقبض الأرواح كلها، وملك الموت له أعوان من الملائكة يساعدونه، وينزلون بالكفن والحنوط للروح التي تخرج من الجسد، إن كان من أهل الإيمان، نزلوا بكفن وحنوط من الجنة.

стр. 582

وإن كان من أهل الكفر نزلوا بكفن وحنوط من النار، فإذا استلها ملك الموت أعطاهم إياها فيضعونها في الكفنِ والحنوط: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة: ١١]. قال : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ [الأنفال: ٥٠]. فالبشر يكفنون، ويحنطون البدن والملائكة يكفنون، ويحنطون الروح، فما أعظم عناية الله بالآدمي؛ ملائكة يكفنون روحه، وبشرٌ يكفنون بدنه، ومصلون يصلون عليه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. والجنُ أقوى من البشر، والملائكةُ أقوى من الجن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. فالملائكة خلقهم الله من نور، جسدًا واحدًا، ليس لهم أجواف، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يأكلون، ولا يشربون، والملائكة أرواح كالجن. وقد يرى البشر الملائكة إما على صورتهم التي خلقهم الله عليها، أو على صورة من أراد الله أن يكونوا على صورته وقد رأى النبي ﷺ جبريل على صورته التي خلقه الله عليها في موضعين، في الأرض، والسماء، ورآه في الأرض عند غارِ حِراء قرب مكة: وفي الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ أخرجه مسلم (١). وقال : ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٥ - ٨].

стр. 583

ورآه في السماء عند سدرة المنتهى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ [النجم: ١٣ - ١٤]. وأحيانًا يأتيه في صورة إنسان كما في حديث عمر قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ» أخرجه مسلم (١). وفي الحديث أنه سأله النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، ثم قال النبي ﷺ : «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ». أخرجه مسلم (٢). وجاءه مرة في صورة دحية الكلبي؛ أحد الصحابة رضي الله، والملائكةُ كانوا يقاتلون مع الصحابة في غزوة بدر، أرسلهم الله لنصرة دينه، وأوليائه. وقد ذكر الله في القرآن تأييد المؤمنين بالملائكة في أربع سور، في أربع غزوات، في ثلاثٍ منها يقول: ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، وفي الرابعة لم يقل: ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، فالثلاثة التي قال فيها ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾، هي: الأولى: الملائكة الذين نزلوا في غزوة الأحزاب، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩]. الثانية: الملائكة الذين أنزلهم الله في غزوة حُنين كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ

стр. 584

تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦] الثالثة: الملائكة الذين أنزل الله لحفظ نبيه ﷺ وصاحبه في الغار عند الهجرة، كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠]. الرابعة: الملائكة النازلون يوم بدر، وقد ذكرهم الله في موضعين، في سورة الأنفال كما قال سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢]. والخامسة: في سورة آل عمران كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٥]. والملائكة قاتلوا مع المؤمنين في غزوة بدر، أما في غيرها فقد جاءت الملائكة من ربها، لتقوية قلوب المؤمنين، ونصرتهم على عدوهم، وتجبين الكفار وترويعهم، فلله الحمد على نصر الله لأوليائه.

стр. 585

٣ - الخزانة الثالثة • أصناف الملائكة: ذكر الله في القرآن أصناف الملائكة، وأوصافهم. فأما أصناف الملائكة: فأحدها: حملة العرش كما قال سبحانه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧]. وقال الله : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧]. الثاني: الحافون حول العرش: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٥]. الثالث: أكابر الملائكة، وهم، جبريل، وميكائيل، وإسرافيل عليهم الصلاة والسلام: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨]. فجبريل صاحب الوحي إلى الأنبياء الذي به حياة القلوب، وميكائيل صاحب القطر الذي به حياة الأبدان، وإسرافيل صاحب الصور الذي به حياة الأرواح. الرابع: ملائكة الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].

стр. 586

الخامس: ملائكة النار، ورئيسهم مالك كما قال سبحانه: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ [الزخرف: ٧٧]. وقال الله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ [المدثر: ٣١] السادس: الملائكة الموكَّلون ببني آدم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. السابع: الملائكة الموكَّلون بأحوال العالم: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ [الصافات: ١ - ٢]. وقال الله : ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤] وقال الله : ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]. هم كثير مما لا يحصيهم إلا الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. فسبحان الله ما أعظمَ هذا الخلق العظيم، وما أحسنَ عباداتهم، وما أحسنَ صفوفهم، وما أحسن تدبيرهم. • صفات الملائكة: أما صفات الملائكة فمن وجوه: أحدها: أنهم رسل الله : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥].

стр. 587

الثاني: قربهم من الله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. الثالث: استمرار عباداتهم، كما قال سبحانه: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]. وكما قال سبحانه عن الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦]. الرابع: مبادرتهم إلى امتثال أوامر الله، تعظيمًا له: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. وقال سبحانه عن الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. الخامس: أنهم لا يفعلون شيئاً إلا بوحي الله وأمره، كما قال سبحانه عن الملائكة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]. السادسة: عظمة قدرتهم، فالذين يحملون العرش من الملائكة ثمانية، والعرش العظيم محيط بالكرسي الكريم، والكرسي محيط بالسماوات السبع، والسماوات السبع محيطة بالأراضين السبع: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقال الله ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧].

стр. 588

وأحد حملة العرش أخبر عنه النبي ﷺ بأن ما بين أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام. فسبحان الرب العظيم الذي أعطاهم هذه القدرة العظيمة، وهذا الخلق العظيم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]. وإسرافيل ﷺ صاحب الصور، بنفخة واحدة منه يصعق من في السماوات ومن في الأرض، ثم يصعق ثانية فيقومون أحياء: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨]. فما أعظم قدرة هذا الملك، وما أعظم قدرة الجبار الذي خلقه. وجبريل ﷺ بلغ من قوة بأنه رفع خمس قرى من قرى قوم لوط بطرف جناحه، ثم قلبها، وله ستمائة جناح، جناح منها يسد الأفق. السابع: أن الملائكة مع كثرتهم، ومع كثرة عباداتهم، ودوامها، ومع عدم معاصيهم، يكونون خائفين وجلين، حتى كأن عباداتهم معاصي: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٥٠]. وقال الله عن الملائكة: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨]. فسبحان من خلق هذا الخلق العظيم جمالًا وجلالًا، فهم بين يدي ربهم قائمون، وراكعون، وساجدون، وصافون ومسبحون، لا يملون ولا يسأمون، يسبحون بحمد ربهم، ويتصاغرون لكبريائه، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا غفلة النسيان، ولا فتر الأبدان، يسبحون الليل والنهار لا يفترون.

стр. 589

• محبة الملائكة: الملائكة خلقٌ عظيم، الله من نور، خلقهم لعبادته، وتنفيذ أوامره، في ملكه وملكوته، والمؤمن يُحب الملائكة، والملائكة يُحبونَ المؤمنين، والله سبحانه أخبرهم بنا قبل أن يخلقنا، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] ثم لما خلقنا الله أمرهم بالسجود لأبينا آدم ﷺ : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. فسجدوا كلهم أجمعون، طاعة لربهم، وتكريمًا لهذا المخلوق الذي خلقه الله بيده، وجعله خليفةً في الأرض. ثم أمرهم الله بالدخول عليك في بطن أمك لينفخُ الملك فيكَ الروح، وكتابة رزقك، وأجلك، وعملك، وشقي أو سعيد، ثم لما خرجت من بطن أمك، أوكَل الله بك مجموعة كاملة من الملائكة، رقيبٌ، وعتيدٌ، وحفظة، وكرام كاتبين: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. وقال الله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. والملائكة الذين معك يحرسونك في حِلق الذكر، أو في زيارة في الله وغيرهم.

стр. 590

قال النبي ﷺ : «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». أخرجه مسلم (١). ثم إذا حصل النزع، معك الملائكة، يثبتونك، ويبشرونك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. ثم إذا تبت إلى ربك الملائكة يستغفرون لك، ويدعون لك، قال الله : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾ [غافر: ٧ - ٨]. ثم هم يصلون ويدعون لمعلم الناس الخير، فما في السماء موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك راكع، أو ساجد، أو قائم بين يدي الله . إن الله وملائكته وجميع أهل السماوات والأرض ليصلون على معلم الناس الخير. ثم إذا أُدخِلت القبر زارك منكر ونكير، يسألوك من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟.

стр. 591

ثم إذا كنت في يوم القيامة الملائكة تكون معك تبشرك: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. ثم إذا أُدخِلت الجنة، هم معك، يُسلمون عليك، ويهنئونك بالفوز والفلاح: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. والله يصلي على نبيه، وملائكته، فعلينا أن نصلي عليه ﷺ كما صلى ربُنا، وملائكته: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. فالمؤمن يحب الملائكة، لا يقومون به من عبادة الله، وطاعة الله، وتنفيذ أوامره، والدعاء للمؤمنين، والقيام عليهم، والعناية بهم، وغير ذلك من فضائلهم.

стр. 592

٤ - الخزانة الرابعة • قوة الملائكة: الملائكة خلقٌ عظيم من خلق الخلاق العظيم ﷻ ، والملائكة كغيرهم من المخلوقات متفاوتون في الخلق، متفاوتون في الصفات، ومتفاوتون في الأعمال، جعلهم الله رُسلًا في تدبير أوامره القدرية، وجعلهم رُسلًا بينه وبين خلقه في تبليغ أوامره الشرعية لرسله وأنبيائه، ومنحهم سبحانه من القوة والقدرة ما يستطيعون به تنفيذ أوامر الله في أسرع وقت، فقوة جميع الخلائق كلها لا تساوي قوة ملك من الملائكة، فكيف بقوة جميع الملائكة؟ فكيف بقوة من خلقهم سبحانه؟ قال الله تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٤]. فإسرافيل ﷺ ملك من الملائكة، وكَّله الله بالنفخ في الصور، والصور كالبوق، وبنفخة واحدة منه يصعق من في السماوات السبع، ومن في الأراضين السبع، فهذه نفخة الصعق، ثم ينفخ في الصور نفخة البعث، فإذا الخلائق كلهم قيام ينظرون. بنفخة واحدة يصعق من في العالم العلوي، ومن في العالم السفلي إلا من شاء الله، وبنفخة أخرى يقومون لرب العالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨]. فهاتان نفختان عظيمتان من إسرافيل، بالأولى مات من بالعالم، وبالأخرى دبت الحياة في جميع من في العالم، فماذا يملك إسرافيل ﷺ من

стр. 593

النفخات؟ وإذا كانت هذه قوة نفخته؟ فكم تكون قوة جسده؟ وكم تكون قوة من خلقه وأمره جل جلاه؟!. فسبحان العزيز الجبار الكبير المتعال، الذي قهر جميع الخلائق، وخلق القوة في كل قوي: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦]. وجبريل ﷺ من أعظم الملائكة، وكَّله الله بالوحي إلى الأنبياء، خلق الله له ستمائة جناح، جناح واحد منها لما نشره سد الأفق، وبطرف جناحه قلع خمس قرى من قرى قوم لوط، بما فيها من المخلوقات، والجبال، ثم رفعها إلى السماء ثم قلبها عليهم بأمر الله : ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ [الحجر: ٧٤]. فإذا كانت هذه قوة طرف جناحه؛ فكم تكون قوة كامل جناحه؟. وإذا كانت هذه قوة طرف جناحه؛ فكم تكون قوة جميع أجنحته الستمائة؟ وكم تكون قوة جسده؟، فكيف بقوة خالقه العزيز الجبار ﷻ ؟!. فلا إله إلا الله، ما أعظم قوته وقدرته: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. وعن ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ». متفق عليه (١). وميكائيل ﷺ من أكابر الملائكة، وكَّله الله بالقطر والنبات الذي به حياة الأبدان، فكم من المياه يُكيلُها ويفرقها حول العالم بأمر الله؟ وكم من الأرزاق يُكيلُها للخلائق كل يوم بأمر الله؟ فسبحان من أعطاه القدرة على معرفتها وقسمتها وتوزيعها في العالم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

стр. 594

خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. وأحد حملة العرش خلقه الله ما بين شحمة أذنه ومنكبه مسيرة سبعمائة عام، كما قال النبي ﷺ : «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ». أخرجه أبو داود بسند صحيح (١). وإذا كانت المسافة من الأذن إلى العاتق سبعمائة سنة، فكم تكون المسافة من رأسه إلى رجليه؟ وكم تكون قوة هذا الملك الذي يحمل هذا العرش العظيم الذي السماوات والأرض بالنسبة إليه كحلقة من خاتم في أرض فلاة؟ وكم عظمة العرش الذي هذا الملك أحد حملته؟ فكيف بقوة وعظمة الرب الذي خلق العرش، وخلق حملته، وخلق جميع ما في الكون؟ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. فما أجهلنا بالرب وأسمائه وصفاته وأفعاله؟ وما أجرأنا على معصية أوامره: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. وخلق الملائكة سابق على خلق آدم وذريته: ولما كانت أجسام الملائكة نورانية لطيفة، فإن البشر لا يستطيعون رؤيتهم إلا إذا تمثلوا في صورة بشر، ولم ير الملائكة من هذه الأمة إلا الرسول ﷺ

стр. 595

رأى جبريل مرتين في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق. والملائكة ليسوا على درجة واحد في الخلق، والمقدار. بعض الملائكة له جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له أربعة، وجبريل له ستمائة جناح: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١]. ومقاماتهم عند ربهم متفاوتة معلومة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٤ - ١٦٥]. قال سبحانه في جبريل ﷺ : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]. ومساكن الملائكة ومنازلهم في السماء، وينزلون إلى الأرض بأمر الله لتنفيذ أوامر الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]. ويكثر نزولهم في مناسبات وأوقات خاصة، كليلة القدر: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ [القدر: ٤] والملائكة يموتون عند النفخ في الصور كما يموت الإنس والجن وكل ذي روح، وتقبض أرواحهم حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم بالبقاء كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].

стр. 596

والملائكة أنصح خلق الله وأنفعهم لبني آدم، وعلى أيديهم حصل لهم كل سعادة وعلم وهدى، يستغفرون لمسيئهم، ويثنون على مؤمنيهم، ويدعون لهم، ويعينونهم على أعدائهم من الكفار والشياطين. والشياطين أغش خلق الله لعباده، وعلى أيديهم حصل للبشر كل شر وإضلال، وغواية وإفساد: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. والملائكة أهل طاعةٍ مطلقة، فقد كانوا أولى الخلق بالطمأنينة، ولكنهم دائمون في تسبيح ربهم واستغفاره: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠]. وقال الله عن الملائكة: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨]. استدرارًا لمغفرته ورحمته، ولما يحسون من علوه وعظمته، ولما يعلمون من جماله وجلاله، ولما يخشون من التقصير في طاعته وحمده، بينما أهل الأرض المقصرون الضعاف يكفرون، وينحرفون في أقوالهم وأعمالهم، حتى أن السماوات ليكدن يتفطرن من فوقهن من شذوذ بعض أهل الأرض، وإشراكهم بالله، وكفرهم به. بينما الملائكة الكرام يستغفرون لمن في الأرض جميعًا من هذه الفعلة الشنعاء التي جاء بها بعض المنحرفين والكافرين: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الشورى: ٥].

стр. 597

وقال الله : ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. فتشفق الملائكة من غضب الله، ويروحون يستغفرون لأهل الأرض مما يقع في الأرض من معصية وتقصير لفاطر السماوات والأرض ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. وقد وكل الله بالعرش العظيم ملائكةً يحملونه، وملائكةً حوله يطوفون به، لهم زجلٌ بالتسبيح والتقديس والتعظيم لربهم، صافّون لا يسأمون ولا يفترون عن العبادة لربهم، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول. يا حسرةً على العباد، ماذا علموا وماذا جهلوا من عظمة الرب العظيم، وقدرته وجلاله وجماله وكبريائه، وما الذي غرهم حتى أعرضوا عن ربهم فعصوه وأطاعوا عدوه: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨]. وقد وكّل الله سبحانه بالرياح ملائكة تصرفها بأمره، ووكل بالقطر ملائكة، ووكل بالسحاب ملائكة تسوقه وتفرقه حيث أُمِرت. قال النبي ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ». أخرجه مسلم (١).

стр. 598

وكل سبحانه بالجبال ملائكة يقومون عليها، ويحركونها ويرفعونها بأمر الله، ووكل سبحانه بالرحمة ملائكة، ووكل بالعذاب ملائكة، ووكل بالوحي ملائكة يؤدونه إلى أنبيائه ورسله كما قال سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢]. ووكل سبحانه بالجنة ملائكة يبنونها ويفرشونها، ويصنعون أرائكها وسررها، وصحافها ونمارقها، وزرابيها وقصورها: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. ووكل بالنار ملائكة يبنونها ويوقدونها ويسجرونها، ويصنعون أغلالها وسلاسلها، ويقومون بأمرها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. ووكل سبحانه بالبحار ملائكة تسجرها وتمنعها أن تفيض على الأرض فتغرق أهلها. ووكل ﷻ ملائكة بأعمال بني آدم خيرها وشرها، تحصلها وتحفظها وتكتبها: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]. وقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]. فالإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم إلا به، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. وإذا عرفنا ذلك فيجب أن نعلم أن كل حركةٍ في العالم العلوي والسفلي فسببها الملائكة، وحركتهم طاعةٌ لله ، وحركتهم طاعة الله بأمره

стр. 599

وإرادته، ويرجع الأمر كله إلى تنفيذ مراد الرب تعالى شرعًا وقدرًا، والملائكة هم المنفذون ذلك بأمره، فهم رسل الله في تنفيذ أوامره في ملكه: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء/ ٢٧ - ٢٨]. وجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعةٌ للإرادة والمحبة، وبها تحرك العالم ولأجلها، فما تحرك في العالم العلوي والعالم السفلي إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها. فالملائكة هم المقسمات أمر الله الذي أمِرت به بين خلقه، كما قال سبحانه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤] والملائكة هم المدبرات أمر الخلائق بأمر الله كما قال سبحانه: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]. فالملائكة تقسم الأمر وتدبره بإذن الله، وكلٌ منهم قد جعله الله على تدبير أمرٍ من أمور الدنيا، وأمور الآخرة، وأمور العالم العلوي، وأمور العالم السفلي، لا يتعدى منه ما قدر له، ولا ينقص منه شيئًا، فالملائكة ينفذون أوامر الله في خلقه، في كل حال، وفي كل وقت، وفي كل مكان، وفي كل مخلوق: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. فجبريل ﷺ ينزل بالوحي على الرسل والأنبياء، ويقسم العذاب وأنواع العقوبة على من خالف أمر الله ورسله. وميكائيل ﷺ قائم على القطر والنبات، والبرد والثلج يقسمها بأمر الله على البلاد والعباد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 600

وملك الموت ﷺ يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله، فلا يفر من الموت أحد، ولا يموت أحدٌ قبل أجله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة: ١١]. وإسرافيل ﷺ يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور النفخة الثانية. فتدبير أمر العالم العلوي والسفلي إنما هو بأمر الله، على أيدي الملائكة الذين يدبر الله بهم أمر العالم. هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن، وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم، وحسن الخلق، وكمال الانقياد لأمر الله، والقيام بعبادته، وتنفيذ أوامره في أقطار العالم. فسبحان الرب العظيم الذي خلق هذا الخلق العظيم الذي يعبده كما ينبغي لجلال وجهه، وعظمة سلطانه، وينفذ أوامره في مملكته، وملكه العظيم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فكل حركةٍ في السماوات والأرض من حركات الأفلاك والنجوم والشمس والقمر، والرياح والسحاب، والنبات والحيوان، والتراب والحبال، فهي ناشئةٌ عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض ومن فيهن كما قال سبحانه عنهم: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]. والقرآن العظيم كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين جبريل ﷺ على قلب سيد المرسلين محمدٍ ﷺ .
следующие страницы →