• متى يشرع سجود الشكر؟.
يسن سجود الشكر عند تجدد النعم، كمن بشر بهداية أحد، أو إسلامه، أو بنصر المسلمين، أو بشر بمولود، ونحو ذلك.
ويسن سجود الشكر كذلك عند اندفاع النقم، كمن أنجاه الله من غرق أو حرق، أو قتل، أو هلاك، أو لصوص ونحو ذلك.
• صفة سجود الشكر:
سجود الشكر سجدة واحدة بلا تكبير، ولا تسليم، ومحله خارج الصلاة في أي وقت، ويسجد حسب حاله قائمًا، أو قاعدًا، طاهرًا أو محدثًا، والطهارة أفضل.
ويجوز قضاء سجود الشكر إذا لم يتمكن من أدائه في وقته، لعذر من جهل أو نسيان ونحوهما: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
وعَن أَبِي بَكْر ﵁ «أن النَّبي صلى الله عليه وسلمكَانَ إذَا آتاه أَمْرٌ يسرَّه أو يُسَر به خَرَّ ساجِدًا شُكرًا لله ﵎». أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند حسن (١).
• ما يقوله في سجود الشكر:
يقول في سجود الشكر ما يقوله في سجود الصلاة من الذكر، والدعاء.
стр. 5357
٤ - الخزانة الرابعة
أحكام الصلاة
• حكم قراءة الفاتحة من الإمام، والمأموم، والمنفرد، في الصلاة.
تجب قراءة الفاتحة على المصلي، سواء كان إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا، وسواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، وسواء كانت فرضًا أو نفلًا، وتجب قراءتها في كل ركعة، وتبطل الركعة بتركها، ولا يستثنى من ذلك إلا المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا، ولم يتمكن من قراءة الفاتحة، والمأموم فيما يجهر فيه الإمام من الصلوات والركعات.
ومن لا يعرف يقرأ الفاتحة، يقرأ في صلاته ما تيسر من القرآن، فإن كان لا يعرف شيئاً من القرآن قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
• أول صلاة المسبوق:
إذا فات المصلي أول الصلاة، فما أدركه مع الإمام هو أول صلاته، وبعد سلام الإمام يتم ما فاته من الصلاة.
• كيف ينصرف من أحدث في الصلاة:
إذا أحدث المصلي أثناء الصلاة، أو تذكر أنه على حدث، انصرف بقلبه وبدنه ولا حاجة أن يسلم.
• ما يقرأ المسلم في الصلاة:
السنة أن يقرأ المصلي سورة كاملة في كل ركعة، وأن يقرأ السور على ترتيب المصحف، ويجوز له أن يقسم السورة على الركعتين، وأن يقرأ عدة
стр. 5358
سور في ركعة واحدة، وأن يكرر السورة الواحدة في ركعتين، وأن يقدم سورة على سورة، لكن لا يكثر من ذلك، بل يفعله أحيانًا.
ويجوز للمصلي أن يقرأ في الفرض والنفل أوائل السور، وأواخرها، وأواسطها: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
• مكان السكوت في الصلاة:
المصلي سواء كان إمامًا أو مأمومًا، أو منفردًا له سكتتان:
الأولى: بعد تكبيرة الإحرام من أجل أن يقرأ دعاء الاستفتاح.
والثانية: عقب الفراغ من القراءة كلها قبل الركوع بقدر ما يتراد إليه نفسه.
وما سوى ذلك فلا دليل عليه كسكوت الإمام بعد قراءة الفاتحة في الجهرية، ليقرأها المأموم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
• أنواع أدعية الاستفتاح:
أدعية الاستفتاح ثلاثة أنواع:
أعلاها ما كان ثناء على الله كسبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك.
ويليه ما كان خبرًا من العبد عن عبادة الله كقوله: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩].
ثم ما كان دعاء من العبد كقوله: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم نقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
стр. 5359
• ما يجتنبه المصلي:
يكره في الصلاة تغميض عينيه إلا لحاجة، وتغطية وجهه، وإقعاؤه كإقعاء الكلب، وعبثه، وتخصره، وهو أن يضع يده على خاصرته، وافتراش ذراعيه في السجود، وأن يكون حاقنًا، أو حاقباً، أو محتبس الريح، أو يصلي وهو في حضرة طعام يشتهيه، وهو محتاج إلى تناوله، والسدل، واللثام على فمه وأنفه، وكف الشعر أو الثوب، والتثاؤب في الصلاة.
والبصاق في المسجد خطيئة، وكفارته دفنها، ولا يجوز أن يتفل تجاه القبلة في الصلاة وخارجها، ولا يجوز للمصلي أن يرفع بصره إلى السماء: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
• ما يجب على المضطر أثناء الصلاة:
يجب على من يدافعه بول أو غائط أو ريح أن يحدث، ثم يتوضأ ويصلي بطمأنينة، فإن عدم الماء أحدث وتيمم وصلى، وذلك أخشع وأنفع له، وأحظر لقلبه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ١ - ٣].
• حكم الالتفات في الصلاة:
يجب على المسلم أن يتوجه في الصلاة بقلبه وبدنه إلى القبلة، والالتفات في الصلاة، اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد وهو نوعان:
الأول: حسي بالبدن، منه ما هو مبطل للصلاة كانحرافه عن القبلة ببدنه، ومنه ما هو محرم كالتفاته برأسه.
стр. 5360
الثاني: معنوي بالقلب، وليس للعبد إلا ما عقل من صلاته، ولمعالجته يتفل عن يساره ثلاث مرات، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
• حكم اتخاذ السترة في الصلاة:
يسن للإمام والمنفرد أن يصلي إلى سترة قائمة، كجدار أو عمود أو صخرة أو عصى، أو حربة ونحوها، رجلاً كان أو امرأة، في الحضر والسفر، وفي الفريضة والنافلة.
أما المأموم فسترة الإمام سترة لمن خلفه، أو الإمام سترة للمأموم.
• حكم المرور بين يدي المصلي:
يحرم المرور بين المصلي وسترته، وعلى المصلي رد المار في المسجد الحرام أو غيره، فإن غلبه ومر، فالإثم على المار، وصلاته لا تنقص إن شاء الله تعالى.
وإذا صلى الإمام أو المنفرد إلى غير سترة، فإن صلاته تبطل بمرور المرأة بينها وبين موضع سجوده، وذلك لانصراف القلب عن مناجاة الله والنظر إليها، وكذلك يقطع الصلاة الحمار، والكلب الأسود، لأنه شيطان، فإن مر أحد هؤلاء أمام المأموم، فلا تبطل صلاة المأموم ولا الإمام.
ومن صلى إلى سترة فليدنو منها، لئلا يمر أحد بينه وبينها.
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء ﵁ قال رسول الله ﵌: «إذَا قام أحَدَكم يصلِّي فإنه يَستُرَه إذا كَانَ بين يديه مثل آخرة الرحل، فإِذَا لَمْ يَكُنْ بيْنَ يَدَيْهِ مثل آَخِرة الرَّحِل، فإِنَّه يَقْطَع صلاته الحِمَار وَالمَرْأَة والكَلْب الأسْوَد». أخرجه مسلم (١).
стр. 5361
والمرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام إن كان في الأماكن المعدة للصلاة فهو محرم، ويجب رد المار، وإذا كان في المطاف، أو الممرات، أو الزحام الشديد من رجال ونساء فيجوز المرور بين يدي المصلي حتى المرأة، لشدة الحرج، ولكن يجب اجتنابه بقدر الاستطاعة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
• حكم جهر المصلين بالقراءة:
المصلون بالنسبة للجهر بالقراءة في الصلاة ثلاثة:
الأول: الإمام، يجهر الإمام بالتكبير، والتسميع، والسلام في جميع الصلاة، ويجتنب التمطيط في ذلك، ويجهر بالقراءة والتأمين في الركعات الجهرية، ويجهر في الصلاة السرية أحيانًا بالآية ونحوها.
الثاني: المأموم، لا يجهر بشيءً في صلاته، ولا بأس للمأموم أن يجهر أحيانًا بشيء من الذكر كدعاء الاستفتاح، وعند رفع الرأس من ركوع ونحو ذلك.
الثالث: المنفرد، يسر في السرية، وهو مخير في الجهرية بين الجهر والإسرار، والأفضل أن يفعل الأصح لقلبه بشرط ألا يؤذي أحداً إذا جهر.
• حكم تبليغ الصوت وراء الإمام:
تبليغ الصوت وراء الإمام يشرع إذا احتيج إليه، ولم يسمع المصلون تكبير الإمام، والتبليغ وراء الإمام من غير حاجة بدعة.
عَنْ عَائِشَة ﵂ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا ليسَ مِنْهُ فهُوَ رَد» أخرجه مسلم. (١).
стр. 5362
• ما يباح للمصلي أثناء الصلاة:
أولاً: يباح للمصلي أثناء الصلاة إذا احتاج لف العمامة، أو الغترة، أو التحاف الثوب، وكف المشلح أو الغترة، أو التقدم والتأخر، والصعود على المنبر والنزول، والبصق عن يساره لا عن يمينه، ولا أمامه في غير مسجد، وفي المسجد في ثوبه أو منديل، ويباح له قتل الحيَّة أو عقرب ونحوها، وحمل صغير ونحوه لحاجة ملحة.
ثانيًا: يباح في الصلاة السجود على ثياب المصلي، أو عمامته، أو غترته، لعذر كشدة حر ونحوه.
ثالثًا: إذا استأذن أحد على الرجل وهو يصلي، فإذنه التسبيح، وإذا استأذن أحد على المرأة وهي تصلي فإذنها التصفيق، ويستحب في الصلاة حمد الله عند العطاس، وإذا تجددت له نعمة وهو في الصلاة، رفع يديه وحمد الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
• حكم الحائل بين مكان وأعضاء السجود:
الحائل بين مكان السجود وأعضاء السجود له أحوال:
الحالة الأولى: إن كان الحائل من أعضاء السجود كما لو وضع جبهته على يده، أو وضع رجلًا على رجل، فهذا لا يجوز، ولا يجزئ سجود.
الثانية: إذا كان الحائل من غير أعضاء السجود، لكنه متصل بالمصلي كالعمامة والغترة، فهذا إن كان لعذر فهو جائز، وإن كان لغير عذر فهو مكروه.
الثالثة: أن يكون الحائل منفصلًا عن المصلي من فراش أو سجادة ونحو ذلك، فهذا جائز: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢].
стр. 5363
• كيفية قضاء الصلوات الخمس:
من الصلوات ما يقضى إذا فات وقته من حين زوال العذر كالصلوات الخمس.
ومنها ما لا يقضى إذا فات كالجمعة، فيصلي بدلها ظهرًا.
ومنها ما لا يقضى إلا في وقته وهي صلاة العيد.
ويجب فورًا قضاء الفوائت مرتبة، ويسقط الترتيب بالنسيان أو الجهل، أو خوف خروج وقت الحاضرة، أو خوف فوات الجمعة.
ومن شرع في صلاة فرض، ثم ذكر أنه لم يصلي التي قبلها، أتم ما دخل فيه.
ثم قضى الفائتة، فمن نسي صلاة العصر مثلًا فدخل المسجد، فوجد المغرب قد أقيمت، ودخل معه بنية المغرب، ثم ذكر أنه لم يصلي العصر صلى المغرب مع الإمام وأتمها، ثم يصلي العصر بعدها: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• كيف يقضي الصلاة من نام عنها في السفر؟.
عن أَبِي هُرَيْرَة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌: «حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلَالٍ: اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ، فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللهِ ﵌، وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَقَالَ: «أَيْ بِلَالُ». فَقَالَ بِلَالُ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ بِنَفْسِكَ، قَالَ: اقْتَادُوا، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﵌، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ:
стр. 5364
مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].». أخرجه مسلم (١).
• كيف يقضي الصلاة من زال عقله؟.
من زال عقله بنوم أو سكر لزمه قضاء الفوائت مرتبة، وكذا لو زال عقله بفعل مباح كالبنج والدواء، فعليه القضاء بعد زوال العذر، وإن زال عقله بغير اختياره كالإغماء الطويل، فلا قضاء عليه، لأنه غير مكلف وقت الإغماء.
• كيف تقضي الحائض والجنب الصلاة؟.
الحائض إذا انقطع دمها في الوقت، ولم يمكنها الاغتسال إلا بعد خروج الوقت اغتسلت وصلت، ولو خرج الوقت، وكذا الجنب الذي استيقظ، فإن اغتسل طلعت الشمس، فالسنة أن يغتسل ويصلي بعد طلوع الشمس، لأن الوقت في حق النائم من حين يستيقظ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
• حكم من نام عن صلاة أو نسيها:
من نام عن صلاة أو نسيها، صلاها إذا ذكرها لقول رَسُول الله ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا «متفق عليه (٢).
• حكم من قام ناسيًا للتشهد:
إذا قام الإمام من الركعتين ولم يجلس للتشهد، وذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، وإن استوي قائمًا فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام.
стр. 5365
• حكم من خرج فوجد الناس قد صلوا:
من خرج يريد الصلاة فوجد الناس قد صلوا فله مثل أجر من صلَّاها.
عن أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَال: قَال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُم رَاحَ فَوَجَدَ النَّاس قَدْ صَلُّوا أَعْطَاهُ الله مِثْل أَجْر مَنْ صَلَّاهَا أو حَضَرَها لا يَنْقُص ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِم شَيءً». أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح (١).
• حكم التأمين داخل الصلاة وخارجها:
يسن التأمين بعد قراءة الفاتحة في موضعين:
الأول: داخل الصلاة بعد قراءة الفاتحة من إمام أو مأموم أو منفرد، يجهر به الإمام والمأموم، ويؤمن المأموم مع الإمام لا قبله ولا بعده.
ويشرع التأمين أيضًا في دعاء القنوت، في وتر أو نازلة ونحوهما.
الثاني: خارج الصلاة بعد قراءة الفاتحة من قاري ومستمع، وعلى الدعاء مطلقًا أو مقيدًا، كدعاء الخطيب في الجمعة أو الاستسقاء، أو الكسوف ونحو: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
• مبطلات الصلاة:
تبطل الصلاة بما يلي:
الأول: إذا ترك المصلي ركنًا أو شرطًا، عمدًا أو سهوًا، أو ترك واجبًا عمدًا.
الثاني: الحركة الكثيرة لغير ضرورة.
الثالث: كشف العورة عمدًا.
الرابع: الكلام والضحك، والأكل، والشرب، عمدًا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 5366
٥ - الخزانة الخامسة
• من أحكام الصلاة:
• من ترك صلاة الفريضة عن نسيان، أو نوم، أو شبهة، قضاها كما كانت، ومن ترك الصلاة متعمدًا ثم تاب فليس عليه قضاء، لأن ترك الصلاة عمدًا أخرجه من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر، والكافر لا يقضي ما ترك حال كفره.
قَالَ رَسُول الله ﷺ : «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُم الصَّلَاة فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرْ». أخرجه الترمذي والنسائي (١).
• لا يشرع للنساء أذان ولا إقامة، سواء كن في الحضر أو السفر، فإن الأذان والإقامة من خصائص الرجال لا النساء، والمرأة يشرع لها أن تجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء وكذلك الفجر كالرجل، والواجب أن تسمع نفسها.
• الأبكم والأصم إذا بلغ الحلم فهو مكلف بأنواع التكاليف، ويعلم الأحكام بالكتابة والإشارة.
• قراءة الفاتحة في حق المأموم ليست ركنًا، ولكنها واجبة تسقط بالسهو، والجهل، وعدم إدراك الركعة.
• والإشارة في الصلاة لمصلحة لا بأس بها، ولا حرج فيها، ولا تبطل بها الصلاة، وقد فعل ذلك سيد الخلق ﷺ .
• السنة للإمام والمأموم والمنفرد الجهر بالأذكار التي بعد كل صلاة فريضة، جهرًا متوسطًا ليس فيه تكلف، كل واحد يذكر الله بنفسه وحده.
стр. 5367
• من دخل المسجد يسلم على المصلين والقراء ويرد عليه المصلي بالإشارة.
• مكان السجود للسهو:
يجوز أن يكون قبل السلام، أو بعد السلام، لكن الأفضل أن يكون السجود للسهو قبل السلام، إلا في صورتين:
الأولى: إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر، فيسجد للسهو بعد السلام، اقتداء بالنبي ﷺ .
الثانية: إذا شك في صلاته، فلم يدري كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، وغلب على ظنه أحد الأمرين النقص أو التمام، فإنه يسجد بعد السلام.
من قام لقضاء ما فاته من الصلاة بعد سلام الإمام، ثم سجد الإمام للسهو، فالسنة أن يسجد معه إذا سلم، ثم إذا سلم قام، وإن أكمل صلاته، ثم سجد للسهو بعد إكمالها فلا بأس عليه.
إذا سلم المأموم سهوًا قبل سلام الإمام فإنه يرجع إلى نية الصلاة، ثم يسلم بعد إمامه ولا شيء عليه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• حكم تحية المسجد:
تحية المسجد واجبة على من دخل المسجد، وتكفي عنها السنة الراتبة، وصلاة الفريضة إذا دخل وهم يصلون، والسنة أن يصلي المسلم سنة الفجر في البيت، ثم يخرج إلى المسجد، ثم يصلي تحية المسجد إذا دخل.
والسنن الرواتب تسقط إذا فات وقتها، إلا سنة الفجر فإنها تقضى بعد الصلاة، أو بعد طلوع الشمس بربع ساعة، وهو الأفضل.
стр. 5368
• حكم النوافل المطلقة:
النوافل المطلقة مشروعة في السفر والحضر، وهكذا ذوات الأسباب، كسنة الوضوء والطواف، وصلاة الضحى، وتحية المسجد، والتهجد ونحو ذلك.
• سجود التلاوة، وسجود الشكر:
لا تشترط لهما الطهارة من الحدثين، فيجوز للجنب والحائض والنفساء وغيرهم سجود التلاوة، والشكر، والسجود على طهارة أفضل للقادر عليها.
• إذا دخل المسلم مع الإمام في صلاة العشاء وقد صلى ركعتين، والداخل قد نوى المغرب، فإنه يجزيه عن صلاة المغرب ما أدركه مع الإمام، ثم يأتي بركعة.
• حكم الصلاة قاعداً أو على الكرسي:
الواجب على من صلى جالسًا على الأرض، أو على الكرسي:
أن يجعل سجوده أخفض من ركوعه، والسنة أن يجعل يديه على ركبتيه حال الركوع، وفي حال السجود على الأرض إن استطاع، فإن لم يستطع جعلهما على ركبتيه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
• حكم قاتل نفسه:
قاتل نفسه يغسل، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين؛ لأنه مسلم عاصِ، وليس بكافر.
• أقسام الصلوات:
الصلوات قسمان:
فرائض .. ونوافل.
стр. 5369
الأول: صلوات الفريضة، وهي قسمان:
الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، وما عدى ذلك فهو نافلة.
الثاني: صلوات النفل، وهي أقسام كثيرة.
النافلة: هي الزيادة.
ففي باب الصلاة، الصلوات الخمس هي الفرائض، وما سواها نوافل، وكذا الجمعة من الفرائض.
والله غفر للنبي ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكل طاعة ونافلة يأتي بها سوى المكتوبة، فتأثيرها لا يكون في كفارة الذنوب، بل يكون تأثيرها في زيادة الدرجات، وكثرة الثواب.
أما الأمة فهي محتاجة إلى كفارات الذنوب من هذه النوافل في باب الصلاة والصيام والصدقات وغيرها: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤].
• حكم صلاة الفريضة خلف من يصلِّ النافلة:
أولاً: يجوز أن يصلي المسلم الفريضة خلف من يصلي النافلة، كمن يصلي العشاء خلف من يصلي التراويح مثلا، وقد كان معاذ ﵁ يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم يذهب إلى قومه، ويصلي بهم صلاة العشاء، فهي له نافلة، ولهم فريضة.
ثانيًا: يجوز أن يصلي المسلم النافلة خلف من يصلي الفريضة، وتكتب له نافلة.
стр. 5370
• من أحكام الصلاة:
• فضل الصلاة في المسجد الحرام:
الأعمال الصالحة لها فضل ومزية في الأماكن الفاضلة كالحرمين.
ومضاعفة الأجر في المسجد الحرام خاص بالصلوات فقط، الفرائض، والنوافل، والجنازة وكل ما يسمى صلاة، والمضاعفة شاملة لكل صلاة في الحرم، ومسجد الكعبة أفضل، لفضل البقعة وكثرة الجماعة، ولا تشمل هذه المضاعفة الصدقة، ولا الزكاة، ولا الصيام، ولا غيرها، فكل الأعمال الصالحة مضاعفة في مكة، لكن لا يعلمها إلا الله، أما الصلاة فمضاعفتها معلومة ..
عَنْ جَابِر ﵁ أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاة فيما سِوَاهٍ». أخرجه أحمد وابن ماجه بسند صحيح (١).
• فضل الصلاة في مسجد النبي ﷺ :
الصلاة في مسجد النبي ﷺ بالمدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وأما بقية مساجد المدينة فكغيرها من المساجد كل صلاة بعشر صلوات.
عن أَبِي هُرَيْرَة ﵁ أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِد الحرام». متفق عليه (٢).
стр. 5371
• حكم وصل الصلاة بالصلاة:
وصل الصلاة بالصلاة له ثلاث حالات:
الأولى: وصل الفريضة بالفريضة، والفاصل السلام والإقامة، فهذا مشروع فقط عند الجمع بينهما في الحضر، أو في السفر، أو الصلوات المقضية.
الثانية: وصل الفريضة بالنافلة بعد السلام، بلا فاصل من ذكر أو خروج أو انتقال، فهذا منهي عنه.
الثالثة: وصل النافلة بالنافلة، والفاصل السلام، فهذا مشروع كصلاة التراويح، والتهجد، والنوافل المطلقة.
• حكم صلاة المسبل:
الإسبال هو إطالة اللباس أسفل من الكعبين، ويكون الإسبال في الثوب والإزار والسروال والعباءة والعمامة ونحو ذلك، والإسبال بأنواعه كله محرم، وصلاة المسبل صحيحة مع الإثم.
والإسبال له ثلاث حالات:
إن كان الإسبال ليس خيلاء فلا ينظر الله إليه، أن يكون خيلاء، فهذا في النار، أن يتعاهد إزارإذا نزل بغير قصد، فلا إثم عليه.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَال: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارًا قَالَ: أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ». أخرجه مسلم (١).
وعن أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَال: قَال رسول الله ﷺ : «مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ
стр. 5372
الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ». أخرجه البخاري (١).
وعَنْ عَبْد الله بن عُمَر ﵄ قَال: قَال رسول الله ﷺ : «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ». متفق عليه (٢).
• حكم تكليم من يصلي:
المصلي يناجي ربه، فلا يجوز تكليمه إلا لحاجة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَة». متفق عليه (٣).
• حكم اتخاذ القبور مساجد:
يحرم اتخاذ القبور مساجد، ولا تصح الصلاة إليها ولا عندها.
عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُول الله ﷺ في مَرَضَهُ الَّذِي لمْ يَقَم مِنْه: «لَعَنَ الله اليَهُود وَالنَّصَارَى اِتَّخَذُوا قُبُور أَنْبَيَائهمْ مَسَاجِد قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَاكَ لَأبْرز قَبْره غَيْر أَنَّه خُشي أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِداً». متفق عليه (٤).
• حكم إنشاد الضالة في المسجد:
لا يجوز إنشاد الضوال في المساجد، لأن المساجد لم تبنى لهذا.
стр. 5373
عن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا». أخرجه مسلم (١).
• حكم السمر بعد صلاة العشاء:
السمر بعد صلاة العشاء مكروه، ويستثنى من ذلك من كان في صلاة تطوع، أو كان في سفر، أو كان في تعلم وتعليم الفقه والخير، ومن كان مع الضيف والأهل، ومن كان في حوائج المسلمين، ومصالح الدين.
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا». متفق عليه (٢).
• حكم رفع البصر إلى السماء في الصلاة:
عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا بَالُ أقَوْام يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ «أخرجه البخاري (٣).
стр. 5374
٦ - الخزانة السادسة
صلاة الجماعة
• حكمة مشروعية صلاة الجماعة:
صلاة الجماعة إعلام، وإعلان، وإقرار، بشهادة التوحيد من جميع المسلمين كل يوم خمس مرات.
وصلاة الجماعة مظهر عظيم من مظاهر الإسلام، يشبه صفوف الملائكة في عبادتها، ومواكب الجيوش في صفوفها.
وهي سبب للتواد بين الناس، ومحبة بعضهم لبعض، وتعارفهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، وظهور عزتهم، وقوتهم، ووحدتهم.
وفي صلاة الجماعة إظهار العبودية لله وحده من الملك وعامة الناس، ومن الغني والفقير، ومن الكبير والصغير: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
مقصود صلاة الجماعة أمران:
الأول: الاقتداء، فإنما جعل الإمام ليؤتم به.
والثاني: الاجتماع على الاقتداء.
وشرع الاجتماع على الاقتداء، لأن الاجتماع على التعظيم تعظيم آخر، فالصلاة فيها تعظيم للرب، لما فيها من أنواع التكبير والتعظيم والحمد والشكر، والاجتماع على هذا التعظيم تعظيم آخر، فاجتماع جنود وخدم الملك أمامه، أوقر له في نفوس الناس، وأعظم لجنابه من تفرقهم عنه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
стр. 5375
• أعظم اجتماعات المسلمين:
شرع الله للمسلمين الاجتماعات في أوقات معلومات.
منها ما يكون في اليوم والليلة كالصلوات الخمس.
ومنها ما يكون في الأسبوع مرة كالجمعة، ومنه ما يكون في السنة مرتين كالعيدين في كل بلد.
ومنها ما يكون في السنة مرة لعموم المسلمين كالحج الذي يأتي إليه الناس من أقطار العالم.
ومنها ما يكون مشروعًا كل وقت كالعمرة، ومنها ما يكون عند تغير الأحوال، كصلاة الاستسقاء والكسوف.
ومنها ما يكون إذا حدث أمر كصلاة الجنازة.
وكل ذلك من أجل تحقيق وحدة الأمة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
• حكم صلاة الجماعة:
تجب صلاة الجماعة على كل مسلم، مكلف، قادر من الرجال، للصلوات الخمس، حضرًا، وسفرًا، حال الأمن، وحال الخوف: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ غَدَا إلَى المَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ الله لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ». متفق عليه (١).
وعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قالَ رسُولُ الله ﷺ : «كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وتُعين الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عليها أو تَرْفَعُ لهُ عليها متَاَعَهُ صَدَقَةٌ، والْكَلِمةُ الطَّيِّبةُ صَدَقَةٌ، وبكُلِّ خَطْوَةٍ تَمشِيها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وتُمِيطُ الأَذَى عنِ الطَّرِيِق صَدَقَةٌ». متفق عليه (٢).
• فضل صلاة الجماعة:
يسن لمن رأى من يصلي الفريضة وحده أن يصلي معه.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْصَرَ رَجُلًا يُصَلِّي وَحْدَهُ فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ». أخرجه أبو داود والترمذي (٣).
• أين يصلي الجماعة؟.
الأفضل للمسلم أن يصلي الفرائض في مسجد الحي الذي هو فيه، ثم يليه الأكثر جماعة، ثم يليه الأبعد، إلا المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، فإن الصلاة فيهما أفضل مطلقًا.
والصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة، والمسجد النبوي أفضل من ألف صلاة، والمسجد الأقصى بمائتين وخمسين صلاة.
وتجوز صلاة الجماعة في مسجد قد صلى فيه الإمام في جماعته في ذلك الوقت، وتستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد، فإن كانوا يخشون من العدو إذا اجتمعوا، صلى كل إنسان في مكانه.
стр. 5378
• حكم خروج النساء للمساجد:
يباح للنساء حضور صلاة الجماعة في المساجد منفردات خلف الرجال، مع الستر التام، وأن يكون للنساء في المساجد باب خاص، ويجب أن يعتزلن عن الرجال بمصلى خاص، وتسن لهن الجماعة منفردات عن الرجال، سواء كانت إمامهن منهن أو من الرجال، وخروجهن للصلاة في المسجد في الليل أفضل من النهار، للستر.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ». متفق عليه (١).
• أقل الجماعة:
أقل الجماعة اثنان، كلما كثرت الجماعة كان أزكى لصلاة المصلي، وأحب إلى الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ [النور: ٥٦].
• بم تدرك الجماعة؟.
تدرك الصلاة بإدراك ركعة مع الإمام، وتدرك الجماعة قبل سلام الإمام، فمن أدرك الإمام قبل التسليم أدرك فضل الجماعة، لكنه لم يدرك حكم الجماعة، لأنه أدرك الفضيلة وهي الجماعة، ولم يدرك حكم الفضيلة وهي الصلاة، أما إذا أدرك ركعة فأكثر فإنه قد أدرك الجماعة حكمًا وفضلًا، ولكنه أقل أجرًا ممن أدركها كاملة
• فضل الجماعة الأولى:
الجماعة الأولى في المسجد من حيث الأصل أفضل وأعظم وأزكى أجرًا عند الله، لأنها قد حصلت في أول الوقت، وهي في الغالب أكثر عددًا من
стр. 5379
الثانية، فإذا جاء الإنسان وإمام الجماعة في التشهد الأخير، فليدخل معهم، ليدرك فضيلة الجماعة الأولى، ولا ينتظر الجماعة الثانية، لأنها أقل أجرًا من الأولى.
والأفضل للمرأة أن تصلي في بيتها، فإن صلت جماعة في بيتها فهو أفضل، وأزكى لصلاتها، ولا تمنع من الصلاة جماعة بالمسجد، والله قد وضع عنها صلاة الجماعة في المسجد، وكتب لها أجرها.
ويصلي المسافر والمريض جماعة حسبما تيسر له، وصلاة الجماعة واجبة في الحضر والسفر، وصلاة الفرائض في المساجد جماعة واجبة في الحضر لا السفر.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، قال: والبقاع خاليةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، قالوا: مَا كَانَ يسرنَا أنَّا كنَّا تحولنَا». أخرجه مسلم (١).
• حكم حضور الصبيان إلى المساجد:
يشرع إحضار الصبيان إلى المساجد، لتتعلق قلوبهم بحب المساجد، وينشأ على حب هذه العبادة العظيمة، مع حفظهم وتعهدهم عن العبث بالمسجد وتلويثه، أو إشغال المصلين عن الخشوع في الصلاة.
عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإسلام، فلَمْ يَخْرُج حتَّى قَالَ عُمر: نَام النسَاء والصِّبْيَان، فَخَرَج فقَال لأَهل المسجِد: مَا ينْتَظرُ أَحدٌ مِنْ أَهْل الأَرض غيْرِكُم». متفق عليه (٢).
стр. 5380
عنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا». متفق عليه (١).
• مواطن الفضيلة في الصلاة:
الصف الأول أفضل من الصف الثاني، ويمين الصف أفضل من يساره، والدنو من الإمام أفضل من البعد عنه، والله وملائكته يصلون على الصف الأول، وكلما كثرت الجماعة كان أفضل.
عنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلصَّفِّ الْمُقَدَّمِ ثَلَاثًا وَلِلثَّانِي مَرَّةً». أخرجه النسائي وابن ماجه بسند صحيح (٢).
• الأحق بالصف الأول:
الأحق بالصف الأول، والقرب للإمام، هم أولوا الأحلام والنهى، أهل العلم والتقى، وهم قدوة الناس في كل عبادة فليبادروا إلى ذلك: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١].
وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاةِ وَيَقُولُ: اسْتَوُوا، وَلا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، ليَلني منكم أُولُو الأَحلامِ والنُّهى، ثم الذينَ يَلُونهم، ثم الذينَ يَلونهم». أخرجه مسلم (٣).
• صفة صف الرجال والنساء خلف الإمام:
السنة أن يلي الإمام الرجال في الصف الأول الكبار والصغار، وتصلي النساء جميعًا خلف الرجال، ويشرع في صفوف النساء ما يشرع في صفوف الرجال من إكمال الصف الأول فالأول، وسد الفرج، وتسوية الصفوف.
стр. 5381
وإذا صلت النساء مع الرجال جماعة في المسجد، فإن كان بينهم حاجز، أو صلين جماعة وحدهن، فخير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، وإذا صلين مع الرجال وحدهن، ولم يكن بينهم حاجز، فخير صفوفهن آخرها، وشرها أولها، ولا يجوز أن تصف النساء أمام الرجال، أو يصف الرجال خلف النساء إلا لضرورة من زحام شديد، ونحوه كما يحصل في المسجد الحرام في مواسم الحج والعمرة، ويجب على المرأة أن تصلي خلف الرجال، ومن وقفت في صف الرجال للضرورة من زحام ونحوه وصلت لم تبطل صلاتها، ولا صلاة من خلفها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا منه ما استطعتم». متفق عليه (١).
• حكم مصافة الصبي:
الصبي إذا كان يحسن الوضوء والصلاة فلا حرج في مصافته في الصف في الصلاة، وإن كان لا يحسنهما فهذا ينحى عن الصف إلى مكان في المسجد، لئلا يؤذي المصلين، ويقطع الصفوف.
• فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة:
عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ». أخرجه مسلم (٢).
• ما تدرك به صلاة الجماعة:
تدرك صلاة الجماعة بإدراك ركعة من الصلاة مع الإمام.
стр. 5382
فإن أدرك المأموم أقل من ركعة، كما لو جاء وهو في التشهد الأخير مثلًا، فلا يعتبر مدركًا للجماعة، لكنه مدرك للفضيلة، فيدخل مع الجماعة، وله أجر ما أدرك.
• ما تدرك به الركعة:
تدرك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام ما لم يرفع يديه عن ركبتيه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَك رَكْعَة مِنْ الصَّلَاة فَقَد أَدرَكَ الصَّلَاة». متفق عليه (١).
• حكم من صلى وحده ثم وجد جماعة:
من صلى الفريضة وحده في مسجد أو في رحله، ثم دخل مسجد قوم وهم يصلون فالسنة أن يصلي معهم، وتكون الأولى له نافلة.
وإذا أقيمت صلاة الفريضة فلا صلاة إلا المكتوبة، وإن أقيمت الصلاة وهو في نافلة أتمها خفيفة، ودخل في الجماعة، ليدرك تكبيرة الإحرام.
عن بريد بن الأسود العامري ﵁ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّتَهُ، قَالَ: فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْمَسْجِدِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: " عَلَيَّ بِهِمَا " فَجيء بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، قَالَ: " مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ " قَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا. قَالَ: فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهُمَا لَكُمَا نَافِلَةٌ». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (٢).
стр. 5383
٧ - الخزانة السابعة
آداب المشي إلى الصلاة
• الصلاة من أعظم مقامات العبد بين يدي ربه العظيم، وصلاة الجماعة أعظم مقامات العباد بين يدي ربهم.
وصلاة الجماعة لها آداب عند المشي إليها، وآداب عند أدائها، وآداب بعد الفراغ منها.
• فأما آداب المشي إلى الصلاة فهي:
أن يتطهر المسلم لها في بيته، مع إحسان الوضوء وإسباغه، والدعاء بما ورد عند الخروج من المنزل، والخروج إليها مبكرًا لإدراك فريضة انتظار الصلاة، والصف الأول، وتكبيرة الإحرام.
والمشي للمسجد بسكينة ووقار، وتقديمه رجله اليمنى عند دخول المسجد، والدعاء بما ورد من الدعاء عند دخول المسجد.
وإذا دخل المسجد يصلي ركعتين قبل أن يجلس تحية المسجد، ويشتغل بالذكر والدعاء والنوافل، وتلاوة القرآن حتى تقام الصلاة.
وله أن ينوي بتلك الركعتين سنة الوضوء والسنة الراتبة إن كانت، وتحية المسجد.
قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (١).
فإذا فرغ من ذلك اشتغل بالذكر والدعاء والنوافل وقراءة القرآن حتى تقام الصلاة، ولا يشبك بين أصابعه في الطريق، والمسجد، لأنه في صلاة، ولا يتخطى رقاب الناس، ولا يؤذي أحدًا بقول أو فعل.
стр. 5384
ويجتنب الروائح الكريهة، وإذا أراد الخروج من المسجد قدم رجله اليسرى ودعا بما ورد، والمرأة إذا أرادت الصلاة في المسجد تفعل كذلك، وتجتنب الطيب والزينة والسفور ونحوها مما يفتنها أو يفتن غيرها.
• وأما آداب وسنن الصلاة:
فكما سبق في صفة الصلاة.
• وأما الآداب بعد الفراغ من الصلاة:
فأن يجلس في مكانه بعد السلام، و يستغفر الله، ويأتي بالأذكار الواردة بعد السلام كما سبق.
• حكم خروج النساء إلى المساجد:
الأفضل للنساء الصلاة في بيوتهن، ويجوز للمرأة أن تخرج للصلاة في المسجد مع الجماعة إن استطاعت ليلًا أو نهارًا على الوجه المأذون به شرعًا، وعلى زوجها أن يأذن لها ولا يمنعها.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ»: إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ». متفق عليه (١).
• ماذا يفعل من فاتته صلاة الجماعة:
من ذهب إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا، وكان تأخره لعذر، فإنه يكتب له أجر من صلاها وحضرها، فيبقى في المسجد وينتظر من يصلي معه جماعة، أو يذهب إلى مسجد آخر، ليدرك فيه الجماعة، أو يرجع إلى بيته فيصلي بهم جماعة، فإن لم يتيسر له ذلك صلاها منفردا.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْصَرَ رَجُلًا يُصَلِّي وَحْدَهُ فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ». أخرجه أبو داود بسند صحيح (٢).
стр. 5385
• فضل انتظار صلاة الجماعة:
عن أبي موسى ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى والذي ينتظَر الصَّلَاة حتَّى يصلِّهَا معَ الإِمَام أعْظَمَ أَجْرًا من الَّذِي يُصَلِّي ثمَّ يَنَام». متفق عليه (١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا يزال العبدُ في صلاة ما كان في مصلاه ينتظرُ الصلاةَ، وتقول الملائكةُ: اللهمَّ اغْفِرْ له، اللهمَّ ارْحَمْهُ، حتى ينصرفَ أو يُحْدِثَ، قلتُ: ما يُحْدِثُ؟ قال: يَفْسُو أو يَضْرِطُ» متفق عليه (٢).
• صفة قضاء الصلاة لمن نام عنها في السفر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: «عَرَّسْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى آذَتْنَا الشَّمْسُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ ثُمَّ لِيَتَنَحَّ، فإن هَذَا الْمَنْزِلِ حضرنا فيه الشيطان، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الغداة». أخرجه مسلم (٣).
• حكم صلاة النوافل المطلقة جماعة:
الأصل في النوافل المطلقة أن يصليها المسلم منفردًا، إلا ما تشرع له الجماعة، ويجوز أن تصلى النوافل جماعة أحيانًا في الليل أو النهار، في البيت أو في المسجد، أو غيرهما، ولا يداوم على ذلك، ولا يتخذه عادة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ له، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ
стр. 5386
اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا. فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ» متفق عليه (١).
• حكم الصلاة في مسجد فيه قبر:
يحرم بناء المساجد على القبور، ويجب أن يهدم المسجد الذي بني على قبر، أو ينقل جثمان الميت إذا دفن في المسجد، وأيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق.
ولا تصح الصلاة إلى القبور، ولا في المساجد المبنية على القبور، وبناء المساجد على القبور، أو اتخاذها مساجد، سبب للعنة الله .
عَنْ عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُول الله ﷺ في مَرَضَهُ الَّذِي لمْ يَقَم مِنْه: «لَعَنَ الله اليَهُود وَالنَّصَارَى اِتَّخَذُوا قُبُور أَنْبَيَائهمْ مَسَاجِد قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَاكَ أبْرز قَبْره غَيْر أَنَّه خُشي أَنْ يُتَّخَذ مَسْجِداً». متفق عليه (٢).
• صفة الانصراف من المسجد بعد صلاة الجماعة:
يسن للإمام إذا صلى معه الرجال، وإذا صلت معه النساء من دون حائل، أن ينتظر قليلًا بعد السلام، حتى تنصرف النساء.
ويسن للرجال المكث في المسجد قليلًا، حتى تنصرف النساء، ويدخلن بيوتهن، ثم ينصرفون بعد ذلك.
عن أم سلمة أن النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا». أخرجه البخاري (٣).
стр. 5387
• حكم التخلف عن صلاة الجماعة:
يجب على المسلم أن يصلي الصلوات الخمس في المسجد جماعة: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
ومن تخلف عن صلاة الجماعة في المسجد فله حالتان:
الأولى: أن يتخلف بعذر من مرض أو حبس ونحوهما، فهذا يكتب له أجر من صلى في جماعة.
عنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا». أخرجه البخاري (١).
الثانية: أن يتخلف عن صلاة الجماعة بغير عذر، فهذا صلاته صحيحة، لكنه يخسر أجرًا عظيمًا، ويأثم إثمًا كبيرًا، وإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَثْقَلَ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاةُ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا، و لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار». متفق عليه (٢).
• أعذار ترك الجمعة والجماعة:
الصلوات الخمس والجمعة واجبة على كل مسلم مع جماعة المسلمين، وعند وجود العذر الشرعي، أو حصول المشقة المعتبرة، فإنه يجوز
стр. 5388
التخلف عن الجمعة والجماعة، والصلاة حسب الاستطاعة، لأن المشقة تجلب التيسير كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». متفق عليه (١).
• ومن أهم تلك الأعذار الشرعية:
المرض الشديد، ومدافعة البول والغائط، والتأذي بالمطر أو الوحل، أو الثلج أو البرد، والرياح والعواصف الشديدة، ومن خاف الضرر على نفسه أو ماله، أو أهله أو رفيقه، والخوف من فوات الرفقة في السفر، والخوف من فوات موعد الطائرة أو القطار، أو الحافلة أو السفينة، ومن كان بحضرة طعام محتاج إليه قدم إليه، ومن يعمل في مصالح المسلمين الضرورية كالأطباء والحراس ورجال الأمن والمطافي إذا تطلب العمل مناوبتهم كما في الظروف الشديدة والنكبات، فيصلون في أماكن عملهم، ولهم أن يصلوا بدل الجمعة ظهرًا عند الحاجة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدعوه». متفق عليه (٢).
• ومن أعذار ترك الجمعة والجماعة:
من أصيب بمرض معدٍ كالإلفلونزا، والكوليرا، ونحوهما مما يعدي الناس، فإنه يمنع من المسجد، وحضور الجمعة والجماعة في المسجد
стр. 5389
وغيره، حماية للناس من انتشار الوباء بينهم، ومنع الضرر عنهم، وتخفيفًا على المبتلى، وإذا وقع حادث حريق أو غرق في وقت صلاة تجمع مع غيرها جاز تأخيرها وجمعها مع الصلاة التي بعدها لمن يشتغل بذلك، وإن وقع الحادث وقت صلاة الفجر أو العصر أو العشاء فتؤخر الصلاة عن أول وقتها، وتصلى في آخر الوقت ولو بالتناوب بين العاملين في إطفاء الحريق أو الإنقاذ.
وإن كان البلاغ عن الحادث من ثقة، وكنا خطيرًا، جاز قطع الصلاة لمباشرة الحادث، وإنقاذ من فيه من المسلمين، ويصلون بالتناوب قبل خروج الوقت: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
• حكم حضور الجماعة لمن به رائحة كريهة:
من أكل بصلًا أو ثومًا أو كراثاً، أو شرب دخاناً ونحو ذلك مما يتأذى منه الملائكة وبنو آدم، فلا يجوز له أن يصلي في المسجد مع الجماعة ما دامت الرائحة موجودة، زجرًا له لا تخفيفًا عليه، فإن صلى معهم فهو آثم، وصلاته صحيحة.
قال النبي ﷺ : «مَنْ أكَلَ بَصَلًاَ، أو ثُومًا، أو كُرَّاثَا، فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ». متفق عليه (١).
стр. 5390
٨ - الخزانة الثامنة
أحكام الإمامة
المصلي إما أن يكون إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا.
• فضل الإمامة:
الإمامة فضلها عظيم، ولأهميتها تولاها النبي ﷺ بنفسه، وخلفاؤه الراشدون من بعده ﵃.
والإمام عليه مسؤولية كبرى وهو ضامن، وله أجر كبير إن أحسن، وله من الأجر مثل أجر من صلى معه.
• حكم متابعة الإمام:
يجب على المأموم متابعة الإمام في صلاته كلها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: ربنا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ». متفق عليه (١).
• الأحق بالإمامة:
الأحق بالإمامة هو الأقرأ، وهو الأكثر حفظًا للقرآن، العالم فقه صلاته، ثم الأعلم بالسنة، ثم أقدمهم هجرة، ثم أقدمهم إسلامًا، ثم الأكبر سنًّا، ثم قرعة، وهذا فيما إذا حضرت الصلاة وأرادوا أن يقدموا أحدهم، فإن كان للمسجد إمام راتب وحضر فهو المقدم، وساكن البيت، وإمام المسجد، أحق بالإمامة إلا من ذي سلطان.
стр. 5391
عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا». أخرجه مسلم (١).
«مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ إلا أن يقدماه». أخرجه أبو داود والترمذي (٢).
• حكم الصلاة خلف الفاسق:
يجب تقديم الأولى في الإمامة، وإن لم يوجد إلا فاسق كمن يحلق لحيته، أو يشرب الدخان، أو الخمر ونحو ذلك، صحت الصلاة خلفه مع الكراهة، والفاسق من خرج عن طاعة الله تعالى بفعل كبيرة من كبائر الذنوب.
ولا تصح صلاة خلف من صلاته فاسدة يحدث أو غيره إلا لمن لا يعلم، فتصح صلاة المأموم، وعلى الإمام الإعادة.
• حكم صلاة المسبل:
من صلى وهو مسبل فصلاته صحيحة، لكنه آثم، ولا ينبغي للمسبل أن يؤم المصلين، فإن أَمَّهم صحت الصلاة خلفه مع الكراهة.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَال: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارًا قَالَ: أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ». أخرجه مسلم (٣).
стр. 5392
• حكم مسابقة الإمام:
تحرم مسابقة الإمام في الصلاة، ومن سابقه عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، أما التخلف عنه، فإن تخلف عن الإمام بعذر كما لو سها أو غفل أو لم يسمع الإمام حتى سبقه فإنه يأتي بما تخلف به مباشرة ويتابع الإمام ولا حرج عليه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• أحوال المأموم مع الإمام:
للمأموم مع الإمام أربع حالات:
الحالة الأولى: المسابقة، وهي أن يسبق المأموم الإمام في التكبير أو السجود أو السلام أو غيرها، وهذا الفعل لا يجوز، ومن فعله فعليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل بطلت صلاته، وإن سبقه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته معه أصلًا.
الحالة الثانية: الموافقة، وهي أن تتوافق حركة الإمام والمأموم بالانتقال من ركن إلى ركن، كالتكبير أو الركوع أو السجود ونحوهما، وهذا مكروه إلا أن وافقه في تكبيرة الإحرام فلا تنعقد صلاته.
الحالة الثالثة: المتابعة، وهي أن تحصل أفعال المأموم عقب أفعال الإمام مباشرة، والمتابعة هي الأمر المطلوب من المأموم، وبها يحصل الاقتداء الشرعي.
الحالة الرابعة: المخالفة، وهي أن يتأخر المأموم عن الإمام حتى يدخل في ركن آخر، وهي لا تجوز لما فيها من ترك الاقتداء: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
стр. 5393
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ». متفق عليه (١).
• أحوال المسبوق:
أولاً: من أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الجماعة، ومن أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة، فيكبر تكبيرة الإحرام قائمًا، ثم يكبر تكبيرة الركوع إن أمكنه، فإن لم يمكنه نواهما بتكبيرة واحدة وركع.
ثانيًا: من دخل فوجد الإمام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو جالسًا دخل معه، وله أجر ما أدرك، لكن الركعة لا تدرك إلا بالركوع.
وتدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام ما لم يشرع في قراءة الفاتحة.
ومن دخل المسجد وقد فاتته الصلاة مع الإمام الراتب، فالواجب عليه وعلى من تخلف معه أن يصلوا جماعة، ولكن فضلها ليس كفضل الجماعة الأولى.
• صفة إطالة الصلاة وتخفيفها:
يسن للإمام إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا خففها خفف بقية الأركان.
عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَال: «رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ وَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ». متفقٌ عليه (٢).
стр. 5394
• حكم التخفيف في الصلاة:
يسن للإمام التخفيف مع الإتمام؛ لأنه قد يكون في المأمومين الضعيف والسقيم، والكبير، وذو الحاجة ونحوهم، وإذا صلى منفردًا أطال كيف شاء، والتخفيف المسنون في الصلاة هو الذي يصحبه إتمام الصلاة، بأداء أركانها وواجباتها وسننها كما فعله النبي ﷺ ، وواظب عليه، وأمر به، لا إلى شهوة المأمومين.
ولا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، ولا لمن ينقر صلاته: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
• أين يقف المأموم؟.
أولاً: السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام، وإن كان واحدًا فعن يمين الإمام، وإمامة النساء تقف وسط صفهن، وتقف النساء خلف الرجال.
ثانيًا: يصح عند الحاجة أن يقف المأمومون عن يمين الإمام، أو عن جانبيه، وفوقه، وأسفل منه، ولا يصح قدّامه ولا عن يساره فقط إلا لضرورة، كما يحصل في المسجد الحرام: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
• صفة صف الرجال والنساء خلف الإمام:
أولًا: يصف الرجال خلف الإمام إذا سبقوا، ثم الصبيان خلف الرجال ما لم يسبقوا، ثم النساء خلف الصبيان.
ويشرع في صفوف النساء ما يشرع في صفوف الرجال من إكمال الصف الأول فالأول، وسد الفرج، وتسوية الصفوف، كما سبق.
ثانيًا: إذا صلت النساء جماعة وحدهن فخير صفوفهن أولها، وشرها آخرها كالرجال، ولا يجوز أن تصف النساء أمام الرجال، أو يصف الرجال
стр. 5395
خلف النساء إلا لضرورة من زحامٍ ونحوه، كالمسجد الحرام وقت الحج ونحوه، وإن وقفت المرأة في صف الرجال للضرورة من زحام ونحوه وصلّت لم تبطل صلاتها، ولا صلاة من خلفها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهاَ آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا». أخرجه مسلم (١).
• أهل الصف الأول:
الأحق بالصف الأول، والقرب من الإمام، هم أولو الأحلام والنُّهى، أهل العلم والشأن والتقى، وهم قدوة الناس فليبادروا إلى ذلك.
والصف الأول حقٌ لكل مسلم سواءٍ كان كبيرًا أو صغيرًا، فلا يجوز إبعاد الصبيان عن الصف الأول؛ لأن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به، وإبعادهم يجعل الصبيان يكرهون المساجد، والذي أبعدهم، ويجمعهم على اللعب خلف الصف، وذلك يشوش على المصلين، ويمنعهم من الخشوع.
عن أبي مسعود ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاةِ فَيَقُولُ: «اسْتَوُوا وَلا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أولُو الأحْلامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم». أخرجه مسلم. (٢).
• حكم تسوية الصفوف:
يجب تسوية الصفوف في الصلاة بالمناكب، والأكعب، وسد الخلل، وإتمام الصف الأول فالأول، فالسنة أن يُقبل الإمام على المأمومين بوجهه ويقول: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإنّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلاةِ». متفقٌ عليه (٣).