عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا». أخرجه مسلم (١).
«مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ إلا أن يقدماه». أخرجه أبو داود والترمذي (٢).
• حكم الصلاة خلف الفاسق:
يجب تقديم الأولى في الإمامة، وإن لم يوجد إلا فاسق كمن يحلق لحيته، أو يشرب الدخان، أو الخمر ونحو ذلك، صحت الصلاة خلفه مع الكراهة، والفاسق من خرج عن طاعة الله تعالى بفعل كبيرة من كبائر الذنوب.
ولا تصح صلاة خلف من صلاته فاسدة يحدث أو غيره إلا لمن لا يعلم، فتصح صلاة المأموم، وعلى الإمام الإعادة.
• حكم صلاة المسبل:
من صلى وهو مسبل فصلاته صحيحة، لكنه آثم، ولا ينبغي للمسبل أن يؤم المصلين، فإن أَمَّهم صحت الصلاة خلفه مع الكراهة.
عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَال: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارًا قَالَ: أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ». أخرجه مسلم (٣).
стр. 5392
• حكم مسابقة الإمام:
تحرم مسابقة الإمام في الصلاة، ومن سابقه عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، أما التخلف عنه، فإن تخلف عن الإمام بعذر كما لو سها أو غفل أو لم يسمع الإمام حتى سبقه فإنه يأتي بما تخلف به مباشرة ويتابع الإمام ولا حرج عليه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• أحوال المأموم مع الإمام:
للمأموم مع الإمام أربع حالات:
الحالة الأولى: المسابقة، وهي أن يسبق المأموم الإمام في التكبير أو السجود أو السلام أو غيرها، وهذا الفعل لا يجوز، ومن فعله فعليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل بطلت صلاته، وإن سبقه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته معه أصلًا.
الحالة الثانية: الموافقة، وهي أن تتوافق حركة الإمام والمأموم بالانتقال من ركن إلى ركن، كالتكبير أو الركوع أو السجود ونحوهما، وهذا مكروه إلا أن وافقه في تكبيرة الإحرام فلا تنعقد صلاته.
الحالة الثالثة: المتابعة، وهي أن تحصل أفعال المأموم عقب أفعال الإمام مباشرة، والمتابعة هي الأمر المطلوب من المأموم، وبها يحصل الاقتداء الشرعي.
الحالة الرابعة: المخالفة، وهي أن يتأخر المأموم عن الإمام حتى يدخل في ركن آخر، وهي لا تجوز لما فيها من ترك الاقتداء: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
стр. 5393
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ». متفق عليه (١).
• أحوال المسبوق:
أولاً: من أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الجماعة، ومن أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة، فيكبر تكبيرة الإحرام قائمًا، ثم يكبر تكبيرة الركوع إن أمكنه، فإن لم يمكنه نواهما بتكبيرة واحدة وركع.
ثانيًا: من دخل فوجد الإمام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو جالسًا دخل معه، وله أجر ما أدرك، لكن الركعة لا تدرك إلا بالركوع.
وتدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام ما لم يشرع في قراءة الفاتحة.
ومن دخل المسجد وقد فاتته الصلاة مع الإمام الراتب، فالواجب عليه وعلى من تخلف معه أن يصلوا جماعة، ولكن فضلها ليس كفضل الجماعة الأولى.
• صفة إطالة الصلاة وتخفيفها:
يسن للإمام إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا خففها خفف بقية الأركان.
عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَال: «رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ وَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ». متفقٌ عليه (٢).
стр. 5394
• حكم التخفيف في الصلاة:
يسن للإمام التخفيف مع الإتمام؛ لأنه قد يكون في المأمومين الضعيف والسقيم، والكبير، وذو الحاجة ونحوهم، وإذا صلى منفردًا أطال كيف شاء، والتخفيف المسنون في الصلاة هو الذي يصحبه إتمام الصلاة، بأداء أركانها وواجباتها وسننها كما فعله النبي ﷺ ، وواظب عليه، وأمر به، لا إلى شهوة المأمومين.
ولا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، ولا لمن ينقر صلاته: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
• أين يقف المأموم؟.
أولاً: السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام، وإن كان واحدًا فعن يمين الإمام، وإمامة النساء تقف وسط صفهن، وتقف النساء خلف الرجال.
ثانيًا: يصح عند الحاجة أن يقف المأمومون عن يمين الإمام، أو عن جانبيه، وفوقه، وأسفل منه، ولا يصح قدّامه ولا عن يساره فقط إلا لضرورة، كما يحصل في المسجد الحرام: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
• صفة صف الرجال والنساء خلف الإمام:
أولًا: يصف الرجال خلف الإمام إذا سبقوا، ثم الصبيان خلف الرجال ما لم يسبقوا، ثم النساء خلف الصبيان.
ويشرع في صفوف النساء ما يشرع في صفوف الرجال من إكمال الصف الأول فالأول، وسد الفرج، وتسوية الصفوف، كما سبق.
ثانيًا: إذا صلت النساء جماعة وحدهن فخير صفوفهن أولها، وشرها آخرها كالرجال، ولا يجوز أن تصف النساء أمام الرجال، أو يصف الرجال
стр. 5395
خلف النساء إلا لضرورة من زحامٍ ونحوه، كالمسجد الحرام وقت الحج ونحوه، وإن وقفت المرأة في صف الرجال للضرورة من زحام ونحوه وصلّت لم تبطل صلاتها، ولا صلاة من خلفها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهاَ آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا». أخرجه مسلم (١).
• أهل الصف الأول:
الأحق بالصف الأول، والقرب من الإمام، هم أولو الأحلام والنُّهى، أهل العلم والشأن والتقى، وهم قدوة الناس فليبادروا إلى ذلك.
والصف الأول حقٌ لكل مسلم سواءٍ كان كبيرًا أو صغيرًا، فلا يجوز إبعاد الصبيان عن الصف الأول؛ لأن من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به، وإبعادهم يجعل الصبيان يكرهون المساجد، والذي أبعدهم، ويجمعهم على اللعب خلف الصف، وذلك يشوش على المصلين، ويمنعهم من الخشوع.
عن أبي مسعود ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاةِ فَيَقُولُ: «اسْتَوُوا وَلا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أولُو الأحْلامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم». أخرجه مسلم. (٢).
• حكم تسوية الصفوف:
يجب تسوية الصفوف في الصلاة بالمناكب، والأكعب، وسد الخلل، وإتمام الصف الأول فالأول، فالسنة أن يُقبل الإمام على المأمومين بوجهه ويقول: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإنّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلاةِ». متفقٌ عليه (٣).
стр. 5396
أو يقول: «أَقِيْمُوا صُفُوْفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا». أخرجه البخاري (١).
أو يقول: «اسْتَوُوا وَلا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أولُو الأحْلامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم». أخرجه مسلم (٢).
أو يقول: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ المَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الخَلَلَ، وَلِيْنُوا بِأَيْدِي إخْوَانِكُمْ، وَلا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ الله، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ الله». أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح (٣).
أو يقول: «اسْتَوُوا، اسْتَوُوا، اسْتَوُوا». أخرجه النسائي بسندٍ صحيح (٤).
يقول هذا مرة، وهذا مرة، إحياءً للسنة، وعملًا بها بوجوهها المشروعة.
• صفة إمامة الصبيان والنساء:
إذا أمَّ الإمام صبيين أو أكثر، وقد بلغا سبعًا جعلهما خلفه، فإن كان واحدًا جعله عن يمينه، والنساء تصف خلف الصبيان.
ويصح أذان الصبي المميز وإمامته في الفرض والنفل، وإن وُجد أولى منه وجب تقديمه، وكل من صحت صلاته صحت إمامته، ولو كان عاجزًا عن القيام أو الركوع ونحو ذلك، إلا المرأة فلا تؤمُّ الرجال، لكن تؤمُّ مثلها من النساء.
• حكم الفتح على الإمام:
الفتح على الإمام ينقسم إلى قسمين:
الأول: فتحٌ واجب، وهو الفتح فيما يبطل تعمده الصلاة كما لو نسي الركوع أو السجود، أو نسي آيةً من الفاتحة، أو لحن لحنًا يحيل المعنى.
стр. 5397
الثاني: فتح مستحب، وهو الذي لا يُفوِّت كمالًا كما لو نسي أن يقرأ سورةً بعد الفاتحة، أو قفز آيةً من غير الفاتحة، أو غلط في آيةٍ ونحو ذلك.
عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله قال: «إنَّمَا أَنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني». متفقٌ عليه (١).
• حكم الإمام إذا أحدث:
إذا أحدث الإمام أثناء الصلاة قطع صلاته، واستخلف من يكمل بالمأمومين صلاتهم، فإن لم يستخلف، فإن تَقدَّم أحد المأمومين، أو قدَّموه فأكمل الصلاة بهم، أو أكملوا صلاتهم فرادى فصلاتهم صحيحةٌ إن شاء الله تعالى.
стр. 5398
٩ - الخزانة التاسعة
• أحكام الإمام والمأموم، والمنفرد:
• صفة قضاء المأموم ما فاته من الركعات:
أولاً: من أدرك مع الإمام ركعةً من الظهر، أو العصر، أو العشاء وجب عليه بعد سلام الإمام قضاء الركعات الثلاث، فيأتي بركعة يقرأ فيها الفاتحة، وسورة، ثم يجلس للتشهد الأول، ثم يأتي بركعتين يقرأ فيهما الفاتحة فقط، ثم يجلس للتشهد الأخير، ثم يسلم، وكل ما أدركه المسبوق مع الإمام فهو أول صلاته.
ثانيًا: من أدرك مع الإمام ركعةً من المغرب قام بعد سلام الإمام وجاء بركعة يقرأ فيها الفاتحة فقط، وسورة، ثم يجلس للتشهد الأول، ثم يقوم ويأتي بركعةٍ يقرأ فيها الفاتحة، ثم يجلس للتشهد الأخير ويسلم كما سبق.
ثالثًا: من أدرك مع الإمام ركعة من الفجر أو الجمعة قام بعد سلام الإمام وجاء بركعة يقرأ فيها الفاتحة وسورة، ثم يجلس للتشهد ويسلم كما سبق.
رابعًا: إذا دخل أَحدٌ والإمام في التشهد الأخير، فالسنة أن يدخل معه، تحصيلاً لفضيلة الجماعة ويتم صلاته إذا سلم الإمام.
• حكم الصلاة خلف الصف:
لا تصح صلاة الرجل الواحد خلف الصف إلا لعذر كمن لم يجد مكانًا في الصف، فيصلي خلف الصف، ولا يجذب أحدًا ممن في الصف الذي أمامه.
وصلاة المرأة الواحدة خلف الصف صحيحة إذا كانت مع جماعة رجال، أما إذا كانت مع جماعة نساء فقط فحكمها حكم الرجل فيما سبق.
стр. 5399
• صفة اقتداء المأموم بالإمام:
يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وإن لم يره أو لم ير من وراءه إذا سمع التكبير، وكذا خارج المسجد إن سمع التكبير، واتصلت الصفوف، ولا يصح الاقتداء بالإمام عن طريق الإذاعة والتلفاز: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
• كيفية انصراف الإمام إلى المأمومين:
السنة أن ينصرف الإمام إلى المأمومين بعد السلام، فإن صلى معه نساء لبث قليلًا لينصرفن.
ويكره تطوعه بعد صلاة المكتوبة في موضعها فورًا قبل إتمام الأذكار التي بعد السلام.
ويستحب للمأموم ألّا يقوم قبل انصراف إمامه إلى المأمومين.
• حكم المصافحة بعد الصلاة:
المصافحة عقب الصلاة المفروضة بدعة، وجَهْر الإمام والمأمومين بالدعاء جميعًا عقب صلاة الفريضة بدعة، وإنما المشروع ما ورد من الأذكار في الهيئة والعدد كما سبق في صفة الصلاة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
• أحوال انفراد المأموم عن الإمام:
لانفراد المأموم عن الإمام حالتان:
الأولى: أن ينفرد ويبني على ما مضى من صلاته، كما لو أطال الإمام إطالة خارجةً عن السنة، أو أسرع في صلاته سرعةً تنافي الطمأنينة ونحو ذلك.
الثانية: أن يقطع صلاته، ثم يستأنف من جديد، كما لو طرأ على المأموم عذر يمنعه من الاستمرار كمدافعة بول، أو غائط، أو ريح، أو خاف على
стр. 5400
نفسه أو غيره ونحو ذلك مما يمنع الاستمرار في الصلاة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ [المائدة: ١٠٠].
• حكم الصلاة خلف من يستغيث بغير الله:
من يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو يذبح لغير الله عند القبور أو غيرها، أو يدعو أهل القبور، فلا تجوز الصلاة خلفه؛ لأنه مشرك، وصلاته باطلة: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
• صفة الصفوف خلف الإمام:
إذا اجتمع رجالٌ وصبيانٌ ونساء فالسنة عند الصلاة أن يصلوا جماعة، ويكون الرجال والصبيان خلف الإمام، والنساء خلفهم، وإن سبق الصبيان إلى مكان فهم أحق به من غيرهم.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا». متفقٌ عليه (١).
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قُمْتُ لَيْلَةً أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدِي أَوْ بِعَضُدِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِي». متفقٌ عليه (٢).
• حكم إمامة الرجل للنساء:
إمامة الرجل للنساء لها أربع حالات:
الأولى: أن تكون النساء خلف الرجال، فهذا هو السنة.
стр. 5401
الثانية: أن تكون مع النساء أحد محارمه، أو يكون معه رجلٌ آخر، فهذا جائز.
الثالثة: أن يؤم امرأةً أجنبيةً عنه، فهذا لا يجوز؛ لأن فيه خلوة.
الرابعة: أن يؤم نساء أجانب عنه، ولا رجل معه، ولا أحد محارمه، فهذا مكروهٌ له، لما فيه من مخالطة الوسواس.
• مواضع جهر الإمام في الصلاة:
يجهر الإمام في الصلاة بما يلي:
التكبير، والقراءة في الجهرية، والتأمين، والتسميع، والتسليم، ويجتنب التمطيط في ذلك.
• حكم قنوت الإمام في الصلاة:
يسن للإمام عند النوازل أن يقنت في الصلوات الخمس، في الركعة الأخيرة بعد الرفع من الركوع، إذا قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، يرفع يديه ويجهر بالدعاء، ويؤمن من خلفه، ثم يكبر ويسجد.
• صفة دعاء القنوت:
كان ﷺ إذا أراد أن يدعو على أحدٍ، أو يدعو لأحد قنت في الصلوات الخمس كلها، أو بعضها، فيشرع للإمام عند النوازل، والمصائب العامة والخاصة، أن يدعوا للمؤمنين، ويخص من أصابه البلاء، وأن يدعوا على الكفار والظالمين، ويخص من اشتد أذاه للمسلمين.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﵁ «أَنَّ النَبِيَ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ
стр. 5402
اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ». متفقٌ عليه (١).
وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ انْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ ثم قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ». متفقٌ عليه (٢).
وَعَنْ خُفَافِ بْنِ إِيْمَاءَ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةٍ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ بَنِي لِحْيَانَ، وَرِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ». أخرجه مسلم (٣).
• كيفية انصراف الإمام إلى المأمومين بعد السلام:
السنة أن ينصرف الإمام إلى المأمومين بعد السلام، فإن صلى معه نساء لبث قليلًا لينصرفن، وينصرف الإمام إلى المأمومين تارةً عن يمينه، وتارةً عن شماله، وكل ذلك سنة.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: «كَانَ النَبِيُ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام». أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٤).
стр. 5403
وَعَنْ هُلْبٍ ﵁ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَؤُمُّنَا فَيَنْصَرِفُ عَلَى جَانِبَيْهِ جَمِيعًا عَلَى يَمِينِهِ، وَعَلَى شِمَالِهِ». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (١).
• حكم صلاة الإمام بالنجاسة:
إذا صلى الإمام بالجماعة بنجاسةٍ يجهلها، وانقضت الصلاة، فصلاتهم جميعًا صحيحة، وإن علم بالنجاسة أثناء الصلاة، فإن أمكن إبعادها أو إزالتها فَعَلَ ذلك، وأتم صلاته، وإن كان لا يمكنه انصرف واستخلف من يتم بالمأمومين صلاته، وإن أتموا فرادى فلهم ذلك: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
• حكم الصلاة إذا صلى الإمام على غير طهارة:
إذا صلى الإمام بالناس فلا يخلوا من أربعة أمور:
الأول: أن يدخل في الصلاة على طهارة، فصلاته ومن خلفه صحيحة.
ثانيها: أن لا يعلم الإمام أنه محدث إلا بعد نهاية الصلاة، فصلاة الإمام باطلة، وصلاة المأمومين صحيحة.
الثالث: أن يعلم بالحدث أثناء الصلاة، فيقطع الصلاة ويستخلف من يكمل بالمأمومين صلاتهم، فإن تَقدَّم أحد المأمومين، أو قدَّموه فأكمل الصلاة بهم، أو أكملوا صلاتهم فرادى فصلاتهم صحيحةٌ إن شاء الله تعالى.
الرابع: أن يصلي بهم على طهارة، ويحدث في أثناء الصلاة، فصلاة الإمام باطلة فيقطعها، ويستخلف من يتم بالمأمومين صلاتهم.
• حكم إمامة المرأة:
يحرم على المرأة أن تصلي بالرجال، فإن فعلت فصلاة الجميع باطلة، والسنة أن تصلي المرأة في بيتها، ولها أن تصلي في المسجد.
стр. 5404
وإذا اجتمع النساء في مكان فيسن لهن أن يصلين جماعة، وتقف إمامتهن وسطهن، وأفضل صفوفهن هنا كالرجال الأول ثم الذي يليه.
• حكم إمامة الصبي قبل أن يحتلم:
عَنْ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ الْجَرْمِيُّ ﵁ قَالَ: «كَانَ يَمُرُّ عَلَيْنَا الرُّكْبَانُ فَنَتَعَلَّمُ مِنْهُمُ الْقُرْآنَ، فَأَتَى أَبِي النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، فَجَاءَ أَبِي فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، فَنَظَرُوا فَكُنْتُ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ»، أخرجه البخاري (١).
• حكم مسابقة الإمام في الصلاة:
يحرم على المأموم مسابقة الإمام في الصلاة، ومن سابقه عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته، ومن سابق الإمام في تكبيرة الإحرام فصلاته باطلة لا تنعقد، وإن سابقه إلى ركنٍ من الأركان متعمدًا فصلاته باطلة.
وإن سبقه ناسيًا أو جاهلًا فصلاته صحيحة، لكن عليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام ويلحقه؛ لأنه فعله في غير محله، فإن لم يرجع فلا يعتد بتلك الركعة.
عن أنسٍ ﵁ قال: صلَّى بِنا رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ فلمَّا قضَى الصَّلاةَ أَقبلَ علينا بوجهِه، فقال: «أيُّها الناسُ، إنِّي إمامُكم؛ فلا تَسبِقوني بالرُّكوعِ، ولا بالسُّجودِ، ولا بالقيامِ، ولا بالانصرافِ فإنِّي أراكم أمامي ومِن خَلْفي». أخرجه مسلم (٢).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ : «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ؟». متفقٌ عليه (٣).
стр. 5405
• متى يؤمن المأموم؟.
يؤمن المأموم مع الإمام لا قبله ولا بعده، وذلك لأن التأمين من الإمام والمأموم إنما هو لقراءة الفاتحة في الصلاة، لا لأجل تأمين الإمام، ويجهر به الإمام والمأموم في الصلوات الجهرية.
• فضل التأمين:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ: غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». متفقٌ عليه (١).
• متى يسجد من خلف الإمام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ كَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ». متفقٌ عليه (٢).
• فضل وصل الصف:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵂ أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ ». أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح (٣).
• حكم تسوية الصفوف:
يجب على المأمومين الذين يقفون بين يدي الله أن يتموا صفوفهم الأول فالأول، وأن يسووا صفوفهم في الصلاة، وأن يحاذوا بين المناكب والأكعب، وأن يسدوا الخلل، ومن سد فرجةً في الصف بنى الله له بيتا في الجنة، ورفعه بها درجة.
١٠ - الخزانة العاشرة
• أحكام الإمام، والمأموم، والمنفرد:
• من يقدم في الصلاة إذا تاخر الإمام؟:
السنة تقديم أهل العلم والفضل إذا تأخر الإمام.
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَعِدِي ﵁: «أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فقال: أَتُصَلِّي بِالنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قال: نَعَمْ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ؛ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ». متفقٌ عليه (١).
• ماذا يفعل المأموم إذا سها الإمام؟:
إذا سها الإمام في صلاته، فأوقع شيئًا في غير محله، سبح الرجال، وصفق النساء.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاء». متفقٌ عليه (٢).
стр. 5408
• من يرد على الإمام إذا أخطأ في القراءة؟.
يرد على الإمام إذا أخطأ في القراءة أو نسي القراءة في صلاته، الحافظ، ولا ينبغي التشويش على الإمام بكثرة أصوات من يرد عليه.
• أحوال اقتداء المأموم بالإمام:
اقتداء المأموم بالإمام له أحوال:
الأولى: يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وإن لم يره أو لم ير من وراءه إذا سمع التكبير، ويصح اقتداء من هو خارج المسجد إذا اتصلت الصفوف، وإن لم تتصل الصفوف فلابد أن يرى بعض المأمومين ليقتدي بهم، أو يسمع صوت الإمام، ولا يمنع الفاصل من طريقٍ ونحوه إذا أمكن الاقتداء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
ثانيًا: يصح اقتداء من يؤدى صلاة الفريضة بمن يؤدي صلاة نفل، كمن يصلي العشاء خلف من يصلي التراويح.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه ﵄: «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العِشَاءَ الْآخِرَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ». متفقٌ عليه (١).
ثالثًا: يصح اقتداء من يصلي النافلة بمن يصلي الفريضة، كمن صلي مع من فاتته الفريضة ليحصل له أجر الجماعة.
• حكم اختلاف النية بين الإمام والمأموم:
يجوز اختلاف النية بين الإمام والمأموم في الصلاة، ولا يجوز الاختلاف في الأفعال، فيصح ائتمام مفترض بمتنفل، ومن يصلي الظهر بمن يصلي
стр. 5409
العصر، ومن يصلي العشاء والمغرب بمن يصلي التراويح، فإذا سلم الإمام من الركعتين أكمل الصلاة.
ويجوز أن يصلي العصر خلف من يصلي المغرب، فإذا سلم الإمام قام وجاء بركعة، ثم تشهد وسلم، ويجوز أن يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء فإذا قام الإمام إلى الرابعة جلس وانتظر الإمام ليسلم معه، وإن شاء تشهد وسلم، فاختلاف النية بين صلاة الإمام وصلاة المأموم لا يضر.
أما إذا اختلفت الأفعال فهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن تتفق الصلاتان في الأفعال كالظهر والعصر، فهذا لا يضر إختلاف النية، ولا يضر اختلاف الاسم.
ثانيًا: أن تختلف الصلاتان في الأفعال اختلافًا يسيرًا كمن يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، فهذا لا يضر.
ثالثًا: أن تختلف الأفعال اختلافًا كثيرًا كمن يصل الفجر خلف من يصلي الكسوف، فهذا لا يصح.
• متى يدخل المسبوق في الصلاة؟.
السنة أن يدخل المسبوق في الصلاة على أي حالٍ كان عليها الإمام من القيام، أو الركوع، أو السجود، أو الجلوس، أو غير ذلك.
ثانيًا: إذا دخل المسبوق والإمام راكع كبر واحدة للإحرام، وواحدة للركوع، فإن لم يمكنه كبر واحدةً للإحرام والركوع معاً.
أما إن دخل وهو ساجد فيكبر تكبيرة الإحرام، ثم يستفتح، ثم يكبر ويسجد.
стр. 5410
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا ثُوِّبَ للصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَائْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ». متفقٌ عليه (١).
• أول صلاة المسبوق:
إذا فات المصلي أول الصلاة، فما أدركه مع الإمام هو أول صلاته، وبعد السلام يتم ما فاته من ركعات الصلاة.
• ما يشرع للمأموم فعله في الصلاة:
أولاً: إذا سها الإمام في الصلاة، وسبح الناس، ولم يعرف الأمر، فيكلمه أحد المأمومين بكلامٍ يفهمه.
ثانيًا: يشرع للمأموم أن يأتي بالسنن التي يتركها الإمام.
ثالثًا: المأموم إذا لم يسمع قراءة الإمام في الجهرية يقرأ الفاتحة وغيرها ولا يسكت.
رابعًا: إذا كان الإمام لا يتم الصلاة، أو يرمى بدعة، أو يعلن بفجور، فلا بأس بتخطيه إلى غيره إن لم يقبل النصيحة، والصلاة في مسجدٍ آخر.
خامسًا: إذا حضر اثنان في المسجد، وليس في الصف إلا فرجةٌ تسعٌ لواحد، فالواجب إكمال الصف، ولو صلى أحدهما وحده خلف الصف.
• حكم صلاة المنفرد:
الواجب على المسلم أن يصلي الصلوات الخمس والجمعة في المسجد جماعة مع المسلمين، فإن كان وحده، أو معذورًا بمرض أو سفر، ولم يجد من يصلِّ معه، فيصلي الصلوات منفردًا.
стр. 5411
عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي فَيَقُولُ اللَّهُ : انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ». أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح (١).
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». متفقٌ عليه (٢).
• أين يصلي المنفرد؟.
السنة أن يذهب الرجل إلى المسجد إن كان موجودًا، وقدر، فيؤذن ويقيم ويصلي، وذلك ليحصل له أجر الذهاب إلى المسجد، فإن لم يقدر، أو لم يوجد مسجد، صلى حيث كان في المنزل أو السوق، أو الصحراء أو غير ذلك
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَضَى إلى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، لِيَقْضِي فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خُطُواتُهُ، إحْدَاهَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً». أخرجه مسلم (٣).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنْ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ». متفقٌ عليه (٤).
• حكم تغيير المنفرد نيته إلى إمام:
إذا صلى المسلم منفردًا، ثم جاء وصف معه أحد، فيجوز له تحويل نيته من منفردٍ إلى إمام.
стр. 5412
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي فَقَامَ النَّبِيّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِرأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ». متفقٌ عليه (١).
والإمام يجب عليه أن ينوي بقلبه نية الإمامة لمن خلفه من المصلين، لكن إن جاء رجلان أو رجل، ووجدا رجلًا يصلي وحده، فإن أرادا أن يصليا معه فلينبهاه على أنه إمامٌ لهما، فليدفعاه إلى القبلة، فإن سكت فقد أقرهما، وإن رفض وأشار لهما بيده فلا يصليا خلفه.
• حكم تغير المنفرد نيته من فرضٍ إلى نفل:
إذا كان مسلم يصلي الفريضة منفردًا، ثم قامت جماعةً تصلي، فالأفضل أن يقلب نيته من فرضٍ إلى نفل، ويتمها خفيفة، ويسلم، ثم يدخل مع تلك الجماعة، لتحصل له فضيلة الجماعة.
• حكم جهر المنفرد بالقراءة بالجهرية:
إذا صلى المنفرد وحده صلاة المغرب، أو العشاء، أو الفجر، فعل الأصلح لقلبه، وهو مخير، إن شاء جهر بالقراءة ما لم يؤذي أحدًا كنائمٍ ومريضٍ، أو تكون المرأة بحضرة أجانب، وإن شاء لم يجهر، وكذا من فاته أول الصلاة الجهرية، والأولى عدم الجهر؛ لأن الجهر لإمام الجماعة الذي يسمعه من خلفه.
стр. 5413
• الأماكن التي يجوز للمسلم أن يصلي فيها:
• الأماكن التي لا يجوز أن يصلي فيها الإمام والمأموم والمنفرد هي:
جوف الكعبة، وظهر الكعبة، أو الحجر، إذا كانت الصلاة فريضة، أما إذا كانت الصلاة نافلة سنة فذلك سنة.
ولا تجوز صلاة الفريضة والنافلة في معاطن الإبل، والمجزرة، والمغصوبة، والمزبلة، والحمام، والمقبرة، أو مكان فيه نجاسة، أو إلى قبرٍ، أو عليه، أو مكانٍ يستهزأ فيه بالإسلام، أو مسجد الضرار، أو قارعة الطريق، والحش.
وما سوى ذلك من الأرض تجوز الصلاة فيه، لقول النبي ﷺ : «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». متفقٌ عليه (١).
• صفة إقامة الصلاة للإمام والمأموم والمنفرد:
أعظم أركان الصلاة القيام، المشتمل على قراءة القرآن، والسجود الذي هو أفضل هيئات العبد بين يدي ربه، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولهذا قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وإتمام أركان الصلاة، وواجبتها، وسننها، هو لب إقامتها: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
• حكم الذكر والدعاء بعد الصلاة:
الناس في الذكر والدعاء بعد صلاة الفريضة طرفان ووسط:
الأول: منهم من يقوم بعد الفريضة، ويترك الذكر والدعاء، فيقومون بعد السلام مباشرةً كأنهم فروا من قسورة، وهذا من خلاف الأدب مع الله، فإن إتمام الأذكار بعد الفريضة من كمال الأدب: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
الثاني: ومنهم من يدعو هو والمأمومون رافعي أيديهم يؤمنون، وهذا كالذي قبله خلاف السنة.
الثالث: الوسط، وهو إتباع السنة بأداء ما ورد عقب الصلاة من الذكر المشروع الوارد كما سبق.
وإن دعا الإمام لأمر عارضٍ أحيانًا، أو ترك الذكر وقام لأمرٍ عارض، فكل ذلك جاءت به السنة: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
стр. 5416
موسوعة خزائن العلوم الاسلامية
٣٣ - خزائن الصلاة
القسم الثالث
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 5417
٣٣ - خزائن الصلاة
القسم الثالث
١ - الخزانة الأولى
صلاة أهل الأعذار
• أهل الأعذار هم: المرضى، والمسافرون، والخائفون الذين لا يستطيعون أداء الصلاة على صفتها التي يؤديها غير المعذور، ومن رحمة الله أن يَسَّر لهم ورفع عنهم الحرج، ولم يحرمهم كسب الأجر كاملاً، فأمرهم أن يصلوا حسب استطاعتهم على ما جاءت به السنة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
والله له أوامر على عباده حال الصحة، وحال المرض، وحال الإقامة، وحال السفر، وحال الأمن وحال الخوف، والله يريد أن يطاع في هذا وهذا، ويحب أن يعبد بهذا وهذا، حسب القدرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
ومن رحمة الله لأهل الأعذار: أن أمرهم أن يصلوا على حسب استطاعتهم على ما جاءت به السنة كما يلي:
стр. 5418
صلاة المريض
• صفة صلاة المريض:
يجب على المريض أن يتطهر للصلاة بالماء، فإن لم يستطع تيمم، فإن لم يستطع سقطت الطهارة، وصلى حسب حاله.
• صفة صلاة المريض:
أولًا: تلزم المريض الصلاة المفروضة قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا متربعًا، أو على هيئة جلوس التشهد، يحني ظهره راكعًا وساجدًا، فإن لم يستطع أومأ برأسه، فإن لم يستطع الجلوس فعلى جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة، فإن شق عليه فعلى الأيسر، فإن لم يستطع صلى مستلقيًا على ظهره ورجلاه إلى القبلة إن تيسر، وإلا صلى حسب حاله، ويومئ برأسه راكعًا وساجدًا إلى صدره، ويخفض السجود أكثر من الركوع، وله مثل أجر الصحيح، ولا تسقط الصلاة مادام العقل موجودًا، فيصلي على حسب حاله كما ورد: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ثانيًا: المريض كغيره يلزمه استقبال القبلة في الصلاة، فإن لم يستطع صلى حسب حاله إلى أي جهة تسهل عليه، ولا تصح صلاة المريض إيماءً بطرفه، أو إشارةً بأصبعه، بل يصلي كما ورد كما قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
وعن عمران بن حصين ﵁ قال: كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْب». أخرجه البخاري (١).
стр. 5419
ثالثًا: القادر على أداء صلاة النفل قائمًا، إن صلاها قاعدًا، فله نصف أجر القائم، وإن صلاها قائماً فهو أفضل وأكثر أجراً.
عن عمران بن حصين ﵁ وكان مبسورًا قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعدًا فقال: «إنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِد». أخرجه البخاري (١).
• أحكام صلاة المريض:
الأول: إذا صلى المريض قاعدًا، ثم قدر على القيام، أو صلى جالسًا ثم قدر على السجود، أو صلى على جنب، ثم قدر على القعود أثناءها، انتقل إلى ما قدر عليه؛ لأنه الواجب في حقه.
ثانيًا: يجوز للمريض أن يصلي مستلقيًا مع القدرة على القيام لمداواةٍ بقول طبيب ثقة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
ثالثًا: إن قدر المريض على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوعٍ قائمًا، وبسجود قاعدًا.
رابعًا: من لم يستطع السجود على الأرض يركع ويسجد وهو جالس، يجعل سجوده أخفض من ركوعه، ويضع يديه على ركبتيه، ولا يرفع إلى جبهته شيئًا كالوسادة ونحوها ليسجد عليه.
خامسًا: من لم يستطع القيام والقعود على الأرض صلى على مقعد أو كرسي، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، ولا يضع شيئًا يسجد عليه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧].
стр. 5420
• متى يجمع المريض الصلاة؟.
إن شق على المريض أو عجز أن يصلي كل صلاة في وقتها، فله الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما جمعًا بلا قصر، لأن القصر خاص بالسفر: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١].
والمشقة في الصلاة هي: ما يزول بها الخشوع، وتصعب معه الحركة، والخشوع هو: حضور القلب والطمأنينة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ١ - ٣].
• أين يصلي المريض؟.
المريض الذي يستطيع الذهاب إلى المسجد تلزمه صلاة الجماعة في المسجد، فيصلي قائمًا إن استطاع، وإلا صلى حسب قدرته مع الجماعة على الأرض، أو على كرسيٍ ثابت أو متحرك.
فإن لم يستطع الذهاب إلى المسجد صلى في بيته، وكتب الله له أجر الجماعة إذا كان من عادته الصلاة جماعة، لقول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». أخرجه البخاري (١).
• ما يُكتب للمريض والمسافر من العمل:
عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيْمًا صَحِيحًا». أخرجه البخاري (٢).
стр. 5421
• ما يجوز للمريض فعله:
إذا صلى المريض قاعدًا، ثم قدر على القيام، أو صلى جالسًا ثم قدر على السجود، أو صلى على جنب ثم قدر على القعود، فإنه في جميع هذه الأحوال ينتقل إلى ما قدر عليه؛ لأنه الواجب في حقه.
ومن لم يستطع السجود على الأرض يركع ويسجد وهو جالس، ويجعل ركوعه أخفض من جلوسه، وسجوده أخفض من ركوعه.
ويجوز للمريض أن يصلي مستلقيًا مع القدرة على القيام لمداواةٍ بقول طبيب ثقة.
والمريض الذي ستجرى له عملية جراحية تحتاج إلى تخدير يجوز له أن يجمع بين الصلاتين، جمع تقديم أو تأخير، حسب الأرفق بحاله.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، فإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رَكَعَ». أخرجه البخاري (١).
• حكم صلاة المغمى عليه:
إذا كان المريض يغمى عليه أيامًا ويفيق، فإنه يصلي حال إفاقته حسب استطاعته، وليس عليه قضاء الصلوات التي مرت حال إغمائه؛ لأنه غير مكلفٍ حال إغمائه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧].
стр. 5422
٢ - صلاة المسافر
• السفر: هو مفارقة محل الإقامة.
ومن محاسن الإسلام مشروعية القصر والجمع في السفر؛ لأنه غالبًا توجد فيه المشقة، والإسلام دين رحمةٍ وتيسير، وكل ما يسمى سفرًا في العرف تعلقت به أحكام السفر، وهي: القصر، والجمع، والفطر، والمسح على الخفين.
عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١].
فقد أَمِنَ الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن ذلك فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ». أخرجه مسلم (١).
• حكم القصر والجمع:
أولاً: القصر في السفر سنةٌ راتبة، والجمع بين الصلاتين رخصةٌ عارضة؛ لأن غالب صلاة النبي ﷺ إنما كان يصليها في وقتها، والجمع في أحوالٍ قليلة.
ثانيًا: القصر في السفر سنةٌ مؤكدة في حال الأمن أو الخوف، وهو قصر الصلاة الرباعية الظهر والعصر والعشاء إلى ركعتين، ولا يجوز إلا في السفر فقط، أما المغرب والفجر فلا تقصران أبدًا: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١].
стр. 5423
وأما الجمع فيكون في السفر، ويكون في الحضر، عند وجود سببه، فتجمع الظهر مع العصر، وتجمع المغرب مع العشاء، في وقت إحداهما، وله أن يجمع في الوقت الذي بينهما، أما الفجر فلا تجمع لغيرها أبدًا.
ثالثًا: لا يشترط للجمع نية عند افتتاح الصلاة الأولى، فمن صلى الظهر، وهو لم ينو الجمع، فله أن يجمع معها العصر.
رابعًا: من جمع الظهر مع العصر جمع تقديم، فيدخل في حقه وقت النهي، ومن جمع المغرب مع العشاء جمع تقديم فيدخل في حقه وقت الوتر.
خامسًا: إذا سافر المسلم ماشيًا، أو راكبًا، برًا، أو بحرًا، أو جوًا، سُنَّ له قصر الصلاة الرباعية ركعتين، ويسن له أن يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما إذا احتاج إلى ذلك حتى ينتهي سفره.
قالت عائشة ﵁: «الصَّلاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلاةُ الحَضَرِ». متفقٌ عليه (١).
• متى يبدأ المسافر في أحكام السفر؟.
يبدأ المسافر القصر والجمع إذا فارق عامر قريته، ولا حد للمسافة في السفر، وإنما يرجع ذلك إلى العرف، فمتى سافر ولم ينو الإقامة المطلقة أو الاستيطان فهو مسافر تنطبق عليه أحكام السفر حتى يعود إلى بلده، والقصر في السفر هو السنة، ويقصر في كل ما يُسمى سفرًا، وإن أتم فصلاته صحيحة، لكنه ترك السنة كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١].
стр. 5424
والله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
صفة صلاة المسافر خلف المقيم:
أولاً: إذا صلى المسافر خلف مقيمٍ أتم، وإن صلى مقيمٌ خلف مسافر، فالسنة أن يَقصُر المسافر، أما المقيم فعليه الإتمام بعد السلام.
ثانيًا: السنة إذا صلى المسافر بالمقيمين في بلدهم أن يصلي بهم ركعتين، ثم يقول: أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سَفْر.
• حكم صلاة النوافل في السفر:
السنة ترك الرواتب في السفر ما عدا التهجد، والوتر، وسنة الفجر.
أما النوافل المطلقة ركعتين ركعتين فهي مشروعة في السفر والحضر، وكذا ذوات الأسباب كسنة الوضوء، وسنة الطواف، وتحية المسجد، وصلاة الضحى ونحوها.
والأذكار بعد الصلوات الخمس سنةٌ للرجال والنساء، حضرًا وسفرًا.
• حكم من سفره مستمر طوال العام:
قائد الطائرة، أو السيارة، أو السفينة، أو القطار، ومَنْ سفره مستمرٌ طول الزمن يجوز له أن يأخذ برخص السفر كالقصر، والجمع، والفطر، والمسح: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
• أحوال المغترب عن بلده:
المغترب عن بلده له ثلاث حالات:
الأولى: أن ينوي الإقامة المطلقة في بلاد الغربة، كالسفراء، والعمال، والتجار، المقيمين للتجارة والعمل، فهؤلاء وأمثالهم في حكم المقيمين.
стр. 5425
الثانية: أن ينوي إقامة لغرضٍ معين غير مقيدٍ بزمن، لكنه لا يعلم متى تنتهي مهمته، ومتى انتهت عاد إلى وطنه، كالقادم لمهمة تتعلق بعمله أو تجارته، أو علاجه، فهذا إن نوى الإقامة، واستأجر أخذ حكم المقيمين، وإن كان عمله ينتهي في يومٍ ونحوه، فهؤلاء في حكم المسافرين.
الثالثة: أن ينوي إقامة لغرضٍ خاص مقيدٍ بزمن، ومتى انتهى عاد إلى وطنه، كمن يدرس في بلاد الغربة، هذا في حكم المقيم؛ لأنه استأجر ونوى الإقامة؛ لأن الصحابة الذين كانوا يأتون إلى المدينة يصلون مع النبي ﷺ في مسجده بلا قصرٍ ولا جمع.
• أحكام القصر في السفر:
أولاً: القصر في السفر في الطريق ذهاباً وعودة فقط: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١].
ثأنياً: العبرة في السفر اعتبار المكان لا الزمان، فإذا نسي المسافر صلاة حضر ثم ذكرها في سفر قَصَرها، وإن ذكر صلاة سفر في حضر أتمها.
ثالثاً: إذا حُبِسَ المسافر في بلد ولم يعلم متى يعود إلى بلده فهذا في حكم المقيم.
رابعاً: إذا دخل وقت الصلاة ثم سافر فله أن يقصر ويجمع، وإن دخل وقت الصلاة وهو في السفر، ثم دخل بلده فإنه يتم، ولا يجمع، ولا يقصر.
• صفة الصلاة في الطائرة:
صفة الصلاة في الطائرة كالصلاة على الأرض، وإذا كان المسلم في الطائرة مثلًا، ولم يجد مكانًا للصلاة، صلى في مكانه قائمًا مستقبلًا القبلة، ويومئ
стр. 5426
بالركوع حسب قدرته، ثم يجلس على الكرسي، ثم يومئ بالسجود حسب قدرته: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
• حكم المسافر إذا وصل إلى مكة:
من سافر إلى مكة وغيرها أتم خلف الإمام المقيم، فإن لم يدرك الصلاة معه فالسنة له القصر، وهذا لمن مر بمكة مرورًا عابرًا، أما لو نوى الإقامة في مكة واستأجر فإنه يأخذ حكم المقيمين، ويصلي مع الجماعة كالمقيمين، لأن القصر في السفر في الطريق فقط.
ومن سافر ومر بقرية وسمع الأذان أو الإقامة ولم يكن صلى، فإن شاء نزل وصلى مع الجماعة، وإن شاء واصل سيره وصلى حيث شاء، لأنه مسافر: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١].
• حكم الأذان والإقامة في السفر:
المسافر إذا أراد أن يجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء فإنه يُؤذن إذا أراد فعل الصلاة، ثم يقيم ويصلي الأولى، ثم يقيم ويصلي الثانية، يؤديها المسافرون جماعة كلهم، فإن كان هناك بردٌ، أو ريحٌ، أو مطر، أو عذرٌ صلوا في رحالهم.
• صفة الجمع والقصر في السفر:
يجوز للمسافر الجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، في وقت إحداهما مرتبًا، وله أن يجمع في الوقت الذي بينهما.
فإن كان المسافر نازلًا فَعَل الأرفق به حسب حاله، والأفضل أن يصلي كل صلاةٍ في وقتها.
стр. 5427
وإن كان سائرًا فالسنة إذا غابت الشمس قبل أن يرتحل أن يجمع بين المغرب والعشاء تقديمًا، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخَّر المغرب إلى العشاء، وجمع بينهما تأخيراً، وجمع بينهما تأخيرًا.
وإذا زالت الشمس قبل أن يركب جمع بين الظهر والعصر تقديمًا، وإن ركب قبل أن تزول الشمس أخَّر الظهر إلى العصر، وجمع بينهما تأخيرًا، يفعل من ذلك ما هو الأرفق بحاله.
عن ابن عباس ﵄ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ». أخرجه البخاري (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمّ رَكِبَ». متفقٌ عليه (٢).
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إِلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ المَغْرِبَ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاء، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ المَغْرِبَ عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ المَغْرِبَ». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (٣).
стр. 5428
• حكم الجمع والقصر في عرفة ومزدلفة:
يسن في الحج لمن كان بعرفة أن يقصر ويجمع بين الظهر والعصر تقديمًا، وفي مزدلفة يَقْصر ويجمع بين المغرب والعشاء تأخيرًا كما فعله النبي ﷺ في حجته.
• حكم الجماعة في السفر:
يجب على المسافرين أن يصلوا جماعة إن تيسر، وإلا صلوا فرادى حسب الاستطاعة، فيصلي في الطائرة أو السفينة أو القطار ونحوها قائمًا، فإن لم يستطع صلى قاعدًا وأومأ بالركوع والسجود، ويصلي الفريضة مستقبل القبلة، ويسن له الأذان والإقامة وإن كان وحده: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
• صفة التطوع على ظهر الراحلة:
يسن للمسافر التنفل على ظهر الراحلة، ويسن أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام إن تيسر، وإلا صلى حيثما توجهت به الراحلة قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا يومئ برأسه.
عَنْ جَابِر بن عبد الله ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةُ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ». متفقٌ عليه (١).
• حكم الجمع في الحضر:
يجوز الجمع في الحضر بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء لمريضٍ يلحقه بتركه مشقة، وفي الليلة المطيرة، أو الباردة، أو وحل، أو ريحٍ شديدةٍ باردة، ومن خاف على نفسه، أو أهله، أو ماله ونحو ذلك.
стр. 5429
ويجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر عند الحاجة كمن يطفئ الحريق، أو ينقذ غريقًا، أو طبيب يجري عملية تستغرق وقتًا طويلًا، ونحوه من أهل الأعذار، لما في ذلك من إنقاذ معصوم، وتحصيل مصلحةٍ للمسلمين: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
• ما يفعله المسافر إذا عاد إلى بلده:
يسن للمسافر إذا عاد إلى بلده أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين، لفعله ﷺ .
والإنسان إذا سافر من بلده إلى بلدٍ آخر، كأن يسافر مثلًا من الرياض إلى مكة، فهذا المسافر له الجمع والقصر في الطريق، ذهابًا وعودة، أما إذا استقر في مكة مثلًا، واستأجر، فإنه يأخذ حكم المقيمين، فلا قصر ولا جمع؛ لأن الصحابة الذين كانوا يأتون إلى المدينة من بلادهم ليسلموا ويسمعوا من النبي ﷺ كانوا يصلون مع النبي ﷺ صلاة مقيم بلا قصرٍ ولا جمع: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١].
• أقسام السفر:
السفر أنواعٌ كثيرة، ولكل سفرٍ مقصد، وأسفار الخلق يجمعها ثلاثة أنواع:
سفر الطاعة، وسفر المعصية، والسفر المباح.
فالأول: سفر الطاعة، وهو كل سفرٍ يحبه الله ورسوله، كالهجرة في سبيل الله، والسفر من أجل الدعوة إلى الله، والسفر من أجل تعلم وتعليم أحكام الدين، والسفر من أجل الجهاد في سبيل الله، والسفر من أجل الحج والعمرة، والسفر من أجل الصلاة في المساجد الثلاثة، والسفر من أجل
стр. 5430
صلة الرحم، وزيارة الإخوان ونحو ذلك، فهذه أعلى أنواع السفر في الإسلام.
الثاني: سفر المعصية، وهو كل سفرٍ من أجل شهوات النفس المحرمة، الذي ترتكب فيه الكبائر والفواحش، وتضيع فيه الأوقات في نيل الشهوات المحرمة، وإهمال فرائض الله الواجبة، هذا السفر المحرم.
الثالث: سفرٌ مباح، كالسفر من أجل التجارة، وكالسفر من أجل إلتمام النفس في حدود المباح، والسفر من أجل العلاج ونحو ذلك، فهذا جائز.
عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١].
فقد أَمِنَ الناس!، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن ذلك فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ». أخرجه مسلم (١).
• حكم القصر في السفر:
القصر في السفر هو السنة، ويقصر في كل ما يُسمى سفرًا، وإن أتم فصلاته صحيحة، لكنه ترك الأفضل: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١].
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ -قَالَ: وَأَحْسِبُهُ- بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ». متفقٌ عليه (٢).