الصلاة الإتمام، وليس القصر وإذا زال السبب عُمل بالأصل، لأن العبرة في قضاء الصلوات وأدائها، اعتبار المكان لا الزمان.
ثانيًا: صفة قضاء صلاة الحضر في السفر:
إذا فاتت المسلم صلاة من الصلوات الخمس في الحضر لعذرٍ، ثم ذكرها في السفر، فإنها تُقضى ركعتين؛ لأن العبرة في قضاء الصلاة اعتبار المكان لا الزمان.
• قضاء صلاة التطوع:
أولًا: قضاء السنن الرواتب:
صفة قضاء السنن الرواتب:
يُسن قضاء السنن الرواتب إذا فاتت لعذر، سواء كانت مع فرائضها، أو لم تفوت معها.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «منْ نَسِيَ صَلَاةً أو نَامَ عَنْهَا فَكْفَّارتُها أن يُصَلِيهَا إذا ذَكَرَهَا». أخرجه مسلم (١).
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ». متفقٌ عليه (٢).
عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ : لم يستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ : «لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ»، قَالَ: فَفَعَلْنَا، ثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَقَالَ يَعْقُوبُ: ثُمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْغَدَاةَ». أخرجه مسلم (٣).
стр. 5462
• صفة قضاء قيام الليل والوتر:
يُسن لمن فاتته صلاة الليل من تهجدٍ ووتر أن يقضيهما إن تركاهما لعذر.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «منْ نَامَ عن حِزْبِه فقرأهُ فيما بين صَلاة الفجر وصلاة المغرب، كُتِبَ لهُ كأنَما قَرَأَهُ مِنَ الليْل». أخرجه مسلم (١).
وعن عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ : «كان إذا فاتَتْهُ الصلاة من الليل، من وَجَعٍ أو غَيْرُهُ صَلْى بالنهار اثنَتَيَ عشرة ركعة». أخرجه مسلم (٢).
وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نَامَ عن وِتْرِهِ أو نَسِيَهُ فَلْيُصَلْه إذا ذَكَرَهُ». رواه الترمذي بسندٍ صحيح (٣).
стр. 5463
٤ - الخزانة الرابعة
صلاة التطوع
• أقسام الصلوات:
الصلوات التي أمر الله رسوله بها نوعان:
الأول: الصلوات المفروضة: وهي الصلوات التي فرض الله على المؤمنين فعلها، وهي الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة.
الثاني: صلاة التطوع، وهي صلاة النفل التي وسع الله على العباد فيها، وجعلها من باب الزيادة في الأجر والخير، سواءً كانت نوافل مطلقة أو مقيدة كصلاة التطوع وكصلاة العيدين، والاستسقاء ونحوهما كما سيأتي.
والتطوع: هو فعل الطاعة مطلقًا سواءً كانت واجبة أو مسنونة، ويطلق التطوع في الشرع على كل طاعةٍ غير واجبة: من صلاةٍ وصدقةٍ وصومٍ وحجٍ ونحو ذلك.
وصلاة التطوع: هي جميع الصلوات المشروعة غير الواجبة، ويطلق عليها لفظ السنة، والمستحب، والرغيبة، والفضيلة.
• حكمة مشروعية التطوع:
الله ﵎ يحب المؤمنين، ويحب لهم الدرجات العلى في الجنة، ومن رحمة الله بعباده أن شرع لكل فرضٍ تطوعًا من جنسه، ليزداد المؤمن إيمانًا بفعل هذا التطوع، ويكسب به زيادة الأجر، وتعلو به درجته عند ربه، ويكمل به ما نقص من الفرائض.
وشرع سبحانه الصلاة، وجعل منها الفرض والتطوع، وشرع الزكاة وجعل منها الواجب والتطوع، وشرع الصيام وجعل منه الواجب والتطوع، وشرع الحج وجعل منه الواجب والتطوع، وهكذا في جميع الأعمال الصالحة.
стр. 5464
وكلما أكثر العبد من التطوع والنوافل أحبه الله، وازداد منه قربًا، وأجاب دعاءه.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أن الله قال: من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحبُ إلي مما افترضت عليه، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ، وَبصَرُهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدُهُ التي يَبْطِشُ بها، ورِجْلِهِ التي يَمْشِي بها، وإن سألَنِي لأعطينهُ، وإن إستعَاذَنِي لاأُعِيذنهُ، وما تَرَددتُ عن شيءٍ أنا فَاعِلُهُ تَرَدُدِي عن نَفَسِ المؤمن يَكرهُ الموتُ، وأنا أكرهُ مُساءتهُ». أخرجه البخاري (١).
• قيمة التطوع:
أوامر الله نوعان:
فرائض .. ونوافل.
فالفرائض: رأس المال، وهي أصل التجارة، وبها يحصل دخول الجنة، والنجاة من النار.
والنوافل: هي الربح، وبها تكثر الحسنات، وتكفر السيئات، ويفوز العبد بأعلى الدرجات من الجنة.
وكان الصحابة ﵃ مواظبون عن السنن، مواظبتهم على الفرائض، ولا يُفرقون بينهما في اغتنام الثواب: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
стр. 5465
• أفضل التطوع:
التطوع أنواعٌ كثيرةٌ جدًا، وآكدها الجهاد في سبيل الله، والعلم، والصلاة، والذكر، والاستغفار.
وأفضل التطوع يختلف باختلاف الفاعل، وباختلاف الزمن، وباختلاف النوع.
فالشجاع الأفضل في حقه الجهاد في سبيل الله، لأنه أليق به.
والذكي الحافظ قوي الحجة الأفضل له العلم، لأنه الأليق به.
والغني الأفضل له الإنفاق في وجوه البر والإحسان.
والقوي النشيط الأفضل له الصلاة والذكر، وصاحب الشهوات الأفضل له الصيام، وهكذا باقي الأعمال الصالحة، ينظر المؤمن ما يصلح قلبه فيلزمه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال الله تعالي: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة: ١٠٥].
وإذا كنا في زمنٍ تفشى فيه الجهل والبدع، وكثر من يفتي بلا علم، فالعلم أفضل من الجهاد، وإن كنا في زمنٍ كثر فيه العلماء، واحتاجت الثغور إلى مرابطين يدافعون عن الإسلام والمسلمين، فالأفضل الجهاد في سبيل الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩].
فإن لم يكن مرجحٌ لهذا ولا لهذا فالأفضل له العلم وتعليمه، ليرفع الجهل عن نفسه، وعن غيره، فالعلم لا يعدله شيءٌ لمن صحة نيته.
стр. 5466
ومبنى الشرع كله على العلم الإلهي: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال الله تعالي: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالي: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
وقال الله تعالي: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
• فضل التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قال: من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحبُ إلي مما افترضت عليه، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ، وَبصَرُهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدُهُ التي يَبْطِشُ بها، ورِجْلِهِ التي يَمْشِي بها، وإن سألَنِي لأعطينهُ، وإن استعَاذَنِي لا أُعِيذنهُ، وما تَرَددتُ عن شيءٍ أنا فَاعِلُهُ تَرَدُدِي عن نَفَسِ المؤمن يَكرهُ الموتُ، وأنا أكرهُ مُساءتهُ». أخرجه البخاري (١).
стр. 5467
وعن ثعلبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكَ بكثْرَة السُجُود لله فَإِنَكَ لا تَسجُد لله سَجْدة إلا ورفعك بها الله درجة، وحَطَ عنك بها خَطِيئة». أخرجه مسلم (١).
• أنواع صلاة التطوع:
صلاة التطوع أنواعٌ كثيرة:
منها ما تشرع له الجماعة: كصلاة التراويح، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف.
ومنها ما لا تشرع له الجماعة: كصلاة الاستخارة.
ومنها ما هو تابعٌ للفرائض كالسنن الرواتب.
ومنها ما ليس تابعاً للفرائض كصلاة الضحى.
ومنها ما هو مؤقت كصلاة التهجد، والتراويح، ومنها ما هو تطوعٌ مطلق لا يتقيد بسببٍ ولا بوقتٍ ولا بفرضٍ ولا بعدد كالنوافل المطلقة.
ومنها ما هو مقيد بسبب كركعتي الوضوء، وتحية المسجد.
ومنها ما هو مؤكد كصلاة العيدين والكسوف والاستسقاء والوتر.
ومنها ما ليس بمؤكد كالنوافل قبل العصر والمغرب ونحوهما.
وهذا من فضل الله الكريم على عباده، حيث شرع لهم ما يتقربون به إليه من الطاعات والقربات، ليرفع لهم به الدرجات، ويكفر عنهم به السيئات ويضاعف لهم به الحسنات.
فلله الحمد والشكر على ما خلق وأمر، وله الشكر على ما سن وشرع، وله الحمد على ما قضى وقدر، وله الشكر على جزيل النعم والعطاء: ﴿فَلِلَّهِ
стр. 5468
الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
ومن رحمة الله بعباده أن شرع لهم لكل فرض تطوعاً من جنسه، ليزيد المؤمن إيمانًا بفعله هذا التطوع، ويكمل به ما نقص من الفرائض، فالفرائض يعتريها النقص، والتطوع يكمل ذلك النقص.
فعلى العبد أن يبادر إلى تلك الطاعات والتطوعات: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقال الله تعالي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالي: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
• فضائل صلاة التطوع:
أولاً: صلاة التطوع تجلب محبة الله للعبد، وإجابة دعائه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي
стр. 5469
يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأعيذنه». أخرجه البخاري (١).
ثانيًا: صلاة التطوع ترفع الدرجات، وتحط الخطايا،
عن ثعلبة ﵁ أنه سئل عن أحب الأعمال إلى الله؟ فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «عليكَ بكثْرَة السُجُود لله فَإِنَكَ لا تَسجُد لله سَجْدة إلا ورفعك بها الله درجة، وحَطَ عنك بها خَطِيئة». أخرجه مسلم (٢).
ثالثًا: كثرة النوافل من أعظم الأسباب لدخول الجنة.
عن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: «كنتُ أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيت بوضوئه وحاجته، فَقَالَ لِي: «سَلْ». فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ». قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». أخرجه مسلم (٣).
رابعًا: صلاة التطوع: تكمل الفرائض، وتجبر نقصها.
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يُحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن أتمها وإلا، قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أُكملت الفريضة من تطوعه، ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك». أخرجه أبو داود وابن ماجه بسندٍ صحيح (٤).
خامسًا: التطوع وكثرة التطوع، ومحبته: علامة شكر العبد لربه.
عن عائشة ﵂: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ
стр. 5470
مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ». متفقٌ عليه (١).
سادسًا: صلاة التطوع أفضل الأعمال بعد الجهاد والعلم.
عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «استَقِيموا تُفْلِحوا، وخيرُ أعمالكمُ الصلاة، وما يُحافِظُ على الوضُوء إلا مُؤمن». أخرجه أحمد بسندٍ صحيح (٢).
سابعًا: صلاة التطوع في البيت سببٌ في حصول الخير والبركة.
عن زيد بن ثابت ﵁ أن الرسول ﷺ : «اتْخَذَ حُجْرَةً، قال: حَسِبْتُ أنَهُ قال: مَنْ حَصِير في رمضان فصَلَى فيها ليَالي، فصلى بصلاتهِ ناسٌ من أصحابه، فلما عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يقعُد، فخرج إليهم، فقال: قد عرفْتُ الذي رأيتُ من صَنِيعُكُمُ، فصَلُوا أيها الناس في بيُوتِكُم، فإن أفضل الصلاة صلاة المَرْءُ في بيتهِ إلا المكْتُوبَة». متفقٌ عليه (٣).
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا». أخرجه مسلم (٤).
• أحبُ التطوع إلى الله :
عن عائشة ﵂ قالت: «دَخَلَ عليَ رسول الله ﷺ : وعِنْدِي امرَأةٌ، فقال: مَنْ هَذِهِ؟ فقلتُ: امرأةٌ لا تنَامُ تُصلي، قَالَ: عَلَيكُم من
стр. 5471
العَمَلِ ما تُطِيقُون، و والله لا يَمَلُ الله حتى تَمَلُوا، وكان أحبُ الدين إليه ما دَاوَمَ عليهِ صاحبهُ». متفقٌ عليه (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل النبي ﷺ : «فإذا حبلٌ ممدودٌ بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبلٌ لزينب، فإذا فتَرَتَ تعلقت، فقال ﷺ : لا حُلُوه، ليُصَلِي أَحَدُكُم ما شاءهُ فإذا فَتَرَ فلَيَقْعُدْ». متفقٌ عليه (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». متفقٌ عليه (٣).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وكان أحبُ الصلاةُ إلى الرسول ﷺ ما دُوِمَ عليهِ صاحبه، وإن قل، وكانوا إذا صلُوا صلاةً داوموا عليها». متفقٌ عليه (٤).
• فضل النية والعمل الصالح:
من اعتاد شيئًا من التطوعات والطاعات، وحال بينه وبين فعله العذر، كتب الله له به أجرها.
ومن كان يصوم الاثنين، ووافق صيام البيض، أو كان يصومُ يومًا، ويفطر يومًا، ووافق يوم الاثنين، فإنه ينويهما معًا، فإنما الأعمال يزيد أجرها بحسب تعدد النيات.
стр. 5472
وهكذا تحية المسجد تُجزئ عن السنة الراتبة، وركعتي الوضوء.
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرؤٌ ما نوى». متفقٌ عليه (١).
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مَرِضَ العبدُ أو سافر، كُتِبَ له مثل ما كان يعمله وهو صحيحٌ مقيم». أخرجه البخاري (٢).
• صفة أداء صلاة التطوع:
الأول: يجوز للمسلم أن يصلي النوافل قائمًا وقاعدًا، والقيام أفضل عند القدرة، ومن صلى قاعدًا وهو قادر على القيام فله نصف أجر القائم، ومن صلى قاعدًا وهو عاجزٌ عن القيام فله مثل أجر القائم: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
ثانيًا: يجوز أداء بعض التطوع من قيامٍ، وبعضه من قعود.
ثالثًا: صلاة الفريضة القيام فيها ركن، ومن تركه مع القدرة عليه فصلاته باطلة، والسنة لمن صلى قاعدًا بأن يتربع في حال القعود.
عن عمران بن حصين ﵁ قال: سألتُ النبي ﷺ : «عن الرجلُ صلاة وهو قاعدٌ؟ فقال: من صَلَى قائمًا فهو أَفْضَلُ، ومن صلى قاعدًا فله نصفُ أجرُ القائمِ، ومن صَلَى نائمًا فلهُ نِصفُ أجرُ القَاعدِ». أخرجه البخاري (٣).
وعن عمران بن حصين ﵁ قال: «كانت بي بواسير، فسألتُ النبي ﷺ عن الصَلَاةِ؟ فقال: صَلِ قائمًا، فإن لم تَسْتَطِعْ فقاعدًا فإن لم تَسْتَطِعْ فعَلَى جَنْبَ». أخرجه البخاري (٤).
стр. 5473
وعن عائشة ﵂ قالت: «رأيتُ النبي ﷺ يُصَلِي متربعًا». أخرجه النسائي وابن خُزيمة بسندٍ صحيح (١).
• حكم صلاة التطوع جماعة:
السنة أن يصلي المسلم صلاة التطوع، والتهجد، والنوافل، في بيته منفردًا إلا ما شُرَعِ له جماعة.
وصلاة التطوع في جماعة قسمان:
الأول: ما تُسنُ له الجماعة الراتبة: كصلاة العيدين، والكسوف، والتراويح، والاستسقاء، فهذا يُفعل جماعةٌ دائماً.
الثاني: ما لا تُسنُ له الجماعة الراتبة: كقيام الليل، وصلاة الضحى، والنوافل المطلقة، فهذا يصليه المسلم منفردًا في البيت، لأن ذلك هو السنة، وأبعدُ عن الرياء، وأصون عن المحبطات للأعمال، وأقرب للإخلاص، وعلامة الصدق والمحبة، وليتبرك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة والملائكة، وتنفر منه الشياطين.
وإذا صلى المسلم هذا التطوع جماعةً أحيانًا جاز إذا لم يتخذ عادة، وكذا إذا كان لمصلحة مثل: أن لا يحصر المصلي وحده، ولا ينشط وحده فالجماعة أفضل إذا لم يتخذ هذا عادة راتبةً، والمداومة على فعل هذا الجماعة بدعة، وفعلها في البيت أفضل إلا لمصلحةٍ راجحة.
عن أنس بن مالك ﵁: «أن جَدَتُهُ مَلِيكة بَعَثَتْ لرسول الله ﷺ بطَعَامٍ صَنَعَتهُ لهُ، فأكلَ منه، ثم قال: قُوموا فلاصلي لكم، قال أنس: فقمتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودْ من طُولِ ما لُبِسَ، فنضحته بماءٍ، فقام رسول الله
стр. 5474
ﷺ وصَفْفتُ واليتيمُ وراءهُ، وقال: عزيزٌ والعجوز من ورائِنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركَعَتين، ثم انْصَرَفَ». متفقٌ عليه (١).
وعن زيدٍ بن ثابت ﵁ أن الرسول ﷺ : «اتخذَ حُجْرَةً قال: حَسِبْتُ أنهُ قال: من حَصِير، في رمضان فصَلَى فيها ليالي، فصلى بصلاتة ناسٍ من أصحابه، فلما عَلِمَ بهم جعل يقعُد، فخرَجَ إليهم فقال: قد عرفتُ الذي رأيتُ من صَنِيعكُمُ، فصلوا أيها الناس في بيوتكُم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرءُ في بيته إلا المكتوبة». متفقٌ عليه (٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ».، قُلْنَا: وَمَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ ﷺ ». متفقٌ عليه (٣).
• حكم التطوع على الراحلة في السفر:
يستحب للمسافر التطوع على الراحلة، سواءً كانت طائرة، أو سيارة، أو قطار، أو سفينة، أو حيوان، أو غير ذلك من وسائل النقل.
ويستحب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام في التطوع في السفر إن قدر، وإلا صلى حيثما توجهت به راحلته، أما الفريضة فلابد المسافر أن يستقبل القبلة في جميع صلاته، راكبًا أو نازلًا، مقيمًا أو مسافرًا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥].
وعن ابن عمر ﵁ قال: كان النبي ﷺ : «يُصَلي في السفرِ على رَاحِلتِه حيثُ تَوَجَهَتْ به يُومِي إيماءً صلاةُ الليلِ، إلا الفرائضُ، ويُوترُ على راحلتهِ». متفقٌ عليه (٤).
стр. 5475
وعن جابر ﵁ يقول: «كان النبي ﷺ يُصلِي على راحلتهِ حيثُ توجهتْ، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة». متفقٌ عليه (١).
• أوقات النهي عن صلاة التطوع:
أوقات النهي عن صلاة التطوع خمسة وهي:
من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ومن طلوع الشمس إلى ارتفاعها قدر رمح، ويقدر بخمس عشرة دقيقة تقريبًا؛ ومن استواء الشمس حتى تزول، وهو وقتٌ قصير جدًا ويقدر بخمس دقائق تقريبًا، ومن بعد صلاة العصر إلى اصفرار الشمس، ومن شروع الشمس في الغروب إلى أن تغرب.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صَلاةَ بعد العَصَرَ حتى تَغْرُبَ الشمسُ، ولا صَلاةَ بعد صلاةِ الفَجْرِ حتى تَطْلُعَ الشمسِ». متفقٌ عليه (٢).
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كان رسول الله ﷺ ينْهَانَا أن نُصليَ فيهُن أو أن نقبر فيهن موتَانَا: حين تطْلُعُ الشمسُ بازغةً حتى ترتفع، وحين يقومُ قائمٌ الظهيرة حتى تميلُ الشمسِ، وحين يضيف الشمسُ للغروبَ حتى تغرُب». أخرجه مسلم (٣).
• حكمة النهي عن صلاة التطوع في أوقات النهي:
سبب النهي عن صلاة التطوع في أوقات النهي هو عدم مشابهة الكفار الذين يسجدون للشمس عند طلوعها، وعند غروبها، ولأن النار تُسجر عند استواء الشمس في كبد السماء وقت الظهيرة، ولما فيه من التعبد لله فيما أمر
стр. 5476
به، ونهى عنه، في كل حال، ولما فيه من إراحة النفوس إذا مُنِعَت بعض الوقت، لتقبل على العمل بعد المنع منه برغبة ونشاط.
عن عمرو بن عنبسة السلمي ﵁ قال: «قلتُ يا نَبِيَ الله أخْبِرْنِي عما علمكَ الله وأجَهَلُهُ؟ أخبرنِي عن الصَلاةَ؟ قال: صَلِ صلاة الصُبُح، ثم اقصُر عن الصَلَاة حتى تَطْلُعَ الشمسُ حتى تَرْتَفِعَ، فإنها تَطْلُعُ حين تَطْلُعُ بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجدُ لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودةٌ محظورة حتى يستقلُ الظلُ بالرُمحِ، ثم اقْصُرْ عن الصلاة فإن حينئذٍ تُسجَرُ جهنمُ، فإذا أقبل الفيء فصلْ فإن الصلاة مشهودةٌ محظورةٌ حتى تُصلي العصر، ثم اقْصُرْ عن الصلاة حتى تغرُب الشمس فإنها تغرُبُ بين قرْنَي شيطان وحينئذٍ يسجدُ لها الكُفار». أخرجه مسلم (١).
• الصلوات التي يجوز فعلها في وقتِ النهي:
الصلوات التي يجوز فعلها في أوقات النهي أقسام:
الأول: قضاء الفرائض الفائتة بسبب نومٍ أو نسيان أو غيرهما، فهذه الصلوات تُقضى في وقت النهي، وفي غير وقت النهي.
الثاني: صلوات ذوات أسباب مثل: صلاة الكسوف، والجنازة، وتحية المسجد وركعتي الطواف ونحو ذلك.
وضابط هذه الأسباب هو كل صلاةٍ متعلقة بسبب، فإن كانت تفوتُ، إذا أُخرت عن سببها، فإنها تُشرع في أوقات النهي
كالكسوف، وتحية المسجد ونحوهما.
وإن كانت لا تفوت فإنها لا تشرع في أوقات النهي كصلاة الاستسقاء.
الثالث: قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، أو بعد طلوع الشمس، وهو الأفضل وقضاء سنة الظهر، بعد صلاة العصر، لفعل النبي ﷺ .
стр. 5477
٥ - الخزانة الخامسة
صلاة التطوع
• حكم الصلاة في أوقات النهي:
الصلاة في أوقات النهي أنواعٌ، ولكل نوع حكمٌ يخصه:
الأول: ذوات الأسباب من الصلوات تفعل عند وجود سببها، في وقت النهي وغيره، ومن هذه الصلوات ما هو فرض عين، أو فرض كفاية، أو سنة مؤكدة، أو مستحب، ومن ذلك قضاء الفرائض ممن نام عنها أو نسيها، وصلاة الجنازة، وصلاة الكسوف، وركعتا الوضوء، وركعتا تحية المسجد، وركعتا الطواف، وقضاء الوتر، وصلاة ركعتين عند الخروج من المنزل، وركعتا الاستخارة، وركعتان لمن قدم من سفر، وقضاء السنن الرواتب، وصلاة ركعتين عند دخول الكعبة، وركعتا الإحرام، وعند رؤية ما يكره.
الثاني: تجوز الصلاة على الجنازة في جميع الأوقات، وبعد الفجر، وبعد العصر، وعند طلوع الشمس، وعند زوالها، وعند غروبها، لكن الأحوط عدم الصلاة عليها في الأوقات الثلاثة الأخيرة؛ لقصر هذه الأوقات، لأن طلوع الشمس وغروبها وقت سجود المشركين للشمس، ووقت الزوال وقت نهي فيه عن الصلاة عدا يوم الجمعة.
الثالث: تجوز الصلاة في المسجد الحرام في كل وقت، والمسجد الحرام هو مسجد الكعبة، وما يحيط به من الحرم، الذي جعله الله حرمًا آمنًا، كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
стр. 5478
وقد أُسري به ﷺ في ليلة الإسراء من بيت أم هاني.
عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يا بَنِي عَبدَ مَنافِ لا تَمْنَعُوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ وصلى أية ساعةٍ شاء من ليلٍ أو نهارًا». أخرجه الترمذي وابن ماجه بسندٍ صحيح (١).
رابعًا: المعتبر في بداية وقت النهي بعد الفجر أو العصر بعد صلاة الإنسان نفسه، فمن صلاهما فقد بدأ وقت النهي في حقه، ولو أن الناس لم يُصلوا بعد.
• أقسام صلاة التطوع:
صلاة التطوع تنقسم إلى أقسام:
أولًا: السنن الراتبة.
ثانيًا: صلاة التهجد.
ثالثًا: صلاة الوتر.
رابعًا: صلاة التراويح.
خامسًا: صلاة العيدين.
سادسًا: صلاة الكسوف والخسوف.
سابعًا: صلاة الاستسقاء.
ثامنًا: صلاة الضحى.
تاسعًا: صلاة ركعتي الوضوء.
عاشرًا: صلاة تحية المسجد.
الحادي عشر: صلاة القدوم من السفر.
стр. 5479
الثاني عشر: صلاة الاستخارة.
الثالث عشر: صلاة التطوع المطلق.
والسنن الرواتب هي التي تصلى قبل الفريضة أو بعدها.
• أقسام صلاة النافلة:
صلاة النافلة قسمان:
نوافل مطلقة .. ونوافل مقيدة.
فالنوافل المطلقة: هي التي يصليها العبد متى شاء في الليل أو النهار في غير أوقات النهي.
والنوافل المقيدة أقسام ومنها:
السنن الرواتب مع الفرائض، منها ما يُفعل قبل الصلاة، ومنها ما يُفعل بعد الصلاة.
стр. 5480
١ - السنن الرواتب قسمان
• السنن الرواتب قسمان:
رواتب مؤكدة .. ورواتب غير مؤكدة.
• حكمة مشروعية السنن الرواتب:
السنن الرواتب من فضل الله على عباده؛ لما فيها من الفوائد العظيمة، من زيادة الحسنات، وتكفير السيئات، ورفعة الدرجات، وجبر نقص الفرائض، لذا ينبغي للمسلم العناية بها، والمحافظة عليها.
وبعض هذه الرواتب تكون قبل الفريضة؛ لتهيئة نفس المصلي للعبادة قبل الدخول في الفريضة، لبعد العهد بالصلاة كما في صلاة الظهر والفجر.
وبعضها بعد الفريضة؛ لإشباع رغبة المصلي في التزود من العبادة، بعد لذة المناجاة التي وجدها في الفريضة كما في الظهر والمغرب والعشاء.
عَنْ رَبِيعَة بن كَعْبٍ الأسْلَمِيّ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ أبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ. فَقَالَ لِي: «سَلْ». فَقُلْتُ: أسْألُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ. قال: «أوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟». قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قال: «فَأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». أخرجه مسلم (١).
• أقسام السنن الرواتب:
السنن مع الفرائض قسمان:
الأول: رواتب مؤكدة، وهي اثنتا عشرة ركعة:
أربع ركعات قبل صلاة الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.
стр. 5481
عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي للهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعاً، غَيْرَ فَرِيضَةٍ، إِلا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ، أَوْ إِلا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ». أخرجه مسلم (١).
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: سَألْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ تَطَوُّعِهِ؟ فَقَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أرْبَعاً، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ المَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ العِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين». أخرجه مسلم (٢).
وأحيانًا يصلي السنن الرواتب عشر ركعات كما سبق إلا أنه يصلي قبل الظهر ركعتين.
عن ابن عمر ﵄ قال: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سجدتين قَبْلَ الظُّهْرِ، وبعدها سجدتين، وبَعْدَ الْمَغْرِبِ سجدتين، وبعد الْعِشَاءِ سجدتين، وبعد الجمعة سجدتين، أمَّا المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ وَالجُمُعَةُ، فَصَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ». متفق عليه (٣).
الثاني: رواتب غير مؤكدة:
ركعتان قبل صلاة العصر، أو أربع، وركعتان قبل المغرب، والعشاء.
والرواتب غير المؤكدة يفعلها المسلم ولا يداوم عليها، ركعتان أو أربع قبل صلاة العصر، وركعتان قبل المغرب، وركعتان قبل العشاء، والسنة المحافظة على أربع ركعات قبل العصر.
стр. 5482
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلاةٌ -ثَلاثاً- لِمَنْ شَاءَ». متفق عليه (١).
وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بالتَّسْلِيمِ عَلَى المَلَائِكَةِ المُقَرَّبينَ وَمَنْ تَبعَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُؤْمِنِينَ». أخرجه الترمذي والنسائي بسندٍ صحيح (٢).
• آكد السنن الرواتب:
آكد السنن الرواتب ركعتا الفجر، وفضلها عظيم، وتصلى حضرًا وسفرًا.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قال: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». أخرجه مسلم (٣).
ويسن تخفيفهما وأن يقرأ فيهما بعد الفاتحة بسورة الكافرون في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية بسورة الإخلاص.
أو يقرأ في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦].
ويقرأ في الثانية: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ [آل عمران: ٥٢].
• أحكام السنن الرواتب:
من فاتته شيء من هذه السنن الرواتب لعذر سن له قضاؤه، وإن كان لغير عذر لم يقضها، ومن نسي منها شيئًا قضاه إذا ذكره لقول النبي ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا». أخرجه مسلم (٤).
стр. 5483
ومن فاتته راتبة الفجر صلاها بعد صلاة الفجر، أو بعدما تطلع الشمس بربع ساعة تقريبًا، وهو الأفضل.
وإذا توضأ المسلم، ودخل المسجد بعد أذان الظهر مثلًا، وصلى ركعتين، ونوى بهما تحية المسجد، وسنة الوضوء، وراتبة الظهر، أجزأه ذلك، وكتب الله له أجرما نوى.
قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (١).
ويسن الفصل بين الفرض، وراتبته القبلية، أو البعدية بانتقالٍ أو كلامٍ، ليتميز الفرض من النفل.
وتصلى هذه النوافل في المسجد أو في البيت، والأفضل صلاتها في البيت.
عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ». متفق عليه (٢).
ومن السنة المحافظة على السنن الرواتب، ويصليها ثنتي عشرة ركعة أو عشر ركعات، فإذا نشط المسلم صلى اثنتي عشرة ركعة، وإذا كان هناك شاغل له صلى عشر ركعات، يفعل هذا مرة، وهذا مرة، إحياءً للسنة، وكلها رواتب، والكمال والتمام في الأكثر.
عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي للهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا، غَيْرَ فَرِيضَةٍ، إِلا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ، أَوْ إِلا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ». أخرجه مسلم (٣).
стр. 5484
وَعَنْ أُمِّ حَبيبَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ، أَرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِب وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ». أخرجه الترمذي وابن ماجه بسند صحيح (١).
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ». متفق عليه (٢).
• أقسام السنن الرواتب:
السنن مع الفرائض قسمان:
الأول: السنن الرواتب المؤكدة: وهي اثنتا عشرة ركعة، أو عشر ركعات كما مر معنا.
ثانيًا: السنن غير المؤكدة: وهي أربع قبل العصر، وركعتان قبل المغرب، وركعتان قبل العشاء، وهذه سنن مطلقة لا راتبة، يفعلها غالبًا، ويتركها أحيانا.
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ ﵁ أنَّ رَسُولَ قال: «بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلاةٌ -ثَلاثاً- لِمَنْ شَاءَ». متفق عليه (٣).
وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بالتَّسْلِيمِ عَلَى المَلَائِكَةِ المُقَرَّبينَ وَمَنْ تَبعَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُؤْمِنِينَ». أخرجه الترمذي (٤).
стр. 5485
وَعَنْ عَبْدُ الله المُزَنِيُّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِب قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ. كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً». أخرجه البخاري. (١)
• هدي النبي ﷺ في السنن مع الفرائض:
السنن المؤكدة، وغير المؤكدة، مع الفرائض عشرون ركعة، وهي كما يلي:
أولًا: صلاة الظهر:
يصلي المسلم قبلها أربعًا، وبعدها ركعتين، وهذا هو الأفضل، وأحيانًا يصلي قبلها ركعتين، وبعدها ركعتين.
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ قالَ: «سَألْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ عَنْ تَطَوُّعِهِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أرْبَعاً، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ المَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ العِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ». أخرجه مسلم (٢).
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ». متفق عليه. (٣)
وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ «أنَّ رَسُولَ كَانَ يُصَلِّي: قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ العِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ». متفق عليه (٤).
стр. 5486
• فضل الصلاة بعد الزوال:
انتصاف النهار مقابل لانتصاف الليل، وأبواب السماء تفتح بعد زوال الشمس، ويحصل النزول الإلهي بعد انتصاف الليل؛ فهما وقت قرب ورحمة وطاعة لله ، فينبغي للعبد أن يستفيد منهما، ويصعد له فيهما عملٌ صالح؛ فهذا تُفتح فيه أبواب السماء، وذاك ينزل فيه الرب ﵎ إلى سماء الدنيا.
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ السَّائِب ﵁ «أَنَّ رَسُولَ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعاً بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقَالَ: إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ». أخرجه الترمذي وأحمد (١).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي، فَأَغْفِرَ لَهُ». متفق عليه (٢).
ثانيًا: صلاة العصر:
ليس للعصر سنة راتبة لا قبلها ولا بعدها، ومن السنة أن يصلي المسلم قبل العصر أربع ركعات.
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ ﵁ أنَّ رَسُولَ قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلاةٌ-ثَلاثاً- لِمَنْ شَاءَ». متفق عليه (٣).
стр. 5487
وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بالتَّسْلِيمِ عَلَى المَلَائِكَةِ المُقَرَّبينَ وَمَنْ تَبعَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُؤْمِنِينَ». أخرجه الترمذي والنسائي بسند صحيح (١).
ويجوز التنفل بعد العصر مطلقًا ما لم يقصد الصلاة عند غروب الشمس.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «ركْعَتَانِ، لَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله ﷺ يَدَعُهُمَا سِراً وَلا عَلانِيَةً، رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العَصْر». متفق عليه (٢).
وَعَنْ أَبي سَلَمَةَ ﵁ أنَّهُ سَألَ عَائِشَةَ عَنِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ العَصْرِ؟ فَقَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ العَصْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلاهُمَا بَعْدَ العَصْرِ، ثُمَّ أثْبَتَهُمَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلاةً أثْبَتَهَا». متفق عليه. (٣)
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: «قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَغِيبَ». متفق عليه. (٤)
ثالثًا: صلاة المغرب:
سنة المغرب الراتبة ركعتان بعدها، يقرأ فيهما ما شاء من القرآن، ولا راتبة للمغرب قبلها.
ويسن للمسلم أن يصلي قبل المغرب ركعتين إن شاء.
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ ﵁ أنَّ رَسُولَ قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلاةٌ -ثَلاثاً- لِمَنْ شَاءَ». متفق عليه. (٥)
• حكمة سنة الفجر:
سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته؛ ولهذا كان النبي ﷺ يصلي سنة الفجر والوتر بسورتي الكافرون والإخلاص، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، فسورة الإخلاص جامعة لتوحيد العلم والمعرفة، وسورة الكافرون جامعة لتوحيد القصد والعمل؛ ولهذا كان النبي ﷺ يفتتح بهما عمل النهار، ويختم بهما عمل الليل في الوتر.
• السنة الراتبة للجمعة:
راتبة الجمعة بعدها أقلها ركعتان، وأكثرها أربع ركعات.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إذا صَلَّى أحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أرْبَعًا». أخرجه مسلم (١).
وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: «أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ العِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ». متفق عليه. (٢)
وليس للجمعة راتبة قبلية، فيصلي المسلم صلاة مطلقة بدون تقدير، ويشتغل بالتطوع المطلق، والذكر، وتلاوة القرآن حتى يدخل الإمام.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أتَى الجُمُعَةَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأخْرَى، وَفَضْلُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ». أخرجه مسلم. (٣)
стр. 5490
• أفضل أماكن صلاة التطوع:
هدي النبي ﷺ فعل التطوع والسنن في البيت إلا لعارض، كما أن هديه كان فعل الفرائض في المسجد إلا لعارض من مرض، أو سفر أو غيرهما مما يمنعه من المسجد.
عن زيد بن ثابت ﵁ أن النَّبِيِّ ﷺ قال: «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلا الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَة». أخرجه البخاري (١).
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ قَبْلَ الظُّهْرِ سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَ العِشَاءِ سَجْدَتَيْنِ، وَبَعْدَ الجُمُعَةِ سَجْدَتَيْنِ، فَأمَّا المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ وَالجُمُعَةُ، فَصَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِهِ». متفق عليه. (٢)
• حكمة أداء النوافل في البيوت:
أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، وما شرع له الجماعة كالتراويح؛ لأن ذلك أخفى للعمل، وأقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة والملائكة، وينفر منه الشيطان، وتكثر أماكن ذكر الله، وليقتدي أهل البيت به.
فإخفاء العمل نجاة، وإخفاء العلم هلكة، والمأمور بستره من أعمال البر النوافل دون المكتوبات: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وإنما لم تستحب صلاة النافلة في المسجد، لئلا يرى جاهل عالماً يصليها فيه فيراها فريضة، أو خشية أن يخلو منزله من الصلاة فيه، أو حذراً على
стр. 5491
نفسه من رياء أو عارض من خطرات الشيطان، فإذا سلم من ذلك فإن الصلاة في المسجد حسنة.
والأصل في الرواتب والنوافل أن يصليها المسلم في البيت لما سبق، وليقع الفصل بين الفرض والنوافل بما ليس من جنسها، ليكون فصلاً معتدا به يُدْرَك ببادي الرأي، يفصل بين الفرض والنفل.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً». متفق عليه (١).
وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزيدَ ﵁ أنَّهُ صَلَّى الجُمُعَةَ مَعَ مُعَاوِيَةُ فِي المَقْصُورَةِ، قالَ: «فَلَمَّا سَلَّمَ الإمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: لا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الجُمُعَةَ فَلا تَصِلْهَا بِصَلاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ أمَرَنَا بِذَلِكَ، أنْ لا تُوصَلَ صَلاةٌ بِصَلاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أوْ نَخْرُجَ». أخرجه مسلم (٢).
• آكد صلوات التطوع:
صلاة التطوع والنوافل على أربع درجات:
الأولى: سنة الفجر والوتر، فهاتان آكد صلاة التطوع، أمر بهما النبي ﷺ ، ورغب فيهما، ولم يتركهما حضراً وسفرا، وكان حرصه ﷺ على سنة الفجر أشد من جميع النوافل، ولم ينقل عنه ﷺ أنه صلى في السفر راتبة غيرهما.
الثانية: السنن الرواتب التي كان النبي ﷺ يصليها في الحضر مع المكتوبات، وصلاة التهجد في الليل.
стр. 5492
الثالثة: السنن ذوات الأسباب كتحية المسجد، وركعتي الوضوء، وصلاة الضحى، وركعتي الطواف ونحوها.
الرابعة: النوافل المطلقة التي يسن للمسلم الإكثار منها، ركعتين ركعتين، ليلاً أو نهاراً، في كل وقت عدا أوقات النهي، وتجوز الصلاة فى المسجد الحرام في كل وقت.
عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أو صلى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ». أخرجه الترمذي والنسائي بسندٍ صحيح (١).
ويجوز قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر وسنة الظهر بعد العصر كما سبق.
• حكم السنن الرواتب في الحضر والسفر:
السنة فعل السنن الرواتب مع الفرائض في الحضر، أما في السفر فالسنة ترك السنن الرواتب إلا سنة الفجر، والوتر.
وأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقاً مثل: صلاة التهجد بالليل، وصلاة الضحى، وميع النوافل المطلقة، والصلوات ذوات الأسباب كسنة الوضوء، وركعتي الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد ونحو ذلك.
• حكم ترك السنن الرواتب:
صلاة التطوع والنوافل، والسنن الرواتب، من فضل الله على عباده، حيث شرع لهم ما يزيد في أجورهم، ويرفع درجاتهم، ويمحو سيئاتهم، وهي تكمل الفرائض، وتجبر نقصها، فالفرائض تكمل بالنوافل، فمن لم يستكثر منها يوشك أن لا تسلم له فريضة من غير جابر.
стр. 5493
والعبد مهما أحسن أداء الفرائض، فلا يمكنه إتقانها من جميع الوجوه ظاهرًا وباطنًا، فلابد له من التطوعات لجبر نقص الفرائض.
ولا يحسن بالعبد أن يترك التطوعات اعتمادًا منه على أداء الفرائض، وترك المحرمات، ولَئِنْ أفلح بفعل الواجب، فَلَأَن يفلح بالواجب والتطوع أولى وأكمل، ويحرز من الخير والأجر ما لا يحصره حاصر: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
ومن تهاون بالآداب، تهاون بالنوافل، ومن تهاون بالنوافل تهاون بالسنن، ومن تهاون بالسنن تهاون بالفرائض، وذلك هو الخسران المبين، ولا يصر على تركها إلا مَنْ قلّ دينه.
عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا قَالَ اللهُ : انظروا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَتُكْمِلُوا بِهَا فَرِيضَتَهُ؟ ثُمَّ الزَّكَاةُ كَذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ». أخرجه أحمد بسندٍ صحيح (١).
وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهَ ﵁ أنَّ أَعْرَابِيّاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقال: «يَا رَسُولَ الله، أخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ، فَقال: الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلا أنْ تَطَّوَّعَ شَيْئا. فَقال: أخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ، فَقال: شَهْرَ رَمَضَانَ إِلا أنْ تَطَّوَّعَ شَيْئاً. فَقال: أخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ، فَقال: فَأخْبَرَهُ رَسُولُ شَرَائِعَ الإسْلامِ، قال: وَالَّذِي أكْرَمَكَ، لا أتَطَوَّعُ شَيْئاً، وَلا أنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيْئاً. فَقال رَسُولُ: أفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أوْ: دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَق». متفق عليه (٢).
стр. 5494
• حكم التحول للنافلة من موضع الفريضة:
يسن للمصلي التحول للنافلة من موضع الفريضة، أو يصلي في مكان الفريضة، والأفضل أن يتحول إلى بيته؛ لأن النافلة في البيت أفضل.
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ يَعْنِي فِي السُّبْحَةِ». أخرجه أبو داود وابن ماجه بسندٍ صحيح (١).
• حكم فعل التطوع إذا أقيمت المكتوبة:
إذا سمع المسلم الإقامة فلا يحل له أن يدخل في صلاة تطوع، سواء كانت راتبة كسنة الفجر والظهر ونحوهما، وسواء كانت في المسجد أو خارجه، وسواء خاف فوات الركعة الأولى أو لم يخف؛ وذلك ليتمكن من الدخول في الفريضة من أولها، ولعدم الاختلاف على الإمام في صلاته.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلا المَكْتُوبَةُ». أخرجه مسلم. (٢)
وَعَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁: «أنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي، وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ، فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ، لا نَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أحَطْنَا نَقُولُ: مَاذَا قال لَكَ رَسُولُ ﷺ قال: قال لِي: يُوشِكُ أنْ يُصَلِّيَ أحَدُكُمُ الصُّبْحَ أرْبَعاً». متفق عليه. (٣)
وإذا أقيمت الصلاة وهو في النافلة، أتمها خفيفة؛ ليدرك تكبيرة الإحرام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣].
стр. 5495
٦ - الخزانة السادسة
٢ - صلاة التهجد:
• صلاة التهجد: هي صلاة التطوع بالليل بعد صلاة العشاء.
و المتهجد: هو القائم إلى صلاة التطوع من النوم ليلا.
• وقت صلاة التهجد:
يبدأ قيام الليل من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني من كل ليلة، والتهجد لا يكون إلا بعد النوم، والناشئة لا تكون إلا بعد رقدة: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ٦].
• حكمة مشروعية قيام الليل:
كلما زاد إيمان العبد زادت رغبته في مناجاة ربه، والوقوف بين يديه، والتلذذ بعبادته: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ١ - ٣].
ولتحقيق هذا شرع الله الصلوات الخمس، وجعلها من الفرائض التي تجب على كل مسلم ومسلمة، وشرع كذلك صلاة التطوع، وجعلها من الشعائر والسنن التي يختص الله بها من يشاء من عباده، ممن يصلح لمناجاته: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وعبادة الليل أشد نشاطاً، وأصفى ذهناً، وأتم إخلاصاً، وأكثر بركة، وأبلغ في الثواب من عبادة النهار: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ٦].
стр. 5496
والسهر في طاعة الله صلاة وتهجداً، وانكساراً وتضرعاً، وذكراً واستغفاراً، وتلاوة لكتاب الله، من أفضل الأعمال، وهؤلاء أصفياء الله، وخلاصة الخلق، وأعرفهم بالله وما يجب له: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ١ - ٣]
وقال الله تعالي: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
• حكم قيام الليل:
قيام الليل من النوافل المطلقة، وهو سنة مؤكدة في كل ليلة.
وقيام الليل نافلة للنبي ﷺ ؛ لأنه غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فطاعاته كلها نافلة، وهو لغيره من أمته كفارة للذنوب، ورفعة للدرجات، وهو أفضل الصلوات بعد الفريضة: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ١ - ٤].
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
وقال الله تعالي: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾ [الإنسان: ٢٥ - ٢٦].
ﷺ ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَثبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ الله ﷺ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بوَجْهِ كَذابٍ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بهِ أَنْ قَالَ: يُّهَا النَّاسُ: أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بسَلَامٍ». أخرجه الترمذي وابن ماجه (١).
وقيام الليل من النوافل المطلقة، وهو سنة مؤكدة مدح الله من فعله، وأمر الله به رسوله ﷺ ، ففعله، وشرعه ﷺ لأمته، ورغبهم فيه، وحثهم عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ١ - ٤].
وقال الله تعالي: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
وقال الله تعالي: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٨].
• فضل قيام الليل:
قيام الليل من أفضل الأعمال بعد الفرائض، وهو أفضل من تطوع النهار، لما في سريته من الإخلاص لله تعالى، ولما فيه من المشقة بترك النوم، وحلاوة اللذة التي تحصل بمناجاة الله ، وجوف الليل أفضل الليل، لموافقتة وقت النزول الآلهى إلى السماء الدنيا: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ٦].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النبي ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 5499
وعَنْ عَمْرُو بن عَبَسَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَقُول: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذكُرُ اللهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ». أخرجه أبو داود والترمذي (١).
• ساعة إجابة الدعاء في الليل:
عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلا أَعْطَاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (٢)
• بداية قيام الليل:
يسن أن ينام المسلم طاهرا مبكرا بعد العشاء؛ ليستيقظ لصلاة الليل نشيطا، والسنة أن يقوم إذا سمع الصارخ، وهو الديك في جوف الليل.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ». متفق عليه (٣).
• فقه قيام الليل:
ينبغي أن يحرص المسلم علي قيام الليل ولا يتركه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَبِيَّ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ الله، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْداً شَكُوراً». متفق عليه (٤).
стр. 5500
• أكثر صلاة التهجد:
أكثر صلاة التهجد أحدى عشرة ركعة مع الوتر، أو ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، والإحدى عشرة ركعة هى الأكثر من فعله ﷺ .
يفعل المسلم هذا مرة، وهذا مرة، ويداوم على الأكثر.
• وقت صلاة التهجد:
وقت صلاة التهجد يبدأ من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني، وأفضل صلاة الليل ثلث الليل من بعد نصفه، فتقسم الليل أنصافا، ثم تقوم في الثلث الأول من النصف الثاني، ثم تنام أخر الليل، أو تقسم الليل على ستة وتقوم في السدس الرابع والخامس، أو تقسم الليل على ثلاثة، وتقوم في الثلث الأخير.
عن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا». متفق عليه (١).
• صفة صلاة التهجد:
١ - يسن أن ينوي المسلم قيام الليل عند النوم؛ فإن غلبته عيناه ولم يقم؛ كتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من ربه الكريم.
وإذا قام للتهجد، مسح النوم عن وجهه، وقرأ العشر آيات من آخر آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠]. لآخر السورة.
٢ - ثم يستاك ويتوضأ، ثم يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين.