• أعياد المسلمين:
العيد: هو كل ما يعود ويتكرر من الأيام التي جعلها الشرع عيدًا.
والأعياد في الإسلام ثلاثة:
الأول: عيد الأسبوع: وهو يوم الجمعة من كل أسبوع، وقد سبق الحديث عنه.
الثاني: عيد الفطر: في الأول من شوال من كل عام.
الثالث: عيد الأضحى: في اليوم العاشر من ذي الحجة من كل عام.
فهذه ثلاثة أعياد للمسلمين، وكل ما سوى ذلك من الأعياد فهو محدث لا أصل له.
عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: «مَا هَذانِ اليَوْمَانِ؟». قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بهِمَا خَيْراً مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الفِطْر». أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح (١).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ، إِلاَّ أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ». أخرجه أحمد وابن خزيمة بسندٍ حسن (٢).
• حكمة مشروعية صلاة العيدين:
صلاة عيد الفطر بعد إتمام صيام شهر رمضان، وصلاة عيد الأضحى بعد أداء فريضة الحج، واختتام عشر ذي الحجة، وهما محاسن الإسلام يؤديهما المسلمون بعد أداء تلك العبادتين العظيمتين شكراً لله ﵎: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
стр. 5532
• حكم صلاة العيدين:
صلاة العيدين سنة مؤكدة على كل مسلم ومسلمة: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢].
• وقت صلاة العيدين:
وقت صلاة العيدين يبدأ من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال، فإن لم يعلم الناس بالعيد إلا بعد الزوال، صلوا من الغد في وقتها، ولا يضحون في عيد الأضحى إلا بعد صلاة عيد الأضحى.
• صفة الخروج لصلاة العيدين:
أولاً: يسن أن يتنظف الذاهب إليها، ويلبس أحسن ثيابه؛ ويتطيب، إظهاراً للفرح والسرور بهذا اليوم.
والنساء لا يتبرجن بزينة، ولا يتطيبن، ويخرجن للصلاة مع الناس، والحُيَّض من النساء يشهدن الخطبة، ويعتزلن المصلى.
عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ - قَالَتْ: «أَمَرَنَا - تَعني النبي ﷺ أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ». متفقٌ عليه (١).
ثانيًا: يسن أن يبكر لها المأموم بعد الصبح ماشيًا إن كان قادر، وإلا ركب إليها على الراحلة، أما الإمام فيتأخر إلى وقت الصلاة.
والسنة أن يذهب إليها من طريق، ويعود من طريق آخر؛ إظهارًا لهذه الشعيرة وإتباعًا للسنة.
ثالثًا: يسن أن يأكل قبل الخروج لصلاة عيد الفطر تمرات وترًا، وأن يمسك عن الأكل في عيد الأضحى حتى يأكل من أضحيته إن ضحى.
стр. 5533
• مكان صلاة العيدين:
أولاً: السنة أن تصلى صلاة العيد في صحراء قريبة من البلد، فإذا وصل المصلي جلس يذكر الله تعالى، ولا تصلى صلاة العيد في المساجد إلا لعذر من مطر، أو برد أو مشقة ونحوه، إلا في مكة فتصلى في المسجد الحرام.
ثانيا: يجوز لمن دخل مصلى العيد أن يصلي تطوعًا قبل الصلاة وبعدها ما لم يكن وقت نهي، فلا يشرع له إلا تحية المسجد، ويشتغل بعبادة الوقت، وهي التكبير إلى أن يدخل الإمام.
• صفة صلاة العيدين:
إذا حان وقت صلاة العيد تقدم الإمام وصلى بهم ركعتين بلا أذان ولا إقامة، يكبر في الأولى سبعًا أو تسعًا بتكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسًا بعد القيام، ثم يسن أن يقرأ جهرًا بعد الفاتحة بالأعلى في الركعة الأولى، وفي الثانية بعد الفاتحة بالغاشية.
أو يقرأ في الأولى ق وفي الثانية بالقمر، يقرأ تارةً بهذا، وتارة بهذا؛ أحياءا للسنة، وعملاً بها بوجوهها المشروعة.
• خطبة العيد:
إذا سلم الإمام خطب خطبة واحدة، مستقبل الناس، فيها حمد الله تعالى، وشكره، والثناء عليه، وتكبيره، وحث الناس على العمل بشرعه، ولزوم طاعته، والحذر من معصيته.
ويرغبهم في عيد الأضحى في الأضحية، ويبين لهم أحكامها، وفي عيد الفطر يرغبهم في دوام الاستقامة، وصيام ستٍ من شوال.
стр. 5534
• أحكام صلاة العيد:
١ - إذا وافق العيد يوم الجمعة، فمن صلى العيد سقط عنه حضور الجمعة، وصلى مكانها ظهرًا، ومن لم يصل العيد، فتلزمه صلاة الجمعة.
٢ - وإذا نسي الإمام إحدى التكبيرات الزوائد، وشرع في القراءة سقطت؛ لأنها سنة فات محلها، ويرفع المصلي يديه مع التكبير كما ورد في صلاة الفرض والنفل، ولا يرفع يديه مع التكبيرات الزوائد في الركعتين في العيدين والاستسقاء، ويسن للإمام أن يعض النساء في خطبته، ويذكرهن بما يجب عليهن، وترغيبهن في الصدقة.
٣ - ومن أدرك الإمام قبل سلامه من صلاة العيد، قام بعد سلام الإمام، وأتمها على صفتها.
٤ - وإذا صلى الإمام صلاة العيد فمن أحب أن ينصرف فلينصرف، ومن أحب أن يجلس ويسمع الخطبة وهو الأفضل فليجلس.
• حكم التكبير يوم العيد:
يسن التكبير أيام العيدين جهراً لعموم المسلمين في البيوت والأسواق والطرق والمساجد وغيرها، والنساء لا تجهر بالتكبير بحضرة الأجانب.
• أوقات التكبير:
يبدأ وقت التكبير في عيد الفطر من أول ليلة العيد، حتى يصلي صلاة العيد، ويبدأ وقت التكبير في عيد الأضحى من دخول عشر ذي الحجة إلى غروب الشمس من اليوم الثالث عشر.
• صفة التكبير:
١ - إما أن يكبر شفعاً فيقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
стр. 5535
٢ - أو يكبر وتراً فيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
٣ - أو يكبر وتراً في الأولى، وشفعاً في الثانية فيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
يفعل هذا مرة، وهذا مرة، والأمر في ذلك واسع ولله الحمد.
• حكم اللهو في العيد:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا». متفقٌ عليه (١).
• حكم اللهو المحرم:
كل عملٍ فيه ارتكاب لمحرم، أو كان وسيلة لمحرم، أو كان فيه تعريضٌ للنفس للتهلكة، أو ترويعٌ للآخرين فيحرم.
وكل ما يعرض من أشياء خارجة عن العادة البشرية كالنوم على الآلات الحادة، وأكل الزجاج وأمثالها، هذا من الدجل والسحر واللهو المحرم، لا يجوز لمسلم تعلمه ولا تعليمه ولا مشاهدته لما فيه من الفتنة والخطر والهلاك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
стр. 5536
• ما يسن فعله يوم العيد:
أولاً: يسن أن يغتسل الذاهب لصلاة العيد، ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه؛ إظهارًا للفرح والسرور بهذا اليوم.
ثانيًا: يسن للنساء أن يخرجن لصلاة العيد، ولا يتبرجن بزينة ولا يتطيبن، والحُيَّض من النساء يشهدن الخطبة، ويعتزلن المصلى.
ثالثًا: يسن أن يخرج لمصلى العيد الرجال، والنساء، والأطفال.
رابعًا: يسن أن يخرج المصلي لصلاة العيد ماشيًا، ويبكر المأموم، أما الإمام فيتأخر إلى وقت الصلاة، والسنة أن يذهب من طريق، ويعود من طريق آخر؛ إظهارًا لهذه الشعيرة، وإتباعًا للسنة.
خامسًا: يسن أن يأكل قبل الخروج لصلاة عيد الفطر تمرات وترًا، وأن يمسك عن الأكل في عيد الأضحى حتى يأكل من أضحيته إن ضحى.
سادسًا: يسن أن يخرج إلى المصلى وهو يكبر، فإذا وصل المصلى صلى تحية المسجد، ثم اشتغل بعبادة الوقت، وهي التكبير إلى أن يدخل الإمام.
سابعًا: يسن للمسلم بعد صلاة العيد أن يجلس؛ لاستماع خطبة العيد.
ثامنًا: يسن للمسلم أن يُخرج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، وأن يذبح أضحيته في عيد الأضحى بعد الفراغ من الصلاة وسماع الخطبة.
• حكم تهنئة من تجددت له نعمة:
يستحب تهنئة من تجددت له نعمة ومصافحته كأن يقول له: ليهنك ما أعطاك الله، وما مَنَّ به عليك.
عن كعب بن مالك ﵁ في قصة توبته وفيه «وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ، فَلَبِسْتُهُمَا وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا
стр. 5537
رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ، حَتَى صَافَحنِي وَهَنَّانِي». متفق عليه (١).
• حكم الأعياد المحدثة:
أعياد المسلمين ثلاثة -كما سبق- وهي:
عيد الفطر .. وعيد الأضحى .. وعيد الاسبوع يوم الجمعة.
وأعياد الميلاد الفردية، وغيرها من المناسبات كأول يوم من السنة الهجرية، أو السنة الميلادية، أو ليلة الإسراء والمعراج، أو ليلة النصف من شهر شعبان، أو يوم المولد النبوي، أو عيد الأم، وغيرها مما انتشر في أوساط كثير من المسلمين، فهذه كلها بدعٌ، وأعيادٌ محدثةٌ مردودة، ومن فعلها، أو أقرها، أو دعا إليها، أو أنفق عليها، فهو آثم، وعليه وزرها، ووزر من عمل بها: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٢).
• حكم المشاركة في المناسبات:
المشارك في الأيام العالمية مما لا صلة له بالعبادات: كيوم الصحة، وأسبوع المرور، وأسبوع الشجرة، وغيرها، فهذا له حالتان:
стр. 5538
الأولى: أن أُقيمت هذه الم ناسبة في البلد تحت مسمى العيد والاحتفال به، فهذا لا يجوز؛ لأن أعياد المسلمين محددة وهي عبادة من العبادات وكذا لو كان تشبهًا بالكفار في مناسباتهم، فإنه لا يجوز.
الثانية: أن تُقام تلك المناسبة من باب تنظيم الأعمال، وتوعية الأمة فيما يصلحها، ويعود عليها بالخير: كأسبوع الشجرة، والنظافة، والمرور ونحوها، فهذه جائزة ما لم يتكرر ذلك بصفة دائمة؛ لما فيه من المصالح.
• حكم خطبة العيد:
خطبة العيد سنة، واستماعها سنة، فإذا سلم الإمام فمن أحب أن ينصرف فلينصرف، ومن أحب أن يجلس، ويسمع الخطبة -وهو الأفضل- فليجلس.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الفِطْرِ فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَطَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ». متفق عليه (١).
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ: فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثاً قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ». متفق عليه (٢).
• حكم قضاء صلاة العيد:
من أدرك الإمام قبل سلامه من صلاة العيد قضاها على صفتها بعد سلام الإمام، ومن فاتته كلها قضاها على صفتها جماعة.
стр. 5539
وإذا لم يعلم المسلمون بعيد الفطر إلا بعد الزوال، أفطروا ثم صلوا العيد من الغد في وقتها جماعة، وفي عيد الأضحى إن لم يعلموا به إلا بعد الزوال صلوا من الغد في وقتها جماعة، ثم يذبحون الأضاحي بعد الصلاة.
عَنْ أَبي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ الله ﷺ «أَنَّ رَكْباً جَاؤُوا إِلَى النَّبيِّ ﷺ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الهِلَالَ بالأَمْسِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ». أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح (١).
• حكم الأكل قبل صلاة عيد الفطر:
يسن للمسلم أن يأكل تمرات وترًا قبل أن يخرج لصلاة عيد الفطر؛ مبادرة إلى فطر هذا اليوم الذي أوجب الله فطره، وتمييزًا لهذا اليوم بالأكل عن الأيام التي قبله، وإكمالًا لفضيلة الفطر على تمر، بينما قبله فيه فطر من كل يوم على تمر، وفي يوم العيد فطر من جميع الصيام على تمر، فإن لم يجد أكل ما تيسر. عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ الرَسُولُ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمرَاتٍ». أخرجه البخاري (٢).
• حكم التهنئة بالعيد:
تبادل التهاني يوم العيد من مكارم الأخلاق التي تجلب المودة والمحبة: كأن يقول لأخيه المسلم: تقبل الله منا ومنك ونحو ذلك.
فهذا ليس مأمورًا به، ولا منهيًا عنه، مَنْ فعله فله قدوة، ومَنْ تركه فله قدوة، والله أعلم.
стр. 5540
٩ - الخزانة التاسعة
٦ - صلاة الكسوف والخسوف
الخسوف: ذهاب ضوء القمر أو بعضه ليلًا.
والكسوف: انحجاب ضوء الشمس أو بعضه نهارًا.
ويُطلق أحدهما على الآخر فيقال: خسفت الشمس، وكسف القمر وعكس ذلك.
• فقه آية الكسوف:
ظاهرة الكسوف تحمل النفس على إخلاص التوحيد للهِ، وزيادة الإيمان، والإقبال على الطاعة، والبعد عن المعاصي والذنوب، والخوف من الله، والعودة إليه بالتوبة: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩].
حكم صلاة الكسوف:
صلاة الخسوف والكسوف سنة مؤكدة، على كل مسلم ومسلمة، في الحضر والسفر.
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَما شَيْئًا فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ». متفق عليه (١).
стр. 5541
• معرفة وقت الكسوف:
الخسوف والكسوف له أوقات مقدرة كما لطلوع الشمس والهلال أوقاتٌ مقدرة، وقد أجرى الله العادة أن وقت كسوف الشمس يكون في نهاية الشهر، ووقت خسوف القمر يكون وقت الإبدار في الليالي البيض في نصف الشهر، ومعرفة الكسوف والخسوف من العلم الحسي الذي يدرك بالحساب؛ ولهذا يحسب الفلكيون وقته بالدقيقة في بلدان العالم، ويقع غالبًا، ولا تُصلى صلاة الكسوف إلا بالرؤية البصرية للخسوف او الكسوف.
• سبب الكسوف:
الكسوف له سببان: سببٌ شرعي، وسببٌ كوني.
السبب الشرعي: هو تخويف العباد؛ ليتوبوا إلى الله من المعاصي، وإظهار تصرف الملك الجبار في ملكه.
والكسوف إنذارٌ بوقوع العقوبة إذا لم يتوبوا؛ ولهذا أُمر الناس بالدعاء، والصلاة، والصدقة، والاستغفار، عند حصول الكسوف.
أما السبب الكوني للكسوف: فهو حيلولة القمر بين الشمس والأرض.
وسبب خسوف القمر: هو حيلولة الأرض بين الشمس والقمر، يعني نور القمر مستفادٌ من الشمس، فالشمس: كالقنديل، والقمر: كالمرآة يأخذ نوره من الشمس ثم يعكسها إلى الأرض، فإذا حالت الأرض بين القنديل والمرآة لن يحصل انعكاس لضوء القمر.
стр. 5542
• وقت صلاة الكسوف:
وقت صلاة الكسوف من ابتداء الكسوف أو الخسوف إلى ذهابه.
• صفة صلاة الكسوف:
صلاة الكسوف والخسوف ليس لها أذان ولا إقامة، لكن ينادى لها ليلًا أو نهارًا بلفظ الصلاة جامعة مرة أو أكثر.
وصفتها: أن يُكبر الإمام ويقرأ الفاتحة وسورةً طويلة جهرًا، ثم يركع ركوعًا طويلًا، ثم يرفع من الركوع قائلًا: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ولا يسجد.
ثم يقرأ الفاتحة، ثم سورة أقصر من الأولى، ثم يركع أقل من الركوع الأول، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين طويلتين، الأولى أطول من الثانية، بينهما جلوس، ثم يقوم ويأتي بركعة ثانية على هيئة الأولى لكنها أخف منها، ثم يتشهد ويسلم.
• الحكم إذا حصل الكسوف وقت صلاة:
إذا اجتمع كسوفٌ مع فريضة، فإن اتسع الوقت للصلاتين قُدِّمَ الكسوف، وإن ضاق قُدِّمت الفريضة، وإذا اجتمع كسوفٌ وتراويح فإن اتسع الوقت قُدِّم الكسوف، وإن ضاق الوقت عن فعلهما جميعًا قُدِّم الكسوف؛ لأن النبي ﷺ أمر بالفزع إلى الصلاة عند الكسوف.
• صفة خطبة الكسوف:
يسن أن يخطب الإمام بعد الصلاة خطبة يعظ فيها الناس، ويذكرهم بأمر هذا الحدث الجلل؛ لترق قلوبهم، ويأمرهم بالإكثار من الدعاء، والتكبير، والاستغفار، والصدقة.
стр. 5543
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي، فَأطَالَ القِيَامَ جِدّاً، ثُمَّ رَكَعَ فَأطَالَ الرُّكُوعَ جِدّاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأطَالَ القِيَامَ جِدّاً، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأطَالَ الرُّكُوعَ جِدّاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ.
ثُمَّ قَامَ فَأطَالَ القِيَامَ، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ، فَأطَالَ القِيَامَ، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قال: «إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإنَّهُمَا لا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا، وَادْعُوا الله وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا، يَا أمَّةَ مُحَمَّدٍ! إنْ مِنْ أحَدٍ أغْيَرَ مِنَ الله أنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أوْ تَزْنِيَ أمَتُهُ، يَا أمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَالله! لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟». متفق عليه (١).
• قضاء صلاة الكسوف:
تُدرك الركعة في صلاة الكسوف بإدراك الركوع الأول من كل ركعة، ولا تُقضى صلاة الكسوف إن فاتت إذا تجلى الكسوف.
إذا تجلى الكسوف وهم في الصلاة أتموها خفيفة، وإن صلوا ولم يتجلى الكسوف أكثروا من الدعاء، والتكبير، والصدقة حتى ينكشف ما بهم.
والكسوف الذي وقع للشمس في عهد النبي ﷺ وقع مرةً واحدة في أول النهار، على مقدار رمح أو رمحين من طلوع الشمس، وذلك في الساعة
стр. 5544
الثامنة صباحًا في الصيف، في يوم الإثنين، في آخر شهر شوال، من السنة العاشرة للهجرة، ووافق ذلك موت ابن النبي ﷺ إبراهيم، فخرج ﷺ إلى المسجد مسرعًا فزعًا يجر رداءه فصلى بالناس صلاة الكسوف.
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ». متفق عليه (١).
• ما رآه النبي ﷺ في صلاة الكسوف:
خرج النبي ﷺ لصلاة الكسوف فزعًا يخشى أن تكون الساعة، فصلى بالناس في المسجد، ورأى في صلاته ما لم يره من قبل.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : «رَأيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ، حَتَّى لَقَدْ رَأيْتُنِي أرِيدُ أنْ آخُذَ قِطْفاً مِنَ الجَنَّةِ حِينَ رَأيْتُمُونِي جَعَلْتُ أقَدِّمُ، (وَقَالَ المُرَادِيُّ: أتَقَدَّمُ) وَلَقَدْ رَأيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً، حِينَ رَأيْتُمُونِي تَأخَّرْتُ، وَرَأيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ». متفق عليه (٢).
وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أنَّ الرَسُولَ ﷺ قَالَ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله، وَإِنَّهُمَا لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ مِنَ النَّاسِ فَإِذَا رَأيْتُمْ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ، مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلا قَدْ رَأيْتُهُ فِي صَلاتِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأيْتُمُونِي تَأخَّرْتُ مَخَافَةَ أنْ يُصِيبَنِي مِنْ
٧ - صلاة الاستسقاء
• الاستسقاء:
هو الدعاء بطلب السقيا من الله تعالى على صفة مخصوصة.
• حكم صلاة الاستسقاء:
صلاة الاستسقاء سنةٌ مؤكدة وتُصلى في كل وقت إلا في أوقات النهي والأفضل أن تُصلى بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، ويُقدر بخمس عشرة دقيقة تقريبًا.
• حكمة مشروعية صلاة الاستسقاء:
إذا أجدبت الأرض، واحتبس المطر، شُرعت صلاة الاستسقاء، ويخرج لها المسلمون في الصحراء متبذلين، خاشعين، متذللين، متضرعين، متواضعين، رجالًا، ونساءً، وصبيانًا، ويُحدد لهم الإمام يومًا يخرجون فيه لصلاة الاستسقاء، ويجوز أن تُصلى في المساجد؛ لشدة بردٍ أو ريحٍ ونحو ذلك من الأعذار.
• أنواع صلاة الاستسقاء:
الاستسقاء يكون: إما بصلاة الاستسقاء جماعة، وهذا أفضلها وأكملها، أو بالدعاء في خطبة الجمعة، أو بالدعاء والاستغفار من غير صلاة ولا خطبة.
• وقت خطبة الاستسقاء:
السنة أن يخطب الإمام قبل صلاة الاستسقاء، وإن خطب أحيانًا بعد الصلاة فلا بأس، لأن الشريعة وردت بهذا، وهذا.
стр. 5547
عن عباد بن تميم عن عمه قال: «رأيت النبي ﷺ يوم خرج يستسقي قال: فَحَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ». متفق عليه (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: خرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر ﷺ وحمد الله ، ثم قال: «إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ .. إلى آخره». ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين». أخرجه أبو داود (٢).
وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ الأنْصَاري ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ». متفق عليه (٣).
• صفة خطبة الاستسقاء:
يخطب الإمام خطبة واحدة قبل الصلاة قائمًا، يحمد الله تعالى ويكبره ويستغفره، ويقول ما ثبت في السنة، ومنه: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِيخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَدَعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
стр. 5548
لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلاغًا إِلَى حِينٍ». أخرجه أبو داود (١).
«اللهمَّ أَغِثْنَا، اللهمَّ أَغِثْنَا، اللهمَّ أَغِثْنَا». متفق عليه (٢).
«اللهمَّ اسْقِنَا، اللهمَّ اسْقِنَا، اللهمَّ اسْقِنَا». أخرجه البخاري (٣).
«اللهمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيثاً مَرِيئاً مَرِيعاً نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍّ عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ». أخرجه أبو داود بسندٍ صحيح (٤).
«اللهمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ وَأَحْيِ بَلَدَكَ المَيِّتَ». أخرجه مالك وأبو داود بسندٍ حسن (٥).
وإذا استسقى الإمام فالسنة أن يرفع يديه ويرفع الناس أيديهم، ويؤمِّنون على دعاء الإمام أثناء الخطبة.
• ما يقوله إذا نزل المطر:
المطر حديث عهد بربه، والسنة إذا نزل المطر أن يحسر الإنسان ثوبه؛ ليصيب المطر بعض بدنه قائلًا: «اللهم صَيِّباً نَافِعاً». أخرجه البخاري (٦).
ويقول بعد نزول المطر: «مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ». متفق عليه (٧).
стр. 5549
وإذا كثُر المطر، وخيف الضرر، سُن أن يقول: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالجِبَالِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ». متفق عليه (١).
• ما يفعل بعد الخطبة:
إذا فرغ الإمام من الخطبة استقبل القبلة يدعو، ثم يحول رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، ويرفع الناس أيديهم يدعون، ثم يصلي بهم صلاة الاستسقاء.
• صفة صلاة الاستسقاء:
يتقدم الإمام ويصلي بالمسلمين ركعتين بلا أذان ولا إقامة، يكبر في الأولى سبعًا بتكبيرة الإحرام، ثم يقرأ الفاتحة وسورة من القرآن جهرًا، ثم يركع ويسجد سجدتين، ثم يقوم فيكبر في الركعة الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام، ثم يقرأ الفاتحة وسورة من القرآن جهرًا فإذا صلى الركعتين تشهد ثم سلم.
• صفة رفع اليدين عند الاستسقاء:
السنة في كل دعاء لرفع البلاء أن يرفع المسلم يديه جدًا حتى كأن ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء أن يرفع يديه حذو منكبيه أو نحوهما، ويجعل بطن كفيه إلى السماء.
والسنة أن يرفع الإمام والمأمومون أيديهم في دعاء الاستسقاء.
عَنْ أَنَس بن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ البَدْوِ، إِلَى رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلَكَتِ المَاشِيَةُ، هَلَكَ العِيَالُ،
стр. 5550
هَلَكَ النَّاسُ، فَرَفَعَ الرَسُولُ ﷺ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ يَدْعُونَ، قَالَ: فَمَا خَرَجْنَا مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى مُطِرْنَا». متفق عليه (١).
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ». متفق عليه (٢).
وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ: ﵁ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى، فَأشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ». أخرجه مسلم (٣).
• حكم قلب الرداء في الاستسقاء:
يسن للإمام بعد الفراغ من الخطبة أن يحول رداءه، فيجعل اليمين على الشمال، ثم يدعو مستقبلًا القبلة، ثم ينزل ويصلي بالناس صلاة الاستسقاء.
وإذا استسقى الإمام في خطبة الجمعة، أو في الصلاة، أو في غيرها، فإنه لا يقلب رداءه إلا في صلاة الاستسقاء.
عَنْ عَبْد الله بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، قَالَ: فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ». متفق عليه (٤).
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: ﵁ «أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ هَلَاكَ المَالِ، وَجَهْدَ العِيَالِ، فَدَعَا اللهَ يَسْتَسْقِي، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَلَا اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ». متفق عليه (٥).
стр. 5551
• حكم الاستسقاء في خطبة الجمعة:
يسن للإمام أن يستسقي في خطبة الجمعة إذا تأخر نزول المطر، كما يسن له طلب الاستصحاء إذا كثر المطر، وخيف الضرر، وتعطلت المصالح.
• حكم تكرار الاستسقاء:
إذا سقى الله المسلمين بعد الاستسقاء حمدوا الله وشكروه، وإن لم يُسقوا أعادوا الاستسقاء ثانيًا وثالثًا؛ لبقاء علته، والحاجة الداعية إليه، ويكثرون من الاستغفار والتوبة والصدقة.
وإذا تأهبوا للخروج للاستسقاء، ثم سُقوا قبل خروجهم لم يخرجوا، وشكروا الله على نعمته، وسألوه المزيد من فضله.
وإذا خرجوا فسُقُوا قبل أن يُصلوا، صلوا شكرًا لله ﵎ وحمدوه.
стр. 5552
٨ - صلاة الضحى
• صلاة الضحى سنة، أقلها ركعتان، ولا حد لأكثرها.
• وقت صلاة الضحى:
يبدأ وقتها بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، أي متر تقريبًا، أي بعد خمس عشرة دقيقة تقريبًا إلى قبيل الزوال، وأفضل وقتها إذا اشتد الحر، حين تَرْمَض الفصال.
• فضل صلاة الضحى:
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاثٍ: «صِيَامِ ثَلاثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأنْ أوتِرَ قَبْلَ أنْ أنَامَ». متفق عليه (١).
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلامَى مِنْ أحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى». أخرجه مسلم (٢).
وعَنْ زَيْد بْن أَرْقَم ﵁ أَنّه رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ». أخرجه مسلم (٣).
• حكم صلاة الضحى:
صلاة الضحى سنةٌ مؤكدة، صلاها رسول الله ﷺ ، وأوصى بها، ورغَّب فيها، ولم يداوم عليها؛ خشية أن تُفرض.
стр. 5553
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ، لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ». متفق عليه (١).
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ الرَسُولُ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أرْبَعاً، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ». أخرجه مسلم (٢).
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا قَالَتْ: «مَا رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأسَبِّحُهَا، وَإِنْ كَانَ الرَسُولُ ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أنْ يَعْمَلَ بِهِ، خَشْيَةَ أنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ». متفق عليه (٣).
• وقت صلاة الضحى:
وقت صلاة الضحى يبدأ من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، أي بعد ربع ساعة من طلوعها إلى قبيل الزوال.
وأفضل أوقات صلاة الضحى إذا مضى ربع النهار، وارتفعت الشمس، واشتدت حرارتها.
فمن صلاها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح أصاب السنة، ومن أخرها إلى اشتداد الحر فهو أفضل.
عَنْ زَيْد بن أرْقَمَ ﵁ أنَّهُ رَأى قَوْماً يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى، فَقَالَ: أمَا لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ الصَّلاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: «صَلاةُ الأوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ». أخرجه مسلم (٤).
стр. 5554
• صفة صلاة الضحى:
صلاة الضحى أقلها ركعتان، ولا حد لأكثرها، يصلي كل ركعتين بسلام، وأحيانًا يسردهن بسلام واحد.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أرْبَعاً، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ». أخرجه مسلم (١).
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاثٍ: «صِيَامِ ثَلاثَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ». متفق عليه (٢).
وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂ قَالَتْ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَاغْتَسَلَ، وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ». متفق عليه (٣).
стр. 5555
٩ - صلاة الاستخارة
• الاستخارة: هي طلب الخيرة من الله تعالى في أمر من الأمور الواجبة، أو المندوبة إذا تعارضت، أو المباحة إذا لم تظهر مصلحتها.
• حكم صلاة الاستخارة:
صلاة الاستخارة سنة، وهي ركعتان، يقرأ فيهما بعد الفاتحة ما تيسر من القرآن، ودعاء الاستخارة يكون قبل السلام أو بعده، والدعاء قبل السلام أفضل، ويجوز للمستخير أداء هذه العبادة أكثر من مرة، في أوقاتٍ مختلفة، ويفعل ما ينشرح به صدره مما لم يكن له فيه هوىً قبل الاستخارة.
والاستخارة والاستشارة تكون لمن هَمَّ في أمرٍ غير محرمٍ ولا مكروه، وهما مستحبتان، فما ندم من استخار الخالق، واستشار المخلوق، والاستخارة تكون قبل الاستشارة، فإذا لم يتبين له شيء بعد الاستخارة، استشار غيره من عقلاء الناس: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
صفة الاستخارة:
عن جابر ﵁ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا كَالسُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ: «إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي-أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وآجِلِهِ- قَاقْدُرْهُ لِي وَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا
стр. 5556
الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي-أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ». أخرجه البخاري (١).
• أحوال الاستخارة:
الأمور تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: المشروعات من الواجبات والمستحبات، فهذه لا يستخار فيها، لكن يستخير في أنواع الواجب والمستحب عند التزاحم؛ لأنها مطلوبة الفعل، مختلفة الأجر: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
الثاني: المنهيات من المحرمات والمكروهات، فهذه كلها لا يستخار فيها، بل يحذرها مطلقًا؛ لأنها مطلوبة الترك: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثالث: المباحات: كشراء الأرض، أو السيارة، أو المنزل، أو السفر ونحو ذلك، أو بيع هذه الدار، أو هذه البناية، فهذه يستخير الإنسان فيها إذا تردد في الأمر، أما إذا ظهرت له المصلحة فإنه يفعل الأصلح ولا يستخير ولا يستشير.
١١ - صلاة تحية المسجد
• حكم تحية المسجد:
صلاة تحية المسجد ركعتان، وهي واجبة على من دخل المسجد في أي وقت من ليلٍ أو نهار، لأنها من ذوات الأسباب.
عَنْ أبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ ﵁ أنَّ الرَسُولَ ﷺ قَالَ: «إذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ». متفق عليه (١).
وَعَنْ أبِي قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ الأنْصَارِيَّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». متفق عليه (٢).
• حكم تحية المسجد وقت خطبة الجمعة:
السنة لمن دخل المسجد والإمام يخطب خطبة الجمعة أن يصلي ركعتين خفيفتين قبل أن يجلس.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قال: جَاءَ سُلَيْكٌ الغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَرَسُولُ الله ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ: «يَا سُلَيْكُ! قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا، ثُمَّ قال: «إِذَا جَاءَ أحَدُكُمْ، يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا». متفق عليه (٣).
ويجوز للمسلم إذا دخل المسجد أن يصلي ركعتين، وينوي بهما السنة الراتبة، وركعتي الوضوء، وتحية المسجد.
قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (٤).
стр. 5560
١٢ - صلاة القدوم من السفر
• حكم صلاة القدوم من السفر:
يسن للمسلم عند القدوم من السفر أن يذهب إلى المسجد، ويصلي فيه ركعتين.
ويسن للرجل الكبير في المرتبة، ومن يقصده الناس، أن يقعد أول قدومه في مكانٍ بارز إما المسجد أو غيره.
عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أنَّ الرَسُولَ ﷺ كَانَ لا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلا نَهَاراً، فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ، بَدَأ بِالمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ». متفق عليه (١).
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَأبْطَأ بِي جَمَلِي وَأعْيَا، ثُمَّ قَدِمَ الرَسُولُ ﷺ قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالغَدَاةِ، فَجِئْتُ المَسْجِدَ فَوَجَدْتُهُ عَلَى باب المَسْجِدِ، قال: «الآنَ حِينَ قَدِمْتَ؟».، قُلْتُ: نَعَمْ، قال: «فَدَعْ جَمَلَكَ، وَادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ».، قال فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ». متفق عليه (٢).
стр. 5561
١٣ - صلاة التطوع المطلق
• صلاة التطوع المطلق: هي كل صلاة لم تقيد بزمنٍ ولا سبب.
• أقسام صلاة التطوع:
صلاة التطوع قسمان: تطوعٌ مطلق، وتطوعٌ مقيد.
فالتطوع المقيد أفضل في الوقت الذي قُيِّد به، أو في الحال التي قُيِّد بها، فصلاة تحية المسجد، وركعتي الوضوء، وكل صلاة من ذوات الأسباب أفضل من التطوع بالليل، ولو كانت بالنهار.
أما التطوع المطلق ففي الليل أفضل منه في النهار، فالصلاة مثلًا بين المغرب والعشاء أفضل من الصلاة بين الظهر والعصر؛ لأنها صلاة ليل، والتطوع المطلق يُسن الإكثار منه كل وقت إلا أوقات النهي: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
حكم صلاة التطوع المطلق:
تُسن صلاة التطوع المطلق كل وقت عدا أوقات النهي، وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار، والثلث الأخير من الليل أفضل؛ لأنه وقت نزول الرب إلى السماء الدنيا، فيصلي المسلم من الصلوات المطلقة ما شاء، ركعتين ركعتين، في غير أوقات النهي، وله أن يصلي نهارًا أربعًا بسلام واحد: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وَعَنْ مَعْدَان بن أبِي طَلْحَةَ اليَعْمَرِيّ قَالَ: «لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقُلْتُ: أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللهُ بِهِ الجَنَّةَ، أوْ قال قُلْتُ: بِأحَبِّ الأعْمَالِ إِلَى الله، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَألْتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَألْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: سَألْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَإِنَّكَ لا تَسْجُدُ سَجْدَةً إِلا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً». أخرجه مسلم (١).
• أوقات النهي عن صلاة التطوع:
أوقات النهي عن صلاة التطوع خمسة وهي:
من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ومن طلوع الشمس إلى ارتفاعها قيد رمح، ويقدر بخمس عشرة دقيقة تقريبًا، ومن استواء الشمس حتى تزول وهو وقتٌ قصيرٌ جدًا، ومن بعد صلاة العصر إلى اصفرار الشمس، ومن شروع الشمس في الغروب إلى أن تغرب.
عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ ﵁ قال: قال رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «لا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ». متفق عليه (٢).
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ﵁ قُال: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ». أخرجه مسلم (٣).
стр. 5564
وَعَنْ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ ﵁ قال: «قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي، عَنِ الصَّلَاةِ، قَالَ: صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى تَرْتَفِعَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ». أخرجه مسلم (١).
• حكم التطوع المطلق:
التطوع المطلق بالصلاة مشروع بالليل والنهار، مثنى مثنى، وأفضله صلاة الليل.
• صفة صلاة التطوع:
يجوز في صلاة التطوع الجلوس مع القدرة على القيام، ومن صلى قائمًا فهو أفضل، أما الفريضة فالقيام فيها ركن إلا لمن لم يقدر عليه، فيصلي حسب حاله كما سبق.
ومن صلى النوافل قاعدًا لغير عذر فله نصف أجر صلاة القائم، ومع العذر فأجره كالقائم، وصلاة المضطجع تطوعًا بعذر فأجره كالقائم، وبدون عذر فله نصف أجر صلاة القاعِد.
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ وَكَانْ مَيسُورًا، قَالَ: سَأَلْتُ الرسول ﷺ عَنِ صَلاة الرَجُل قَاعدًا، فقَالَ: «إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ». أخرجه البخاري (٢).
стр. 5565
وصلاة الليل مثني مثني، وله أن يصلي أحيانًا أربعًا بسلامٍ واحد، أما النهار فإن شاء صلى مثنى مثنى، وإن شاء صلى أربعًا بسلامٍ واحد.
فهذه ثلاثة عشر نوعًا من أنواع صلاة التطوع، فعلينا الاستجابة لذلك، وامتثال أوامر الله من واجبٍ ومستحب، والبعد عما يسخطه من محرمٍ ومكروه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
стр. 5566
٣٤ - خزائن الجنائز
ويشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
стр. 5567
٣٤ - خزائن الجنائز
١ - الخزانة الأولى
• كتاب الجنائز يشتمل على ما يلي:
الموت وأحكامه، فضائل الصبر، غسل الميت، تكفين الميت، صفة الصلاة على الميت، حمل الميت ودفنه، التعزية، زيارة القبور.
• الموت وأحكامه:
• أجل الموت:
الموت هو مفارقة الحياة بخروج الروح من البدن من إنسان أو حيوان، والبقاء لله وحده، وقد كتب الله الموت والفناء على كل مخلوق، ولا مفر لأحد منه، فالإنسان مهما طال أجله فلابد أن يموت، وينتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، والقبر أول منازل الآخرة، وهو إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
стр. 5568
• أحوال الإنسان:
الإنسان يركب طبقًا بعد طبق، ويتحول من حال إلى حال، سواء كان في الزمان، أو المكان، أو الأبدان، أو القلوب.
أولاً: أحوال الزمان: تتقلب على الإنسان من أمن إلى خوف، ومن صحة إلى سقم، ومن سلم إلى حرب، ومن غنى إلى فقر، ومن فرح إلى حزن، ومن حياة إلى موت، ونحو ذلك من التقلبات، ليتعبد المسلم لربه في كل حال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
ثانياً: أحوال المكان: ينتقل الإنسان فيها كل يوم من منزل إلى منزل، ومن مكان إلى مكان، من بطن الأم إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبر، ومن القبر إلى الحشر، إلى أن تنتهي به المنازل بدار القرار في الجنة أو النار.
ثالثًا: أحوال الأبدان: يركب الإنسان فيها طبقًا عن طبق، فيكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم طفلًا، ثم شابًّا، ثم هرمًا، ثم يموت: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٦ - ١٩].
رابعًا: أحوال القلوب عجيبة: تارة تتعلق بالله، وتارة تتعلق بالدنيا، وتارة تتعلق بالأموال، وتارة تتعلق بالرئاسة، وتارة تتعلق بالنساء والقصور ونحو ذلك من التعلقات.
وأعظم تعلقات القلب، أن يكون معلقًا بالله ، مؤثرًا مرضاة ربه في كل شيء، فيستخدم النفس والمال والدنيا من أجل تحقيق العبودية لله تعالى، وتقديم مراد الله على مراد نفسه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
стр. 5569
وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وهذه أعظم الأحوال الأربعة، فعلى الإنسان أن يتفقد قلبه، ليحفظه من التعلق بغير الله، ويزكيه، ويشتغل بذكر الله، وطاعته، وعبادته، والدعوة إليه، والإحسان إلى خلقه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
• ما يفعله من أصابه مرض مخوف:
يجب على المريض أن يؤمن بقضاء الله، ويصبر على قدره، ويحسن الظن بربه، ولا يتمنى الموت، ويطلب الشفا من الله وحده، وأن يؤدي حقوق الله تعالى، وحقوق الناس، وأن يكتب وصيته.
ويسن أن يوصي إن كان موسرا لأقاربه الذين لا يرثونه بالثلث فأقل، وهو الأفضل، وأن يتدواى بمباح، وأن يتداوى المريض عند طبيب مسلم لا كافر، إلا إذا احتاج إليه وأمن مكره.
وتسن عيادة المريض، وتذكيره التوبة والوصية، والسنة أن يشكو المريض حاله إلى ربه، وله أن يصف حاله لغيره على وجه الإخبار لا على وجه التسخط: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦].
والنعم والمصائب وسائل تذكير، وإنذار للعباد، وهذا بجهله أكثر الخلق: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
стр. 5570
• حكم التداوي:
التداوي من المرض ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
الأول: التداوي الواجب، وذلك إذا علم الإنسان أو ظن بقول الأطباء أن هذا التداوي نافع، وتركه يؤدي إلى الهلاك: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
الثاني: التداوي المستحب: وذلك إذا علم أو ظن أن التداوي نافع، وتركه لا يؤدي إلى الهلاك، لأن ذلك أنشط له على أداء حقوق الله، وحقوق عباده.
الثالث: أن يتساوى الأمران: فلا يعلم نفعه، ولا عدم نفعه، فهذا مباح: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
• ما يقوله من حضره الموت:
عن عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَيَّ ظَهْرَهُ، يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعلى». متفق عليه (١).
• حكم تمني الموت:
عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي». متفق عليه (٢).
• صفة الاستعداد للموت:
يجب على المسلم أن يستعد للموت، ويكثر من ذكره، والاستعداد للموت يكون بالتوبة من المعاصي، وإيثار الآخرة، والخروج من