← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

٣٤ - خزائن الجنائز ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة

стр. 5567

٣٤ - خزائن الجنائز ١ - الخزانة الأولى • كتاب الجنائز يشتمل على ما يلي: الموت وأحكامه، فضائل الصبر، غسل الميت، تكفين الميت، صفة الصلاة على الميت، حمل الميت ودفنه، التعزية، زيارة القبور. • الموت وأحكامه: • أجل الموت: الموت هو مفارقة الحياة بخروج الروح من البدن من إنسان أو حيوان، والبقاء لله وحده، وقد كتب الله الموت والفناء على كل مخلوق، ولا مفر لأحد منه، فالإنسان مهما طال أجله فلابد أن يموت، وينتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، والقبر أول منازل الآخرة، وهو إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة: ٨]. وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].

стр. 5568

• أحوال الإنسان: الإنسان يركب طبقًا بعد طبق، ويتحول من حال إلى حال، سواء كان في الزمان، أو المكان، أو الأبدان، أو القلوب. أولاً: أحوال الزمان: تتقلب على الإنسان من أمن إلى خوف، ومن صحة إلى سقم، ومن سلم إلى حرب، ومن غنى إلى فقر، ومن فرح إلى حزن، ومن حياة إلى موت، ونحو ذلك من التقلبات، ليتعبد المسلم لربه في كل حال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣]. ثانياً: أحوال المكان: ينتقل الإنسان فيها كل يوم من منزل إلى منزل، ومن مكان إلى مكان، من بطن الأم إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبر، ومن القبر إلى الحشر، إلى أن تنتهي به المنازل بدار القرار في الجنة أو النار. ثالثًا: أحوال الأبدان: يركب الإنسان فيها طبقًا عن طبق، فيكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم طفلًا، ثم شابًّا، ثم هرمًا، ثم يموت: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٦ - ١٩]. رابعًا: أحوال القلوب عجيبة: تارة تتعلق بالله، وتارة تتعلق بالدنيا، وتارة تتعلق بالأموال، وتارة تتعلق بالرئاسة، وتارة تتعلق بالنساء والقصور ونحو ذلك من التعلقات. وأعظم تعلقات القلب، أن يكون معلقًا بالله ، مؤثرًا مرضاة ربه في كل شيء، فيستخدم النفس والمال والدنيا من أجل تحقيق العبودية لله تعالى، وتقديم مراد الله على مراد نفسه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ

стр. 5569

وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وهذه أعظم الأحوال الأربعة، فعلى الإنسان أن يتفقد قلبه، ليحفظه من التعلق بغير الله، ويزكيه، ويشتغل بذكر الله، وطاعته، وعبادته، والدعوة إليه، والإحسان إلى خلقه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. • ما يفعله من أصابه مرض مخوف: يجب على المريض أن يؤمن بقضاء الله، ويصبر على قدره، ويحسن الظن بربه، ولا يتمنى الموت، ويطلب الشفا من الله وحده، وأن يؤدي حقوق الله تعالى، وحقوق الناس، وأن يكتب وصيته. ويسن أن يوصي إن كان موسرا لأقاربه الذين لا يرثونه بالثلث فأقل، وهو الأفضل، وأن يتدواى بمباح، وأن يتداوى المريض عند طبيب مسلم لا كافر، إلا إذا احتاج إليه وأمن مكره. وتسن عيادة المريض، وتذكيره التوبة والوصية، والسنة أن يشكو المريض حاله إلى ربه، وله أن يصف حاله لغيره على وجه الإخبار لا على وجه التسخط: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦]. والنعم والمصائب وسائل تذكير، وإنذار للعباد، وهذا بجهله أكثر الخلق: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].

стр. 5570

• حكم التداوي: التداوي من المرض ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي: الأول: التداوي الواجب، وذلك إذا علم الإنسان أو ظن بقول الأطباء أن هذا التداوي نافع، وتركه يؤدي إلى الهلاك: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. الثاني: التداوي المستحب: وذلك إذا علم أو ظن أن التداوي نافع، وتركه لا يؤدي إلى الهلاك، لأن ذلك أنشط له على أداء حقوق الله، وحقوق عباده. الثالث: أن يتساوى الأمران: فلا يعلم نفعه، ولا عدم نفعه، فهذا مباح: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]. • ما يقوله من حضره الموت: عن عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُسْنِدٌ إِلَيَّ ظَهْرَهُ، يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعلى». متفق عليه (١). • حكم تمني الموت: عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي». متفق عليه (٢). • صفة الاستعداد للموت: يجب على المسلم أن يستعد للموت، ويكثر من ذكره، والاستعداد للموت يكون بالتوبة من المعاصي، وإيثار الآخرة، والخروج من

стр. 5571

المظالم، والإقبال على الله بالطاعات، واجتناب المحرمات، وحفظ الأوقات بالأعمال الصالحة: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. • حكم تلقين من حضرته الوفاة: من حق المسلم على المسلم أن يعوده إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات، ويسن لمن شهد من حضرته الوفاة أن يلقنه الشهادة، فيذكره بقول: لا إله إلا الله، وأن يدعو له، ولا يقول في حضوره إلا خيرًا، أما تلقينه بعد الموت أو بعد دفنه فبدعة لعدم ثبوته شرعاً، ولا بأس أن يحضر المسلم وفاة الكافر، ليعرض عليه الإسلام ويقول له: قل لا إله إلا الله. • علامات حسن الخاتمة: لحسن الخاتمة علامات أهمها: أولًا: نطق الميت بالشهادة عند الموت. ثانيًا: موت المؤمن بعرق الجبين. ثالثًا: الاستشهاد، أو الموت في سبيل الله. رابعًا: الموت مرابطًا في سبيل الله. خامسًا: الموت دفاعًا عن نفسه أو ماله أو أهله. سادسًا: الموت بذات الجنب، أو بداء السل.

стр. 5572

سابعًا: الموت بالطاعون أو بداء البطن، أو الغرق، أو الحرق، أو الهدم. ثامنًا: موت المرأة في نفاسها بسبب الولادة ونحو ذلك. تاسعًا: الموت وهو يؤدي عملًا صالحًا من ذكر أو صلاة، أو دعوة، أو تعليم، ونحو ذلك من أنواع الإحسان، وكل ذلك ثابت في الأحاديث النبوية الصحيحة، وليس للموت يوم الجمعة، أو يوم الاثنين مزية على ما سواه من الأيام، بل الموت في كل الأيام على حد سواء، وقد مات سيد الخلق يوم الاثنين من شهر ربيع الأول. • فقه الموت: يجب على المسلم أن يتذكر دائمًا الموت، لا على أنه فراق للأهل والأحباب ولذات الدنيا، فهذه نظرة قاصرة، بل على أن الموت فيه فراق للعمل والحرث للآخرة، وبهذا يستعد ويزيد في عمل الآخرة، والإقبال على الله تعالى، أما النظرة الأولى: فتزيده حسرة وندمًا وألمًا، وإذا أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له فيها حاجة، ويجب على المسلم أن يحسن الظن بالله تعالى عند الموت، لقول ﷺ : «لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ ». أخرجه مسلم (١). • علامات الموت: ويعرف موت الإنسان بانخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه، وشخوص بصره، وبرودته، وانقطاع نفسه. • مكان وزمان الموت: لا يعلم بمكان وزمان موت الإنسان إلا الله وحده لا شريك له: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا

стр. 5573

تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]. ولا مفر لمخلوق من الموت: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. • ما يفعل بالمسلم إذا مات: إذا مات المسلم يسن تغميض عينيه، ويدعو له عند تغميضه بقوله: «اللَّهمَّ اغْفِرْ لِفُلانٍ، وارْفَعْ دَرَجَتهُ فِي المَهْدِيِّيْنَ، وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيْهِ، واخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الغَابِريْنَ، واغْفِرْ لَنَا ولَهُ يَا رَبَّ العَالَمِيْن». أخرجه مسلم (١). ثم يشد لحييه بعصابة، ويلين مفاصله برفق، ويرفعه من الأرض، ويخلع ثيابه، ويستره بثوب يستر جميع بدنه، ثم يغسله، وعلى أوليائه المبادرة بقضاء دينه، وتنفيذ وصيته، وإسراع تجهيزه، والصلاة عليه، ودفنه في البلد الذي مات فيه، ويجوز لمن حضره ولغيره كشف وجه الميت، وتقبيله، والبكاء عليه، ويجب قضاء حقوق الله تعالى عن الميت إن كانت كالزكاة والنذر والكفارة، وحجة الإسلام، وتقدم على حقوق الورثة في التركة لأن دين الله حق بالوفاة، وتقدم كذلك على الديون التي للناس، فالله أحق بالوفاء، ونفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يقضي عنه دَينه. • ما يجب على زوجة الميت: يجب على زوجة الميت أن تحد على زوجها إذا مات أربعة أشهر وعشرة ايام، ويجوز للمرأة أن تحد على وفاة ولدها أو غيره من أقاربها ثلاثة أيام: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ

стр. 5574

وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤]. • حكم النياحة على الميت: يحرم على أقارب الميت وغيرهم النياحة على الميت، وهي أمر زائد على البكاء، والميت يعذب في قبره بما نيح عليه ممن أوصى بذلك. ويحرم عند المصيبة لطم الخدود، وشق الجيوب، وحلق ونشر الشعر: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. • حكم النعي: النعي: هو الإخبار بموت الإنسان، والنعي على ثلاثة أقسام: الأول: أن يُعلم أقارب الميت وأصدقاءه وجيرانه بموته، لكي يجتمعوا على تغسيله، والصلاة عليه، والدعاء له، ودفنه، فهذا من النعي المشروع. الثاني: أن يُبعث من ينادي في الناس، أن فلان قد مات، فاشهدوا جنازته، ومن ذلك ما يحصل في وسائل الإعلام المختلفة، بالإخبار بموت فلان، فهذا إن كان لمصلحة الميت لتشهد جنازته، ويصلى عليه، ومن له دين على هذا الميت يأتي ليأخذ حقه، فهذا جائز لما فيه من مصلحة الميت، وإبراء ذمته: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. الثالث: أن يكون النعي شبيهًا بنعي الجاهلية بذكر محاسن الميت، والصياح والنياحة، فهذا نعي مذموم منهي عنه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].

стр. 5575

• ما يقوله ويفعله المصاب عند المصيبة: يجب على من أصابته مصيبة من أقارب الميت وغيرهم، إذا علموا بموته الصبر، ويسن لهم الرضا بالقدر، والاحتساب، والاسترجاع. والصبر هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن المحرم، كلطم الخد، وشق الثوب ونحو ذلك. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول:». مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا». أخرجه مسلم (١). وعن أَنَسِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ، يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ». أخرجه البخاري (٢). • حكم تشريح جثة الميت: يجوز تشريح جثة المسلم إن كان الغرض منها التحقق من دعوى جنائية، أو التحقق من أمراض وبائية، لما في ذلك من المصالح التي تعود على الأمن والعدل، ووقاية الأمة من الأمراض الخطيرة المعدية، وإن كان التشريح لغرض التعلم والتعليم، فالمسلم له كرامته حيًّا وميّتًا، فيكتفي بتشريح جثث غير المسلمين إذا لزم الأمر. • فضائل الصبر على المصائب: أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المؤمن على حسب دينه، فمن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، ومن كان بلاؤه أكثر وأشد فثوابه أعظم،

стр. 5576

وإنما كان الأنبياء والصالحون أشد بلاء، لأنهم لو لم يبتلوا لتوهم الناس فيهم الإلوهية، وليهون على الناس الصبر على البلية، ولأن من كان أشد بلاءً كان أشد تضرعًا إلى ربه، ومن كان أقرب إلى ربه كان بلاؤه أشد، ليكون ثوابه أعظم، وأكبر، وأكثر، وأكمل أجراً: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. والصبر من أعظم ثمار الإيمان؛ لأنه شاق على النفوس لما فيه من مجاهدة النفس، وحبسها عما تريد، ولهذا كان الصبر ضياء، وما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]. وقال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [النحل: ٩٦]. وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن الرسول ﷺ قال: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبِ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍ، وَلا حَزَنٍ وَلا غَمٍّ، وَلا أَذًى، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِلا كَفَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا من خَطَايَاه». متفق عليه (١). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لعَبدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلاَّ الجَنَّةَ» أخرجه البخاري (٢). وعَنْ سَعْد بن أبي وقاص ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى العبدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ،

стр. 5577

فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» أخرجه الترمذي وابن ماجة بسند صحيح (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» أخرجه الترمذي بسند صحيح (٢). • فضائل الصبر: المؤمن يسأل ربه العافية، ولا يسأله البلاء، فإذا نزل به البلاء صبر عليه، واحتسب الأجر عليه من ربه، ومن صبر ودرب نفسه على الصبر، صبَّره الله وأعانه، ورضي عنه وأرضاه، والرضا أفضل من الصبر، وشكر الله وحمده أفضل المقامات: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل/ ١٢٧ - ١٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وعن ابي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:» مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ

стр. 5578

يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ». متفق عليه (١). وعن ابن مسعود ﵁ قال: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ».، فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجَلْ، ثُمَّ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ لَهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» متفق عليه (٢). ومن أراد الله به خيرًا أصابه بالمصائب التي تذكره بربه، وتذكره بالموت، وتذكره بالتوبة، ويرفع الله بها درجاته، ويكفر بها عنه سيئاته، ويزيد ثوابه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١] وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ «أخرجه البخاري (٣). وأمر المؤمن كله خير في السراء والضراء، كرامة له من ربه، وموعظة له. عن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ». أخرجه مسلم (٤).

стр. 5579

وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا». أخرجه مسلم (١). عن أَنَسِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ النَّاسِ مُسْلِمٌ إذا توفى له ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُم». أخرجه البخاري (٢). • أنواع الصبر المشروع: الصبر المشروع ثلاثة أنواع: الأول: صبر على الطاعات. الثاني: صبر عن المعاصي. الثالث: صبر على أقدار الله المؤلمة. قال الله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]. ومن صبر على هذه الثلاثة ابتغاء وجه الله، هو الصابر حقًّا، ومن استكمل شروط الصبر نال الثواب العظيم من ربه الكريم: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].

стр. 5580

وشروط الصبر الذي ينفع صاحبه ثلاثة: الأول: إخلاص الصبر لله : ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾ [الرعد: ٢٢]. الثاني: عدم شكوى حاله للناس، بل يشكو حاله إلى ربه وحده، لأن قضاء الحاجات بيده وحده كما قال يعقوب: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦]. الثالث: أن يكون الصبر في أوانه، لا بعد انتهاء زمانه. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». متفق عليه (١). وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].

стр. 5581

٢ - الخزانة الثانية غسل الميت • من يغسل الميت؟. أولاً: السنة أن يغسل الميت أعرف الناس بسنة الغسل، وله أجر عظيم إذا ابتغى بذلك وجه الله، وستر عليه، ولم يحدث بما رآه منه من مكروه. والأولى بغسل الميت من الرجال عند المشاحة، وصيه، ثم أبوه، ثم جده، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، ثم ذوو أرحامه. والأولى بغسل الأنثى وصيتها، ثم أمها، ثم جدتها، ثم الأقرب فالأقرب وهكذا. ثانياً: يجوز لكل من الزوجين غسل صاحبه، ويجزي غسل الميت ذكرًا كان أو أنثى مرة واحدة تعم جميع بدنه. ثالثًا: يجوز للرجل أو المرأة غسل من له سبع سنين فأقل ذكر كان أو أنثى. رابعًا: يحضر غسل الميت الغاسل، ومن يعينه على الغسل، ويكره لغيرهم حضوره من غير حاجة. • حكم غسل الحرقى ونحوهم: أولاً: إذا اجتمع مسلمون وكفار وماتوا بحريق ونحوه ولم يمكن تمييزهم، غُسِّلوا وكُفِّنوا، وصُلِّي عليهم، ودفنوا بنية المسلمين منهم. ثانيًا: من تعذر غسله لاحتراق أو تمزق ونحوهما أو عدم الماء، كفن بلا غسل ولا وضوء ولا تيمم وصلي عليه.

стр. 5582

وتشرع الصلاة على بعض أجزاء الميت، كيد ورجل ونحوهما إذا تعذر الحصول على بقية البدن، أما العضو المقطوع من المسلم الحي لأي سبب، فلا يغسل ولا يصلى عليه، وإنما يلف في خرقة، ويدفن في المقبرة. ثالثًا: إذا مات الرجل بين نسوة أجانب، أو ماتت امرأة بين رجال أجانب، أو تعذر غسل الميت، كفن، وصلي عليه، ودفن بلا غسل. رابعًا: شهيد المعركة المقتول في سبيل الله لا يغسل، وما سواه من الشهداء يغسل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. • حكم غسل السقط: السقط إذا نزل من بطن أمه فله حالتان: الأولى: أن ينزل من بطن أمه حيًّا أو ميتًا، قد تبين فيه خلق الإنسان، فهذا يغسل ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن، وتكون أمه نفساء به. الثانية: أن ينزل السقط ولم يتبين فيه خلق الإنسان، فهذا يوارى بالتراب في أي مكان ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا تكون أمه نفساء به، وإن رأت الدم بسببه تغتسل مرة واحدة. • حكم غسل الكافر: لا يجوز أن يغسل مسلم كافرًا، أو يكفنه، أو يصلي عليه، أو يتبع جنازته، أو يدفنه، بل يواريه بالتراب إذا عدم من يواريه من أقاربه، ولا يشرع لأقارب المشرك من المسلمين أن يتبعوا جنازته. • صفة الغسل المسنون للميت: إذا أراد أحد غسل الميت، وضعه على سرير الغسل، ثم ستر عورته، ثم جرده من ثيابه، ثم رفع رأسه إلى قرب جلوسه، ثم يعصر بطنه برفق، ويكثر

стр. 5583

صب الماء عليه، ثم يلف على يده خرقة، أو قفازين، وينجيه، ثم ينوي غسله ويوضئه ندبًا كوضوء الصلاة، بعد أن يضع على يده خرقة أخرى. ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه، لكن يدخل إصبعين مبلولتين في أنفه وفمه، ثم يغسله بالماء والسدر أو الصابون، يبدأ برأسه ولحيته، ثم شقه الأيمن من عنقه إلى قدمه، ثم الأيسر كذلك، ثم يقلبه على جنبه الأيسر ويغسل شق ظهره الأيمن، ثم يقلبه على جنبه الأيمن، ثم يغسل جانبه الأيسر كذلك، ثم يغسله مرة ثانية وثالثة مثل الغسل الأول. فإن لم ينقي زاد حتى ينقي وترًا، ويجعل في الغسلة الأخيرة مع الماء كافورًا أو طيبًا، وإن كان شاربه طويلة، أو أظافره طويلة أخذ منها، ثم ينشف بثوب، والمرأة يجعل شعرها ثلاثة قرون، ويسدل من ورائها، وإن خرج من الميت شيء بعد الغسل، غسل المحل ووضأه، وحشي المحل بقطن.

стр. 5584

تكفين الميت • تكفين الميت هو ستر بدنه بالثياب بعد الغسل، ويجب تكفين الميت من ماله، فإذا لم يكن له مال، فعلى من تلزمه نفقته من الأصول والفروع، ويجب تكفين الميت بثوب واحد يستر جميع بدنه، والسنة أن يكون بثلاثة أثواب. • صفة تكفين الميت: يسن أن يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض جديدة تجمر بالبخور ثلاثاً، ثم تبسط بعضها فوق بعض، ويجعل حنوط وهو أخلاط من الطيب فيما بين اللفائف، ثم يوضع الميت على اللفائف مستلقيًا على ظهره، ويجعل من الحنوط في قطن بين إليتيه، ويشد فوقه خرقة على هيئة سروال صغير يستر عورته، ويطيب ذلك مع سائر بدنه، ثم يرد طرف اللفافة العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها الأيمن على الأيسر فوقها، ثم الثانية كذلك، ثم الثالثة كذلك. ويجعل الفاضل من الكفن عند رأسه، أو عند رأسه ورجليه إن زاد، ثم يعقد عرضًا على اللفائف أحزمة لئلا تنتشر، والمرأة كالرجل فيما سبق، ويكفن الصبي في ثوب واحد، والسنة في ثلاثة أثواب، والسقط إذا مات وله أربعة أشهر، غسل وكفن وصلي عليه ودفن مع المسلمين. وإذا خرج من الميت بعد تكفينه نجاسة لم يعد الغسل ولا الوضوء، لما فيه من الحرج والمشقة. عنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي أَثْوَابٍ بِيضٍ يَمَانِيَةٍ، بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرسُف لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ». متفق عليه (١).

стр. 5585

• صفة تكفين الشهيد: شهيد المعركة المقتول في سبيل الله يدفن في ثيابه التي استشهد فيها، ولا يغسل، ويستحب أن تيسر تكفينه بثوب أو أكثر فوق ثيابه إن كان أستر له. • صفة تكفين المحرم: المحرم بنسك حج أو عمرة، أو بهما معًا، إذا مات يغسل بماء وسدر أو صابون، ولا يقرب طيبًا، ولا يُلبس مخيطًا، ولا يغطى رأسه إن كان رجلًا، لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا على حالته، ولا يقضى عنه بقية النسك، ويكفن في ثوبيه اللذين مات فيهما.

стр. 5586

صفة الصلاة على الميت • فقه حضور الجنائز: شهود الجنازة وإتباعها فيه فوائد جمة أهمها: أداء حق الميت بالصلاة عليه، والشفاعة فيه، والدعاء له، وأداء حق أهله، وجبر خاطرهم عند مصيبتهم في ميتهم، والتعاون على البر والتقوى، وتحصيل أجر عظيم للمشيع، وحصول العظة والاعتبار بمشاهدة الجنائز والمقابر ونحو ذلك: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقال النبي ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست … فاتبعه» أخرجه مسلم (١) • حكم صلاة الجنازة: صلاة الجنازة فرض كفاية، وهي زيادة فيها أجر المصلين، وشفاعة في حق الميتين، ويستحب كثرة المصلين عليها، وكلما كان المصلون أكثر وأتقى فهو أفضل. عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلا لا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ». أخرجه مسلم (٢).

стр. 5587

• صفة الصلاة على الميت: أولًا: يتوضأ من أراد الصلاة على الميت، ويستقبل القبلة، ويجعل الجنازة بينه وبين القبلة، ويجعل رأس الميت إذا شاء عن يمينه أو عن يساره. ثانيًا: السنة أن يقوم الإمام عند رأس الميت، وعند وسط المرأة، ويكبر أربعًا، وأحيانًا خمساً أو ستًّا، أو سبعًا أو تسعًا، خاصة على أهل العلم والفضل والصلاح والتقوى، ومن لهم قدم صدق في الإسلام. يفعل هذا مرة، وهذا مرة إحياءً للسنة، ويداوم على الأربع تكبيرات. ثالثًا: يكبر التكبيرة الأولى رافعًا يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، ثم يضع اليمنى على ظهر كف اليسرى، على صدره كما سبق، ولا يستفتح، ثم يتعوذ، ويسمي ويقرأ الفاتحة سرًّا، وأحيانًا يقرأ معها سورة. ثم يكبر الثانية ويقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهم بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». متفق عليه (١). ثم يكبر الثالثة، ويدعو بإخلاص بما ورده منه:». اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسلامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمِان، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَه». أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح (٢). ويقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ

стр. 5588

الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ». أخرجه مسلم (١). ويقول: «اللَّهُمَّ إِنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ فِي ذِمَّتِكَ، وَحَبْلِ جِوَارِكَ، فقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَعَذَابَ النَّارِ، وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَقِّ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إِنَّكَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح. (٢) وإن كان الميت صغيرًا دعا بالدعاء الأول، ثم دعا لوالديه بالمغفرة والرحمة. ثم يكبر الرابعة، ويقف قليلًا يدعو بما شاء، ثم يسلم واحدة عن يمينه قائلًا: السلام عليكم ورحمة الله، وإن سلم ثانية عن يساره أحيانًا فلا بأس. ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته، ويكون ما أدركه مع الإمام هو أول صلاته، فيقرأ الفاتحة، ثم يكمل صلاته كما سبق، وإن خشي رفع الجنازة تابع التكبير، ثم سلم، وإن لم يقضه وسلم مع الإمام، فصلاته صحيحة إن شاء الله تعالى. ورفع اليدين في التكبيرة الأولى على الجنازة سنة، أما رفعها في باقي التكبيرات، فيرفع تارة، ويترك تارة، ويكون الترك أكثر. • كيفية صف الجنائز أمام الإمام: السنة: أن يُصلى على الميت جماعة، وألا تنقص الصفوف عن ثلاثة، وإذا اجتمعت جنائز فيسن أن يلي الإمام الرجال، ثم الأطفال، ثم النساء،

стр. 5589

ويصلي عليهم جميعًا صلاة واحدة، ويجوز أن يصلي على كل جنازة صلاة. • صفة الدعاء للميت في صلاة الجنازة: يكون الدعاء في صلاة الجنازة على حسب الميت، فالرجل كما سبق، ويؤنث الضمير مع الأنثى، ويجمع الضمير إذا تعددت الجنائز، وإن كن نساءً قال: اللهم اغفر لهن وهكذا، وإن كان لا يعلم المقدم ذكرًا أو أنثى، جاز أن يخاطب الميت، أو الجنازة، فيقول: اللهم اغفر له، أو اغفر لها. • حكم الصلاة على الشهيد: شهداء المعركة الذين قتلوا في سبيل الله، الإمام مخير فيهم، إن شاء صلى عليهم، وإن شاء ترك، والصلاة أفضل، ويدفنون في مصارعهم. وماسواهم من الشهداء كالغريق والحريق، ومن مات بالهدم ونحوهم، فهم شهداء في ثواب الآخرة، لكن يغسلون ويكفنون، ويصلى عليهم كغيرهم ويدفنون في المقبرة. • من يُصلى عليه صلاة الجنازة: أولًا: تشرع الصلاة على الميت المسلم برًّا كان أو فاجرًا، لكن تارك الصلاة أبدًا لا يصلى عليه، لأنه كافر، والكافر لا تجوز الصلاة عليه. ثانيًا: قاتل نفسه، والغال من الغنيمة، وأهل البدع غير مكفرة يصلي عليهم المسلمون، ويحسن بالإمام وأهل الفضل ترك الصلاة عليهم عقوبة لهم، وزجرًا لغيرهم. ثالثًا: المسلم الذي أقيم عليه حد الرجم أو القصاص يغسل ويصلى عليه صلاة الجنازة، لأنه مسلم.

стр. 5590

عن جابر بن سمرة ﵁ قال: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ». أخرجه مسلم (١). رابعًا: السقط الذي له أربعة أشهر فما فوق، أو تبين فيه خلق إنسان، والميت الذي لم يوجد إلا بعض أعضائه، يصلى عليه صلاة الجنازة، ويدفن في المقبرة. • فضل الصلاة على الجنازة وإتباعها حتى تدفن: السنة: إتباع الجنازة إيمانًا واحتسابًا حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها، وإتباع الجنائز سنة للرجال دون النساء، ولا تصحب الجنازة بصوت، ولا نار، ولا قراءة، ولا ذكر، ولا غير ذلك. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ». متفق عليه (٢). • حكم السفر للصلاة على الميت: يجوز للمسلم القادر السفر من أجل الصلاة على الميت من قريب أو صديق أو غيرهما احتسابًا، وطلبًا للأجر والثواب، لأن ذلك من إتباعه، وهذا حق من حقوق المسلم على أخيه. عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَإتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ». متفق عليه (٣).

стр. 5591

• مكان الصلاة على الجنائز: السنة: أن يصلى على الجنائز في مكان معد للصلاة على الجنائز، وهو الأفضل، ويجوز أن يصلى عليها في المسجد أحيانًا، ومن فاتته الصلاة عليها في أحدهما، صلى عليها حيث أدركها في المقبرة، أو خارجها قبل الدفن، أو بعده، ومن دفن ولم يصلى عليه صلي عليه في قبره. وإذا مات المسلم، وأنت أهل للصلاة ومخاطب بالصلاة عليه وقت موته، ولم تصلي عليه صلاة الجنازة، فالسنة أن تصلي عليه في قبره. عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا أَسوَدَ، أَوْ امرَأَةً سَودَاءَ، كَانَ يَقُمٌّ المَسجِدَ فَمَاتَ فَسَأَلَ النَّبِيٌّ ﷺ عَنهُ فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنتُمُونِي بِهِ؟ دُلُّونِي عَلَى قَبرِهِ، أَوْ قَالَ: قَبرِهَا، فَأَتَى قَبرَهَا فَصَلَّى عَلَيهَا». متفق عليه (١). • حكم الصلاة على الغائب: تسن صلاة الجنازة على الغائب الذي مات ولم يصلى عليه. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ». متفق عليه (٢). • حكم تعجيل الجنازة: السنة: الإسراع بتجهيز الجنازة، والصلاة عليها، والذهاب بها إلى المقبرة ودفنها، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إليه، وَإِنْ تكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ «متفق عليه (٣).

стр. 5592

• حكم صلاة النساء على الجنائز: المرأة كالرجل إذا حضرت الجنازة في المصلى أو المسجد، فإنه يشرع لها أن تصلي عليها مع المسلمين، ولها من الأجر مثل ما للرجل في الصلاة والتعزية. • ما يقوله الميت إذا حُمل إلى القبر: عن ابي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلا الإِنْسَانُ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصُعِق». أخرجه البخاري (١).

стр. 5593

٣ - الخزانة الثالثة حمل الميت ودفنه • الأوقات التي لا يدفن فيها الأموات، ولا يصلى عليهم فيها. عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ ﵁ قال: «ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ». أخرجه مسلم (١). • صفة حمل الميت: يحمل الميت إلى المقبرة الرجال دون النساء، ويسن أن يكون المشاة أمامها وخلفها، والركبان خلفها، ولا ينبغي حمل الجنازة على سيارة إلا لعذر، كبعد المقبرة، أو مشقة، ونحو ذلك، ويستحب للمسلم أن يقوم للجنازة إذا مرت به، ومن جلس فلا حرج عليه. • مكان دفن المسلم: يدفن المسلم في مقابر المسلمين رجلاً كان أو امرأة، كبيرًا أو صغيرًا، ولا يجوز دفنه في مسجد، ولا في مقابر المشركين ونحوها. ومن مات له قريب كافر فله أن يواريه بالتراب إن لم يوجد من يواريه من أقاربه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وإنما يدفن في فلاة من الأرض.

стр. 5594

• صفة القبر: يجب تعميق القبر وتوسيعه، فإذا بلغ من يحفر أسفل القبر، حفر فيه مما يلي القبلة مكانًا بقدر الميت، يوضع فيه الميت يسمى اللحد، وهو أفضل من الشق، والسنة: أن يعمق القبر تعميقًا يمنع خروج الريح منه، وحفر السباع له، ويجوز أن يحفر في قاع القبر حفرة في الوسط، يوضع فيها الميت، وهي الشق، ثم ينصب عليه اللبن، ثم يدفن. • صفة دفن الميت: السنة: دفن الميت نهارًا، ويجوز الدفن ليلًا، ويقول مدخله «بسم الله وعلى سنة رسول الله». وفي لفظ «وعلى ملة رسول الله». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (١). ويضعه في لحده على شقه الأيمن مستقبل القبلة، ثم ينصب اللبن عليه نصبًا، ويشابك بينها بالطين، ثم يدفن بالتراب، ويرفع تراب القبر عن الأرض قدر شبر مسنمة. والسنة دفن الميت بكفنه، ولا يجوز دفنه في تابوت، لما فيه من التشبه بالكفار، فإن كان جسد الميت مهترئًا بالاحتراق، أو مقطعًا، أو كان أشلاءً ممزقة جاز وضعه في صندوق ودفنه، ولا يجوز أن يدفن في القبر أكثر من واحد إلا لضرورة، ككثرة القتلى، وقلة من يدفنهم، ويقدم في اللحد إلى القبلة، الأفضل منهم، ولا يشرع لأحد أن يحفر قبره قبل أن يموت.

стр. 5595

• حكم البناء على القبر: يحرم البناء على القبر، وتجصيصه، والوطء عليه، والصلاة عنده، واتخاذه مسجدًا، وإيقاد السرج عليه، ونثر الورود عليه، والطواف به، والكتابة عليه، واتخاذه عيدًا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. • حكم بناء المسجد على القبر: لا يجوز بناء مسجد على قبر، ولا يجوز دفن ميت في المسجد، فإن كان المسجد بني قبل الدفن، سوي القبر أو نبش إن كان جديدًا، ودفن في المقبرة، وإن بني المسجد على القبر، فإما أن يزال المسجد، وإما أن تزال صورة القبر، وكل مسجد بني على قبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل. • حكم نقل الميت من قبره: يجوز نقل الميت من قبره إلى قبر آخر إن كان هناك مصلحة للميت، كأن يغمر قبره الماء، أو كانت هناك حاجة لنقله، لمرور طريق ونحوه. والقبور دور الأموات، ومنازلهم، ومحل زيارتهم، وهم قد سبقوا إليها، فلا يحل نقلهم من قبورهم إلا لمصلحة الميت، أو كانت حاجة: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥]. • حكم نقل الميت من بلد إلى بلد: يدفن الميت المسلم في البلد الذي مات فيه، ولا ينقل إلى بلد آخر إلا لغرض صحيح، ونقل الميت إلى بلده لتسهيل زيارة أقاربه له، أو نقله لبلد مقدس، كمكة والمدينة، وبيت المقدس، طلبًا لكثرة الجماعة، فهذا إن كان في بلد الكفار، أو كان بلده قريبًا، فهذا جائز إذا لم يؤدي النقل إلى

стр. 5596

هتك حرمة الميت، وتغير جثته، والمشقة على أهله، ولا يجوز نقل الميت من بلد إلى بلد آخر إذا أدى ذلك إلى هتك حرمة الميت وتغيره. والشهداء يدفنون في مصارعهم، ولا يجوز نقلهم إلا لحاجة أو مصلحة. • حكم نبش القبور: النبش: هو استخراج الشيء من مخبئه، ويحرم نبش قبر الميت المسلم لحرمة المسلم حيًّا وميتًا. ويجب نبش قبر الميت المسلم في الأحوال الآتية: ١ - إذا دفن الميت بلا تغسيل ما لم يتغير الميت. ٢ - أو دفن في مقابر المشركين. ٣ - أو دفن في مسجد. ٤ - أو دفن بغير كفن. ٥ - أو دفن في أرض مغصوبة. • من يتولى إنزال الميت في القبر: يتولى إنزال الميت في قبره الرجال دون النساء، وأولياء الميت أحق بإنزاله، ويسن أن يدخل الميت في قبره من عند رجلي القبر، ثم يدخل رأسه سلاً في القبر، ويجوز إدخال الميت في القبر من أي جهة. • حكم إتباع النساء للجنائز: لا يجوز للنساء إتباع الجنائز، لما عندهن من الضعف والرقة والجزع، وعدم تحمل المصائب، فيخرج منهن أفعال وأقوال محرمة تنافي الصبر الواجب.

стр. 5597

• حكم تعليم القبر بعلامة: يسن لولي الميت أن يعلم قبره بحجر ونحوه، ليدفن إليه من يموت من أهله، ويعرف بها قبر ميته عند زيارته. • حكم من مات في البحر: من مات في البحر وخشي تغيره، غسل وكفن وصلي عليه، وأرسب في الماء، وإن أمكن إبقاؤه بلا تغير، أنتظر به حتى يدفن في المقبرة مع المسلمين. • حكم الموعظة عند القبر: يسن الجلوس إذا وضعت الجنازة، وأثناء الدفن، ويسن تذكير الحاضرين أحيانًا بالموت، وما بعده من كبير القوم، وعالمهم جالسًا لا قائمًا. عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ العَمَلَ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ».، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [الليل: ٥ - ٦]. الآيَةَ». متفق عليه (١).

стр. 5598

• ماذا يفعل المسلم بعد دفن الميت؟. يسن بعد دفن الميت أن يقف من حضر على القبر، ويدعو له بالتثبيت، ويستغفر له، ويأمر الحاضرين بالاستغفار له، وسؤال الله له التثبيت، ولا يلقنه، لأن التلقين عند الاحتضار قبل الموت، ثم يعزي أهله، ثم ينصرف، ومن أحضر الماء في شدة حر لسقي الناس في المقابر عند الدفن والتعزية، فهو مأجور ولا يتخذ ذلك عادة. • ما يفعل بالمسلم إذا مات في بلاد الكفر: من مات في بلاد الكفر يغسل ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين هناك، فإن لم توجد مقابر للمسلمين، نقل إلى بلاد المسلمين إن أمكن، فإن لم يمكن دفن في فلاة من الأرض، ويخفى قبره لئلا يتعرض له الكفار بأذى.

стр. 5599

أحكام التعزية • التعزية: هي مواساة أهل الميت بما يخفف من حزنهم، وترغيبهم في الصبر، احتسابًا للأجر، والدعاء للميت والمصاب. • وقت التعزية: تسن تعزية المصاب بالميت قبل الدفن أو بعده، فيقال لمصاب بميت مسلم: «إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ». متفق عليه (١). • حكم التعزية: تسن تعزية أهل الميت ولا حد لها، ويعزيهم بما يظن أنه يسليهم ويكف من حزنهم في حدود الشرع، ويرغبهم بما يحملهم على الصبر والرضا، ويدعو للميت والمصاب، ويسن للموسر والقريب أن يصنع لأهل الميت طعامًا، ويبعث به إليهم، ويكره لأهل الميت صنع طعام للناس واجتماعهم عليه إلا لحاجة، كعدم من يصنع لهم طعامًا. • مكان التعزية: تجوز التعزية في كل مكان، في المقبرة والسوق، والمصلى، والمسجد، والبيت، ويجوز أن يجتمع أهل الميت في بيت أو مكان لأحدهم، فيقصدهم من أراد التعزية ويعزيهم، ثم ينصرف، وذلك أيسر لمن أراد أن

стр. 5600

يعزيهم من الرجال والنساء، ولا يجوز لأهل الميت رجالًا ونساءً تخصيص لباس معين للتعزية كالأسود مثلًا، لما فيه من التسخط على قضاء الله وقدره. • حكم تعزية الكفار: تجوز تعزية الكفار من غير دعاء لميتهم، إن كانوا ممن لا يظهر العداء للإسلام والمسلمين. • حكم البكاء على الميت: يجوز البكاء على الميت إن لم يكن معه ندب أو نياحة، ودمع العين من الرحمة مما يجعله الله في قلوب عباده الرحماء، ويحرم شق الثوب، ولطم الخد، ورفع الصوت ونحوه، والميت يعذب أي يتألم ويتكدر في قبره بما نيح عليه بوصية منه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَال: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ ﷺ : إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ». متفق عليه (١). وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». متفق عليه (٢).

стр. 5601

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ، فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا». أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح (١). والتعزية ليس لها حد ولا أيام محدودة، فمتى علم بالميت ورأى الفائدة في التعزية أتى بها. • صفة التعزية: الأولى أن يعزي المسلم أهل الميت بالدعاء الوارد شرعًا، وله أن يعزيهم بما شاء من الألفاظ التي تسليهم، وتكف من حزنهم، ومن الأدعية الواردة في التعزية: «إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ». متفق عليه (٢). «اللَّهمَّ اغْفِرْ لأبي فُلانٍ وارْفَعْ دَرَجَتهُ فِي المَهْدِيِّيْنَ، واخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الغَابِريْنَ، واغْفِرْ لَنَا ولَهُ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيْهِ». متفق عليه (٣). • حكم تعزية النساء لأهل الميت: لا يجوز لنساء الميت تخصيص لباس معين للتعزية كالأسود مثلًا، لما في ذلك من إظهار الحزن، والتسخط على قضاء الله وقدره.

стр. 5602

ويسن للرجال تعزية الرجال من أهل الميت، ويسن للنساء تعزية نساء أهل الميت، وتجوز تعزية الرجل للنساء وعكسه، ما لم تكن خلوة، أو تُخشى فتنة. عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : «إذا كَانَ المَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا، فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ المَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الحُزْنِ». متفق عليه (١). • حكم تعزية أهل القاتل: يسن للمسلم تعزية أهل القاتل إذا اقتص منه، لأنهم لا ذنب لهم، والمسلم يعزى في مصيبته، وكونه جان لا يقتضي إسقاط حق أهله، والقاتل المسلم إذا أقيم عليه الحد طهر من ذنبه، وإتباعه والصلاة عليه حق من حقوقه على المسلمين. • ما ينتفع به المسلم بعد موته: ينتفع المسلم بعد موته بما يلي: الأول: دعاء المسلمين له: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].

стр. 5603

وعن أم الدرداء ﵂ أن النبي ﷺ قال: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ» أخرجه مسلم (١). الثاني: ما يخلفه الميت من الأعمال الصالحة والصدقات الجارية: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:». إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ «أخرجه مسلم (٢). الثالث: ما يفعله الأولاد من الأعمال الصالحة: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَتم مِنْ كَسْبِكم، وَأولادكم مِنْ كَسْبِكم». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (٣). الرابع: قضاء الدين عنه، وقضاء الصوم عنه. عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». أخرجه البخاري (٤) الخامس: أعمال البر التي كان سببًا في وجودها في حياته. عن جرير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». أخرجه مسلم (٥).

стр. 5604

السادس: الحج عنه. عن ابن عباس ﵄: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا، قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً، أقضُوا الله، فالله أحق بالوفاء». أخرجه البخاري (١). • ما يتبع الإنسان بعد موته: عن أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : «يَتْبَعُ الميِّتَ ثَلاثَةٌ: أهْلُهُ ومَالُهُ وعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، ويَبْقَى وَاحِدٌ: فيَرْجِعُ أَهْلُهُ ومَالُهُ، ويَبْقَى عَمَلُه». متفق عليه (٢). • سؤال الميت في القبر: كل إنسان يسأل بعد موته، سواء قبر أو لم يقبر، ثم يجازى بالخير خيرًا، وبالشر شرًّا، ويقع النعيم والعذاب على النفس والبدن، والروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وتتصل بالبدن أحيانًا، فإذا كان يوم القيامة أعيدت الأرواح للأجساد، وقام الناس من قبورهم للحساب والجزاء. عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَأَقْعَدَاهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الكَافِرُ - أَوِ المُنَافِقُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي،

стр. 5605

كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ». متفق عليه (١). وعن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي﴾ [إبراهيم: ٢٧].». متفق عليه (٢). • حكم فعل القرب عن الميت: فعل القرب من مسلم لمسلم حي أو ميت لا يجوز إلا في حدود ما ورد في الشرع فعله مثل الدعاء له، والاستغفار له، والحج عنه، والصوم الواجب عنه، والصدقة، وأما قراءة القرآن عنه أو استئجار قوم يقرؤون القرآن عنه ويهدون ثوابه للميت، فهذه بدعة محدثة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وعن عائشة رضي الله عنهاأن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٣).
следующие страницы →