← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ: ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ، فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا». أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح (١). والتعزية ليس لها حد ولا أيام محدودة، فمتى علم بالميت ورأى الفائدة في التعزية أتى بها. • صفة التعزية: الأولى أن يعزي المسلم أهل الميت بالدعاء الوارد شرعًا، وله أن يعزيهم بما شاء من الألفاظ التي تسليهم، وتكف من حزنهم، ومن الأدعية الواردة في التعزية: «إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ». متفق عليه (٢). «اللَّهمَّ اغْفِرْ لأبي فُلانٍ وارْفَعْ دَرَجَتهُ فِي المَهْدِيِّيْنَ، واخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الغَابِريْنَ، واغْفِرْ لَنَا ولَهُ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيْهِ». متفق عليه (٣). • حكم تعزية النساء لأهل الميت: لا يجوز لنساء الميت تخصيص لباس معين للتعزية كالأسود مثلًا، لما في ذلك من إظهار الحزن، والتسخط على قضاء الله وقدره.

стр. 5602

ويسن للرجال تعزية الرجال من أهل الميت، ويسن للنساء تعزية نساء أهل الميت، وتجوز تعزية الرجل للنساء وعكسه، ما لم تكن خلوة، أو تُخشى فتنة. عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : «إذا كَانَ المَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا، فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ مِنْهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ المَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الحُزْنِ». متفق عليه (١). • حكم تعزية أهل القاتل: يسن للمسلم تعزية أهل القاتل إذا اقتص منه، لأنهم لا ذنب لهم، والمسلم يعزى في مصيبته، وكونه جان لا يقتضي إسقاط حق أهله، والقاتل المسلم إذا أقيم عليه الحد طهر من ذنبه، وإتباعه والصلاة عليه حق من حقوقه على المسلمين. • ما ينتفع به المسلم بعد موته: ينتفع المسلم بعد موته بما يلي: الأول: دعاء المسلمين له: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].

стр. 5603

وعن أم الدرداء ﵂ أن النبي ﷺ قال: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ» أخرجه مسلم (١). الثاني: ما يخلفه الميت من الأعمال الصالحة والصدقات الجارية: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:». إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ «أخرجه مسلم (٢). الثالث: ما يفعله الأولاد من الأعمال الصالحة: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَتم مِنْ كَسْبِكم، وَأولادكم مِنْ كَسْبِكم». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (٣). الرابع: قضاء الدين عنه، وقضاء الصوم عنه. عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». أخرجه البخاري (٤) الخامس: أعمال البر التي كان سببًا في وجودها في حياته. عن جرير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». أخرجه مسلم (٥).

стр. 5604

السادس: الحج عنه. عن ابن عباس ﵄: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا، قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً، أقضُوا الله، فالله أحق بالوفاء». أخرجه البخاري (١). • ما يتبع الإنسان بعد موته: عن أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : «يَتْبَعُ الميِّتَ ثَلاثَةٌ: أهْلُهُ ومَالُهُ وعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، ويَبْقَى وَاحِدٌ: فيَرْجِعُ أَهْلُهُ ومَالُهُ، ويَبْقَى عَمَلُه». متفق عليه (٢). • سؤال الميت في القبر: كل إنسان يسأل بعد موته، سواء قبر أو لم يقبر، ثم يجازى بالخير خيرًا، وبالشر شرًّا، ويقع النعيم والعذاب على النفس والبدن، والروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وتتصل بالبدن أحيانًا، فإذا كان يوم القيامة أعيدت الأرواح للأجساد، وقام الناس من قبورهم للحساب والجزاء. عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَأَقْعَدَاهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الكَافِرُ - أَوِ المُنَافِقُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي،

стр. 5605

كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ». متفق عليه (١). وعن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي﴾ [إبراهيم: ٢٧].». متفق عليه (٢). • حكم فعل القرب عن الميت: فعل القرب من مسلم لمسلم حي أو ميت لا يجوز إلا في حدود ما ورد في الشرع فعله مثل الدعاء له، والاستغفار له، والحج عنه، والصوم الواجب عنه، والصدقة، وأما قراءة القرآن عنه أو استئجار قوم يقرؤون القرآن عنه ويهدون ثوابه للميت، فهذه بدعة محدثة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وعن عائشة رضي الله عنهاأن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٣).

стр. 5606

٤ - الخزانة الرابعة زيارة القبور • حكمة زيارة القبور: الدنيا دار الأحياء، والمقابر دار الأموات، ومن فضل الله أن جعل صلة المسلم بأخيه مستمرة في الحياة وبعد الموت: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. والمقصود من زيارة القبور ثلاثة أمور: الأول: انتفاع الزائر بذكر الموت والموتى، برؤية الجنائز والقبور، وأن يتذكر أن مآله ومآلهم إما إلى الجنة أو النار، وهذا من أعظم مقاصد الزيارة. عن بريد الأسلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كنت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا». متفق عليه (١). الثاني: نفع الميت، والإحسان إليه بالسلام عليه، والدعاء له، والاستغفار له، وهذا خاص بالميت المسلم. عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا، مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ، بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ». أخرجه مسلم (٢).

стр. 5607

الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه بإتباع السنة الشرعية، والتعبد لله في زيارة القبور، وكسب الأجور: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. • حكم زيارة القبور: تسن زيارة القبور للرجال، لأنها تذكر بالآخرة والموت. وزيارة الأموات تكون للاعتبار والاتعاظ، والسلام عليهم، والدعاء لهم، لا للدعاء عند قبورهم، أو التبرك بهم، أو بتراب قبورهم، فذلك كله من وسائل الشرك، ويشرع للمسلم أن يفاوت في الزيارة للقبور، فلا يتخذ القبور أعيادًا، ولا يتخذ لنفسه يومًا معينًا لا يزور القبور إلا فيه. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ». أخرجه أبو داود وأحمد (١). • حكم زيارة قبور المشركين: تجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة فقط، ولا يدعو له، ولا يستغفر له. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي». أخرجه مسلم (٢).

стр. 5608

وعن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ». أخرجه مسلم (١). • حكم زيارة النساء للقبور: زيارة المرأة للقبور من كبائر الذنوب. عن أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ». أخرجه الترمذي وابن ماجه بسند حسن (٢). وإذا مرت المرأة بالمقبرة بدون قصد الزيارة فيسن أن تسلم على أهل القبور، وتدعو لهم بما ورد من غير أن تدخلها، كما أوصى النبي ﷺ عائشة بذلك. عن عائشة ﵂ لما خرج رسول الله ﷺ من عندها ليلًا لزيارة أهل البقيع قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ». أخرجه مسلم (٣). فيسن للنساء إذا مررن بالقبور من دون قصد الزيارة أن يسلمن على الأموات ولا يدخلن المقبرة، لأنهن ممنوعات من الدخول لا المرور، لأنهن غالبًا يجري منهن ما ينافي الصبر الواجب، ولديهن من الرقة والضعف، وعدم التحمل، ما يجدد لهن الحزن والبكاء وذكر المصيبة، ولما يخشى أن تجر زيارتهن للقبور إلى أن يأتين من الأقوال والأفعال ما يخرجن به إلى فعل

стр. 5609

المحرم من ندب ونياحة وصياح، ولطم للخدود، وشق للجيوب، لقلة صبرهن، وقوة جزعهن، ورقة قلوبهن. عن أم عطية ﵂ قالت: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا». متفق عليه (١). • صفة زيارة القبور: زوار القبور أربعة أصناف: الصنف الأول: أن يدعو الله للأموات، ويستغفر لهم، ويعتبر بحال الموتى، وتذكر الآخرة، فهذه زيارة شرعية فيها أجر وثواب واعتبار وإتباع. الثاني: أن يدعو الله تعالى لنفسه، ولغيره، عند القبور، معتقد أن الدعاء عند القبور أفضل من المساجد، فهذه بدعة منكرة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٢). الثالث: أن إلى الله تعالى متوسلًا بجاه أو حق فلان الميت، كأن يقول: أسألك يا ربي بجاه فلان، فهذا محرم، لأنه وسيلة إلى الشرك: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].

стр. 5610

الرابع: ألا يدعو الله تعالى، بل يدعو أصحاب القبور، كأن يقول: يا نبي الله، يا ولي الله، يا فلان أعطني كذا، أو اشفني ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر، لأن من دعا غير الله فقد أشرك: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. والمقابر محل العظة والاعتبار، فلا يجوز التعرض لها، لا بتشجير، ولا تبليط، ولا إنارة، ولا بأي شيء من أنواع التجميل. عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١). • ما يقال عند زيارة القبور: يسن للمسلم إذا دخل المقبرة أن يسلم على الأموات قائلًا: «السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ». أخرجه مسلم (٢). أو يقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بكم لَلَاحِقُونَ». أخرجه مسلم (٣). أو يقول: «السَّلامُ عَلَيكُمْ أَهْل الدِّيارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا، إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ». أخرجه مسلم (٤). يفعل هذا مرة، وهذا مرة، إحياءً للسنة المشروعة، نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة.

стр. 5611

• حكم المشي بين القبور بالنعال: يسن للمسلم المشي حافيًا بين القبور، لما فيه من التواضع، واحترام أموات المسلمين، ويكره المشي بالنعال بين القبور، ما لم يكن هناك عذر يمنعه من خلع نعليه، كشدة حرارة الأرض، أو وجود شوك يؤذيه، وأما المشي في ساحة المقبرة بالنعال فجائز. • حكم دعاء الأموات: يحرم على جميع الأحياء دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، وسؤالهم قضاء الحاجات، وكشف الكربات، والطواف على قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم، والذبح عند القبور، واتخاذها مساجد، وكل ذلك من الشرك الذي توعد الله صاحبه بالنار: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا». متفق عليه (١). والسنة لزائر القبور أن يكون حال الزيارة قائمًا، فيسلم ويدعو وهو قائم. عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : «جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ». أخرجه مسلم (٢).

стр. 5612

• ما يحرم فعله عند القبور: أولًا: يحرم الذبح والنحر عند القبر، فإن كان الذبح لله فهو بدعة منكرة، والذبيحة حلال، وإن كان الذبح للميت فهو شرك أكبر، وأكل المذبوح حرام وفسق، لأنه لم يذكر اسم الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١]. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا عُقْرَ فِي الإِسْلامِ». قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (١). ثانيًا: يحرم البناء على القبور وصبغها والكتابة عليها، والجلوس عليها، والصلاة عندها، والصلاة إليها، وإيقاظ السرج والمصابيح عليها. عن جابر ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ». أخرجه مسلم (٢). وعن أبي مرتد الغنوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلا تُصَلُّوا إِلَيْهَا». أخرجه مسلم (٣). وعن جابر ﵁ قال: «نَهَى أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا وَأَنْ تُوطَأَ». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (٤).

стр. 5613

ثالثًا: لا يجوز تشجير المقابر لما فيه من التشبه بالنصارى، ولأنه ذريعة إلى الغلو والتبرك بأهل القبور. رابعًا: يحرم دعاء الميت، والاستغاثة به، وسؤاله قضاء الحاجات ونحو ذلك، وكل ذلك من الشرك الذي حرمه الله، ونهى عنه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. خامسًا: اتخاذ القبور عيدًا يسافر إليها، وتقصد في أوقات معينة، ومواسم معروفة للتعبد عندها، والذبح لأهلها، ونحو ذلك، كل ذلك محرم لا يجوز. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :». لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (١). • حكم قراءة القرآن عند القبور: المقابر ليست موضعاً للقراءة، وإنما هي للسلام على الأموات، والدعاء لهم، والاتعاظ بالموت والأموات، وتذكر الآخرة، وقد علمنا النبي ﷺ ما نقول ونفعل عند زيارة القبور، وكل ما سوى ذلك فهو بدعة مردودة على من أحدثها، ويحمل وزرها، وأوزار من اتبعه عليها: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].

стр. 5614

وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١). • حكم سب الأموات: لا يجوز سب أموات المسلمين، لأنهم أفضوا إلى ما قدموا، ولأن سب الأموات يؤذي أهلهم الأحياء، وسب الأموات يجري مجرى الغيبة، وهو محرم، أما الأموات الكفار والمبتدعة والفساق، فيجوز ذكر مساوئهم للتحذير منهم، والتنفير من أعمالهم ونحو ذلك مما فيه مصلحة شرعية، لئلا يُقتدى بهم، وينبغي إذا سب هؤلاء ألا يسب الميت في حضرة أقاربه، لئلا يتأذوا، ولئلا يعرض نفسه للسب أيضًا. عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا». أخرجه البخاري (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَجَبَتْ». ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ». متفق عليه (٣).

стр. 5615

• حكم الاستغاثة بالأموات: الميت لا يُطلب منه شيء لأنه ميت لا يقدر على شيء: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥]. فلا يجوز لأحد أن يستغيث بالأموات وبالغائبين، كأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو اشفني، أو أنصرني، ونحو ذلك، وهذا كله من الشرك الأكبر: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧]. والمستغيثون بالأموات عند القبور وغيرها هم من جنس عباد الأوثان، والشيطان يضلهم ويغويهم ويزين لهم، ويتصور لهم بصورة المستغاث به، ويخاطبهم مكاشفة، ويقضي بعض حوائجهم، كما تدخل الشياطين في الأصنام، وتكلم عابديها، وتقضي بعض حاجاتهم، وهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان والأصنام. والكهان والسحرة تقترن بهم الشياطين، لما فيهم من الكفر والفسق والعصيان، وتظهر منهم الأحوال الشيطانية وتقوى بذلك، فيطيرون في الهواء، ويأتون بالأموال والطعام، ويحدثون بأوامر غائبة، ولهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيهم مما يرضي الشيطان: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].

стр. 5616

٣٥ - خزائن الزكاة وتشتمل على ما يلي: أولًا: أحكام الزكاة. ثانيًا: أقسام أموال الزكاة وتشمل: ١ - زكاة النقدين. ٢ - زكاة بهيمة الأنعام. ٣ - زكاة الخارج من الأرض. ٤ - زكاة عروض التجارة. ثالثًا: إخراج الزكاة. رابعًا: مصارف الزكاة. خامسًا: زكاة الفطر. سادسًا: زكاة التطوع.

стр. 5617

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٣٥ - خزائن الزكاة وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة

стр. 5618

٣٥ - خزائن الزكاة ١ - الخزانة الأولى أولًا: أحكام الزكاة. الزكاة: لغة هي النماء والزيادة. وشرعاً الزكاة هي التعبد لله بإخراج حقٍ واجبٍ في مالٍ خلص لطائفةٍ مخصوصة في وقتٍ خاص: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]. • حكمة تنوع العبادات: شرع الله لعباده عباداتٍ متنوعة، في أوقاتٍ مختلفة، منها ما يتعلق بالبدن؛ كالصلاة التي تصل العبد بخالقه، فيكبره، ويحمده، ويسأله، ويستغفره، ويقدم التحية له. ومنها ما يتعلق ببذل المال المحبوب إلى النفس كالزكاة والصدقة. ومنها ما يتعلق بالبدن وبذل المال؛ كالحج والجهاد. ومنها ما يتعلق بكف النفس عن محبوباتها وما تشتهيه، كالصيام. ونوع الله العبادات؛ ليختبر العباد، من يقدم طاعة ربه على هوى نفسه، وليقوم كل واحدٍ بما يسهل عليه ويناسبه من أنواع الطاعات والعبادات: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢].

стр. 5619

وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. • أنواع الزكاة: الزكاة التي شرعها الله ثلاث أنواع: الأول: الزكاة الواجبة في الأموال، وتجب في أربعة أموالٍ هي: الذهب، والفضة، والأوراق المالية. الثاني: بهيمة الأنعام كالإبل والبقر والغنم. الثالث: الخارج من الأرض من حبوبٍ وثمارٍ، ومعادن وركاز. الرابع: عروض التجارة. الثاني: الزكاة الواجبة في الذمة، وهي زكاة الفطر التي تجب على كل مسلم في نهاية شهر رمضان، وبداية شهر شوال. الثالث: صدقة التطوع، وهي ما يخرجه المسلم إحسانًا إلى غيره؛ طلبًا لزيادة الأجر من الله. وتطلق الصدقة على الزكاة؛ لأنها تدل على صدق إيمان مخرجها. قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقال الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد: ٧]

стр. 5620

• شروط المال الذي ينفع صاحبه: المال لا ينفع صاحبه إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط: ١ - أن يكون حلالًا. ٢ - ألا يُشغل صاحبه عن طاعة الله ورسوله. ٣ - أن يؤدي حق الله فيه. • وقت فرض الزكاة: فُرضت الزكاة في مكة، أما تقدير نصابها، و بيان الأموال التي تُزكى، وبيان مصارفها، فكان في المدينة في السنة الثانية من الهجرة. • حكم الزكاة: الزكاة أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الإسْلامُ بنيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». متفقٌ عليه (١). • حكمة مشروعية الزكاة: الزكاة لها حكمٌ عظيمةٌ منها: أولًا: التعبد لله بإخراج هذا القدر من المال طاعًة لله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١]. ثانياً: شكر الله على نعمة المال، بإخراج جزء منه للمستحقين له: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].

стр. 5621

ثالثًا: ليس الهدف من أخذ الزكاة جمع المال وإنفاقه على الفقراء والمحتاجين فحسب؛ بل الهدف الأول أن يعلوا الإسلام بالإنسان عن المال؛ ليكون الإنسان سيدًا له، لا عبدًا له، ومن هنا جاءت الزكاة لتُزكي المعطي والآخذ، وتطهرهما من التعلق بغير الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. رابعًا: الزكاة وإن كانت في ظاهرها نقص من كمية المال؛ لكن آثارها زيادة المال بركة، وزيادة المال كمية، وزيادة الإيمان في قلب صاحبه، وزيادة في خلقه الكريم، وزيادة في ثوابه، فهي بذل وعطاء، وبذل محبوب إلى النفس من أجل محبوبٍ أعلى منه، وهو إرضاء الكريم سبحانه، والفوز بجنته: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦٢]. خامسًا: الزكاة تكفر الخطايا، وهي سببٌ لدخول الجنة، والنجاة من النار: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. سادسًا: الزكاة فيها تطهير للنفس من رذيلة الشح والبخل، وهي جسر قوي يربط بين الأغنياء والفقراء؛ لتصفو النفوس، وتطيب القلوب، وتنشرح الصدور، وينعم الجميع بالأمن والمحبة والإخوة والطمأنينة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. سابعًا: الزكاة تزيد في حسنات مؤديها، وتقي المال من الآفات، وتثمره وتنميه وتزيده، وتسد حاجة الفقراء والمساكين، وتمنع الجرائم المالية

стр. 5622

كالسرقات والنهب والسطو، لما فيها من إغناء الفقراء والمساكين والمحتاجين: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. • فقه الزكاة: الدين ركنان، عبادة الحق، والإحسان إلى الخلق. والزكاة نصيب مقدر شرعًا، من مالٍ مخصوص، لطائفة مخصوصة. والزكاة ركنٌ من أركان الإسلام، وعبادةٌ من العبادات التي يحبها الله ، يطهر بها الإنسان نفسه من البخل والشح والرذيلة، ويطهر بها صحائف كتابه من الخطايا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. وأفضل الصدقات الزكاة؛ فالدرهم تخرجه من الزكاة أفضل من درهمٍ تخرجه تطوعًا؛ لأن الفرائض أفضل من التطوع كما قال الله في الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُه عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ». أخرجه البخاري (١). وفي الزكاة الإحسان إلى الخلق؛ فيكون صاحبها من المحسنين الذين يحبهم الله، كما قال سبحانه: ﴿وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]. وفي الزكاة تأليفٌ بين قلوب الفقراء والأغنياء؛ لأن الفقير إذا أخذ من الزكاة ذهب من نفسه الحقد على الغني. وفي الزكاة إغناءٌ للفقراء عن التسلط؛ وحماية للأغنياء من السطو، لأن الفقير إذا لم يجد شيئًا يأكله تسلط على الناس بالسرقة والنهب والغصب.

стр. 5623

وفي إخراج الزكاة جلبٌ للخيرات من السماء كما قال النبي ﷺ : «ما مْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ». أخرجه ابن ماجة بسند صحيح (١). وفي الزكاة إعانة للمجاهدين في سبيل الله. وفي الزكاة تحرير الرقيق من الرق؛ فيشتريه من الزكاة ثم يعتقه. وفي الزكاة فك الذمم من الديون، ورد الحق لمن له الحق. وفي الزكاة إعانة المسافرين الذين تنقطع بهم السبل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]. وفي الزكاة تكميل إسلام العبد؛ لأنها أحد أركان الإسلام، وهي أفضل وأحب إلى الله من الصدقة، وأن المسلم يخرج بها من دائرة البخلاء إلى دائرة الكرماء؛ لأنها بذل مال محبوب إلى النفس إلى الغير. وفيها مضاعفة الحسنات؛ لأن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله تضاعف لهم بسبعمائة حسنة، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وفي الزكاة جبرٌ لقلوب الفقراء، ودفعًا لحاجتهم، وكسب مودتهم. وفي إخراج الزكاة شرح للصدر، ولذةٌ للقلب، بفعل الخير: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. والزكاة والصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء، كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة.

стр. 5624

والزكاة والصدقات تمحو الذنوب، وترفع الدرجات، وتلين القلب عندما يعطيها الغني للفقراء والمحتاجين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. والصدقة والزكاة سببٌ لرحمة الله للعبد؛ وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. والزكاة تطهر العبد من الذنوب، والمال من الحرام، والنفس من الأخلاق الرذيلة، وتربي أخلاق الأغنياء بالفضائل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. • صفة إعطاء الزكاة والصدقات: إخفاء الصدقة والزكاة الأصل فيه الإسرار، والإسرار أقرب إلى الإخلاص، وأحب إلى الفقير، وأستر له. والإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء أحيانًا، والإسرار بصدقة التطوع أفضل، والأمر يختلف باختلاف الأحوال. والأصل الإسرار، وإن أظهرها؛ ليُقتدى به، وينال أجر من اقتدى به، كتب الله له ذلك، وأفضل الأيدي اليد المنفقة، ثم اليد المتعففة عن السؤال، ثم اليد الآخذه بغير سؤال، وأسفل الأيدي اليد السائلة، واليد المانعة: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١].

стр. 5625

• حكم زكاة الدين: الدين له ثلاث حالات: الأولى: إذا كان الدين على ملي باذل، تجب فيه الزكاة عن كل سنة. الثانية: الدين إذا كان على معسرٍ أو ملي مماطل، تجب فيه زكاة سنة إذا قبضه، كالثمرة إذا وجدت زكاها مرة واحدة، وكذلك الأموال المسروقة والمغصوبة والمنتهبة والمختلسة والمفقودة ونحوها إذا وصلت إلى صاحبها زكاها مرًة واحدة بحولٍ جديد. الثالثة: الديون المؤجلة تجب فيها الزكاة كسائر الأموال؛ فإن كانت على ملي زكاها كل سنة، وإن كانت على معسرٍ أو مماطل زكاها مرًة واحدة إذا قبضها؛ لأن التأجيل إنما كان باختيار صاحب المال، وقد يكون فيه مقابل فائدة من المدين كما يحصل الآن في بيع التقسيط. وكل مالٍ محرم لا تجب فيه الزكاة، عقوبًة لمن أخذه، ولأن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا.

стр. 5626

أحكام الزكاة • من يملك المال: نظام المال في الإسلام يقوم على أساس الاعتراف بأن الله وحده هو المالك الأصيل للمال، وصاحب المال مستخلفٌ فيه، ولله سبحانه وحده الحق في تنظيم قضية التملك، وإيجاب الحقوق في المال، وتحديدها وتقديرها، وبيان مصارفها، وطرق اكتسابها، وطرق الانتفاع بها: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد: ٧] وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]. • مقادير الزكاة: جعل الله قدر الزكاة على حسب التعب في المال الذي تُخرج منه. فأوجب في الركاز؛ وهو ما وجد من دفن الجاهلية بلا تعب الخمس، عشرين بالمائة، ٢٠%. وما فيه التعب من طرف واحد، وهو ما سقي من الزرع بلا مئونة نصف الخمس؛ أي العُشر، عشرة بالمائة. وما فيه التعب من طرفين البذر والسقي، وهو ما سُقي بمئونة ربع الخمس، أي نصف العشر، خمسة بالمائة. وفيما يكثُر فيه التعب والتقليب طول العام كالنقود، وعروض التجارة ثمن الخمس؛ أي ربع العُشر، أي اثنين ونصف بالمائة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ [المؤمنون: ١ - ٤].

стр. 5627

• فضل أداء الزكاة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]. • شروط الزكاة: تجب الزكاة في مال الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والعاقل والمجنون، إذا كان المال مستقرًا، وبلغ النصاب، وحال عليه الحول، وكان المالك مسلمًا حرًا؛ لأن أداء الزكاة عبادة من العبادات، فلا تصح إلا من مسلم. ونتاج السائمة، وربح التجارة، حولهما حول أصلهما إن كان نصابًا، والمعتبر في حولان الحول التاريخ الهجري. والكافر لا تجب عليه الزكاة، وكذا سائر العبادات، ولكنه يحاسب عليها يوم القيامة؛ أما في الدنيا فلا يلزم بها، ولا تقبل منه، حتى يسلم، لأنها عبادة فلا تصح من كافر: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ

стр. 5628

فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. • ما لا يشترط له الحول: ١ - الخارج من الأرض. ٢ - ونتاج السائمة. ٣ - وربح التجارة. فهذه تجب فيها الزكاة إذا بلغت النصاب، ولا يُشترط لها تمام الحول. أما الركاز فتجب الزكاة في قليله وكثيره، ولا يُشترط له نصابٌ ولا حول. • زكاة الأموال العامة: المال العام: هو ما رُصد للنفع العام دون أن يكون مملوكًا لشخص معين أو جهةٍ معينة؛ كأموال الحكومة، وأموال الجهات الخيرية كجمعية البر وجمعية تحفيظ القرآن، وغيرها من جهات البر والإحسان، والأوقاف، والوصايا التي تكون على جهات عامة كالفقراء، وطلاب العلم، والمساجد ونحوها. فهذه الأموال العامة لا تجب فيها الزكاة؛ لأن من شروط الزكاة أن يكون المال مملوكًا ملكًا تامًا لشخصٍ معين، وإذا استُثمرت هذه الأموال بالبيع والشراء، فلا تجب فيها الزكاة.

стр. 5629

• هل تجب الزكاة على من عليه دين؟. الزكاة واجبةٌ مطلقا، ولو كان المزكي عليه دين يُنقص النصاب إلا دينًا وجب قبل حلول الزكاة، فيجب أداؤه، ثم يزكي ما بقي بعده، وبذلك تبرأ ذمته. • الأموال التي تُخرج منها الزكاة: تجب الزكاة في عين المال: الحَب من الحَب، والشاة من الغنم، والجمل من الإبل، والبقرة من البقر، والنقود من النقود وهكذا، وهذا هو الأصل، ولا يُعدل عن ذلك إلا لحاجةٍ ومصلحة. • الأموال التي لا تجب فيها الزكاة: ما أُعد من الأموال للقُنية و الاستعمال فلا زكاة فيه، كدور السكنى، والثياب، وأثاث المنزل، والدواب والسيارات ونحوها. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ». متفق عليه (١). • أحكام الزكاة: ١ - إذا اجتمع عند الإنسان نقودٌ تبلغ النصاب، وحال عليها الحول، ففيها الزكاة، سواء أعدها للنفقة، أو الزواج، أو شراء عقار، أو لقضاء دين أو غير ذلك. ٢ - وإذا مات من عليه الزكاة ولم يخرجها أخرجها الوارث من التركة قبل الوصية وقسمة التركة. ٣ - وإذا نقص النصاب في بعض الحول أو باعه لا فرار من الزكاة انقطع الحول، وإن أبدله بجنسه بنى على حوله.

стр. 5630

٤ - وإذا مات المسلم وعليه زكاةٌ ودين، وخلف مالًا لا يفئ بهما أخرج الزكاة؛ لأن الزكاة حق الله الذي أوجبه لأهل الزكاة، والله أحق بالوفاء، ثم سعى في قضاء الدين. • قوة الزكاة: كل شيء له قوة، وقوة الزكاة الزيادة والنماء والبركة، فكل شيء زاد عددًا، أو نما حجمًا، أو تبارك سعة، فقد زكى. والزكاة وإن كانت في ظاهرها نقصٌ كمية المال؛ لكن آثارها المحسوسة، زيادة المال بركًة وكثرًة وكميًة؛ فقد يفتح الله للعبد من أبواب الرزق ما لا يخطر بباله إذا قام بما أوجب الله عليه من إخراج الزكاة والصدقات: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. وفي الزكاة زيادات أخرى، وهي زيادة الإيمان في قلب صاحبها، وهي كذلك تزيد في خلق الإنسان بزيادة بذلٍ وعطاء، والبذل والعطاء والكرم من الأخلاق التي تزيد قيمة المؤمن عند الله، وعند الناس. والإنفاق سواء كان واجبًا كالزكاة، أو تطوعًا كالصدقة، يزيد في انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، والزكاة سببٌ لرفعة الدرجات، ومضاعفة الحسنات، وتبديل السيئات بالحسنات، ودخول الجنة: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يتَصَدَّقَ أحدٌ بتَمْرَةٍ إلَّا أَخَذَهَا الله بِيَمِينِهِ فيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أو قلوصه حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ أو أعظم». متفقٌ عليه (١).

стр. 5631

٢ - الخزانة الثانية • فضائل الزكاة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ». متفقٌ عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن الرسول ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تعالى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دعته امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». متفقٌ عليه (٢).

стр. 5632

وعن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًا جاء للنبي ﷺ فقال: «دلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا». متفقٌ عليه (١). • شروط وجوب الزكاة: تجب الزكاة في الأموال بأمرين: وجود الشروط .. وانتفاء الموانع. • والشروط قسمان: ١ - شروطٌ فيمن تجب في ماله الزكاة. ٢ - وشروطٌ في المال نفسه. الأول: الشروط الواجبة في صاحب المال. يُشترط في صاحب المال التي تجب فيه الزكاة شرطان: الأول: الإسلام، فلا زكاة على الكافر حتى يُسلم؛ لأن الزكاة عبادة مطهرة والكافر لا طهرة له ما دام على كفره فلا تُقبل منه، ولكنه سيُحاسب عليها يوم القيامة، وعلى ترك الإسلام. قال الله تعالى عن الكفار: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٤]. الثاني: الحرية، فلا تجب الزكاة على العبد؛ لأنه وما عنده من مال مملوكٌ لسيده.

стр. 5633

الثاني: الشروط الواجبة في المال الذي تجب فيه الزكاة: يُشترط في المال الحلال الذي تجب فيه الزكاة ما يلي: أولًا: أن يكون المال من الأصناف التي تجب فيها الزكاة كما سبق. ثانيًا: أن يبلغ النصاب المقدر شرعًا. ثالثًا: أن يحول الحول على المال إلا المعشرات. رابعًا: أن يكون المال مملوكًا لصاحبه ملكًا تامًا مستقرًا؛ فلا زكاة في مالٍ لا مالك له، فإن نقص من هذه الشروط شرط لم تجب فيه الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. • حكم زكاة الوقف: الوقف هو ما يوقفه المسلم على غيره من مال، ابتغاء وجه الله. والأوقاف قسمان: الأول: الأوقاف العامة، وهي كل ما وُقف على الجهات الخيرية العامة كالمساجد، والمدارس، والمستشفيات، والرباط، والمزارع ونحوها؛ فهذه ليس فيها زكاة، وكل ما أُعد للإنفاق في وجوه البر العامة فهو كالوقف لا زكاة به. الثاني: الأوقاف الخاصة، وهي كل وقف على شخص أو أشخاصٍ معينين، كالوقف على أولاد فلان أو أقاربه؛ فهذه تجب فيها الزكاة إذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].

стр. 5634

• حكم زكاة الأمانة: من له أمانة عند غيره كخمسين ألف ريال وضعها أمانة عند فلان، فيجب عليه إخراج الزكاة عنها؛ لأنها في حكم المال الموجود، ولا يحل لمن عنده أمانة أن يتصرف فيها إلا بإذن صاحبها؛ فإن أنفقها الذي هي عنده وكان فقيرًا فلا يجب على الإنسان أن يُخرج زكاتها، لكن إذا قبضها صاحبها أخرج زكاتها لسنةٍ واحدة عن كل ما مضى؛ لأنه أنظر المعسر، والإنظار كالصدقة: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠]. • حكم زكاة المال المغصوب: المال المغصوب، والمسروق، والضائع، ونحو ذلك كل ذلك يزكيه صاحبه إذا رجع إليه وقبضه، ويبتدئ له حولًا جديدًا تبدأ الزكاة منه؛ لأنه قبل ذلك لا يملك التصرف فيه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]. • حكم زكاة المال المرهون: إذا كان المال المرهون من الأموال الزكوية كالحلي، وعروض التجارة، ونحوها؛ ففيه الزكاة على صاحبه ربع العُشر: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. • حد الغنى: الغنى درجاتٌ وأنواع، يفسر في كل بابٍ بما يُناسبه: أولًا: فالغني في باب الزكاة من عنده نصاب الزكاة. ثانيًا: والغني في باب أهل الزكاة من عنده كفاية سنة.

стр. 5635

ثالثًا: والغني في باب النفقات من عنده ما يُنفقه على من تجب عليه مؤونته. رابعًا: والغني في باب زكاة الفطر من عنده ما يزيد على قوت يومه. • أقسام أموال الزكاة: الأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة وهي: ١ - النقدان. ٢ - بهيمة الأنعام. ٣ - الخارج من الأرض. ٤ - عروض التجارة.

стр. 5636

١ - زكاة النقدين • حكم زكاة النقدين: النقدان هم الذهب والفضة، وتجب الزكاة في الذهب والفضة سواء كانت نقودًا أو سبائك أو حلياً أو تبرًا، إذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]. وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَة» متفقٌ عليه (١). • مقدار نصاب الذهب: يجب في الذهب إذا بلغ عشرين دينارًا فأكثر ربع العُشر، اثنين ونصف بالمئة، والدينار يساوي بالذهب مثقالًا، والمثقال يزن بالميزان المعاصر أربعة جرامات وخمس وعشرين بالمئة غرامًا، وعشرون دينار تساوي بالوزن خمسة وثمانين جرامًا من الذهب. فعشرين مثقالًا في أربعة وخمس وعشرين، تساوي خمساً وثمانين جرامًا من الذهب، هي أقل نصاب للذهب.

стр. 5637

• مقدار نصاب الفضة: يجب في الفضة إذا بلغت مائتي درهم فأكثر، أو بالوزن خمس أواق فأكثر، ربع العُشر، اثنين ونصف بالمائة، ومائتي درهم تساوي بالوزن خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا من الفضة، ولا يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، وتُضم قيمة العروض إلى كلٍ منهما. • أحوال زكاة الذهب والفضة: تصنيع الذهب والفضة له ثلاث حالات: الأولى: إن كان القصد من التصنيع التجارة، ففيه زكاة عروض التجارة، ربع العُشر؛ لأنه صار سلعًة تجارية فيقوم بنقد بلده ثم يُزكى. الثانية: إن كان القصد من التصنيع اتخاذه تحفًا كالأواني من سكاكين، وملاعق، وأباريق ونحوها فهذا محرم؛ لكن تجب فيه الزكاة إذا بلغ نصابًا ربع العُشر. الثالثة: إن كان القصد من التصنيع الاستعمال المباح، أو الإعارة بلا مقابل؛ فلا زكاة فيه. • زكاة الأوراق المالية: الأوراق المالية الحالية كالريال والدرهم والجنية والدولار ونحوها نقدٌ مستقلٌ بذاته، وحكمها حكم الذهب والفضة، فتقوم على أساس القيمة، فإذا بلغت نصاب أحد النقدين وجبت فيها الزكاة، ومقدارها ربع العُشر إذا حال عليها الحول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].

стр. 5638

• كيفية إخراج نصاب الأوراق المالية: أولا: يقدر نصاب الأوراق النقدية بنصاب الذهب أو الفضة، ولا شك أن التقدير بنصاب الفضة أقل، لأنه الأحظ للفقراء فينبغي التقدير به، فإذا كان مثلًا أقل نصاب الذهب خمسة وثمانين جرامًا من الذهب وقيمة الجرام الآن مائة وأربعين ريالًا سعوديًا مثلًا، فنضرب نصاب الذهب في قيمة الجرام، خمسة وثمانين في مائة وأربعين يساوي أحد عشر وتسعمائة ألف ريال، هي أقل نصاب الأوراق المالية المقومة بالذهب، وفيها ربع العُشر مائتان وسبعة وتسعين ونصف ريال سعودي وهو يُعادل اثنين ونصف بالمائة وهكذا. ثانيًا: نصاب الفضة أقله خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا من الفضة، وقيمة الجرام من الفضة تساوي الآن اثنان ريال سعودي مثلًا، فنضرب خمسمائة وخمسة وتسعين جرامًا من الفضة في اثنان ريال سعودي تساوي ألف ومائة وتسعين ريالًا سعوديًا، هي أقل نصاب الأوراق المالية المقومة بالفضة وفيها ربع العُشر، فمن ملك هذا المبلغ، فعليه زكاة اثنين ونصف بالمائة يساوي تسع وعشرون ريالًا وخمسٌ وسبعون هللة. • كيفية إخراج زكاة الأوراق المالية: لإخراج مقدار زكاة الأوراق المالية طريقتان: الأولى: أن يُقسم المال كله على أربعين، فيخرج ربع العُشر، وهو الواجب في زكاة النقدين وما يُلحق بهما؛ فمثلًا لو كان عنده ثمانون ألف ريال، فتُقسم على أربعين، والناتج ألفا ريال، هي مقدار زكاة ذلك المبلغ، وهي ربع العُشر وهكذا. الثانية: أن نقسم المال على عشرة، والناتج يُقسم على أربعة، والحاصل هو مقدار الزكاة الواجبة، فلو كان المال مئة ألف ريال نقسمه على عشرة

стр. 5639

يساوي عشرة آلاف ريال، ثم نقسم عشرة آلاف ريال على أربعة يساوي ألفين وخمسمائة ريال، وهو مقدار الزكاة الواجبة في المئة ألف، وهي ربع العُشر وهكذا. • زكاة الحساب الجاري: الحساب الجاري هي المبالغ التي يودعها الإنسان في حسابه عند البنك أو المصرف؛ فهي إقراض من صاحب المال للمصرف، ليأخذه صاحبه متى شاء؛ فهذه الأموال من قبيل الديون التي تكون على ملي باذل، فيجب إخراج زكاتها كل سنة، بأن يجعل له شهرًا معينًا من السنة يُخرج فيه زكاة ما وجد في الحساب من الأموال بمقدار ربع العُشر. • زكاة الرواتب الشهرية: الرواتب الشهرية إذا قُبضت فهي أموالٌ متوالية، وإخراج زكاتها في كل شهرٍ فيه مشقة، والأحسن أن يحدد المسلم شهرًا معينًا من السنة، ثم ينظر ما تجمع عنده من هذه الرواتب، فما حال عليه الحول يكون قد أدى زكاته في وقته، وما لم يحل عليه الحول يكون قد عجل زكاته وهذا جائزٌ وأجره بقدر نيته: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. • زكاة جمعية الموظفين: جمعية الموظفين إذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول، ولم تُصرف فتجب فيها الزكاة ربع العُشر، وإذا استلم الإنسان نصيبه منها، وبلغ النصاب، وحال عليه الحول وجبت فيه الزكاة.

стр. 5640

• مكافأة نهاية الخدمة: مكافأة نهاية الخدمة هي حق مالي أوجبته الحكومة أو الشركة بشروطٍ محددة لمصالح الموظفين عند نهاية الخدمة، والموظف يستحق هذه المكافأة عند تركه للعمل، سواء كان بسبب الاستقالة، أو التقاعد، أو الوفاة، وهذه المكافأة تجب فيها الزكاة إذا استلمها، وبلغت النصاب، وحال عليها الحول قبل أن تصرف. • حكم زكاة الحلي المعد للاستعمال: ليس في حلي النساء المعد للاستعمال والزينة زكاة؛ لأنه لم يقم دليلٌ صحيحٌ على وجوب زكاته؛ ولأن الزكاة شُرعت في الأموال النامية لتحصل المواساة، والحلي أعد للقنية وليس من الأموال النامية، فلا زكاة فيه. وإذا لم تملك المرأة إلا هذا الحلي؛ فإنه ينتهي بإخراج الزكاة منه، وقاعدة الزكاة أن كل مالٍ نامٍ تؤخذ زكاته منه أو من نمائه، وهذا حليٌ غير نامٍ فلا زكاة فيه. • حكم زكاة الألماس واللؤلؤ: الألماس، واللؤلؤ، والأحجار الثمينة ونحوها، إذا كانت للبس فلا زكاة فيها؛ أما إذا كانت للتجارة فتقوم قيمتها بنصاب أحد النقدين؛ فإذا بلغت نصابًا، وحال عليها الحول، ففيها ربع العُشر: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
следующие страницы →