← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والملائكة أنصح خلق الله وأنفعهم لبني آدم، وعلى أيديهم حصل لهم كل سعادة وعلم وهدى، يستغفرون لمسيئهم، ويثنون على مؤمنيهم، ويدعون لهم، ويعينونهم على أعدائهم من الكفار والشياطين. والشياطين أغش خلق الله لعباده، وعلى أيديهم حصل للبشر كل شر وإضلال، وغواية وإفساد: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. والملائكة أهل طاعةٍ مطلقة، فقد كانوا أولى الخلق بالطمأنينة، ولكنهم دائمون في تسبيح ربهم واستغفاره: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠]. وقال الله عن الملائكة: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨]. استدرارًا لمغفرته ورحمته، ولما يحسون من علوه وعظمته، ولما يعلمون من جماله وجلاله، ولما يخشون من التقصير في طاعته وحمده، بينما أهل الأرض المقصرون الضعاف يكفرون، وينحرفون في أقوالهم وأعمالهم، حتى أن السماوات ليكدن يتفطرن من فوقهن من شذوذ بعض أهل الأرض، وإشراكهم بالله، وكفرهم به. بينما الملائكة الكرام يستغفرون لمن في الأرض جميعًا من هذه الفعلة الشنعاء التي جاء بها بعض المنحرفين والكافرين: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الشورى: ٥].

стр. 597

وقال الله : ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. فتشفق الملائكة من غضب الله، ويروحون يستغفرون لأهل الأرض مما يقع في الأرض من معصية وتقصير لفاطر السماوات والأرض ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. وقد وكل الله بالعرش العظيم ملائكةً يحملونه، وملائكةً حوله يطوفون به، لهم زجلٌ بالتسبيح والتقديس والتعظيم لربهم، صافّون لا يسأمون ولا يفترون عن العبادة لربهم، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول. يا حسرةً على العباد، ماذا علموا وماذا جهلوا من عظمة الرب العظيم، وقدرته وجلاله وجماله وكبريائه، وما الذي غرهم حتى أعرضوا عن ربهم فعصوه وأطاعوا عدوه: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨]. وقد وكّل الله سبحانه بالرياح ملائكة تصرفها بأمره، ووكل بالقطر ملائكة، ووكل بالسحاب ملائكة تسوقه وتفرقه حيث أُمِرت. قال النبي ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ». أخرجه مسلم (١).

стр. 598

وكل سبحانه بالجبال ملائكة يقومون عليها، ويحركونها ويرفعونها بأمر الله، ووكل سبحانه بالرحمة ملائكة، ووكل بالعذاب ملائكة، ووكل بالوحي ملائكة يؤدونه إلى أنبيائه ورسله كما قال سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢]. ووكل سبحانه بالجنة ملائكة يبنونها ويفرشونها، ويصنعون أرائكها وسررها، وصحافها ونمارقها، وزرابيها وقصورها: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. ووكل بالنار ملائكة يبنونها ويوقدونها ويسجرونها، ويصنعون أغلالها وسلاسلها، ويقومون بأمرها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. ووكل سبحانه بالبحار ملائكة تسجرها وتمنعها أن تفيض على الأرض فتغرق أهلها. ووكل ﷻ ملائكة بأعمال بني آدم خيرها وشرها، تحصلها وتحفظها وتكتبها: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]. وقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]. فالإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم إلا به، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. وإذا عرفنا ذلك فيجب أن نعلم أن كل حركةٍ في العالم العلوي والسفلي فسببها الملائكة، وحركتهم طاعةٌ لله ، وحركتهم طاعة الله بأمره

стр. 599

وإرادته، ويرجع الأمر كله إلى تنفيذ مراد الرب تعالى شرعًا وقدرًا، والملائكة هم المنفذون ذلك بأمره، فهم رسل الله في تنفيذ أوامره في ملكه: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء/ ٢٧ - ٢٨]. وجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعةٌ للإرادة والمحبة، وبها تحرك العالم ولأجلها، فما تحرك في العالم العلوي والعالم السفلي إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها. فالملائكة هم المقسمات أمر الله الذي أمِرت به بين خلقه، كما قال سبحانه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤] والملائكة هم المدبرات أمر الخلائق بأمر الله كما قال سبحانه: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]. فالملائكة تقسم الأمر وتدبره بإذن الله، وكلٌ منهم قد جعله الله على تدبير أمرٍ من أمور الدنيا، وأمور الآخرة، وأمور العالم العلوي، وأمور العالم السفلي، لا يتعدى منه ما قدر له، ولا ينقص منه شيئًا، فالملائكة ينفذون أوامر الله في خلقه، في كل حال، وفي كل وقت، وفي كل مكان، وفي كل مخلوق: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. فجبريل ﷺ ينزل بالوحي على الرسل والأنبياء، ويقسم العذاب وأنواع العقوبة على من خالف أمر الله ورسله. وميكائيل ﷺ قائم على القطر والنبات، والبرد والثلج يقسمها بأمر الله على البلاد والعباد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 600

وملك الموت ﷺ يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله، فلا يفر من الموت أحد، ولا يموت أحدٌ قبل أجله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [السجدة: ١١]. وإسرافيل ﷺ يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور النفخة الثانية. فتدبير أمر العالم العلوي والسفلي إنما هو بأمر الله، على أيدي الملائكة الذين يدبر الله بهم أمر العالم. هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن، وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم، وحسن الخلق، وكمال الانقياد لأمر الله، والقيام بعبادته، وتنفيذ أوامره في أقطار العالم. فسبحان الرب العظيم الذي خلق هذا الخلق العظيم الذي يعبده كما ينبغي لجلال وجهه، وعظمة سلطانه، وينفذ أوامره في مملكته، وملكه العظيم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فكل حركةٍ في السماوات والأرض من حركات الأفلاك والنجوم والشمس والقمر، والرياح والسحاب، والنبات والحيوان، والتراب والحبال، فهي ناشئةٌ عن الملائكة الموكلين بالسماوات والأرض ومن فيهن كما قال سبحانه عنهم: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]. والقرآن العظيم كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين جبريل ﷺ على قلب سيد المرسلين محمدٍ ﷺ .

стр. 601

وقد أضاف الله القرآن إلى الرسول الملكي وهو جبريل تارة فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١] وأضافه إلى الرسول البشري محمدٍ ﷺ تارة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٣]. وإضافة القرآن الكريم إلى كل واحدٍ من الرسولين الملكي والبشري إضافة تبليغٍ، لا إضافة إنشاءٍ من عنده، فهو كلام الله الذي تكلم به حقًا، وجبريل سمعه من الله، ومحمد ﷺ سمعه من جبريل، والأمة سمعته وبلغها من محمدٍ ﷺ ، وهذه الأمة عليها أن تبلغ هذا القرآن إلى البشرية إلى يوم القيامة: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقد وصف الله رسوله الملكي جبريل بأنه كريم، قوي، مكين عند الرب تعالى، مطاعٌ في السماوات، أمين: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]. هذه خمس صفات تضمن تزكية سند القرآن الكريم. فهذا الملك الذي ألقى القرآن على محمدٍ ﷺ ملكٌ كريمٌ، جميل المنظر، كثير الخير، وكل خيرٍ في الأرض من هدى وعلمٍ ومعرفةٍ، وإيمان وتقوى، وبر وإحسان، فهو مما أجراه ربه على يده، وهذا غاية الكرم. وهو ذو قوةٍ، فبقوته يمنع الشياطين أن يغيروا من القرآن، وأن ينالوا منه شيئًا، وأن يزيدوا في القرآن، أو ينقصوا منه، وهو قادرٌ على تنفيذ ما أمره الله به لقوته، مؤدٍ له كما أُمر به لأمانته، فهو القوي الأمين، الذي تطيعه ملائكة

стр. 602

السماوات فيما يأمرهم به عن الله تعالى، وله مكانةٌ ووجاهةٌ عند ربه، وهو أقرب الملائكة إليه، ولعلو منزلته صار قريبًا من ذي العرش سبحانه، فمحمدٌ ﷺ مطاعٌ في الأرض، وجبريل ﷺ مطاعٌ في السماء، وكلٌ من الرسولين مطاعٌ في محله وقومه. وصف الله عبده ورسوله جبريل ﷺ بهذه الصفات، ليدل على عظمة شأن المرسل وهو الله ، والرسول وهو جبريل والرسالة وهي الدين والقرآن، والمرسل إليه وهو محمد ﷺ حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده، المطاع في الملأ الأعلى، الأمين حق أمين، فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية، فكيف برسول ملك الملوك جبريل ﷺ ؟!. فعلينا أن نشعر بوجود هؤلاء الملائكة الكرام، الذين هم معنا يكتبون الأعمال والأقوال ويحصونها، وعلينا أن نجلهم ونوقرهم ونكرمهم ونستحي منهم، فالملائكة هم الذين يدافعون عن المؤمن، ويستغفرون له، ويدعون له. فلا يليق بالمؤمن أن ينسى جوارهم، ويبالغ في أذاهم، وطردهم عنه، فالملك ضيف الإنسان وجاره، والإحسان إلى الجار وإكرام الضيف من لوازم الإيمان، والملائكة المرافقون للإنسان أكرم ضيفٍ، وأعز جار، ومعنا من الملائكة من لا يفارقنا، فليستحِ العبد منهم وليكرمهم، وقد نبه الله على ذلك في قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].

стр. 603

٥ - الخزانة الخامسة وظائف الملائكة: للملائكة مع البشر ثلاثة أدوار: الأول: دورهم مع جميع بني آدم، مؤمنهم وكافرهم، من تشكيلهم للنطفة، وحراسة العباد، ومراقبة كل أحد: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١]. وتبليغ الوحي، ونزع الأرواح، ونحو ذلك: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]. الثاني: دور الملائكة مع المؤمنين، ومن ذلك: أولا: محبتهم للمؤمنين كما قال النبي ﷺ : «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ». متفقٌ عليه (١). ثانيًا: صلاتهم على المؤمنين كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤٣]. والصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة، ورحمته له، والصلاة من الملائكة بمعنى الدعاء للمؤمنين، والاستغفار لهم، والملائكة يصلون على معلم الناس الخير، ويصلون على الذين ينتظرون صلاة الجماعة ولم يحدثوا، والله وملائكته يصلون على الصف الأول وعلى الصفوف

стр. 604

المتقدمة، وعلى الذين يصلون الصفوف، ويسدون الفرج، وعلى الذين يتسحرون، وعلى الذين يصلون على النبي ﷺ ، والملائكة يستغفرون للذين يعودون المرضى. ثالثًا: تأمين الملائكة على دعاء المؤمنين، وبذلك يكون أقرب للإجابة كما قال النبي ﷺ : «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملكٌ موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل» أخرجه مسلم (١) وقال النبي ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ». أخرجه مسلم (٢). وإذا كان الدعاء للمؤمن المؤمن عليه حريًا بالإجابة، فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يدعو على نفسه بشر. عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ». أخرجه الإمام مسلم (٣). رابعًا: استغفار الملائكة للمؤمنين، ودعائهم لهم، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. خامسًا: شهود الملائكة مجالس العلم وحلق الذكر كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا

стр. 605

يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ: «فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا». متفقٌ عليه (١). وإذا جلس المسلم في حلقة علم استفاد من الملائكة فائدتين: الأولى: أن الملائكة تحف بمن يطلب العلم إكرامًا لهم، وتدعوا لهم، وتحرسهم. الثانية: أن الصحبة مؤثرة، فإذا حفتهم الملائكة استفادوا منها كرامتين: الأولى: أنهم في ذلك المجلس لا يعصون الله ما أمرهم. الثانية: أنهم يفعلون ما يؤمرون. وهذان مقصد حياة الإنسان، امتثال أوامر الله، وعدم معصية الله. فالأعمال الصالحة تقرب الملائكة منا، وتقربنا منهم، ولو استمر العباد في حالةٍ عاليةٍ من الإيمان والسمو الروحي، لوصلوا إلى درجة مشاهدة الملائكة ومصافحتهم كما قال النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. أخرجه مسلم (٢). سادسًا: تسجيل الملائكة للمسلمين الذين يحضرون الجمعة، كما قال النبي ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ المَلَائِكَةُ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». متفقٌ عليه (٣). سابعًا: تعاقب الملائكة على المؤمنين، فطائفةٌ تأتي، وطائفةٌ تذهب، كما قال النبي ﷺ : «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ: مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ،

стр. 606

وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ العَصْرِ، وَصَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ، فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» متفقٌ عليه (١). ومن الملائكة من ينزل عند قراءة القرآن يستمعون له، ولله ملائكة سياحون يبلغون سلام الأمة للنبي ﷺ في كل وقت، ومنهم من يحمل البشارات للأنبياء وغيرهم، كما بشرت الملائكة إبراهيم ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ [الذاريات: ٢٨]. وكما بشرت الملائكة زكريا بيحيى كما قال سبحانه: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ [آل عمران: ٣٩]. والملائكة تقاتل مع المؤمنين ضد أعدائهم كما حصل في غزوة بدر. ومنهم من يرسله الله لحماية ونصرة صالح عباده، كما أرسل الله جبريل لإغاثة هاجر وابنها إسماعيل، فبحث في عقبه حتى خرج ماء زمزم بأمر الله . والملائكة تشهد جنائز الصالحين، وتظل الشهداء بأجنحتها، وتحمي مكة والمدينة من الدجال، والملائكة يؤمنون مع المؤمنين كما قال النبي ﷺ : «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ، فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ - وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ». متفقٌ عليه (٢).

стр. 607

فهذه بعض أعمال الملائكة مع المؤمنين ومع بني آدم عمومًا، فعلينا أن نتولى جميع الملائكة بالحب والتوقير والإكرام، وأن نتجنب ما يسيء إليهم ويؤذيهم من المعاصي والمنكرات والروائح الكريهة، فالملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه، وإن كان قد يعمل مثل عمله، فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ وما الظن بمبارزة الملك العظيم الجبار بالمعاصي والفواحش؟. فما الذي غر الإنسان حتى غرق في بحر المعاصي والفواحش والمنكرات، أغره حلم الله ؟ أم يظن أن الله لا يراه؟ أم استغنى بما عنده عن ربه؟ أم يحسب أنه لا يعود إليه؟. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ [العلق: ٦ - ٨]. والملائكة لا تدخل الأماكن والبيوت التي يُعصى الله فيها، أو يوجد فيها ما يكرهه الله ويبغضه، كالأنصاب والصور والتماثيل والكلاب، والسُكر، والجنب إلا أن يتوضأ كما قال النبي ﷺ : «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ، الثُّومِ وقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ». متفقٌ عليه (١). الثالث: دور الملائكة مع الكفار والفساق. الملائكة لا يحبون الكفرة الظالمين المجرمين، بل يعادونهم ويحاربونهم ويلعنونهم، كما حاربت الملائكة مع المؤمنين ضد الكفار في بدر: ﴿إِذْ

стр. 608

تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩]. وكما حاربوا الأحزاب في الخندق كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩]. وقد أرسل الله ملائكةً إلى قوم لوط، الذين جمعوا مع الكفر فاحشة إتيان الذكران من العالمين، فرفع جبريل ديارهم بمن فيها، ثم قلبها عليهم كما قال سبحانه: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود: ٨١ - ٨٣]. وقد من الله علينا فرأينا ذلك المكان، وهو مكان البحر الميت، نعوذ بالله من غضبه وعقوبته ومعصيته. والملائكة تلعن الكفرة الذين كفروا بالله ولم يستجيبوا للرسل، وماتوا على ذلك كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ [البقرة: ١٦١]. ولا تلعن الملائكة الكفرة فحسب، بل قد تلعن من فعل ذنوبًا معينة، كالمرأة التي يدعوها زوجها إلى الفراش فتأبى، فالملائكة تلعنها حتى ترجع، ومن أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه، لما فيها من الترويع لأخيه، ومن أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

стр. 609

فما أعظم قدرة الله ، وما أعظم مخلوقاته، وما أعظم خلقه من الملائكة الذين لا يحصيهم، ولا يحصي أعمالهم وأعدادهم إلا الله وحده لا شريك له الذي أحصى كل شيءً عددًا. فلله الحمد سبحانه على عنايته ببني آدم حيث وكل من الملائكة من يقوم بحفظهم ونصرتهم، والدعاء لهم والاستغفار لهم، والعناية بهم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. فعلينا محبة جميع الملائكة، الذين يقومون بعبادة الله، والدعاء والاستغفار للمؤمنين، وتنفيذ أوامر الله، وتبليغ الوحي إلى رسل الله. إن الإيمان بالملائكة شأنه شأن الحقائق الغيبية المستيقنة التي جاءت من عند الله، يوسع آفاق الشعور الإنساني بالوجود، فلا تنكمش صورة الكون عنده على ما تدركه الحواس، وهو ضئيل في هذه الدنيا، كما أن الإيمان بالملائكة يؤنس قلب الإنسان بهذه الروح المؤمنة من حوله، التي تشاركه إيمانه بربه، وتستغفر له، وتكون في عونه على الخير بإذن الله. • ثمرات الإيمان بالملائكة: للإيمان بالملائكة ثمراتٌ عظيمة عاجلةٌ وآجلة، منها: أولًا: أن الإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب الذي هو أعظم صفات المؤمنين: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢ - ٣]. ثانيًا: الثقة التامة بسند الرسالة، فمنهم السفراء بين الله ورسله في تبليغ رسالته إلى رسله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].

стр. 610

ثالثًا: التأسي بالملائكة في حسن عبادتهم، وحسن صفوفهم، ودوام طاعتهم لربهم، ودوام ذكرهم له، فمعرفة ذلك يحمل المسلم على حسن الاستقامة، ودوام الطاعة: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت/ ٣٨]. وقال الله : ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦]. رابعًا: الإيمان بعظمة الله، وكمال قدرته في خلق الملائكة على هذه الخلقة الكريمة القوية الحسنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١]. خامسًا: شكر الرب على عنايته ببني آدم، حيث وكل بهم ملائكةً كراماً يحفظونهم، ويحفظون أعمالهم، ويدعون لهم، ويعينونهم على عبادة ربهم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦]. سادسًا: لزوم الاستقامة والحذر من المعاصي، فإن الملائكة يكتبون على بني آدم كل عمل، ويشهدون عليه بما عمل، وإذا ذكر العبد ذلك استحى منهم، فلم يقارف معصية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. وقال : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]. سابعًا: النشاط في فعل الخيرات، والمبادرة إلى أعمال البر، لعلم المسلم بحضور الملائكة مجالس الذكر، ودعائهم لفاعله، وإعانتهم له.

стр. 611

ثامنًا: حسن الأدب مع الملائكة واحترامهم، والحياء منهم، والأنس بهم وحسن صحبتهم، لأنهم مع الإنسان في جميع أحواله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. وقال الله : ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]. تاسعًا: اجتناب الأقوال البذيئة، والأفعال السيئة، والروائح الكريهة، لأن الملائكة يتأذون مما يتأذى منه بنو آدم. عاشرًا: تكميل الإيمان والتقوى، والمسارعة إلى الخيرات، اقتداءً بالملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. الحادي عشر: اجتناب ما يسبب بعد الملائكة عن الإنسان أو المكان، كالصور، والتماثيل، وآلات اللهو، والكلاب، والنجاسات، والروائح التي تكرهها الملائكة، فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة ولا تماثيل. الثاني عشر: الإلحاح على الله بالدعاء والثناء عليه، رجاء موافقة دعائهم واستغفارهم لنا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. الثالث عشر: تحصيل المزيد من دعائهم، وحضورهم، وصلاتهم، بحضور أماكن الذكر والصلاة ومجالس العلم. رابع عشر: حب الملائكة لحسن عبادتهم لربهم وطاعتهم له، ودعائهم للمؤمنين، واستغفارهم لهم، وإعانتهم على الخير.

стр. 612

فلله الحمد على عظمة ملكه وسلطانه، وله الحمد على هذا الخلق العظيم من الملائكة الذين يسبحون بحمد ربهم، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ويستغفرون للمؤمنين، ويدعون لهم.

стр. 613

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٣ - خزائن الإيمان بالكتب وتشمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة

стр. 614

٣ - خزائن الإيمان بالكتب ١ - الخزانة الأولى • فقه الإيمان بالكتب: الله ﷻ هو الملك الحق الذي له ملك العالم العلوي، والعالم السفلى، وله ملك الدنيا، والأخر، وله ملك عالم الغيب، وعالم الشهادة، وله ملك السموات والأرض، وله ملك ما في السموات، وما في الأرض، وله ملك ما بين السموات والأرض، وله ملك غيب السموات والأرض، وله ملك خزائن السموات والأرض، وله ملك جنود السموات والأرض، وله ملك مقاليد السموات والأرض، وله ملك ميراث السموات والأرض: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]. والله ﵎ خالق هذا الكون العظيم، وله ملك السموات والأرض، وما فيهن، وله ملك الدنيا والأجرة، ولابد للملك العظيم في ملكه العظيم من أوامر، ومن جنود تنفذ، وتؤدى هذه الأوامر: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وأوامر الله نوعان: • أوامر كونية ..

стр. 615

• أوامر شرعية. فأوامر الله الملكية الكونية القدرية وكَّل الله الملائكة بتنفيذها في هذا الكون في مخلوقاته سبحانه، كما قال سبحانه عن الملائكة: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]. وقال سبحانه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات/ ٤]. وأوامر الله الملكية الشرعية هي الكتب السماوية التي أنزلها الله على رسله، وهي تشتمل على الأوامر الشرعية التي تصلح بها أحوال العباد، وتعرفهم بخالقهم، ومعبودهم، وما يحب وما يكره، وما يرضيه وما يسخطه، من الأقوال والأعمال، والأخلاق، وتبين ما للناس بعد القدوم على ربهم في الآخرة من الثواب والعقاب: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]. فلابد للملك في ملكه من أوامر تصلح بها أحوال رعيته من حث، ونهى وتحذير، وترغيب وترهيب، فمن أحسن أثيب، ومن أساء عوقب، ولابد للملك من سفراء بينه وبين خلقه، وهم الرسل الذين يستقيمون على أوامر الله، ويطيعونه تمام الطاعة، ويكونون أسوة للخلق في أقوالهم، وأعمالهم، وأخلاقهم، ويبينون للناس ما نزل إليهم من ربهم من أوامر وأحكام، ويحكمون بين الناس بالعدل والحق في الدنيا، وينفذون أوامر الله في خلقه، ويبلغون شرعه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].

стр. 616

ولابد أن تكون للملك محكمة يحاسب فيها من أطاعه، ومن عصاه، فيجزي على الخير خيرًا، ويجزي على الشر ما يستحقه من العقوبة، وذلك يوم القيامة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وبعد الحساب يكون الناس فريقين: فريق في الجنة .. وفريق في السعير. فيكرم الله ﵎ بالجنة كل من أمن به، وأطاعه، وعمل بالكتاب الذي أنزله، واتبع الرسول الذي أرسله في الدنيا كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣]. ويهين ويذل كل من كفر به، وعصاه بما أعد لهم من العذاب في النار كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. والإيمان بالكتب هو التصديق الجازم بأن الله أنزل كتبًا على أنبيائه ورسله هداية لعبادة، وهى من كلام الله حقيقة، وأن ما تضمنته حق لا ريب فيه منها ما سمى الله في كتابه، ومنها مالا يعلم أسماءها وعددها إلا الله وحده لا شريك له: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

стр. 617

(١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٨]. وقد بين الله في القرآن الكريم أنه أنزل الكتب الآتية: الأول: صحف إبراهيم ﵊: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]. الثاني: التوراة، وهى الكتاب الذي أنزل الله على موسي ﷺ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]. الثالث: الزبور، وهو الكتاب الذي أنزل الله على داود ﷺ كما قال سبحانه: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء: ٥٥]. الرابع: الإنجيل، وهو الكتاب الذي أنزله الله على عيسي ﷺ كما قال سبحانه: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٦ - ٤٧]. الخامس: القرآن، وهو الكتاب الذي أنزله الله على محمد ﷺ للناس كافة وهو آخر الكتب السماوية إلى البشر، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً

стр. 618

وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٨ - ٥٠]. فنؤمن بأن الله أنزل الكتب السابقة لهداية عباده، وهى شريعة الله ودينه في أوقاتها، ونصدق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة. ونعمل بأحكام ما لم ينسخ منها مع الرضا والتسليم، ونؤمن بما لم نعلم اسمه من الكتب السماوية إجمالًا. وجميع الكتب السماوية السابقة كالتوراة، والإنجيل، والزبور وغيرها منسوخة بالقرآن العظيم كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. وكل ما في أيدي أهل الكتاب مما يسمى بالتوراة، والإنجيل أو العهد القديم، أو العهد الجديد، لا تصح نسبته كله إلى أنبياء الله ورسله، فقد كتب بعدهم، ووقع فيه التحريف والتبديل، ومنها ما كتموه، ومنها ما افتروه، كقول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، وإن الله ثالث ثلاثة، واتهام الأنبياء بما لا يليق بمقامهم، ووصف الخالق جل جلالة بما لا يليق بجلالة ونحو ذلك: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ

стр. 619

ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩]. وقال الله عن اليهود: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة/ ١٣]. وقال الله عن علماء اليهود واحبارهم، وعلماء النصارى وغيرهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. فيجب رد ذلك كله، وعدم الإيمان إلا بما جاء في القرآن والسنة تصديقه وإذا حدثنا أهل الكتاب فلا تصدقهم ولا تكذبهم، ونقول: أمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان ما قالوه حقًا لم نكذبهم، وإن كان ما قالوه باطلًا لم نصدقهم. ونجادلهم بالتي هي أحسن إلا الظالم منهم، ومجادلتنا لهم مبنية على الإيمان بما أنزل إلينا وما انزل عليهم، وعلى الإيمان برسولنا وبرسولهم، وأن إلهنا جميعًا واحد، فلا نقدح في شيء من كتب الله المنزلة، ولا في أحد من رسله المرسلة كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت: ٤٦]. والقرآن الكريم أعظم الكتب السماوية، وأفضلها، وأكملها، أنزله الله على خاتم رسله، وأفضلهم محمد ﷺ ، وجعله تبيانًا لكل شيء،

стр. 620

وهدى ورحمة للعالمين كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. فالقرآن العظيم أفضل الكتب، نزل به أفضل الملائكة وهو جبريل ﷺ ، على أفضل الخلق وهو محمد ﷺ ، على أفضل أمة أخرجت للناس، وهي هذه الأمة، بأفضل الألسنة وأفصحها، وهو اللسان العربي المبين، بأفضل شريعة وأكملها، وهى ما فيه من الأحكام والسنن والآداب: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. ولهذا يجب على كل أحد الإيمان به، والعمل بأحكامه، والتأدب بآدابه، ولا يقبل الله العمل بغيره بعد نزوله، وقد تكفل الله بحفظة، فسلم من التحريف، والتبديل، ومن الزيادة والنقصان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. حكم اليهودية والنصرانية: الدين الحق الذي جاء به جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام هو الإسلام، وهو الحق، وكل ما سواه باطل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩]. فليست اليهودية والنصرانية أديان سماوية، ولا يجوز أن يقال: اليهودية دين موسى ﷺ ، ولا النصرانية دين عيسى ﷺ ، واليهودية إنما حدثت بعد التوراة بقرون، وكذلك النصرانية إنما حدثت بعد الإنجيل بقرون، فاليهودية والنصرانية أديانٌ مخترعة مبتدعة مليئة، بالتحريف والتبديل، والبدع والكفر

стр. 621

الذي ينافي جلال الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، ودينه الحق، فدين الله الحق هو الإسلام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. فالإسلام الذي يجب أن نؤمن به هو ما جاء به الأنبياء والرسل من ربهم فقط، وما سوى ذلك كله باطل مردود: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]. واليهود والنصارى كفارٌ ومشركون، مغضوبٌ عليهم وضالون، فيجب عليهم وعلى غيرهم الإيمان بالإسلام الذي جاء به جميع الأنبياء من ربهم، والعمل بموجب ذلك، والإيمان بما جاء به محمد ﷺ : ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٧ - ١٣٨]. وقد نفي الله عن إبراهيم ﷺ اليهودية والنصرانية كما نفي عنه الشرك، فدل على أنهما ديانتا كفر أحدثهما الكفار بعده، فلا يليق بأبي الأنبياء أن يوصف بهما: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧]. والقرآن الكريم الذي أنزله الله على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ هو آخر الكتب السماوية، وأعظمها، وأكملها، وأحكمها أنزله الله سبحانه تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين، فهو أفضل الكتب، نزل به

стр. 622

أفضل الملائكة وهو جبريل ﷺ على أفضل الخلق وهو محمد ﷺ : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. والقرآن الكريم كتاب التوحيد والإيمان، وكتاب الدعوة إلى الله، وكتاب الهداية إلى الحق، وكتاب العلم والأحكام، وكتاب الأجر والثواب، وأكثر الخلق يقرؤونه لتحصيل الأجر، ويغفلون عن أعظم مقاصده. والقرآن الكريم متعبد بتلاوته، ومتعبد بتدبره، ومتعبد بالعمل به، فيجب على كل أحد الإيمان به، والعمل بأحكامه، والتأدب بآدابه، ولا يقبل الله العمل بغيره بعد نزوله، تكفل الله بحفظه، فسلم من التحريف والتبديد، ومن الزيادة والنقصان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٣]. وقال الله : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. وقال الله : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا وهمومنا، يا أرحم الراحمين.

стр. 623

٢ - الخزانة الثانية • القرآن العظيم أفضل الكتب: الله أنزل على كل رسول كتابًا يعبد الله بموجبة، ويدعو الناس إلى ما فيه من الدين الحق: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ﴾ [الحديد: ٢٥]. لهذا يجب علينا الإيمان بكل ما أنزل الله من الكتب ما نعلمه منها، وما لا نعلمه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. فنؤمن بكتابنا المنزل علينا، وهو القرآن، ونؤمن بجميع الكتب قبله، ولكن لا نعمل إلا بالقرآن، وما لم ينسخ من شرائع الأمم السابقة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]. وهذه الكتب التي أنزلها الله على رسله الذين أرسلهم إلى الخلق تكلم الله بها ، منها المسموع منه من وراء حجاب بدون واسطة، ومنها ما يسمعه منه الرسول الملكي جبريل، ويأمره بتبليغه للرسول البشرى، ومنها ما يلقيه سبحانه من الوحي في قلب النبي ﷺ كما قال

стр. 624

سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشورى: ٥١]. ويجب على كل أمة أن تعمل بالكتاب الذي أنزله الله عليها، وقد ختم الله الكتب بالقرآن، وختم الرسل بمحمد ﷺ ، وختم الأمم بهذه الأمة، فيجب على جميع الناس الإيمان بالله، وإتباع القرآن، لأنه مهيمن على جميع الكتب، وناسخٌ لما قبله، ولا يقبل الله العمل بغيره بعد نزوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقال الله : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. والقرآن الكريم هو كتاب الله ومنهجه وشرعه للبشرية إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. فلله الحمد والشكر، وله المنة والفضل، حيث أرسل إلينا أفضل رسله، وأنزل علينا أفضل كتبه، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران/ ١٦٤]. وقد وصف الله القرآن الكريم بما يقتضى حسنه، وكثرة خيره ومنافعه، وجلالة قدرة، وعظمته فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي

стр. 625

كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠]. والكريم هو البهي الحسن، الكثير الخير، العظيم النفع، وهو من كل شيء أفضله وأحسنه، وقد وصف الله نفسه بالكريم، ووصف كتابه بالكريم، ووصف عرشه بالكريم، ووصف رسوله الملكي جبريل بالكريم، ووصف رسوله البشرى محمداً ﷺ بالكريم. والقرآن الكريم لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلوب الملوثة بنجاسة البدع والشرك والمعاصي أن تنال معانيه، أو تفهمه كما ينبغي: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦]. إن القرآن الكريم كلام الله ، فلا يفهمه ولا يجد طعمه إلا من أمن به، ولا يتلذذ به وبقراءته وتدبره إلا من شهد أنه كلام الله تكلم به حقًا، وأنزله على رسوله وحيًا، ولا ينال بركته، ولا يستفيد من معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه، فهو كتاب جليل القدر، عظيم النفع حوى كل ما يحتاج إليه العباد، وجميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، محكمٌ مفصل: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]. القرآن العظيم فيه تبيان كل شيء: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. فالقرآن العظيم هدى ونور للبشرية إلى يوم القيامة: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨].

стр. 626

• فقه آيات القرآن الكريم: آيات القرآن الكريم فيها تبيان كل شيء وهى: إما خبر .. أو طلب. • القسم الأول: الخبر، والخبر قسمان: الأول: خبر عن الخالق سبحانه، وعن أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأقواله، وهو الله ، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ (٤)﴾ [آل عمران/ ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. الثاني: خبراً عن المخلوق كالسموات والأرض، والعرش، والكرسي، والإنسان، والحيوان، والجماد، والنبات، والجنة والنار، وأخبار الأنبياء والرسل، وأتباعهم، وأعدائهم، وجزاء كل فريق ونحو ذلك من أخبار

стр. 627

القرآن كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقال عن الإنسان: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وغير ذلك من الآيات الدالة على أخبار الله عن مخلوقاته في العالم العلوي، والعالم السفلى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. القسم الثاني: الطلب، وهو قسمان: الأول: إما أمر بعبادة الله وحده، وطاعة الله ورسوله، وفعل ما أمر الله به كالصلاة والصيام ونحو ذلك كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. الثاني: نهى عن الكفر ونحو ذلك من الأوامر الإلهية والشرك بالله وتحذيرًا مما حرم الله كالربا والفواحش وغير ذلك مما نهى الله عنه من الأقوال

стр. 628

والأعمال كما قال سبحانه ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وغير ذلك مما نهى الله عنه في القرآن. فأعظم الأخبار معرفة الله ، وأعظم الأوامر العلم بالله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وأعظم المناهي النهى عن الكفر والشرك كما قال لقمان لابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]. وأعظم الأدعية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]. وأعظم الأوامر الأمر بعبادة الله بعد العلم به: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. فلله الحمد والشكر، وله المنة والفضل، حيث أرسل إلينا أفضل رسله، وأنزل علينا أحسن كتبه، وجعلنا من خير أمه أخرجت للناس: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ

стр. 629

تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣]. القرآنُ العظيم أصدق الكلام، وأحسنه، وأكمله، فيه بيان الأمر والنهي، وبيانُ الوعد والوعيد، وبيانُ الثواب والعقاب، وبيانُ الأقوال الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاقُ الكريمة، كتابٌ عظيم تطمئن به القلوب، وتنشرح له الصدور: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وقال الله : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥]. القرآن كتابٌ عظيم أنزله الله هدًى ونورًا، وشفاءً للبشرية إلى يوم القيامة: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [الأعراف: ٢]. فمن لم يؤمن بأن الله تكلم به وحيًا؛ ففي قلبه حرجٌ منه، ومن لم يؤمن بأنه حق من عند الله ففي قلبه حرجٌ منه، ومن قال إن له باطن يخالف ظاهرة ففي قلبه حرجٌ منه، ومن قال إن له تأويل لا نفهمه، ولا نعلمه، وإن كنا نتلوه متعبدين بألفاظه، ففي قلبه حرجٌ منه. ومن سَلَطَ عليه الآراء الشاذة، وجعله تابعاً لمذهبه تعصبًا، ففي قلبه حرجٌ منه، ومن لم يأتمر بأوامره، وينزجر عن زواجره، ويصدق أخباره، ويعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابه، ويرد ما سوى ذلك، ففي قلبه حرجٌ منه، ومن لم يحكمهُ ظاهرًا وباطنًا في جميع شعب الحياة على نفسه وعلى غيره، ويسلم وينقاد لحكمه كائنًا من كان، ففي قلبه حرجٌ منه.

стр. 630

• مقاليد الكتب الإلهية: كلُ كتاب من كتب الله جاء بثلاثة أمور عظيمة: الأول: تعريفُ الناس بربهم، وأسمائه، وصفات، وأفعاله، وخزائنه، ووعده، ووعيده؛ وذلك ليؤمنوا بربهم، ويوحدوه، وليعبدوه، ويطيعوه، ويحبوه، ويحمدوه، ويكبروه، ويجتنبوا عبادة ما سواه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. الثاني: تعريفِ الناس بالطريق الموصل إليه، والذي يحبه ويرضاه، وهو شرعه الذي أنزل به رسله، وأنزل به كتبه، وما يشتمل عليه من الأوامرِ والنواهي: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]. الثالث: تعريفُ الناس بحالهم بعد القدوم على ربهم بعد الموت: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦]. فللمؤمنين بالله الجنة، وللكفار النار، كلٌ يجازى بحسب عمله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].

стр. 631

• الشرائع التي أنزل بها كتبه: الشرائعُ التي أنزل الله ثلاث: الأولى: شريعة عدل: وهي شريعة التوراة، فيها الحكمُ والقصاصُ بالعدل، وهي شريعة الجلال والقهر. الثانية: شريعة فضل: وهي شريعة الإنجيل، وهي مشتملةٌ على العفو، ومكارم الأخلاق، والصفح والإحسان، فهي شريعةُ الجمال والفضل والإحسان. الثالثة: شريعة جمعت هذا وهذا، العدل والإحسان: وهي شريعة القرآن التي جاء بها محمد صل الله عليه وسلم، فإن الله يذكر في القرآن العدل ويوجبه، ويذكر الفضل ويندب إليه، ويذكر الظلم ويحرمه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وقال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال سبحانه: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾ [الفرقان: ١٩]. وقد أرسل الله بهذه الشريعة محمداً ﷺ ، فشريعةُ محمد ﷺ جاءت في مظهر الكمال الجامع للجلال والجمال، جمعت بين العدلِ والإحسان، والشدةِ في الله، وبين اللينِ والرحمةِ والرأفة في الله. فشريعة موسى جاءت بالجلال، وشريعة عيسى جاءت بالجمال، وشريعة محمد ﷺ جاءت بالكمال الجامع للجلالِ والجمالِ، ولهذا رَضِيها الله

стр. 632

للبشرية دينًا إلى يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]. فشريعة محمدصلى الله عليه وسلم أكمل الشرائع، وهو أفضل الأنبياء وأكملهم، وأمته أفضل الأمم، وكتابة أحسن الكتب: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣]. فالنبيُ ﷺ سيد الأنبياء وخاتمهم، وأمته أفضلُ الأمم وآخرها، وكتابه أفضل الكتب وأحسنها، وشريعته أكمل الشرائع وآخرها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. فصلوات الله وسلامه على أنبيائه ورسله، وعلى سيد الخلق نبينا محمد ﷺ الذي يحمدهُ لجمال صفاته أهلُ السماء والأرض، وهو أحمد الخلق لربه، وأحقُ بأن يحمد أكثر من غيره، فقد جاء من ربه بأعظم شريعة، وأحسن كتاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقال الله تعالى:: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].

стр. 633

٣ - الخزانة الثالثة • فضائل القرآن العظيم: القرآنُ العظيم فيه تبيانُ كلُ شيء، وفيه كلُ خيرٍ وفلاحٍ وبركةٍ في الدنيا والآخرة، وقد أثنى الله على نفسه ممتنًا على رسوله في إنزال هذا الكتابِ العظيم فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧]. وامتن على هذه الأمة مثنيًا على نفسه بنزول هذا القرآن العظيم: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. فكانوا شرَ الناس، وبالقرآن العظيم، والإيمان بالله العظيم، كانوا خير الناس، وكانوا شرَ أمة، ثم كانوا بعد الإسلام خيرَ أمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقد أخبر اللهُ عن القرآن الكريم بأنه ذكرٌ للعالمين بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠]. فالقرآن الكريم ذكر للعالم أجمع، فهو المنهج الكامل الوحيد الذي يسعدون بهِ وبإتباعهِ في الدنيا والآخرة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١]. وأخبر سبحانه أنه تذكرةٌ للمتقين بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ [الحاقة: ٤٨].

стр. 634

يذكرهم بربهم ﷻ ، فهو ذكرُ لأهل الإيمان والتقوى يذكر العباد بما فيه صالحهم في معاشهم ومعادهم، ويذكرهم بالرب تعالى، وأسمائه، وصفاتهِ، وأفعاله، وحقوقه على عباده، ويذكرهم بالخير ليفعلوه، ويذكرهم بالشرِ ليجتنبوه، ويذكرهم بمصالحهم في معاشهم، ومعادهم، ويذكرهم بالمبدأ، والمعاد، ويذكرهم بنفوسهم، وآفاتها، وما تكمُنُ بها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وأنه ذكرٌ مبارك في قوله سبحانه: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾ [الأنبياء: ٥٠]. فهو يذكر الخلق بنفوسهم، وآفاتها، وما تسعد به، وما تزكوا به: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. ويذكرهم بمن يقتدون به من الأنبياء، والرسل، ويذكرهم بعدوهم، وما يريدُ منهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. فهو يذكرهم بعدوهم الشيطان، وما يريد منهم، ومن أي طريق يأتي إليهم، وبماذا يحترزون من كيده: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].

стр. 635

ويذكرهم القرآن بفاقتهم، وحاجتهم إلى ربهم، وأنهم مضطرون إليه في كل حال لا يستغنون عنه لحظة أبدً: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. ويذكرهم القرآن بنعم الله عليهم؛ ليشكروه، ويدعوهم بها إلى نعمٍ أخرى أكبر منها في الجنة ويذكرهم برحمة، وعفوه، ليقبلوا عليه، ويتوبوا إليه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. ويذكرهم سبحانه بأسه، وشده بطشه وانتقامه ممن عصى أمره، وكذب رسله؛ ليخافوهُ، ويهابوهُ، ويطيعوه سبحانه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. ويذكرهم القرآن بثواب الله، وعقابه، وما أعد لأوليائه، وما أعد لأعدائه؛ ليقبلوا على ما ينفعهم من الإيمان والتقوى، ويحذروا ما يضرهم من الشرك والمعاصي، ويتنافسوا في الخيرات: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. ويذكرهم القرآن بما يحل لهم، وما يحرم عليهم، وما يحبه الرب، وما يبغضه، ويذكرهم بصفات أوليائه؛ ليفعلوها، ويتحلوا بها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ
следующие страницы →