← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

ويجوز توكيل الجمعيات الخيرية والمراكز الإسلامية في إخراج زكاة الفطر ولذلك حالتان: الأولى: أن تكون الجمعية نائبةً عن المزكي، فيعطيها الزكاة أو يدفع لها المال لتقوم بشراء زكاة الفطر وتوزيعها، وهذا هو الغالب، فيجبُ على الجمعية المأذون لها إخراجها في وقتها كما ورد شرعًا. الثانية: أن تكون الجمعية نائبةٌ عن المزكي والفقير معًا، فهي وكيلةٌ عن الغنى لكونه دفع الزكاة لها، ونائبةٌ عن الفقير لكونها مكلفةٌ من الإمام برعاية الفقراء، فتخرجُ الزكاة حسب الحاجة قبل العيد، ويجوز تأخيرها بعد العيد لنيابتها عن الفقير لاسيما إذا كان مسجلًا لديها. • مقدارُ زكاة الفطر: يجوز إخراج زكاة الفطر من كل ما كان قوتًا لأهل البلد كالبر والشعيرِ، والتمر والزبيب، والإقطِ والأرز والذرة وغيرها وأفضلها ما كان انفع للفقير، ومقدارها عن كل شخص صاع يساوى بالوزن كيلوين ونصف تقريباً، يعطيه لفقراء البلد الذي وجبت عليه فيه، ولا يجوز إخراج القيمة بدل الطعام، والفقراء والمساكين أخص بها من غيرهم. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العبد والحر، والذَّكَرِ وَالأُنْثَى، والصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ من المسلمين، وأمر بها ان تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة». متفق عليه (١).

стр. 5672

صدقةُ التطوع • صدقةُ التطوع: هي الإحسان إلى الغير بالمال، ابتغاء وجه الله . • حكمة مشروعية الصدقة: دعا الإسلام إلى البذل، وحض عليه، رحمهً للضعفاء، ومواساة للفقراء، إلى جانب ما فيه من كسب الأجر، ومضاعفته، والتخلق بأخلاق الأنبياء من البذل والإحسان، وتأليف القلوب. قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. • حكمُ الصدقة: الصدقة سنةٌ كلَ وقت، بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه، وتتأكد في زمانٍ وأحوال، فالزمان كرمضان، وعشر ذي الحجة، والحالات أوقات الحاجة أفضل، دائمةٌ كفصل الشتاء، وطارئة كأن تحدث مجاعة، أو جدب، أو كارثة ونحو ذلك. والصدقة في حال الصحة أفضل منها في حال المرض، وفى حال الشدة أفضل منها في حال الرخاء، إذا قصد بها وجه الله .

стр. 5673

قال الله تعالى عن المؤمنين: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٧ - ٩]. وقال : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. • وأفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح، والكاشح من يضمر العداوة. وصدقةُ التطوع مستحبة في كل وقت، وفى كل مكان، وفى كل حال. قال الله تعالى عن المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وصدقة التطوع تتأكد في زمان وأحوال. فالزمان كرمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، وهي أفضل. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أجود الناس وَكَانَ أجود مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْانَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أجود بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ». متفق عليه (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: «قال رسول الله ﷺ : مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَلا الْجِهَادُ فِي

стр. 5674

سَبِيلِ اللَّهِ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». أخرجه الترمذي وابن ماجه بسند صحيح (١). وعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ». أخرجه البخاري (٢). وأوقات الحاجة أفضل، دائمًة كفصل الشتاء، وطارئة كأن تحدث كارثة أو مجاعة: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ [البلد: ١١ - ١٨]. • فضائل صدقة التطوع: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقال الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد: ٧] وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ». متفق عليه (٣).

стр. 5675

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا». متفقٌ عليه (١). • أنواع الصدقات: الصدقات أنواع كثيرة، وكل معروفٌ وإحسانٌ صدقة. عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». متفقٌ عليه (٢). عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ قَالَ: «أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا». أخرجه مسلم (٣).

стр. 5676

وعنْ أَبِي مُوسَى الشعري ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ قالوا: فإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: فيَعْمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ، قَالَوا: فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أو لم يفعل؟ قَالَ: فيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفِ، قَالَوا: فإنْ لَمْ يَفعل؟ قَالَ: فيَأْمُرُ الْخَيْرِ أو قيل: بِالْمَعْرُوفِ، قَالَوا: فإنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: فيُمْسِكُ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَ له صَدَقَةٌ». متفق عليه (١). وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». أخرجه البخاري (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسلم يَغرِسُ غَرْسًا أو يَزرَعُ زَرْعًا فيأكُلُ مِنه طَيرٌ أو إنسَانٌ أو بهيْمَةٌ إلا كان لهُ بهِ صَدقَةٌ». متفق عليه (٣). • أفضل الصدقات: ثواب الصدقة يتعلق بالمتصدق، والمتصدق عليه، وبالمال المتصدق به. عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». أخرجه البخاري (٤). وعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ جاء إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ». متفق عليه (٥).

стр. 5677

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». أخرجه أحمد وابو داوود بسند صحيح (١) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أعظمها أجرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ». أخرجه مسلم (٢). وعن أم كلثوم بنت عتبه ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ على ذِي الرَّحِمِ الكَاشِحِ». أخرجه الحاكم بسند صحيح (٣). • حكم صدقة المرأة من بيت زوجها: يجوز للمرأة أن تتصدق من بيت زوجها إذا علمت رضاه، ولها نصف الأجر، ويحرم إذا علمت أنه لا يرضى، فإن أذن لها زوجها أو وليها بالصدقة فلها مثل أجره. • حكم الصدقة على آل البيت: قال النبي ﷺ : «إِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ، وَإِنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ». أخرجه ابن خزيمة (٤). وبنو هاشم ومواليهم لا تحل لهم الزكاة الواجبة، وتحل لهم صدقة التطوع إن كانوا فقراء. • حكم الصدقة عند التوبة: تستحب الصدقة عند التوبة بما قدر عليه من مال.

стр. 5678

عن كعب بن مالك ﵁ في قصة توبته وفيه قلت: يا رسول الله إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُوله، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ». متفق عليه (١). • حكم الصدقة على الكفار: تجوز صدقة التطوع على الكافر غير المحارب، تأليفًا لقلبه، وسدًا لجوعته، ويُثاب عليها المسلم، وفي كل كبد رطبة أجر من إنسانٍ وحيوان: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤]. • حكم إعطاء السائل: السنة إعطاء السائل الفقير ما يُغنيه عن سؤال غيره، ويسن إعطاء السائل، وإن صغرت العطية. عن أم بجيد ﵂ قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليك، إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقُومُ عَلَى بَابِي، فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئًا أعطيه إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ لَمْ تَجِدِي شَيْئًا تُعْطِينَهُ إِيَّاهُ إِلا ظِلْفًا مُحْرَقًا، فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ فِي يَدِهِ». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (٢).

стр. 5679

• عقوبة السؤال من غير حاجه: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». متفق عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ». أخرجه مسلم (٢). • من تحل له المسألة؟: لا تجوز المسألة إلا من سلطان، أو في أمرٍ لابد منه؛ كأن يتحمل حمالًة، أو تصيبه جائحة، أو أصابته فاقة، وليس عنده ما يكفي لذلك، وما سوى ذلك فهو سحت. عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا». أخرجه أحمد وأبو داود بسندٍ صحيح (٣). • فضل الإكثار من الصدقات: يسن الإكثار من الإنفاق في وجوه البر، وذلك سببٌ لحفظ ماله وكثرته، وسد حاجة الفقراء والمساكين، وزيادة الأجر والثواب، والتخلق بأخلاق الأنبياء: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ

стр. 5680

يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١ - ٢٦٢]. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا». متفقٌ عليه (١). • حكم صدقات المشرك قبل إسلامه: إذا أسلم المشرك فله أجر صدقته قبل الإسلام، فضلاً من الله ورحمة. عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قلت يا رسول الله «أَرَأَيْتَ أَشْياءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِها في الْجاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتاقَةٍ أوَصِلَةِ رَحِمٍ، فَهَلْ فيها مِنْ أَجْرٍ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ». متفقٌ عليه (٢). • آداب الصدقة: الصدقة عبادةٌ من العبادات ولها آدابٌ وشروط أهمها: أولًا: أن تكون الصدقة خالصة لوجه الله ، لا يعتريها ولا يشوبها رياءٌ ولا سمعة. قال الله تعالى عن المؤمنين: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٧ - ٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نوى». متفقٌ عليه (٣).

стр. 5681

ثانيًا: أن تكون الصدقة من الكسب الحلال الطيب، فالله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ثالثًا: أن تكون الصدقة من جيد ماله وأحبه إليه. قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]. رابعًا: ألا يستكثر ما تصدق به، ويتجنب الزهو والإعجاب. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨]. خامسًا: أن يحذر مما يبطل الصدقة كالمن والأذى. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البقرة: ٢٦٤]. سادسًا: الإسرار بالصدقة، وعدم الجهر بها إلا لمصلحة. قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١].

стр. 5682

سابعًا: أن يعطي الصدقة مبتسمًا بوجهٍ بشوش، ونفسٍ طيبة، ويرضي السعاة ببذل الواجب عليه. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا أَتَاكُمِ الْمُصَدِّقُ فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ». أخرجه مسلم (١). ثامنًا: أن يسارع بصدقته في حال حياته، وأن يدفعها للأحوج، والقريب المحتاج أولى من غيره. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ [المنافقون: ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].

стр. 5683

٦ - الخزانة السادسة • أحوال الإنفاق من المال: الإنفاق من المال على ثلاث درجات: الأولى: الزكاة المفروضة، وهي أعظم الحقوق. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. الثانية: إذا نزل بالناس نازلة من مجاعةٍ أو كارثة وجب صرف المال إليها. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقال : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. الثالثة: الصدقات والهدايا: وهي حقوقٌ مستحبة، وهي من مكارم الأخلاق من مواساة قرابة وإعطاء سائل، وصلة أرحام، وإعارة محتاج، ونحو ذلك من مكارم الأخلاق: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي

стр. 5684

الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. وعن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ». أخرجه مسلم (١). • فضل الصدقة الجارية: قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [التغابن: ١٧ - ١٨]. وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الإنسان انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». أخرجه مسلم (٢). • حكم الصدقة بكل المال: يجوز للمسلم أن يتصدق بجميع ماله، إذا كان قويًا مكتسبًا صابرًا غير مدين، ليس عنده من يجب الإنفاق عليه، قوي الإيمان واليقين. والأفضل أن يترك لنفسه ما ينفعه ويعفه عن السؤال والإشراف.

стр. 5685

عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟، قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟، قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ حسن (١). • فضل الإكثار من الصدقة: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفَقَ زوجينِ في سبيلِ اللَّهِ، دعاهُ خَزَنةُ الجنَّةِ، كلُّ خَزَنةِ بابٍ: أي فل، قال أبو بَكرٍ: يا رسولَ اللَّهِ، ذاكَ الَّذي لا تَوى عليهِ، فقال النَّبيُّ ﷺ : إنِّي لأرجو أن تَكونَ مِنهم». متفقٌ عليه (٢). • قوة الصدقة: عن عدي بن حاتم ﵁ قال: «ذَكَرَ الرسولُ ﷺ النَّارَ، فأعرض وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ، ثُمَّ أعرض وَأَشَاحَ، حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها، ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمن لَمْ تَجِدْ فبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». متفقٌ عليه (٣).

стр. 5686

وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «لا يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ بِتَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، إِلا أَخَذَهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ فيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ قَلُوصَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ أَوْ أَعْظَمَ». متفقٌ عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ». أخرجه مسلم (٢). • فضل اليد العليا: اليد العليا هي المنفقة، واليد السفلى هي السائلة، والمنفقة أعلى من الآخذة، وأعلى من السائلة. عن حكيم بن حزام ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ». متفقٌ عليه (٣). • أولى الناس بالصدقة: أولى الناس بالصدقة أهل المتصدق، وأولاده، وأقاربه، وجيرانه، وذو الحاجة الماسة، ولا يجوز للمسلم أن يتصدق على البعيد وهو محتاجٌ إلى ما يتصدق به لنفقته، ونفقة عياله، لأن الأقربون أولى بالمعروف: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥]. وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكِ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ،

стр. 5687

فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا، يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكِ وَعَنْ شِمَالِكَ». أخرجه مسلم (١). • فضل الصدقة على الأقارب: عن ميمونة بنت الحارث ﵂ أنها أعتقت وليدة في زمان الرسول ﷺ فذكرت ذلك للرسول ﷺ فقال: «لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ». متفقٌ عليه (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ». متفقٌ عليه (٣).

стр. 5688

• فضل الصدقة على الحيوان: عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي، فاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنزل بِئْرًا، فَشَرِبَ منها، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بي، فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثم رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْر». متفق عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ». متفقٌ عليه (٢). • فضل الصدقة بالزرع والغرس: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسلم يَغرِسُ غَرْسًا أو يَزرَعُ زَرْعًا فيأكُلُ مِنه طَيرٌ أو إنسَانٌ أو بهيْمَةٌ إلا كان لهُ بهِ صَدقَةٌ». متفق عليه (٣). وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَمَا أَكَلَتْ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً». أخرجه مسلم (٤).

стр. 5689

• فضل الصدقة عن الميت: عن ابن عباس ﵄ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ لما تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُك أَنَّ حَائِطَيْ الْمِخْرَافِ صَدَقَةٌ عليها». أخرجه البخاري (١). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا أتى لِلنَّبِيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ولم توصي، وَأظنها لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَلها اجر إن تَصَدَّقت عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ». متفق عليه (٢). • فضل الإيثار: وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بَاتَ بِهِ ضَيْفٌ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ وَأَطْفِئْ السِّرَاجَ وَقَرِّبِي لِلضَّيْفِ مَا عِنْدَكِ قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].». متفق عليه (٣).

стр. 5690

• حكم الصدقة من الحرام: الله ﵎ غني عن العالمين، فلا يرضى لعباده، ولا من عباده، إلا كل طيبٍ وحلال، ولا يتقبل الأعمال إلا من المتقين ولا يقبل الصدقات إذا كانت من حرام وخبيث، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبَاً وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِيْنَ فَقَال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]. وَقَال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك». أخرجه مسلم (١). وعن ابن عمر ﵁ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تُقْبَلُ اللَّهُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةٍ مِنْ غُلُولٍ». أخرجه مسلم (٢). • حكم الأكل من الصدقة: إذا وصلت الصدقة إلى مستحقها ملكها، إن شاء باعها، وإن شاء صرفها على نفسه، أو أكرم بها غيره. عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ». متفق عليه (٣).

стр. 5691

وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: «بُعَثَ إِلَيَّ نسيبة الأَنْصَارِيَّةُ بشَاةً فأرسلت إِلَى عَائِشَةَ ﵂ منها، فَدَخَلَ النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لا، إِلا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نسيبة مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ، فقَالَ: هَاتِي فَقَدْ بَلَغَتْ مَحَلَّهَا». متفق عليه (١). • حكم شراء الصدقة: لا يجوز لأحدٍ تصدق بصدقة على إنسان أن يشتريها منه؛ لأنه أخرجها من ملكه لله، فلا يحل الرجوع فيما أعطاه لله ولو كانت بقيمةٍ، أما غيره فيجوز له شراؤها. عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت عُمَرَ ﵁ يقول: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّه فَقَالَ: «لَا تشتره، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وإن أعطاكه بدرهم فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعائد فِي قَيْئِهِ». متفق عليه (٢). • حكم الصدقة على الكافر: تسن الصدقة على المسلم، وتشرع الصدقة على الكافر، تأليفًا لقلبه، وسدًا لجوعته، وتفريجًا لكربته، ويثاب على ذلك المسلم المتصدق: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].

стр. 5692

وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَتَ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، فَقُلْتُ: يا رسول الله قَدِمَتَ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ». متفق عليه (١). • حكم الصدقة على بني هاشم: النبي ﷺ له تحل لا الزكاة الواجبة، ولا صدقة التطوع. وبنو هاشم ومواليهم لا تحل لهم الزكاة الواجبة، وتحل لهم صدقة التطوع، لشرف النبوة، ولأنها أوساخ لا تليق بذلك المقام. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﵁ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخَذَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ له رسول الله ﷺ : «كِخْ كِخْ ارمي بها أَمَا علمت أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ». متفق عليه (٢). أما الهدية لبني هاشم: فبنو هاشم جميعًا ومواليهم تجوز الهدية لهم لا الزكاة. عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ ﷺ فَأَكَلَ مَعَهُمْ». متفق عليه (٣). • حكم السؤال من غير حاجة: يحرم على الإنسان سؤال الناس الزكاة أو الصدقة وعنده ما يكفيه، ومن سأل الناس تكثرًا فإنما يجمع جمرًا يوقد عليه في نار جهنم.

стр. 5693

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ». أخرجه مسلم (١). • مفاسد السؤال من غير حاجة: ١ - سؤال غير الله عند الحاجة ظلمٌ في حق الله؛ لأن الله أمر بسؤاله وحده؛ لأنه الصمد، قاضي الحاجات، الذي تصمد إليه الخلائق كلها في حاجاتها، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. وهو سبحانه قاضي الحاجات وحده. ٢ - وهو ظلمٌ في حق السائل؛ لأنه أذل نفسه لغير الله. ٣ - وظلمٌ في حق المسئول؛ لأنه قد يعطي وهو كاره. ٤ - سؤال غير الله من غير حاجة فيه ذل للسائل، وتعطيل للقوي والمواهب، وجحد لنعمة الله بالتشبه للفقراء، وخداعٌ للناس، وكذبٌ عليهم، وأكل لأموال الناس بالباطل وكل ذلك محرم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». متفق عليه (٢).

стр. 5694

• حكم أخذ ما جاء من غير سؤال: من أعطاه الله شيئًا من غير سؤال ولا إشراف نفس فليأخذه فإنما هو رزق ساقه الله إليه فإن شاء تموله وإن شاء تصدق به. عن ابن عمر ﵄ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي: فأقول: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذْهُ وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». متفق عليه (١). • فضل التعفف عن السؤال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ». متفق عليه (٢). • حكم إعطاء من سأل بفحشٍ وغلظة: عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قال: «قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا، فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ الله، لَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ، قَالَ: إِنَّهُمْ خَيَّرُونِي أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ أَوْ يُبَخِّلُونِي، فَلَسْتُ بِبَاخِلٍ». أخرجه مسلم (٣). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبه جَذَبةً شَدِيدَةً قَالَ أَنَسٌ حتى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ

стр. 5695

جَذَبتِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ». متفق عليه (١). • فضل شكر المعروف: السنة لمن صُنع إليه معروف أن يكافئه، فإن لم يجد دعا له. قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]. وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاء». أخرجه الترمذي بسندٍ صحيح (٢).

стр. 5696

٣٦ - خزائن الصيام وتشتمل على ما يلي: ١ - فقه الصيام. ٢ - فقه أحكام الصيام. ٣ - سنن الصيام. ٤ - صوم التطوع. ٥ - الاعتكاف.

стр. 5697

موسوعة خزائن العلوم الاسلامية ٣٦ - خزائن الصيام وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة

стр. 5698

٣٦ - خزائن الصيام ١ - الخزانة الأولى فقه الصيام • الصوم: هو التعبد لله بالإمساك عن الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس بنية الصوم، تقربًا إلى الله . • حكمة تنوع العبادات: الله له الخلق والأمر، نوع العبادات ليختبر العبد هل يتبع هواه أم يمتثل أمر ربه، وليفتح له أبواب الخير المختلفة، فجعل سبحانه من الدين ما ينقسم إلى كفِ عن المحبوبات كالصيام فإنه امتناع عن المحبوبات من الطعام والشراب والجماع ابتغاء وجه الله. وجعل من الدين ما هو بذل للمحبوبات كالزكاة والصدقة وذلك بذل للمحبوب وهو المال ابتغاء وجه الله ، وربما يهون على المرء أن ينفق ألف ريال ولا يصوم يوماً واحدًا أو العكس، فنوع الله العبادات ليختبر العباد، ويفتح الأبواب الواسعة للوصول إليه، ويسهل سبل كسب الأجر والثواب فلله الحمد والمنة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].

стр. 5699

فالحمد لله على كمال الدين بأخباره وأحكامه وأخلاقه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]. • فقه صلاح القلب: صلاح القلب واستقامته بالإقبال بكليته على ربه، وأنسه به، ولذة مناجاته، ولما كان فضول الطعام والشراب والكلام والمنام، وفضول مخالطة الأنام، مما يقطع العبد عن ربه، ويزيده شعثًا، ويشتته في كل واد، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات التي تعوقه عن سيره إلى الله تعالى. وشرع الله لهم الاعتكاف الذي مقصودة عكوف القلب على الله، والجمعية عليه، والخلوة به، والانقطاع عن غيرة. وشرع للأمة حبس اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة وشرع لهم قيام الليل الذي ينفع القلب والبدن فلله الحمد والشكر ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. • حكمة مشروعية الصيام: شرع الله الصيام للحكم الآتية: أولًا: الصيام وسيله لتقوى الله بفعل واجبات، وترك المحرمات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].

стр. 5700

ثانيًا: الصيام يعود الإنسان على ضبط النفس، وكبح جماحها، والتدرب على تحمل المسؤولية والصبر على المشاق: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. ثالثًا: الصوم يجعل الصائم يشعر ويحس بآلام إخوانه، فيدفعه ذلك للبذل والإحسان للفقراء والمساكين، فتتحقق بذلك الأخوة الإيمانية بين المسلمين: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. رابعاً: الصوم تزكية للنفس، وتطهير لها من الأخلاق السيئة، والأخلاط الرديئة. خامسًا: في الصوم راحة للجهاز الهضمي، يستريح فيه من الامتلاء والتفريغ فيستعيد نشاطه وقوته وعافيته. • فقه أنواع الصيام: الصيام نوعان: النوع الأول: صوم أصغر، وهو وصوم البدن عن الطعام والشراب إلى غروب الشمس، كصيام رمضان، وصوم التطوع. النوع الثاني: صوم القلب والجوارح وعن كل ما حرم الله من النيات، والأقوال، والأعمال، والأخلاق، ليلًا ونهارًا بل طول العمر كله: ﴿قُلْ

стр. 5701

إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وهذا الصوم يبدأ من بلوغ الإنسان إلى أن يموت، والفطر منه بعد الموت على ماء الكوثر، وزيادة كبد الحوت، ثم الخلود في الجنة في النعيم المقيم الذي لم تره عين، ولم تسمعه أذن، ولم يخطر على قلب بشر. ومن رحمة الله أن جعل الصوم الأصغر وسيلة وسلمًا للشروع في الصوم الأكبر الذي هو تقوى الله بفعل كل ما أمر الله به، واجتناب كل ما نهى الله عنه كما قال الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. أما الكفار فلا حظ لهم في الصيام الأصغر والأكبر، ولا حظ لهم في ثوابهما فهم كالأنعام بل هم أضل لا يمتنعون عن شيء. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. • مكانة الصيام: صيام رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام، أضافه الله إليه تشريفًا وتعظيمًا له، فرضه الله في السنة الثانية من الهجرة ولعظيم مكانة الصيام كتبه الله على هذه الأمة وعلى الأمم من قبلها، وقد صام رسول الله ﷺ تسع رمضانات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].

стр. 5702

• فضل شهر رمضان: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا جَاء رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النار، وَصُفدت الشَّيَاطِينُ». متفق عليه (١). • فضل الصوم: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بعَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ : إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رَيح الْمِسْكِ». متفق عليه (٢) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه». متفق عليه (٣). وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: «إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانُ لا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ». متفق عليه (٤).

стр. 5703

• فقه أحكام الصيام: الصوم عبادة عظيمة جليلة جمعت خصال الخير كلها بالتقوى، وتقطع دابر خصال الشر كلها، وبها يحصل كمال الإيمان والتقوى، ولهذا كتب الله الصيام علينا وعلى الأمم السابقة قبلنا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». متفق عليه (١). • قوة الأوامر الشرعية: الله ﵎ له الخلق والأمر، وقد جعل لمخلوقاته قوة من قوته، وجعل في أوامره قوة، فجعل في السماء قوة، وفي الأرض قوة، وفي الشمس قوة، وفي الجبال قوة وهكذا. وجعل سبحانه في أوامره قوة فجعل في الإيمان قوة، وفي العبادات كلها قوة، وقوة الأوامر الشرعية أعظم من قوة المخلوقات، فقوة الإيمان، وقوة الأعمال الصالحة، وقوة الأخلاق الحسنة، وقوة الوضوء، والصلاة،

стр. 5704

والزكاة، والصيام، والحج، تجمع للعبد خيري الدنيا والآخرة بحذافيرها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. • قوة شهر رمضان: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِين». متفق عليه (١). • قوة الصيام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ : إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رَيح الْمِسْكِ». متفق عليه (٢). وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَال: «إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانُ لا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ». (٣).

стр. 5705

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «منْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». متفق عليه (١). • أنواع الصوم: الصيام الذي شرعه الله قسمان: الأول: صيام واجب، وهو ثلاثة أنواع: الأول: ما يجب للزمان نفسه، وهو صوم شهر رمضان. ثانيًا: ما يجب لعلة وسبب، وهو صوم الكفارات. ثالثًا: ما يجب لإيجاب الإنسان ذلك على نفسه، وهو صوم النذر. الثاني: صيام مستحب، وهو صيام التطوع، وهو نوعان: الأول: صيام التطوع المطلق كصوم يوم، وإفطار يوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر ونحوهما. الثاني: صيام التطوع المقيد كصيام الاثنين من كل أسبوع، وصيام الأيام البيض من كل شهر، وصيام يوم عرفة، ويوم عاشوراء، من كل عام ونحو ذلك. • حكم صوم رمضان: يجب صوم رمضان على كل مسلم، بالغ، عاقل، مقيم، قادر على الصوم، ذكرًا كان أو أنثى، خالٍ من الموانع كالحيض والنفاس، وهذا خاص بالنساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ

стр. 5706

خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥]. وَعَنِ ابْنِ عُمَر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». متفق عليه (١). وعن طلحة بن عبيد الله ﵁ «أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس، فقال: يَا رَسُولَ الله، أخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَه اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ؟ فَقال: الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلا أنْ تَطَّوَّعَ شَيْئا، فَقال: أخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقال: شَهْرَ رَمَضَانَ إِلا أنْ تَطَّوَّعَ شَيْئا، فَقال: أخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟، فَقال: فَأخْبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ شَرَائِعَ الإسْلامِ، قال: وَالَّذِي أكْرَمَكَ، لا أتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلا أنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقال رَسُولُ الله ﷺ أفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أوْ: دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ» متفق عليه (٢).

стр. 5707

٢ - الخزانة الثانية • منزلة الصيام في الإسلام: صيام رمضان ركن من أركان الإسلام العظام، فرضه الله في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وقد صام رسول الله ﷺ تسعة رمضانات في تسع سنين، ثم توفي ﷺ . والصيام من أعظم العبادات التي تورث التقوى، ولهذا أضافه الله إليه تشريفًا وتعظيمًا له، وهو سر بين العبد وربه. وشهر رمضان أفضل الشهور، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من الليالي العشر ذي الحجة؛ لأن فيها ليلة القدر. وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان، لأن فيها يوم الحج الأكبر. ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، وليلة القدر أفضل ليالي العام. • أركان الصيام: للصيام ركنان: الأول: النية، بأن ينوي المسلم الصيام قبل الفجر. عَنْ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (١). الثاني: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ

стр. 5708

وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧]. • مراحل فرض الصيام: الصيام فيه نوع مشقة على النفوس، فأُخذت به النفوس على التدريج شيئًا فشيئًا، لتعتاده وتألفه على ثلاث مراحل: الأولى: فرض صيام عاشوراء، وهو العاشر من محرم. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، صَامَهُ وَأمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قال: مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» متفق عليه (١). الثانية: ثم نسخ إيجاب صيام عاشوراء، وفُرض صيام رمضان على التخيير بين الصيام والفدية، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]. الثالثة: ثم فُرض صوم رمضان على كل مسلم بدون تخيير، كما قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى

стр. 5709

سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥]. فلله الحمد والمنة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. • أقسام المسلمين في صيام شهر رمضان: المسلمون في رمضان على ثلاثة أقسام: الأول: قسم يجب عليه الصيام. الثاني: قسم يجب عليه الفطر. الثالث: قسم يجوز له الفطر والصوم. الأول: الذين يجب عليهم الصيام هم كل مسلم، بالغ، عاقل، صحيح غير مريض، مقيم غير مسافر، والمرأة الطاهرة من الحيض والنفاس. الثاني: الذين يجب عليهم الفطر، وعليهم القضاء: الحائض والنفساء. عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: «سَألْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أحَرُورِيَّةٌ أنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أسْألُ، قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ». أخرجه مسلم (١). ومن خشي الهلاك بصومه، فيجب عليه الفطر، لإنقاذ نفسه أو غيره، كمريض السكر والضغط ونحوهما إذا أمر بذلك الطبيب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].

стр. 5710

الثالث: الذين يجوز لهم الفطر والصوم هم: الأول: المريض، وللمريض ثلاث حالات: الأولى: أن يكون مرضه يسيرًا لا يتأثر بالصوم كالزكام والصداع اليسير، فهذا لا يجوز له أن يفطر. الثانية: أن يزيد مرضه بالصوم، أو يتأخر برؤه، ويشق عليه الصوم، لكن لا يضره، فهذا يستحب له الفطر، ويكره له الصوم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥]. الثالث: أن يشق عليه الصوم، ويتسبب في ضرر قد يفضي به إلى الهلاك، فهذا يجب عليه الفطر، ويحرم عليه الصوم؛ لما فيه من تعريض نفسه للهلاك، وهو محرم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]. الثاني: المسافر والمسافر له ثلاث حالات: الأولى: أن يشق عليه الصوم، أو يعوقه عن فعل الخير، فهذا الفطر في حقه أولى من الصيام. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقالوا: صَائِمٌ، فَقالَ: لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّيام فِي السَّفَر». متفق عليه (١).
следующие страницы →