٣٧ - خزائن الحج والعمرة
وتشتمل على ما يلي:
١ - فقه أحكام الحج
٢ - المواقيت
٣ - الإحرام
٤ - الفدية
٥ - أنواع النسك
٦ - معنى العمرة وحكمها
٧ - صفة العمرة
٨ - صفة الحج
٩ - أحكام الحج والعمرة
١٠ - الهدي والأضاحي
١١ - نوازل الحج والعمرة
١٢ - خصائص المساجد الثلاثة
стр. 5777
موسوعة خزائن العلوم الاسلامية
٣٧ - خزائن الحج والعمرة
القسم الأول
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 5778
٣٧ - خزائن الحج والعمرة
القسم الأول
١ - الخزانة الأولى
١ - فقه أحكام الحج
• الحج هو: التعبد لله بقصد مكة في وقتٍ محدد لأداء مناسك الحج.
• حدود حرم مكة:
من الغرب: الشميسي، ويُسمى الحديبية، ويبعد عن المسجد الحرام اثنين وعشرين كيلو متر على طريق جدة.
ومن الشرق: ضفة وادي عُرنة الغربية، وتبعد خمسة عشر كيلو متر تقريباً، ويمره طريق الطائف.
ومن جهة الجُعرانة: شرائع المجاهدين، وتبعد ستة عشر كيلو متر تقريبًا.
ومن الشمال: التنعيم، ويبعد سبعة كيلو مترات تقريبًا عن المسجد الحرام.
ومن الجنوب: أضاة لين، على طريق اليمن، وتبعد إثنى عشر كيلو متر تقريبًا: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].
• خصائص المسجد الحرام:
المسجد الحرام هو الحرم كله، وهو أكبر مساجد الدنيا على الإطلاق، إذ جعل الله فيه الكعبة أول بيتٍ وضع للناس في الأرض، وجعله قبلةً لجميع مساجد الدنيا من جميع الجهات، وجعله مباركًا وهدىً للعالمين، والصلاة
стр. 5779
في مسجد الكعبة وجميع مساجد الحرم أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه إلا أن الصلاة في مسجد الكعبة أفضل وأزكى، لكثرة المصلين، والقرب من القبلة.
وهذا فضلٌ عظيم خص الله به مكة، وجعلها دار النُسك، ومُتعبد الخلق، وحرم الرب الذي جعله للناس سواء، لا يُسفك فيه الدم، ولا يُنفر صيده، ولا تُلتقط لقطته، ولا يُختلى خلاه، ولا يجوز للمشركين دخوله، وعظم إثم المعصية فيه.
فالحرم ومشاعره هو المسجد الحرام الذي أوقفه الله على جميع المسلمين، فهم فيه سواء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
وقد أُسري به ﷺ من بيت أم هانئ في مكة.
وعن جابر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ». أخرجه أحمد وابن ماجة بسندٍ صحيح (١).
стр. 5780
وعن ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ: إِلاَّ الإِذْخِرَ». متفقٌ عليه (١).
• مكانة البيت الحرام:
جعل الله البيت الحرام معظمًا، وجعل المسجد الحرام فناءً له، وجعل مكة فناءً للمسجد الحرام، وجعل الحرم فناءً لمكة، وجعل المواقيت فناءً للحرم، وجعل جزيرة العرب فناءً للمواقيت، كل ذلك تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا لبيته الحرام: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
• فضل البيت الحرام:
قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
стр. 5781
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦].
• فضل المسجد الحرام:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾ [البلد: ١ - ٢].
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي خيرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ». متفقٌ عليه (١).
وعن جابر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ». أخرجه أحمد وابن ماجة بسندٍ صحيح (٢).
стр. 5782
• حرمة المسجد الحرام:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧].
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح فتح مكة: «لا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا». أخرجه النسائي (١).
وقال يوم الفتح، فتح مكة: «إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ؛ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلاَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ ولَبُيُوتِهِمْ فَقَالَ: إلاَّ الإِذْخِرَ». متفقٌ عليه (٢).
стр. 5783
• خصائص الحرم المكي:
اختص الله حرم مكة بما يلي:
١ - أن فيه أول بيتٍ وضع للناس.
٢ - وأن فيه مناسك الحج وشعائره.
٣ - وإثم السيئات فيه يُعظم.
٤ - ويحرم البدء بالقتال فيه.
٥ - ويحرم قطع شجره وحشيشه إلا الإذخر.
٦ - وأن من دخله كان آمنًا.
٧ - وأن الصلاة تُضاعف فيه.
٨ - وأنه يحرم على المشرك دخوله.
٩ - ويحرم قتل وتنفير صيده.
١٠ - ويحرم التقاط لقطته إلا لمنشد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
• محاسن وأسرار الحج:
أولاً: الحج مظهرٌ عملي للأخوة الإسلامية، ووحدة الأمة الإسلامية، حيث تذوب في الحج فوارق الأجناس، والألوان، واللغات، والأوطان، والطبقات، وتبرز حقيقة العبودية والأخوة، فالجميع بلباسٍ واحد، يتجهون لقبلةٍ واحدة، ويعبدون إلهًا واحدًا، ويتبعون قرآنًا واحدًا، ورسولًا واحدًا، وديناً واحداً.
стр. 5784
ثانيًا: الحج مدرسة يتعود فيها المسلم على الصبر، ويتذكر فيها اليوم الآخر وأهواله، ويستشعر فيه لذة العبودية لله، ويعرف عظمة ربه وافتقار الخلائق كلها إليه.
ثالثًا: الحج موسمٌ كبير لكسب الأجور، وتكفير السيئات، يقف فيه العبد بين يدي ربه مُقرًا بتوحيده معترفًا بذنبه وعجزه عن القيام بحق ربه، فيرجع من الحج نقيًا من الذنوب كيوم ولدته أمه.
رابعًا: في الحج تذكيرٌ بأحوال الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وعبادتهم ودعوتهم، وجهادهم وأخلاقهم، وتوطين النفس على فراق الأهل والولد من أجل الله .
خامسًا: الحج ميزان يعرف فيه المسلمون أحوال بعضهم، وما هم عليه من علمٍ أو جهل، أو غنىً أو فقر، أو استقامة أو انحراف، فهو مظهر صفاتهم وعلامة وحدتهم.
• حكم الحج:
الحج ركنٌ من أركان الإسلام، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، فُرض في السنة التاسعة من الهجرة، وهو واجبٌ على كل مسلمٍ حرٍ بالغٍ عاقلٍ قادر في عمره مرةً على الفور.
وقد حج النبي ﷺ حجةً واحدة، هي حجة الوداع: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». متفقٌ عليه (١).
стр. 5785
وعن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ». أخرجه مسلم (١).
• وقت فرض الحج:
فرض الله الحج في أواخر السنة التاسعة من الهجرة.
• فضائل الحج:
قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سُئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: «إِيمانٌ بِاللهِ وَرَسُولِه، قِيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: جِهادٌ في سَبيلِ اللهِ، قِيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرورٌ». متفقٌ عليه (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». متفقٌ عليه (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «العُمْرَةُ إلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةَ». متفقٌ عليه (٤).
стр. 5786
وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قَالَتْ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَغْزُوا وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: لَكُنَّ أَحْسَنُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ، حَجٌّ مَبْرُورٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». أخرجه البخاري (١).
• من يجب عليه الحج:
يجب الحج على القادر عليه، والقادر هو من كان صحيح البدن، قادرًا على السفر، ووجد زادًا وراحلة يتمكن بهما من أداء الحج ويرجع، بعد قضاء الواجبات كالديون الحالة، والنفقات الشرعية له ولعياله.
فمن كان قادرًا على الحج بماله وبدنه، لزمه الحج بنفسه.
ومن كان قادرًا بماله، عاجزًا ببدنه، وجب عليه أن يُنيب من يحج عنه.
ومن كان قادرًا ببدنه، عاجزًا بماله لم يجب عليه الحج.
ومن كان عاجزًا عن الحج بماله وبدنه سقط عنه الحج.
و يجوز لمن ليس لديه مال أن يأخذ من الزكاة مالًا يحج به، فالحج من سبيل الله تعالى.
وإذا مات من لزمه الحج ولم يحج، أُخرج من تركته مالٌ يُحج به عنه.
ولا يجب الحج على المرأة إلا إذا كان لها محرم من أبٍ أو ابنٍ أو زوجٍ ونحوهم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الإِسْلَامُ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَيامِ رَمَضَانَ، وحَجِّ البيت». متفقٌ عليه (٢).
стр. 5787
٢ - الخزانة الثانية
١ - فقه أحكام الحج
• فضل الحج والعمرة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: «سُئل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: «إِيمانٌ بِاللهِ وَرَسُولِه» قِيلَ: ثُمَّ ماذا قَالَ: جِهادٌ في سَبيلِ اللهِ قِيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرورٌ». متفقٌ عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «العُمْرَةُ إلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةَ». متفقٌ عليه (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». متفقٌ عليه (٣).
• فضل المتابعة بين الحج والعمرة:
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ». أخرجه أحمد والترمذي (٤).
• حكم حج المرأة وعمرتها بلا محرم:
يُشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرم لها من زوجٍ، أو من يحرم عليه نكاحها أبدًا كأبٍ أو أخٍ أو ابنٍ ونحوهم من المحارم، فإن أبى المحرم
стр. 5788
أن يحج بها، فإنه لا يجب عليها الحج، فإن حجت بلا محرم فهي آثمة؛ لحجها بدون محرم، فعليها التوبة والاستغفار، وحجها صحيح.
ولا يجوز للمرأة أن تسافر للحج أو غيره إلا ومعها محرم سواءً كانت شابة أو عجوزًا، وسواءً كان معها نساء أم لا، وسواءً كان السفر طويلًا أم قصيرًا، إلا لعذر؛ لعموم قوله ﷺ : «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». متفقٌ عليه (١).
• حكم الحج والعمرة عن الغير:
يجوز للمسلم أن يحج عن غيره إذا حج عن نفسه، ويجوز للمسلم أن يعتمر عن غيره من ميتٍ أو عاجزٍ، رجلًا كان أو امرأة، ويصح أن يستنيب غير القادر بدنيًا غيره في نفل حجٍ أو عمرة بأجرةٍ وبدونها، ولا يلزم الموكل الإمساك عن محظورات الإحرام وقت أداء النُسك.
ومن حج عن غيره لكبر سن أو مرض لا يرجى برؤه، أو عن ميتٍ، أحرم من أي المواقيت شاء، ولا يلزم أن يُنشئ السفر من بلد من يحج عنه.
عن بريدة ﵁ قال: «بينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذا أتته امرأةٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: فقال: وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي عَنْهَا» قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا». أخرجه مسلم (٢).
стр. 5789
• صفة إحرام الحائض والنُفساء:
يجوز للحائض والنُفساء الاغتسال والإحرام بالحج أو العمرة، وتبقى على إحرامها، وتؤدي مناسك الحج، لكن لا تطوف بالبيت حتى تطهر، ثم تغتسل وتُكمل النُسك، ثم تحل.
أما إن أحرمت بالعمرة، فتبقى حتى تطهر، ثم تغتسل، ثم تؤدي نُسك العمرة، ثم تحل.
• حكم حج الصغير وعمرته:
أولاً: إذا أحرم الصبي بالحج صح نفلًا، فإن كان مميزًا فعل كما يفعل البالغ من الرجال والنساء، وإن كان صغيرًا عقد عنه الإحرام وليه، يطوف ويسعى به، ويرمي عنه الجمرات، والأفضل أن يؤدي ما قدر عليه من مناسك الحج أو العمرة بنفسه، وإذا بلغ فيما بعد لزمه أن يحج حجة الإسلام.
ثانيًا: إذا أحرم الصغير ثم لم يتمكن من إتمام النُسك لمرضٍ أو شدة زحامٍ أو نحوهما، فلا يلزمه الإتمام؛ لأنه غير مكلف، فلا يجب عليه البدء بالنُسك ولا إتمام النُسك، وإن فعل شيئًا من محظورات الإحرام فلا شيء عليه؛ لأنه غير مكلف.
ثالثًا: إذا حج الصغير أو المجنون فحجهما صحيح، ثم إذا بلغ الصغير، وأفاق المجنون، فعليهما حجة الإسلام.
رابعًا: إذا حج العبد المملوك البالغ بنفسه، أو مع من يقوم بمئونته، فحجه صحيح، ويكفيه عن حجة الإسلام.
خامسًا: يُسن الحج بالصبي، ومن حج به فهو مأجور، فإن كان هناك زحامٌ ومشقة فالأولى عدم الإحرام به.
стр. 5790
عن ابن عباس ﵄ قال: «رَفَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ». أخرجه مسلم (١).
• حكم دخول المشرك المسجد الحرام:
لا يجوز للمشرك دخول المسجد الحرام، ومن أدخله فهو آثم، فعليه التوبة والاستغفار، وإخراجه من الحرم.
ويجوز دخول المشرك بقية المساجد لمصلحةٍ شرعية كالطمع في إسلامه وهدايته: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث النبي ﷺ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ فَانْطَلَقَ إِلَى نَخلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ». متفقٌ عليه (٢).
стр. 5791
٢ - مواقيت الحج والعمرة
• المواقيت جمع ميقات، وهو مكان العبادة وزمنها.
• حكمة تعيين المواقيت:
لما كان بيت الله الحرام معظمًا مشرفًا جعل الله له حصنًا وهو مكة، وحمىً وهو الحرم، وللحرم حُرم وهي المواقيت التي لا يجوز لمريدي الحج أو العمرة تجاوزها إليه إلا بالإحرام، تعظيمًا لله تعالى، ولبيته الحرام، وتشريفًا لزوار بيته الحرام.
• أقسام المواقيت:
المواقيت قسمان:
القسم الأول: مواقيت زمنية، وهي بالنسبة للحج أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والعمرة تُشرع في كل وقت.
فبداية الإحرام بالحج تبدأ في أول شوال، وآخر وقت بدأ الإحرام بالحج قبل فجر ليلة النحر.
وجميع أعمال الحج تنتهي بغروب شمس اليوم الثالث عشر من ذي الحجة إلا طواف الوداع، وإلا الطواف والسعي للمعذور، فيجوز تأخيرهما إلى نهاية ذي الحجة، والأفضل أداء كل نسك في وقته.
القسم الثاني: مواقيتٌ مكانية، وهي التي يُحرم منها من أراد الحج أو العمرة وهي خمسة:
الأول: ذو الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة ومن مر بها، ويبعد عن مكة أربعمائة وعشرون كيلو متر تقريبًا، وهو أبعد المواقيت عن مكة، ويُسمى وادي العقيق، ومسجدها يُسمى مسجد الشجرة.
стр. 5792
وهذا الميقات يقع جنوب المدينة، بينه وبين المسجد النبوي ثلاثة عشر كيلو متر وتُستحب الصلاة للمحرم في هذا الوادي المبارك.
الثاني: الجحفة، وهي ميقات أهل الشام وتركيا، ومصر والمغرب، ومن حاذاها أو مر بها، وهي قريةٌ شرق رابغ، وتبعد عن مكة مائة وستة وثمانون كيلو متر تقريبًا، ويحرم الناس الآن من رابغ الواقعة غربًا عنها على ساحل البحر الأحمر.
الثالث: يلملم، وهو ميقات أهل اليمن ومن حاذاها أو مر بها، ويلملم واديٍ وجبل يبعد عن مكة مائة وعشرون كيلو متر تقريبًا، ويحرم الناس الآن من السعدية التي تقع على وادي يلملم من جهة الساحل الغربي.
الرابع: قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد والطائف ومن حاذاه أو مر به، وهو المشهور الآن بالسيل الكبير، بينه وبين مكة خمسة وسبعون كيلو متر تقريبًا، ووادي محرم هو أعلى قرن المنازل ويمر به طريق الهدا إلى مكة.
الخامس: ذات عرق، وهو ميقات أهل العراق ومن حاذاها أو مر بها، وهي واديٍ، وتُسمى الضريبة بينها وبين مكة مائة كيلو متر تقريبًا.
ومن كان منزله دون المواقيت من جهة مكة أحرم منه.
عن ابن عباسٍ ﵄ «أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا». متفقٌ عليه (١).
стр. 5793
• حكم تجاوز الميقات بلا إحرام:
لا يجوز لحاجٍ أو معتمر تجاوز الميقات بلا إحرام، ومن تجاوزه بلا إحرام لزمه الرجوع إليه، والإحرام منه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومن جاوز الميقات وهو لا يريد الحج أو العمرة، ثم أنشأ نية الحج أو العمرة، فيحرم من حيث أنشأ النية، إلا العمرة المفردة إن نواها القادم إلى مكة من الحرم خرج إلى الحل كالتنعيم، وإن نواها من الحل أحرم من حيث أنشأ النية.
• ميقات من دون المواقيت:
ميقات من كان دون المواقيت للحج أو العمرة أو لهما معًا من منزله حيث أنشأ النية.
عن ابن عباسٍ ﵄ «أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ. وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ: فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ». متفقٌ عليه (١).
• ميقات القادم إلى مكة:
القادم إلى مكة من غير أهلها إذا أراد الحج أو العمرة أحرم من الميقات الذي مر به، فإن كان مفردًا أو قارنًا طاف وسعى، ثم بقي على إحرامه حتى يرمي ويحلق يوم النحر، وإن كان متمتعًا أكمل عمرته، ثم لبس ثيابه، ثم أحرم بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة من مكانه في مكة، ثم خرج إلى منى كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 5794
عن جابر بن عبد الله ﵁ «أنه حج مع النبي ﷺ يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا والمروة وَقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً، فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟، فَقَالَ: افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَفَعَلُوا.» متفقٌ عليه (١).
ومن قدِم إلى مكة للحج أو العمرة، ثم أكمل نُسكه، ثم أراد أن يأتي بعمرةٍ أخرى له أو لغيره، فعليه أن يخرج إلى الحِل كالتنعيم؛ ليُحرم بالعمرة منه، أما إذا أراد الحج بعد عمرته، فيحرم للحج من مكانه في مكة.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّفْرِ: يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ، فَأَبَتْ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ». متفقٌ عليه (٢).
• صفة الإحرام في الطائرة:
من ركب الطائرة مُريدًا للحج أو العمرة أو لهما معًا فإنه يُحرم بالطائرة إذا حاذى أحد المواقيت، فيلبس ملابس الإحرام، ثم ينوي الإحرام، فإن لم تكن معه ملابس الإحرام أحرم بأي إزار ورداء من أي صنف كالشراشف ونحوها، فإن لم يجد جعل ثوبه إزارًا، وجعل غترته رداء، فإن لم يكن عليه إلا السراويل ونحوها كالبنطلون أحرم بها، وإذا نزل من الطائرة لبس ملابس الإحرام متى وجدها، ولا إثم عليه، ولا فدية.
стр. 5795
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ». متفقٌ عليه (١).
ولا يجوز لمريد الحج أو العمرة أن يؤخر الإحرام حتى ينزل في مطار جدة ويحرم منه، فإن فعل لزمه الرجوع إلى أقرب هذه المواقيت للإحرام منه وهو الجحفة، لأن جدة ليست ميقاتاً، لأنها دون المواقيت.
ومن سافر إلى جدة لحاجة، ثم طرأ له أن يعتمر، أحرم من مكانه، ومن قصدها للعمل ثم العمرة أحرم إذا أنهى عمله من أقرب المواقيت إليه كالجحفة، ثم توجه إلى مكة لأداء العمرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
• حكم من مر بميقاتين:
يجب على من مر بميقاتين، وهو يريد الحج أو العمرة ألا يتجاوز أولهما إلا محرمًا، فيحرم من أول ميقاتٍ يمر به، فإذا مر المصري أو الشامي أو المغربي ونحوهم كأهل أوروبا وأمريكا وإفريقيا بميقات أهل المدينة قبل الوصول إلى ميقاته الأصلي الجحفة، أحرم من ذي الحليفة، ولا يجوز له تأخير الإحرام حتى يصل إلى ميقاته الجحفة؛ لأن المواقيت لأهلها، ولمن مر بها ممن أراد الحج أو العمرة.
стр. 5796
٣ - الخزانة الثالثة
مقاصد الحج الكبرى
مقصود العبادات، وجميع الطاعات، وجميع الأذكار والأدعية إستدامة ذكر الله بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ ليحصل للعبد كمال التوحيد، وكمال العبودية لله في كل وقت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
وحج بيت الله الحرام هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فلماذا نحج؟، وما هو المقصود من الحج؟
المقصود:
أولًا: اجتماع قلوب المسلمين على قلب رجلٍ واحد، يوحد الله، ويعبده وحده لا شريك له، وإظهار الطاعة لله ورسوله بشكلٍ جماعي، وإظهار محاسن الأخلاق في هذا الجمع العظيم، وتأليف قلوب المسلمين جميعًا من العرب والعجم، والأغنياء والفقراء، والحاكم والمحكوم، ليكون الجميع على قلب رجلٍ واحد، وعلى خُلق رجلٍ واحد، أمةٌ واحدة، ربها واحد، وكتابها واحد، ورسولها واحد، ودينها واحد، وعبادتها واحدة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢].
وهذا سر جميع العبادات من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍ وغيرها.
стр. 5797
ثانيًا: في الحج إظهار الصفات التي يحبها الله من كمال الإيمان والتقوى، والأقوال الحسنة، والأعمال الصاحلة، والأخلاق الكريمة، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق، وكمال الطاعة والاستجابة لله ورسوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].
ثالثًا: الحج بجميع مناسكه، وشعائره، وأماكنه، تذكيرٌ باليوم الآخر؛ ولهذا بدأ الله سورة الحج بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١ - ٢].
وفي كل عام تأتي وفودٌ من بقاع الأرض كلها تؤدي حق الطاعة والولاء لله رب العالمين، وتُشهر ذلك في هذا الجمع العظيم بالتلبية والتكبير.
رابعًا: الحج بشعائره ومشاعره بيتٌ كبير، وميدانٌ عظيم، لجميع المسلمين والمسلمات من أنحاء الأرض، ينتقلون فيه من مكانٍ إلى مكان، ومن عبادة إلى عبادة، ومن شعيرةٍ إلى شعيرة؛ لتكثر الاجتماعات المختلفة، واللقاءات المتعددة، ليتعلم الجاهل من العالم، ويرحم القوي الضعيف، ويُحسن الغني إلى الفقير، ويُعين القادر العاجز، فيحيا الدين والأخلاق وتزول البدع، وتظهر السُنن.
стр. 5798
وتظهر أنواع الصفات التي يحبها الله من الحمد والشكر لله، والصبر والصدق والكرم، والإحسان والإيثار والتوبة والاستغفار، والمحبة والرحمة، والتواصي بالحق: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
خامسًا: جميع العبادات يؤديها المسلم في بلاده إلا الحج والعمرة، فلا تؤدى إلا في مكة والمشاعر؛ ليخرج الإنسان من بلده وأمواله وأهله، متفرغًا لعبادة الله، تاركًا كل ما يملك، فيكرمه الله بتفريغ قلبه من هموم الدنيا، ويقضي حاجاته، ويرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه كما قال النبي ﷺ : «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». متفق عليه (١).
وأحيانًا تكون شهوات الدنيا حجابًا بين العبد وربه، فتقسو القلوب، وتضيق الأنفس، وتكثر الهموم، فالله برحمته كتب على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا؛ ليخرج العبد من بلده وشهواته وأعماله إلى بلده الحرام، إلى بيته الحرام، لعله بهذا الحج يذكر ربه الذي خلقه وهداه، ورزقه وأواه؛ ليرى زحام المسلمين واجتماعهم على عبادة الله وطاعته والأنس به، فيتأثر بذلك ويُقبل على طاعة مولاه بالحب والتعظيم له، والذل له.
سادسًا: جعل الله الحج والعمرة إلى مكة حيث الحر والزحام، وقلة الخضرة والزراعة؛ وذلك لإلغاء المتع الحسية التي تُشغل الإنسان عن
стр. 5799
عبادة ربه في كل حال، فحيثما كان المسلم وسار لا يرى إلا طائفاً أو ساعياً، أو راكعاً أو ساجداً، أو مُعلماً أو مُحسناً، أو ناصحاً أو آمراً بالمعروف، أو ناهياً عن المنكر، أو ملبيًا أو ذاكرًا في مكة والمشاعر، فيقوى إيمانه، ويتأثر بهذه المشاهد المباركة، ويزداد إقبالًا على عبادة ربه، وتحصل له منافعٌ وخيراتٌ كثيرة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
سابعًا: خروج الإنسان من بلده وأهله وشهواته وأعماله، ليذوق طعم القرب من ربه، و حلاوة الإيمان بالله، والأُنس بمناجاته.
والتلبية إعلان من العبد أن تلبيته لنداء ربه أحب إليه من أهله وماله وبلده وشهواته، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك والملك لا شريك لك.
стр. 5800
ثامنًا: وفي لباس الإحرام تذكيرٌ بأن هذه الرحلة ما قبل الأخيرة، وكلها مملوءة بأنواع الطاعات والعبادات، ولا يعرف قدر اللباس العادي إلا من لبس لباس الإحرام، ليعرف قيمة اللباس، وأنه سيلف بهذا اللباس عند الموت، فليستعد بالإيمان والتقوى، ليلقى ربه بما يحبه من الإيمان و الأعمال الصالحة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١ - ٢].
تاسعًا: الطواف بالبيت علامة المحبة، فمن أحب شيئًا عكف عليه، وطاف حوله، وطواف المسلم بالكعبة سبعة أشواط دليل على حب الله، فهو طواف الحبيب ببيت محبوبة، معظمًا له، خاضعًا له، مُنكسرًا بين يديه، يحمده ويُشكره، ويُكبره ويُمجده، ويسأله ويَستغفره بلا مللٍ ولا سئم: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
والعجيب أن أكثر الحجاج وغالبهم يهتم بجسد الحج ومناسكه، ويغفل عن روحه وقلبه من تحقيق الذلة و الانكسار بين يدي ربه العظيم، والأُنس في مناجاته وخشوع القلب لعظمته: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وإذا رجع هؤلاء إلى بلادهم فحديثهم عن المشاعر والزحام، والأكل والشرب، وأحسن الحملات، ومقصود الحج وروحه أن ترجع إلى بلدك بفكرٍ جديد، وإيمانٍ جديد، وتقوى جديدة، وتوبة جديدة وأخلاقٍ جديدة، وأعمالٍ جديدة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا
стр. 5801
فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وكل عبادة لها مقاصد، ولها أحكام، وهما أمران يكمل كل واحد منهما الآخر، فالصلاة أو الصوم أو الحج ونحوها لها أحكام تتعلق بأحكام العبادة من حيث الوجوب، ومن حيث الصحة، ومن حيث الشروط والأركان والواجبات والسنن، هذا من جهة الأحكام التي تخص العبادة.
أما مقاصد العبادة فشيءٌ آخر، هو أن الصلاة حقيقةً تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصوم يورث التقوى في كل حال، والحج من أعظم مقاصده اجتماع قلوب المؤمنين على توحيد الله، و الإيمان به، وتقواه وخشيته، وحسن القول والعمل والخُلق، و التواصي بالحق، والتواصي بالصبر: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
فالأحكام نتعلمها لتصح العبادة، فالأحكام لصحة العبادة، والمقاصد لتحقيق أثر العبادة في حياة المسلم، فالعناية بفقه الأحكام يجب أن يكون مقرونًا بفقه المقاصد، وعدم الرغبة في أداء الأحكام سببه الجهل بالمقاصد، وكثيرٌ من المسلمين يهتم بشكل العبادة من تطبيق أحكامها، ويغفل عن روح العبادة وظهورها آثارها في حياته.
وكثيرًا ما تنخرم بعض أحكام العبادة بسبب عدم الاكتراث بالمقاصد، فتجد بعض الناس يرغب في التخفيف من العبادة، وطلب الرخص، وطلب أدنى مستويات تؤدى بها تلك العبادة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 5802
وكل عبادة لا تكون حقيقةً عبادة إلا بالحبِ، إلا بأن تؤدى بالحب لله، والتعظيم له، والذل له، طمعًا في ثوابه، وخوفًا من عقابه وتعظيمًا لشأنه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
• أقسام مقاصد الشريعة:
مقاصد الشريعة في العبادات والمعاملات تنقسم إلى قسمين:
الأول: مقاصد عامة في جميع أبواب الشريعة، تشترك فيه جميع أوامر الله، وهو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وطاعة الله ورسوله، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
الثاني: مقاصد خاصة لكل عبادة ومعاملة، ففي باب العبادات للطهارة مقاصد، وللصلاة مقاصد، وكذا المعاملات، للبيع مقاصد، وللنكاح مقاصد، وهكذا.
ومعرفة مقاصد الشريعة تُعرف من طريقين:
الأول: أن يكون المقصود منصوصاً عليه شرعًا كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
стр. 5803
وقال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ [الحج: ٢٧ - ٣٠].
فمعرفة المقصد من العبادة يورث حلاوة العبادة، وظهور آثارها في حياة العبد، وإذا غاب المقصد، فقد العبد حلاوة العبادة، فثقلت عليه العبادة، وخسر ظهور آثارها في حياته: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
و في الحج أكثر الناس يحرص على أداء المناسك على الوجه الصحيح، ولكنه يغفل عن أعظم مقاصده، وهو الإكثار من ذكر الله والاستغفار والتوبة: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٢].
стр. 5804
الثاني: النظر في مجمل النصوص الواردة فيه، والاستنباط منها المقاصد والأسرار كالتقوى في الحج: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وفي أحكام البيع في الإسلام:
المقصود تحقيق الأخوة بين المسلمين، وفتح أبواب الأخوة و المحبة بين المؤمنين؛ لأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه في الأخذ و العطاء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].
стр. 5805
٤ - الخزانة الرابعة
مقاصد الحج الكبرى
عاشراً: إتمام الحج والعمرة لله يكون بأمرين:
الأول: معرفة فقه المناسك والأحكام.
الثاني: ومعرفة فقه المقاصد من الأحكام.
فمن اهتم بهذين وجد حلاوة العبادة، وأداها كما وردت شرعًا بالحب والتعظيم والذل لله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
الحادي عشر: ومن أعظم مقاصد الحج تحقيق التوحيد والعبادة لله وحده لا شريك له في كل وقت من حياة المسلم، وفي كل عمل: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
فأولًا: الحج مجمعٌ عظيم يجدد فيه الحاج إيمانه وتوحيده، ويؤدي فيه العبادات والأحكام كما جاءت في الشريعة، خاليةً من الأهواء والبدع: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
فأول الحج التلبية التي كلها توحيدٌ يُسمعه العبد نفسه، ويُسمعه ربه، ويُسمعه غيره بالجهر به، وليذكر الحاج غيره بالتوحيد، ويَسمعه من غيره، فيقوى توحيد المسلمين، ويزيد إيمانهم، فتتعلق القلوب بالله وحده، ولا تلتفت لأحد سواه في كل أمر، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك
стр. 5806
إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
والطواف وتكراره حول الكعبة توجيهٌ للمسلم لدوام العبودية، والوقوف بين يدي ربه في كل عبادة بالتعظيم والمحبة والذل لله، وتوحيده بذلك، والطواف حول ما يرضاه ويحبه مولاه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
والوقوف بعرفة تجديد للتوحيد لرب العالمين، وإظهار لكمال التوحيد والعبودية والطاعة لله من جميع الحجاج، وذلك بالإكثار من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وإظهار الافتقار والانكسار بين يدي الله إستدراراً وطلبًا لنزول رحمته ومغفرته على أهل الموقف خاصة، وعلى المسلمين عامة.
الثاني عشر: والإكثار من ذكر الله، وحمده، والثناء عليه، في الحج من أعظم مقاصد الحج التي تُثمر قوة التوحيد، وزيادة الإيمان، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ولهذا أمر الله بتكرره والإكثار من ذكره في كل حال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي
стр. 5807
أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨].
ويقول النبي ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ من أجل ذِكْرِ اللَّهِ». أخرجه أبو داود (١).
فكل مناسك الحج وشعائره ومشاعره مكاناً وزماناً للإكثار من ذكر الله، وسقي شجرة الإيمان في القلوب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
الثالث عشر: ومن مقاصد الحج تكبير الله وتعظيمه بالتكبير عند رمي الجمار في منى فالحاج يكرر التلبية والذكر والتكبير لله، وهذا كله إقرار لله بالتوحيد، والتعظيم، والحمد، والشكر، واعتراف من العبد بالذل والفقر والحاجة لله في جميع أوقاته وأموره، فهنيئًا لقلوب التي استشعرت كل هذه المقاصد، وبكت من خشية الله، إجلالًا لله، وحمدًا لله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
هنيئًا لهذه القلوب التي أدت هذه العبادة بحضور قلب، ثم عادت إلى بلادها بتوحيدٍ جديد، وإيمانٍ جديد، وتقوى جديدة، وأخلاقٍ جديدة.
الرابع عشر: ومن مقاصد الحج تحقيق كمال الطاعة والإتباع والاقتداء بالرسول ﷺ في نيته وأقواله وأفعاله وأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
стр. 5808
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فشهادة أن محمدًا رسول لله طريق العبودية، وهي مقرونةٌ دائمًا بشهادة أن لا إله إلا الله، أصل العبودية: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقال النبي ﷺ : «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قالوا: ومَنْ يَأْبَى؟ يا رسول الله!، قَال: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». متفق عليه (١).
فالحج إعلانٌ لشهادة التوحيد بركنيها، إفراد الله بالتوحيد، وإفراد الرسول ﷺ بالإتباع، والجمع العظيم الذي جاء مع الرسول ﷺ في حجة الوداع مقصوده توحيد الله، وإعلام الأمة أن جميع أعمال الدين تؤخذ من مصدر واحد عن الله ورسوله كما قال الرسول ﷺ : «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ». أخرجه مسلم (٢).
وقول ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». أخرجه البخاري (٣).
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
стр. 5809
الخامس عشر: ومن مقاصد الحج وهو المقصود الأعظم أن تكون حياتنا بعد الحج كلها حياةٌ نبوية، علميةٌ وعملية، أخلاقيةٌ وسلوكية: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
فجميل من الحاج أن يؤدي نُسكه على السنة، وأجمل من ذلك أن يعيش المسلم كل حياته على السنة، وأجمل من هذا وهذا أن يشكر العبد ربه على هذه النعمة العظيمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
فالحج درسٌ كبيرٌ، منصوبٌ للحجاج، ليأخذوا منه منافع لا تعد ولا تحصى.
والحجاج ثلاثة أقسام:
الأول: منهم من يؤدي واجبات الحج، ويتساهل في السنن، رغبة في الأخذ بما يجزي والأخف، وهذا الصنف ينبغي له أن يعرف قيمة السنة، وثوابها ومقاصدها، فإذا كان يترك السنن، لأنها سنة، فالصحابة كانوا يفعلون السنة، لأنها سنة: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
стр. 5810
وذلك كمن يترك الغُسل للإحرام، وكمن يترك الذهاب إلى مِنى في اليوم الثامن؛ لأنه سنة، ومن يترك التأخر لليوم الثالث من أيام التشريق؛ لأنه سنة لا واجب، رغبةً في التخفيف فالمسلم الحق، والمؤمن الحق، يفعل الواجبات والسنن؛ لأن الله ورسوله أمر بها: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
الثاني: منهم من يؤدي الواجبات والسنن في الحج، ويحرص على تطبيقها وهذا أحسن من الأول، وأتم حجًا وعمرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
الثالث: منهم من يؤدي واجبات الحج والعمرة وسننهما أقوالًا وأفعالًا حسب ما جاءت به السنة، ويتجاوز ذلك إلى التشبه و المحاكاة للرسول ﷺ في جميع أحواله كما كان يفعله ابن عمر ﵁: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
السادس عشر: وأركان الإسلام أمارات وعلامات تصل العبد بربه، وتملأ قلبه توحيدًا وإيمانًا وتقوى، وتقود العبد إلى ربه، فيمتثل أوامره، ويجتنب نواهيه، ويؤديها بالمحبة لله، والتعظيم والذل له: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
السابع عشر: من مقاصد الحج: المؤمنون سائرون إلى الله في كل حال، ومن أعظم حقوق الله على عباده توحيده، والإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له.
стр. 5811
والحج سفرٌ إلى الله، فالسفر هو قصد المكان، والحج حق الله وحده: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فالحاج يجب أن يحج ويعتمر لله وحده، ولا يلتفت لأي وسخ من أوساخ الدنيا وشهواتها، فالحاج يسافر إلى ربه بقلبه وقالبه، وماله ونفسه، ويُسلم قلبه وجوارحه كاملةً إلى مولاه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢]
الثامن عشر: والحج سفرٌ مزدوج الاتجاه:
الأول: سفرٌ بدني: من بلدٍ، إلى بلد ومن مشعر، إلى مشعر ومن مكانٍ إلى مكان، فهذا سفرٌ أرضيٌ أفقي راجلًا أو راكبًا.
والثاني سفرٌ علوي: عمودي سماوي قلبي إلى الله ورسوله توحيدًا وإتباعًا.
فالعبادات كلها انطلاقٌ من الأرض إلى السماء ومسارعةٌ إلى الخيرات، وخروجٌ من الخلق إلى الخالق، ومن الشهوات إلى امتثال أوامر الرب، والإكثار من ذكرهِ، وتكبيرهِ، وحمدهِ، وتسبيحه واستغفاره: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
وهذا السفر القلبي، لا يتم إلا بالسفر البدني، المُزين بالسنة، مع الصدق والإخلاص، والمحبة لله ولأوامِرِه، وليس كل من قطع المسافة الأرضية قطع المسافة السماوية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 5812
فالحج الذي فرضه الله رحلتان:
الأولى: رحلةٌ في الأرض بأداء الشعائر والمناسك في مكة.
الثانية: ورحلةٌ إلى السماء بكمال التوحيد والإيمان، والافتقار والتقوى.
فالحج كله حقٌ لله، فلا يجوز أن يُخرم بشيء يحول دون أتمامه من شهواتٍ ورفثٍ، وفسوقٍ وجدال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
فالتوحيد حق الله، والإيمان بالله حق الله، والعبادة حق الله، والصلاة حق الله، والصوم حق الله، والحج حق الله، وما كان حقًا لله فيجب أداؤه على وجهِ التمامِ والكمال؛ فإن ذلك من علامات التعظيم لمن أمر به: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
فالحج سفرٌ قلبيٌ إلى الله يزيد المؤمن إيمانًا وتقوى، وسفر أرضي بالقالب المُزين بالسنة، يقول ويفعل، ويركع ويسجد، ويقوم ويجلس ويتكلم ويسمع، ويأخذ ويعطي، حسب السنة التي جاء بها محمدٌ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
стр. 5813
التاسع عشر: في الحج تذكير للمسلمين بربهم، ووجوب الدعوة إلى الله بين عموم البشرية، لينجو من النار، ويفوزو بالجنة: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
العشرون: والله حكيمٌ عليم، له حكمة في كل عبادة قدرًا، ووقتًا، ونوعاً.
فالصلوات الخمس في أوقاتها الخمسة، الله يعلم أنها تكفي العبد إلى الصلاة الأخرى، ليحفظ إيمانه، ويقوى توحيده، وتحسن عبادة ربه، ونقل الإنسان من حالٍ أدنى إلى حالٍ أعلى.
وكذا الصيام شهر في السنة، يكفي المسلم إلى رمضان القادم، ليتطهر من ذنوبه، ويتقي ربه في جميع أيامه ولياليه.
وكذا الحج فرضه الله في العمر مرة، لعلمه سبحانه أنه يكفي المسلم إذا أتمه لله بقلبه وجوارحه أن يزكيه بالتوحيد والإيمانِ والتقوى، ويطهرهُ من الأوساخ والأدناس في عمرِهِ كله كما قال النبي ﷺ : «الحجُّ المبرورُ ليس له جَزاءٌ إلاّ الجنةُ». متفق عليه (١).
وقال ﷺ : «مَنْ حَجَّ لله فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». متفق عليه (٢).
وهذا هو الحج المبرور الذي يجدد التوحيد والإيمان، ويحرك الطاقات لامتثال أوامر الله في كل حال، ويسعد به الإنسان في الدنيا والآخرة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].
стр. 5814
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
الحادي والعشرون: إتمام العمل لله في كل عبادة، ليكون مقبولًا عند الله لابد فيه من خمسة أمور وهي:
الإيمان بالله، وإخلاص العمل لله في البدءِ، وأثناء العمل، وان يفعله ابتغاء مرضات الله، وأن يفعله كما جاء عن رسول الله مقدارًا وكيفيةً، وأن يستعين على أدائه بالله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فهذه خمسة أصول في كل عملٍ صالح، ليكون مقبولا عند الله ، ومن أتم العمل، أكمل الله له الثواب: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
ومن نظر إلى السماء مرة، وإلى الأرض مرة، أو نظر إلى الخالق مرة، وإلى المخلوقِ مرة، فلن يتم له عمله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله : ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
وقال الله : ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
стр. 5815
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وكلما قوي الإيمانُ في القلب، قويت علاقة العبد بربه، ولم يلتفت لأحدٍ سواه، وسعد في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
فأنت سائرٌ إلى الله سائرٌ، مع الله، سائرٌ مع رسول الله فأنى تضل وأنى تضيع، وأنى تخسر، وأنى تشقى؟: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب-٧١].
فمن أتم الحج والعمرة لله، أخذ الثواب كاملاً، ولبس تاجًا من الإيمان والتقوى، وامتلأ قلبه بنورٍ يمشي به في الناس حيثُما سار: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].