والحج سفرٌ إلى الله، فالسفر هو قصد المكان، والحج حق الله وحده: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فالحاج يجب أن يحج ويعتمر لله وحده، ولا يلتفت لأي وسخ من أوساخ الدنيا وشهواتها، فالحاج يسافر إلى ربه بقلبه وقالبه، وماله ونفسه، ويُسلم قلبه وجوارحه كاملةً إلى مولاه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢]
الثامن عشر: والحج سفرٌ مزدوج الاتجاه:
الأول: سفرٌ بدني: من بلدٍ، إلى بلد ومن مشعر، إلى مشعر ومن مكانٍ إلى مكان، فهذا سفرٌ أرضيٌ أفقي راجلًا أو راكبًا.
والثاني سفرٌ علوي: عمودي سماوي قلبي إلى الله ورسوله توحيدًا وإتباعًا.
فالعبادات كلها انطلاقٌ من الأرض إلى السماء ومسارعةٌ إلى الخيرات، وخروجٌ من الخلق إلى الخالق، ومن الشهوات إلى امتثال أوامر الرب، والإكثار من ذكرهِ، وتكبيرهِ، وحمدهِ، وتسبيحه واستغفاره: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
وهذا السفر القلبي، لا يتم إلا بالسفر البدني، المُزين بالسنة، مع الصدق والإخلاص، والمحبة لله ولأوامِرِه، وليس كل من قطع المسافة الأرضية قطع المسافة السماوية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 5812
فالحج الذي فرضه الله رحلتان:
الأولى: رحلةٌ في الأرض بأداء الشعائر والمناسك في مكة.
الثانية: ورحلةٌ إلى السماء بكمال التوحيد والإيمان، والافتقار والتقوى.
فالحج كله حقٌ لله، فلا يجوز أن يُخرم بشيء يحول دون أتمامه من شهواتٍ ورفثٍ، وفسوقٍ وجدال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
فالتوحيد حق الله، والإيمان بالله حق الله، والعبادة حق الله، والصلاة حق الله، والصوم حق الله، والحج حق الله، وما كان حقًا لله فيجب أداؤه على وجهِ التمامِ والكمال؛ فإن ذلك من علامات التعظيم لمن أمر به: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
فالحج سفرٌ قلبيٌ إلى الله يزيد المؤمن إيمانًا وتقوى، وسفر أرضي بالقالب المُزين بالسنة، يقول ويفعل، ويركع ويسجد، ويقوم ويجلس ويتكلم ويسمع، ويأخذ ويعطي، حسب السنة التي جاء بها محمدٌ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
стр. 5813
التاسع عشر: في الحج تذكير للمسلمين بربهم، ووجوب الدعوة إلى الله بين عموم البشرية، لينجو من النار، ويفوزو بالجنة: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
العشرون: والله حكيمٌ عليم، له حكمة في كل عبادة قدرًا، ووقتًا، ونوعاً.
فالصلوات الخمس في أوقاتها الخمسة، الله يعلم أنها تكفي العبد إلى الصلاة الأخرى، ليحفظ إيمانه، ويقوى توحيده، وتحسن عبادة ربه، ونقل الإنسان من حالٍ أدنى إلى حالٍ أعلى.
وكذا الصيام شهر في السنة، يكفي المسلم إلى رمضان القادم، ليتطهر من ذنوبه، ويتقي ربه في جميع أيامه ولياليه.
وكذا الحج فرضه الله في العمر مرة، لعلمه سبحانه أنه يكفي المسلم إذا أتمه لله بقلبه وجوارحه أن يزكيه بالتوحيد والإيمانِ والتقوى، ويطهرهُ من الأوساخ والأدناس في عمرِهِ كله كما قال النبي ﷺ : «الحجُّ المبرورُ ليس له جَزاءٌ إلاّ الجنةُ». متفق عليه (١).
وقال ﷺ : «مَنْ حَجَّ لله فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». متفق عليه (٢).
وهذا هو الحج المبرور الذي يجدد التوحيد والإيمان، ويحرك الطاقات لامتثال أوامر الله في كل حال، ويسعد به الإنسان في الدنيا والآخرة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].
стр. 5814
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
الحادي والعشرون: إتمام العمل لله في كل عبادة، ليكون مقبولًا عند الله لابد فيه من خمسة أمور وهي:
الإيمان بالله، وإخلاص العمل لله في البدءِ، وأثناء العمل، وان يفعله ابتغاء مرضات الله، وأن يفعله كما جاء عن رسول الله مقدارًا وكيفيةً، وأن يستعين على أدائه بالله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فهذه خمسة أصول في كل عملٍ صالح، ليكون مقبولا عند الله ، ومن أتم العمل، أكمل الله له الثواب: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
ومن نظر إلى السماء مرة، وإلى الأرض مرة، أو نظر إلى الخالق مرة، وإلى المخلوقِ مرة، فلن يتم له عمله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله : ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
وقال الله : ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
стр. 5815
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وكلما قوي الإيمانُ في القلب، قويت علاقة العبد بربه، ولم يلتفت لأحدٍ سواه، وسعد في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
فأنت سائرٌ إلى الله سائرٌ، مع الله، سائرٌ مع رسول الله فأنى تضل وأنى تضيع، وأنى تخسر، وأنى تشقى؟: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب-٧١].
فمن أتم الحج والعمرة لله، أخذ الثواب كاملاً، ولبس تاجًا من الإيمان والتقوى، وامتلأ قلبه بنورٍ يمشي به في الناس حيثُما سار: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
стр. 5816
٥ - الخزانة الخامسة
مقاصد الحج الكبرى
الثاني والعشرون: أعمالُ الحج من غُسلٍ وإحرام، وطوافٍ وسعي، ورميٍ وحلق، ووقوفٍ بالمشاعر، فحجرٌ يقبل، وحجرٌ يُرجم، كل ذلك يُخضع العقل البشري لربه، ويجعله يُسلم لحكمه في كل أمر، وفي كل حال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
فعلة العبودية هي الإتباع والطاعة والتسليم لأمر الله ورسوله، وعدم الاستدراك على أوامر الله ورسوله، بل طاعةٌ تامة، وتسليمٌ كامل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
الثالث والعشرون: الحج كله خضوعٌ وتسليم لأمر الله، وصبرٌ على الفعل و الترك، بالأقوال والأفعال، في اللباس والسكن، في المشي والركوب، ليبقى التكبير والتعظيم والشكر لواحد هو الله، ويبقى الاقتداء في كل شيء بواحدٍ هو النبي محمد ﷺ : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
стр. 5817
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الرابع والعشرون: الحاج يتزود في حياته من كل خيرٍ وحقٍ وتقوى، ويتزود في الحج من كل عملٍ صالح بحسب استطاعته: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
الخامس والعشرون: من مقاصد الحج والعمرة تعظيم النصوص الشرعية، وامتثال أوامرها، تعظيمًا لمن أمر بها، وطاعةً لمن شرعها: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
فلا هوى ولا ابتداع، بل سنة وإتباع: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
السادس والعشرون: في الحج مبدأ تحقيق المساواة بين المسلمين في جميع العبادات والمعاملات على حدٍ سواء، وكذا تحقيق مبدأ الأخوة الإسلامية بين كل من حضر موسم الحج، فالأخ ينصح لأخيه، ويحب لأخيه ما يُحب لنفسه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].
وقال النبي ﷺ : «الْمُؤْمنُ للْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشدُّ بعْضُهُ بَعْضًا». متفق عليه (١).
стр. 5818
السابع والعشرون: ما يمتنع عنه الحاج والمعتمر في نسكه من أنواع المُباحات من طيبٍ وحلقٍ، ولباس ورفثٍ وجماع وغيرها، مقصودة التذكير بالوقوف عند حدود الله بما أمر به، ونهى عنه، وبما أباح وما حرم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧].
الثامن والعشرون: في الحج والعمرة تذكيرٌ بالتوحيد، في صيغة التلبية، لبيك اللهم لبيك عند الإحرام، وفي عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وصيغة التهليل، وفي صيغة التكبير، الله أكبر عند رمي الجمار، وفي الطوافِ والسعي والمشاعر.
التاسع والعشرون: في السعي بين الصفا والمروة أشارة إلى نصر الله وأجابته لمن سأله، كما فرج الله كربة هاجر وأجاب دعاءها: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨].
فما أكرم الله، حيث تفضل على عباده بهذا النُسك العظيم الذي كله منافع، وهبات، وعطاءات، وتكفيرُ سيئات، ورفعةُ درجات، وذكرٌ وتهليلٌ، وتكبير، وحمدٍ وشكر، وتوبةٌ واستغفار، فأوله تكبير وأوسطه تكبير وآخره تكبير: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].
стр. 5819
وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨].
الثلاثون: من أعظم مقاصد الحج تذكيرُ الناس بالتوحيد وتحميلهم جميعًا مسئولية الدعوة إلى الله في العالم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال النبي ﷺ : «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ». متفق عليه (١).
وقد ذكر النبي ﷺ بذلك الصحابة ممن حج معه، وأمرهم بالقيام بذلك إلى أن تقوم الساعة.
والقرآن الكريم فيه بيان مقاصد الشريعة، ومجمل العبادات والمعاملات وأحكامها: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وتفصيل الأحكام بينه الرسول ﷺ في السنة القولية والعملية والتقريرية: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فهذه أكثر من ثلاثين مقصدًا تثمرها هذه العبادة العظيمة عبادة الحج والعمرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم حسن العبادة، ومعرفة مقاصد الشريعة، والتقرب إلى الله بذلك قلبًا وقالبًا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 5820
٣ - أحكام الإحرام
• الإحرام هو نية الدخول في النسك حجًا كان أو عمرة.
• حكمة الإحرام:
جعل الله لبيته الحرام حرمًا ومواقيت لا يتعداها من يريد الدخول إلى الحرم إلا إذا كان على وصفٍ معين، ونيةٍ معينة: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
• مكان لُبس الإحرام:
السنة لُبس ملابس الإحرام بعد الغُسل في الميقات، ويكون إحرام الرجال بإزار ورداء ونعلين، ويشرع لمن قرب منزله من الميقات كأهل المدينة والطائف أن يلبس لباس الإحرام من بيته، ثم يُحرم من الميقات، ويُلحق بذلك من كان قدومه إلى مكة عن طريق الطيران.
عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ، بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأرْدِيَةِ وَالأُزُرِ تُلْبَسُ، إِلا المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الجِلْدِ وأصبح بذي الحُليفة ركب راحلته حتى استوي على البيداء أهلَ هو وأصحابه، وقلد مدنته، وذلك لخمسٍ باقين من ذي القعدة». أخرجه البخاري (١).
• كيفية الإحرام:
أولاً: يُسن للرجل إذا أراد الإحرام بالحج أو العمرة أن يغتسل ويتنظف ويتطيب بأطيب ما يجد في بدنه، ولا يطيب ثيابه، ويلبس إزاراً ورداءً أبيضين نظيفين بعد أن يتجرد من المخيط، ويلبس نعلين.
والمرأة يسن لها أن تغتسل للإحرام، ولو كانت حائضاً أو نُفسا.
стр. 5821
وتلبس ما شاءت من الثياب الساترة، وتجتنب لباس الشهرة، والثياب الضيقة، وما فيه تشبهٌ بالرجال والكفار، ولا تلبس النقاب ولا القفازين.
ثانيًا: يُسن أن يُحرم من أراد الحج أو العمرة عقب صلاة فريضة أو نافلة إن تيسر، وينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يُريد من حج أو عمرة، ويسن إحرامه وإهلاله دُبر الصلاة في المسجد، أو إذا استقلت به راحلته مستقبلًا القبلة ويسن له أن يحمد الله ويسبحه ويكبره قبل إتيانه بالنُسك.
ثالثًا: يُسن للمُحرم أن يذكر النُسك فيقول المعتمر: لبيك عمرة، ويقول المفرد: لبيك حجة، وإن كان قارنًا قال: لبيك عمرةً وحجة، وإن كان مُتمتعًا قال: لبيك عمرة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
• حكم اشتراط التحلل من النُسك عند العذر:
١ - إذا أحرم البالغ بالحج أو العمرة لزمهُ الإتمام، أما الصبي فلا يلزمه الإتمام؛ لأنه غير مُكلف، ولا مُلزم بالواجبات.
٢ - وإذا كان المُحرم مريضًا أو خائفًا سُن له أن يقول عند عقد الإحرام بالنُسك إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني؛ فإن عرض له شيءٌ يمنعه، أو زاد مرضه، حل بعد أن يحلق، ولا هَدّي عليه، وإذا لم يُشترط المُحرم الذي حبسه عذر، لزمه دمٌ يذبحه، ثم يحل بعد الحلق: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وعن عائشة ﵂ قالت: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ، لَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً،
стр. 5822
فَقَالَ لَهَا: حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي». متفق عليه (١).
• حكم الصلاة عند الإحرام:
يسن لمُريد الحج أو العمرة أن يُحرم عقب صلاة، فإن كان وقت فريضة صلاها ثم أحرم بعدها، وإن لم يكن وقت فريضة صلى ركعتين تطوعا ثم أحرم بعدهما.
وقد أحرم النبي ﷺ من ذي الحليفة بعد صلاة الفرضِ والنَفل وهذا أكمل، ومن أحرم بعد فرض أو نفل فقد فعل بعض الأمر، ومن لم يُحرم بعد فرض ولا نفل، فلم يمتثل لأمر؛ لأنه لم يفعل شيئاً مما فعله رسول الله ﷺ حين أحرم، والله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وعن أبي عباس ﵄ أنه سمععمر ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق يقول: «أتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجّة». أخرجه البخاري (٢).
• صفة التلبية:
يُسن أن يقول المُحرم عقب الإحرام أو إذا أستوي على راحلته بعد حمد الله وتسبيحه وتكبيره.
«لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». متفق عليه (٣).
стр. 5823
وعن أبي هريرة ﵁ قال كان من تلبية النبي ﷺ «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ». أخرجه النسائي وابن ماجة بسندٍ صحيح (١).
• فضل التلبية:
يُسن للمُحرم أن يُكثر من التلبية، فالتلبية شعار الحج والعمرة، يصوت بها الرجل، وتصوت بها المرأة ما لم تُخشى فتنة، يُلبي حينًا، ويُهلل حينًا، ويُكبر حينًا.
وتُقطع التلبية في العمرة إذا دخل في أدنى حدود الحرم، وتُقطع في الحج إذا رمى جمرة العقبة يوم العيد.
عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلاَّ لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا». أخرجه الترمذي وابن ماجه بسندٍ صحيح (٢).
• ما يجب على الحاج فعله:
يجب على الحاج و المُعتمر أداء النُسك كما فعله النبي ﷺ أو أمر به، ليكون مبرورًا مقبولا.
ويجب على الحاج وغيره الاجتهاد في فعل الطاعات، واجتناب المُحرمات، وأن يصون لسانه عن الكذب و الغيبة والجدال، وسيء الأخلاق، وأن يختار لصحبته الرفقة الصالحة، وأن يأخذ لحجه وعمرته المال الحلال الطيب: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
стр. 5824
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
• الفرق بين الرجل والمرأة في الإحرام:
المرأة كالرجل فيما سبق من صفات الإحرام إلا في لُبس المخيط فتلبس ما شاءت غيرُ مُتبرجة، وتجتنب لُبس النقاب، وتغطي رأسها، وتسُدل خمارها على وجهها إذا كانت في حضرة رجال أجانب، وتجتنب لُبس القفازين، ويُباح لها التحلي بالذهب.
стр. 5825
٦ - الخزانة السادسة
• محظورات الإحرام:
محظورات الإحرام هي الأعمال الممنوعة على المحرم بسبب إحرامه.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لايَلْبَسُ الْقُمُصَ، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ، إلاَّ ألا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلا تَلْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئاً مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ». متفق عليه (١).
ولا يجوز للرجل أن يحرم بالجوربين ولا بالخفين إلا إذا لم يجد نعلين فيلبس الخفين ولا يقطعهما؛ لأن القطع منسوخ، والمراد بالخفين ما يغطي الكعبين من جلد ونحوه، والجوربين لباسٌ من قطن ونحوه يغطي الكعبين، ويجوز للمرأة المحرمة لبس الجوربين والخفين، أما القفازان وهما لباس اليدين فلا يجوز للمحرم ولا للمحرمة لبسهما.
• محظورات الإحرام:
يحرم على المحرم ذكرًا كان أو أنثى ما يلي:
أولًا: حلق الشعر أو تقصيره
ثانيًا: تقليم الأظافر.
ثالثًا: تغطية رأس الرجل.
رابعًا: لبس الرجل للمخيط.
стр. 5826
والمخيط هو ما خيط على قدر البدن كله كالقميص، أو على قدر نصفه الأعلى كالفانلة، أو على قدر نصفه الأسفل كالسراويل، وما خيط على قدر العضو لليدين كالقفازين وللرجلين كالخفين، وللرأس كالعمامة والطاقية ونحوها.
خامسًا: استعمال الطيب أو البخور في البدن أو اللباس بأي وجه.
سادسًا: قتل صيد البر الحلال المتوحش أصلًا أو اصطياده.
سابعًا: عقد النكاح.
ثامنًا: تغطية وجه المرأة بالنقاب أو البرقع ونحوهما، وتغطية يديها بالقفازين.
تاسعًا: مباشرة الرجل المرأة فيما دون الفرج، فإن أنزل لم يفسد حجه ولا إحرامه، لكنه آثمٌ إثمًا عظيمًا، وعليه الغسل، والتوبة، والاستغفار، وإكمال نسكه: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
عاشرًا: الجماع، وهو أشد محظورات الإحرام إثمًا.
الحادي عشر: اجتناب الرفث والفسوق، والجدال والخصام: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقال النبي ﷺ : «لِتَأْخُذُوا عني مَنَاسِكَكُمْ». أخرجه مسلم (١).
• حكم من فعل شيئاً من محظورات الإحرام:
من فعل شيئًا من هذه المحظورات جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا فلا إثم عليه ولا فدية، وعليه أن يتخلى عن المحظور فورًا لقوله : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].، «فقال الله: قد فعلت». أخرجه مسلم (٢).
стр. 5827
ومن فعل شيئًا منها سوى الرفث والفسوق والجدال، عالمًا متعمدًا مختارًا لعذرٍ من أذى أو مرض، فعليه فدية الأذى، ولا إثم عليه.
فإن فعلها لغير عذرٍ أو حاجة، فهو آثم، وعليه الفدية فيما ورد به النص من الفدية، وعليه التوبة والإقلاع عن المحظور فورًا.
• حكم من جامع وهو محرم:
من أحرم بالحج أو العمرة ثم جامع وهو محرم فله حالتان:
الأولى: إذا جامع زوجته جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا، فلا إثم عليه، ولا فدية، ونسكه صحيح، لأن الله يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الثانية: إذا جامعها متعمدًا وهو محرم، فهذا قد ارتكب إثمًا عظيمًا، وعرض نفسه للعقوبة، وعرض نسكه للفساد، لتعديه حدود الله، وخرقه حرمة الإحرام، وانتهاكه حرمة النسك، فعليه التوبة من ذنبه العظيم: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ». أخرجه مسلم (١).
стр. 5828
• وقت التحلل من النسك:
أولاً: التحلل الأول في الحج: يحل فيه للحاج كل شيء إلا النساء، ويحصل برمي جمرة العقبة والحلق، فإذا طاف بالبيت حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام حتى النساء.
ومن ساق الهدي توقف إحلاله على نحره مع الرمي والحلق.
ثانيًا: التحلل من العمرة يكون بعد الطواف والسعي بين الصفا والمروة والحلق أو التقصير.
• حكم المحرمة إذا حاضت.
إذا حاضت المرأة المتمتعة قبل الطواف، وخشيت فوات الحج، أحرمت به وأدخلته على العمرة، وصارت قارنة، ومثلها المعذور.
والحائض والنفساء تفعل المناسك كلها غير الطواف بالبيت، وإن أصابها الحيض أثناء الطواف خرجت منه، وأحرمت بالحج، إن ضاق عليها الوقت وأدخلته على العمرة وصارت قارنة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧].
• حكم قص الشعر والأظفار حال الإحرام:
لا يجوز للمحرم قص شعر الرأس، ولا إزالة شعر البدن، ولا قص الأظفار، أما شعر الرأس فإبقاؤه نسك، وحلقه نسك، كما قال سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وأما قص الظفر، وإزالة شعر البدن فهو من التفث الذي أمر الله بفعله بعد التحلل، مما يدل على أنه ممنوع حال الإحرام كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ
стр. 5829
لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
ولم يُنقل عن النبي ﷺ طيلة مدة إحرامه أنه قص ظفرًا، أو أخرج شيئًا من شعر بدنه، فلا يحل للمحرم أخذ شيء من بدنه إلا بدليل.
عن جابر ﵁ «قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ». أخرجه مسلم (١).
• ما يجوز للمحرم فعله:
يجوز للمحرم ذبح بهيمة الأنعام والدجاج ونحوها، وله قتل الصائل المؤذي في الحل والحرم كالأسد والذئب والنمر والفهد والحية والعقرب والفأرة، وكل مؤذٍ كالوزغ وقتله في أول ضربة أفضل، وله فيها مائة حسنة، كما يجوز له صيد البحر وطعامه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦].
وعنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «خَمْسٌ فواسق يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ، وَالْحِدَأَةُ، والْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ». متفق عليه (٢).
ويجوز للمحرم بعد إحرامه أن يغتسل، ويغسل رأسه وثيابه، وله تبديلها، ويجوز للمحرم أن يلبس خاتم الفضة، ونظارة العين، وسماعة الأذن، والساعة في اليد، ولبس الحزام والحذاء ولو كانا مخيطين.
стр. 5830
والمراد بالمخيط هو المحيط على قدر البدن أو العضو، ويجوز له تضميد الجرح، وضرب الإبرة، وأخذ دم التحليل ونحوه، ويجوز للمحرم شم الريحان، والاستظلال بالخيمة، أو الشمسية أو سقف السيارة، وحك الرأس ولو سقط منه بعض الشعر.
ومن أراد أن يضحي، وحج في عشر ذي الحجة، فلا ينبغي له عند الإحرام أن يأخذ من بدنه وشعره وظفره شيئًا، ويجوز له فقط حلق أو تقصير رأسه إن كان متمتعًا، لكون الحلق أو التقصير نسكًا.
• ما يفعل بالمحرم إذا مات:
من مات وهو حاج أو معتمر فلا يقضى عنه ما بقي من أعمال الحج أو العمرة ويدفن بثيابه التي مات فيها؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، ومن مات وهو لا يصلي أبدًا فلا يجوز أن يحج أو يتصدق عنه لأنه مرتد.
عن ابْنِ عباس ﵄: «أَنَّ رجلًا وقصه بَعِيرِهِ، ونحن مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وهو محرم، فَقَالَ النبي ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، ولا تمسوا طيبه، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا». متفق عليه (١).
стр. 5831
٤ - الفدية
• محظورات الإحرام من حيث الفدية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح.
الثاني: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد البري المأكول.
الثالث: ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات كالحَلق والطيب ونحوها.
ومن كان مريضًا أو معذورًا واحتاج إلى فعل محظور من محظورات الإحرام السابقة غير الوطء، كحلق شعر الرأس ولبس المخيط ونحوهما، فله ذلك وعليه فدية الأذى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
• فدية الأذى:
فدية الأذى يُخير فيها المحرم بين ثلاثة أشياء:
صيام ثلاثة أيام، أو يُطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من بُر أو أرز أو تمر أو نحوها، أو وجبة طعامٍ لكل مسكين، حسب العُرف والعادة، أو يذبح شاة يوزعها على الفقراء في الحرم أو خارجه ولا يأكل منها؛ ويجزئ الصيام في كل مكان، أما الإطعام والذبيحة فلفقراء مكة إن كان في الحرم: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
стр. 5832
• حكم من فعل شيئًا من محظورات الإحرام:
١ - من فعل شيئًا من محظورات الإحرام جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا، فلا إثم عليه، ولا فدية، وعليه أن يتخلى عن المحظور فورًا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥].
٢ - ومن فعله متعمدًا لحاجة، فعليه الفدية فيما ورد به النص، ولا إثم عليه.
٣ - ومن فعله متعمدًا بلا عذرٍ ولا حاجة غير الوطء أو المباشرة، فهو آثم، وعليه فدية الأذى فيما ورد به النص، وعليه التوبة والاستغفار: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
ومن احتلم وهو محرم، فلا إثم عليه ولا فدية، وعليه أن يغتسل ويتم نسكه.
• فدية قتل الصيد البري:
من قتل صيدًا بريًا متعمدًا وهو محرم، فإن كان له مثلٌ من النعم، خُيّر بين إخراج المثل بذبحه، يذبحه ويطعمه مساكين الحرم، أو يُقَوَّم المثل بدراهم يُشترَى بها طعامًا، فيطعم كل مسكين نصف صاع، أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا، وإن كان الصيد ليس له مثلٌ فيُقوَّم الصيد بدراهم ويُخير بين الإطعام، والصيام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥].
стр. 5833
• الصيد الذي له مثل، والذي ليس له مثل:
١ - الصيد الذي له مثل من النعم:
مثل النعامة فيها بدنة، وحمار الوحش، وبقرته، والوعل، والأيل فيه بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الغزال عنز، وفي الوبر والضب جدي، وفي اليربوع جفرة، وفي الأرنب عَناق، وفي الحمامة وأشباهها شاة، وما سوى ذلك يحكم به عدلان من ذوي الخبرة.
٢ - والصيد الذي لا مثل له: يُقَوَّم الصيد بدراهم، ويُشترى بها طعام، ويُعطى مُداً لكل مسكين، أو يصوم عدل ذلك.
• حكم قطع شجر الحرم وقتل صيده:
١ - يحرم على المحرم والحلال قطع شجر حرم مكة وحشيشه إلا الإذخر، وما زرعه الآدمي، ولا فدية فيه، كما يحرم قتل صيد الحرم، فإن صاده فعليه الفدية.
٢ - ويحرم صيد حرم المدينة، وقطع شجره، ولا فدية فيه، لكن يعزر من صاده ويأثم، ويؤخذ من حشيشه ما يُحتاج إليه للعلف، وليس في الدنيا حرم إلا هذان الحرمان.
• حكم من كرر محظورًا:
مَنْ كرر محظورًا من جنس واحد ولم يفد فدى مرة واحدة، بخلاف صيد، ومن كرر محظورًا من أجناس مختلفة، بأن حلق رأسه، ومس طيبًا، فدى لكل جنس مرة.
ويحرم عقد النكاح حال الإحرام ولا يصح، ولا فدية فيه، وتصح الرجعة، لأنها استدامة نكاح لا عقد نكاح.
стр. 5834
• أقسام الدماء في الحج والعمرة:
الدماء الواجبة في الحج والعمرة أربعة أقسام:
الأول: دم التمتع والقران، يأكل منه الحاج ويهدي ويطعم الفقراء.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
الثاني: دم الفدية، لمن فعل شيئًا من محظورات الإحرام لعذرٍ كحلق الرأس، أو لبس المخيط ونحوهما.
وفدية الأذى يُخَيَّر فيها بين الصيام، والإطعام، والدم.
الثالث: دم الإحصار، لمن حُبس عن إتمام النسك، أو عن البيت، ولم يشترط أن محلي حيث حبستني: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
الرابع: دم الجزاء لمن قتل الصيد البري المأكول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥].
وهذه الدماء الثلاثة الأخيرة دماء جبران لنقص النسك، أو فواته، لا يأكل منها، بل يذبحها ويطعمها فقراء مكة إن كان فيها، وإن كان الفعل خارجها أطعم الناس في مكانه.
ويسن للموسرين الإهداء تطوعًا لفقراء الحرم في نسك الحج والعمرة: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
стр. 5835
• من يجب عليه الهدي:
أهل المسجد الحرام هم جميع أهل الحرم الساكنون فيه، وحاضروا المسجد الحرام هم من قربت مساكنهم من الحرم، وليسوا فيه كالقرى المجاورة لمكة، وهؤلاء ليس عليهم هدي، ولا يلزمهم طواف الوداع كأهل الحرم.
ويجب الهدي على المتمتع والقارن إن لم يكونا من أهل الحرم أو من حاضري المسجد الحرام، وهو: شاة، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة، فمن لم يجد الهدي، أو عجز عنه، صام ثلاثة أيام في الحج قبل عرفة أو بعدها، ويكون آخرها يوم الثالث عشر، وهو الأفضل، وسبعة إذا رجع إلى أهله، أما المفرد فلا هدي عليه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦].
• مكان ذبح الهدي:
كل هديٍ أو إطعام فلمساكين الحرم ذبحًا وتفريقًا.
وفدية الأذى واللبس ونحوها، ودم الإحصار حيث وجد سببه، داخل الحرم، أو خارج الحرم.
وجزاء الصيد في الحرم لمساكين الحرم، ويجزئ الصيام في كل مكان.
وهدي التمتع والقران والتطوع يُذبح في الحرم، ويسن أن يأكل منه، ويهدي، ويطعم منه فقراء الحرم.
стр. 5836
والمحصر يجب عليه أن يذبح ما استيسر من الهدي ثم يحلق، فإن لم يجد هديًا حلَّ ولا شيء عليه، لسقوط الواجب بالعجز عنه.
• حكم نقل اللحوم خارج الحرم:
ما يذبحه الحجاج ثلاثة أنواع:
الأول: هدي التمتع أو القران يُذبح في الحرم، ويَأكل منه، ويطعم الفقراء، وله نقله خارج الحرم.
الثاني: ما يذبح داخل الحرم جزاء لصيد، أو فدية لأذى، أو فعلًا لمحظور، فهذا كله لفقراء الحرم، ولا يأكل منه.
الثالث: ما يذبح خارج الحرم كهدي الإحصار، أو فدية جزاء، أو غيرهما فهذا يوزع حيث ذبح، وله نقله إلى مكان آخر، ولا يأكل منه.
стр. 5837
٧ - الخزانة السابعة
• أول بيتٍ وضع في الأرض:
الأماكن التي يُعبد الله فيها ثلاثة:
الأول: العرش العظيم، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت/ ٣٨].
الثاني: البيت المعمور، في السماء السابعة، ويطوف به كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليهم: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ [الطور: ١ - ٤].
فهذان في العالم العلوي.
الثالث: أول بيتٍ وضع في الأرض هو البيت العتيق بمكة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].
والكعبة أول بيتٍ وضع للناس في الأرض، جعله الله موضعًا للطاعات، والعبادات، والقربات، والخيرات، والبركات، وجعله قبلة للصلوات، وموضعًا للحج والعمرة.
والكعبة أول بيتٍ في الوضع والبناء، ولكونه مباركًا وهدىً للعالمين، أمر الله الملائكة ببنائه في الأرض، ليكون موضعًا لعبادة الناس ربهم في الأرض من الجن والإنس، وطاف به آدم ﷺ والأنبياء بعده إلى زمان
стр. 5838
نوح، فلما جاء الطوفان، اندرس موضع الكعبة، وذلك في زمان نوح، وبقي مختفيًا إلى أن بعث الله جبريل إلى إبراهيم ﷺ ، ودلَّه على مكان البيت، وأمره ببنائه، والآمر هو الله، وجبريل هو الدليل، وإبراهيم البَناء، وإسماعيل المعين، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦].
فأول بيتٍ وضع في الأرض للناس، وأول قبلةٍ، هو الكعبة، وجميع الأنبياء من عهد آدم إلى محمد ﷺ كانوا يصلون إليه، ويحجون إليه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
فالله أمر إبراهيم ببناء البيت العتيق، والمبلغ لهذا التكليف هو جبريل، والباني هو الخليل ﷺ ، والمعين ابنه إسماعيل، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
стр. 5839
(١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة: ١٢٥ - ١٣٠].
• حكمة وضع البيت العتيق في مكة:
الله هو الحكيم العليم وضع بيته الحرام بوادٍ غير ذي زرع وهي مكة، ليقطع بذلك رجاء أهل حرمه عمن سواه، حتى لا يتوكلوا إلا عليه، ولا ينشغلوا إلا بعبادته، ولئلا يسكنها أحد من الجبابرة، لأنهم يريدون طيبات الدنيا، فإذا لم يجدوها، تركوا ذلك الموضع، ولئلا يقصدها أحدٌ للتجارة والنزهة، بل يكون ذلك لمحض العبادة والزيارة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومن إتمامهما ألا ينشغل بغيرهما، وليظهر بذلك شرف الفقر والفقراء، حيث وضع الله أشرف البيوت في أقل المواضع نصيبًا من الدنيا، حيث جعل الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين، وكذلك يجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين، وجعل سبحانه الكعبة في موضعٍ خالٍ من جميع نعم الدنيا إشارةً إلى أنه لا يجعل كعبة المعرفة إلا في قلب خالٍ من محبة الدنيا.
• أسماء مكة:
سميت مكة ببكة من البك، وهو الازدحام والتدافع؛ لأن الناس يزدحمون في الطواف والسعي والرمي والصلاة، والمشاعر.
وقيل: سميت بكة، لأنها تبك أعناق الجبابرة، لا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه.
وسميت مكة لأنها تمك الذنوب وتزيلها كما يمك الفصيل ضرع أمه إذا مصه.
وقيل: سميت بذلك، لاجتذابها الناس من أنحاء الأرض.
стр. 5840
وقيل: سميت مكة، لقلة مائها كأن أرضها امتكت وامتصت ماءها.
وقيل: سميت مكة وبكة فهما اسمان لمسمى واحد.
وقيل: مكة اسم للمسجد والمطاف، وبكة اسم للبلد؛ فبكة ظرفٌ لمكة التي هي الكعبة والمسجد: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
• أسماء مكة:
مكة لها أسماء، فهي: مكة، وبكةء، والمسجد الحرام، وأم القرى؛ والبلد الأمين.
والكعبة لها أسماء:
أحدها: الكعبة كما قال سبحانه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧].
الثاني: البيت العتيق كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
الثالث: المسجد الحرام كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
الرابع: البيت الحرام كما قال سبحانه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧].
стр. 5841
• فضائل البيت العتيق:
البيت العتيق أول بيت وضع في الأرض للعبادة، فهو مبارك في الثبوت والدوام، وزيادة الحسنات في الصلوات، وكون الحج فيه، الذي به تُغفر الذنوب، وأنه تجبى إليه ثمرات كل شيء: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧].
وأن الكعبة لا تنفك عن الصلاة في أنحاء العالم في كل وقت، ولا تنفك عن الطائفين والعاكفين، والركع السجود، في كل وقت، وأن البيت العتيق هدىً للعالمين، وقبلةٌ يهتدون به إلى جهة صلاتهم، ويدلهم على وجود خالقهم، ويهديهم إلى طريق الجنة: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].
وأن فيه آيات بينات من أمن الخائف، وإهلاك أصحاب الفيل الذين قصدوا تخريبه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥].
وهو مقام إبراهيم الذي عبد الله فيه وحجه.
وحرم مكة من دخله كان آمنًا، فمن دخله لنسك التقرب إلى الله تعالى، كان آمنًا من النار يوم القيامة.
كما قال النبي ﷺ : «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». متفق عليه (١).
٥ - أنواع النسك
أنساك الحج ثلاثة:
الأول: التمتع.
الثاني: القِران.
الثالث: الإفراد.
الأول: صفة التمتع: أن يحرم المسلم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من مكة أو من قربها في عامه، ويستمر في الإحرام إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم العيد، ويحلق، وعليه هدي التمتع.
وصفة النطق به: لبيك عمرة.
الثاني: صفة القران: أن يحرم المسلم بالعمرة والحج معًا، أو يحرم بالحج أولًا ثم يُدخل العمرة عليه، وعليه هدي القران.
وصفة النطق به: لبيك عمرةً وحجًا.
ويجوز لمن كان معذورًا أن يدخل الحج على العمرة قبل الشروع في طوافها كمن أصابها الحيض أو النفاس مثلًا، أو من ضاق عليه الوقت ونحوهما.
الثالث: صفة الإفراد: أن يحرم المسلم بالحج مفرِدًا.
وصفة النطق به: لبيك حجًا.
وعمل القارن كعمل المفرِد سواء، إلا أن القارن عليه هدي، والمفرد لا هدي واجب عليه.
والقران أفضل من الإفراد، والتمتع أفضل منهما.
ويسن للمسلم أن يهل بالتمتع مرة، وبالقران مرة، وبالإفراد مرة، إحياءً للسنة، وعملًا بها بوجوهها المشروعة، ويداوم على التمتع لأنه الأفضل.
стр. 5844
عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِل قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَأَهَلَّ رَسُولُ الله ﷺ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ». متفقٌ عليه (١).
• أفضل الأنساك:
ينبغي لكل حاج أن يحج متمتعًا، والتمتع أفضل الأنساك وأولاها؛ لأنه الذي أمر رسول الله ﷺ أصحابه به، وعزم عليهم أن يحلوا في حجة الوداع إلا من ساق الهدي.
والتمتع أيسر الأنساك، وأسهلها، وأكثرها أجرًا وعملًا وثوابًا.
وإذا أحرم الإنسان قارنًا أو مفردًا فالأولى أن يقلب نسكه إلى عمرة، ليصير متمتعًا، ولو بعد أن طاف وسعى إذا لم يسق معه الهدي، فيقصِّر ويحل؛ إتباعًا لأمر النبي ﷺ ، وأما من ساق الهدي فيظل في إحرامه ولا يتحلل إلا بعد الرمي والحلق يوم النحر؛ وذلك بعد الذبح.
عن عائشة ﵂ قالت: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا نُرَى إِلَّا أَنَّهُ الحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فَأَحْلَلْنَ». متفق عليه (٢).
стр. 5845
• صفة دخول مكة:
إذا أحرم المسلم بالحج أو العمرة قصد مكة ملبيًا، ويسن دخوله من أعلاها إن كان أرفق لدخوله، وأن يغتسل ثم يدخل المسجد الحرام من أي جهة، وإذا دخل المسجد الحرام قدم رجله اليمنى، ثم قال ما يقال عند دخول المساجد: «اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ». أخرجه مسلم (١).
«أَعُوذُ بِالله العَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ». أخرجه أبو داود بسندٍ صحيح (٢).
• ما يفعله المسلم إذا دخل المسجد الحرام:
إذا دخل المُحرِم بالحج أو العمرة المسجد الحرام بدأ بالطواف مباشرة إلا أن يكون وقت فريضة، أو صلاة جنازة، فيصليها ثم يطوف.
ويبدأ المعتمر عمرةً مفردة، أو عمرة تمتع بطواف العمرة، ويبدأ القارن والمفرد بطواف القدوم، وهو سنة وليس بواجب.
• أحوال التحلل من النسك:
التحلل من النسك يكون بما يلي:
إما بإتمام النسك من حج أو عمرة، أو التحلل لعذرٍ إن اشترط، أو التحلل بالحصر بعد ذبح الهدي والحلق: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦].
стр. 5846
• آداب المسجد الحرام:
المساجد بيوت الله تعالى، دعا كل مسلم لدخولها وعبادته بأنواع العبادة فيها، ومن واجب العبد أن يعرف قدر ربه الذي أذن له بدخول بيته، وأن يستعد لمناجاته، وأن يتأدب معه في بيته بما يليق بعظمته وجلاله، وأن يحب مساجده ويعظمها ويحترمها، خاصةً بيت الله الحرام؛ لأنها بيوت الله، بُنيت لعبادته وذكره وتعظيمه وحمده وشكره وتلاوة كتابه وتعليم شرعه.
• ومن آداب بيوت الله تعالى:
الذهاب إلى المسجد متوضئًا من بيته، وأن يتطيب ويلبس الثياب النظيفة والجميلة، ويمشي للمسجد بسكينة ووقار، فإذا دخل المسجد صلى تحية المسجد، ويجتنب مزاحمة إخوانه، وتخطي رقابهم، وأن يلين بأيدي إخوانه عند التراص في الصفوف ونحوها، ويُفسح لهم، ويجتنب أكل الثوم والبصل والكرات، وما له رائحة كريهة تؤذي المصلين والملائكة.
ويغلق أجهزة الاتصال التي تؤذي أهل المسجد بأصواتها وأجراسها، وألا يلوث المسجد بالمستقذرات كالبصاق والمخاط والمناديل المستعملة ونحو ذلك، ويجتنب اللهو واللعب واللغو والثرثرة، ورفع الصوت والخصومات، والبيع والشراء، وإنشاد الضالة، وسؤال الناس المال، وأن يحافظ على نظافة المسجد، وأثاث ومصاحف المسجد، وتجتنب النساء الزينة، والطيب، والتبرج، وأن تصلي في المكان المخصص للنساء، ولا تفتن الناس بقولٍ أو فعل: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
٨ - الخزانة الثامنة
٦ - أحكام العمرة
• العمرة هي التعبد لله بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير.
• حكم العمرة:
العمرة سنةٌ مؤكدة، وتسن في كل وقت من العام، وفي أشهر الحج أفضل من سائر العام، والعمرة في رمضان تعدل حجة، ويسن تكرارها والإكثار منها ويجب إتمامها: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وسميت العمرة عمرة، لأنها تُفعل في العمر كله، وتُفعل في موضع عامر بالأعمال الصالحة، مشتقة من عمارة المسجد الحرام بالأعمال الصالحة.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أتى هذا البيت فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع كيوم ولدته أمه». متفق عليه (١).
• عدد عمر النبي ﷺ .
اعتمر النبي ﷺ في حياته أربع عمر كلها في أشهر الحج وهي:
١ - عمرة الحديبية.
٢ - ثم عمرة القضاء.
١ - ثم عمرة الجعرانة.
٢ - ثم عمرته ﷺ مع حجته.
وكل عمر النبي ﷺ كانت في ذي القعدة.
стр. 5849
• أركان العمرة:
أركان العمرة ثلاثة وهي:
١ - الإحرام.
٢ - والطواف.
٣ - والسعي.
• واجبات العمرة:
١ - الإحرام من الميقات.
٢ - والحلق أو التقصير.
• شروط صحة الطواف بالبيت:
يشترط لصحة الطواف بالكعبة ما يلي:
نية الطواف، والطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، ستر العورة، الطواف سبعًا بالكعبة، أن يبدأ من الحجر الأسود ويختم به، الطواف بكامل البيت، أن يجعل البيت عن يساره، الموالاة بين الأشواط إلا لعذر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
• حكم الطهارة للطواف بالبيت:
يشترط لصحة الطواف بالكعبة، الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وهذا هو الموافق لفعل النبي ﷺ حيث توضأ ﷺ قبل أن يطوف، وأمر بأخذ جميع المناسك عنه، ونهى الحائض أن تطوف بالبيت حتى تطهر وتغتسل.
عن عائشة ﵂: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ». متفق عليه (١).
стр. 5850
وعن عائشة ﵂ قالت: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: أَنَفِسْتِ يَعْنِي الْحَيْضَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَال: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي». متفق عليه (١).
وعن عائشة ﵂ أن: «صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ في حجة الوداع، فقال النبي ﷺ : أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ فقلت: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يا رسول الله وطافت بالبيت، فقَالَ النبي ﷺ فَلتنفر». متفق عليه (٢).
• أحوال الحائض عند الإحرام:
للحائض عند الإحرام ثلاث حالات:
الأولى: إذا غلب على ظنها أنها ستطهر في مكة، فعليها أن تحرم، وتدخل مكة محرمة، فإذا طهرت اغتسلت في سكنها وأكملت عمرتها.
الثانية: إذا كانت لا تدري هل ستطهر في مكة أم لا، فعليها أن تحرم وتشترط، فإن طهرت أكملت العمرة، وإن لم تطهر وخرجت فلا شيء عليها، وكتب الله لها عمرةً بنيتها.
الثالثة: إذا مرت بالميقات وهي حائض، ولم تحرم جهلًا منها، وهي تقصد العمرة، ثم دخلت مكة وطهرت، فعليها أن ترجع إلى الميقات وتحرم منه، فإن لم تستطع أحرمت من الحل كالتنعيم أو غيره: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].