← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

• آداب المسجد الحرام: المساجد بيوت الله تعالى، دعا كل مسلم لدخولها وعبادته بأنواع العبادة فيها، ومن واجب العبد أن يعرف قدر ربه الذي أذن له بدخول بيته، وأن يستعد لمناجاته، وأن يتأدب معه في بيته بما يليق بعظمته وجلاله، وأن يحب مساجده ويعظمها ويحترمها، خاصةً بيت الله الحرام؛ لأنها بيوت الله، بُنيت لعبادته وذكره وتعظيمه وحمده وشكره وتلاوة كتابه وتعليم شرعه. • ومن آداب بيوت الله تعالى: الذهاب إلى المسجد متوضئًا من بيته، وأن يتطيب ويلبس الثياب النظيفة والجميلة، ويمشي للمسجد بسكينة ووقار، فإذا دخل المسجد صلى تحية المسجد، ويجتنب مزاحمة إخوانه، وتخطي رقابهم، وأن يلين بأيدي إخوانه عند التراص في الصفوف ونحوها، ويُفسح لهم، ويجتنب أكل الثوم والبصل والكرات، وما له رائحة كريهة تؤذي المصلين والملائكة. ويغلق أجهزة الاتصال التي تؤذي أهل المسجد بأصواتها وأجراسها، وألا يلوث المسجد بالمستقذرات كالبصاق والمخاط والمناديل المستعملة ونحو ذلك، ويجتنب اللهو واللعب واللغو والثرثرة، ورفع الصوت والخصومات، والبيع والشراء، وإنشاد الضالة، وسؤال الناس المال، وأن يحافظ على نظافة المسجد، وأثاث ومصاحف المسجد، وتجتنب النساء الزينة، والطيب، والتبرج، وأن تصلي في المكان المخصص للنساء، ولا تفتن الناس بقولٍ أو فعل: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].

стр. 5847

وقال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨]. قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦].

стр. 5848

٨ - الخزانة الثامنة ٦ - أحكام العمرة • العمرة هي التعبد لله بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير. • حكم العمرة: العمرة سنةٌ مؤكدة، وتسن في كل وقت من العام، وفي أشهر الحج أفضل من سائر العام، والعمرة في رمضان تعدل حجة، ويسن تكرارها والإكثار منها ويجب إتمامها: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وسميت العمرة عمرة، لأنها تُفعل في العمر كله، وتُفعل في موضع عامر بالأعمال الصالحة، مشتقة من عمارة المسجد الحرام بالأعمال الصالحة. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أتى هذا البيت فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع كيوم ولدته أمه». متفق عليه (١). • عدد عمر النبي ﷺ . اعتمر النبي ﷺ في حياته أربع عمر كلها في أشهر الحج وهي: ١ - عمرة الحديبية. ٢ - ثم عمرة القضاء. ١ - ثم عمرة الجعرانة. ٢ - ثم عمرته ﷺ مع حجته. وكل عمر النبي ﷺ كانت في ذي القعدة.

стр. 5849

• أركان العمرة: أركان العمرة ثلاثة وهي: ١ - الإحرام. ٢ - والطواف. ٣ - والسعي. • واجبات العمرة: ١ - الإحرام من الميقات. ٢ - والحلق أو التقصير. • شروط صحة الطواف بالبيت: يشترط لصحة الطواف بالكعبة ما يلي: نية الطواف، والطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، ستر العورة، الطواف سبعًا بالكعبة، أن يبدأ من الحجر الأسود ويختم به، الطواف بكامل البيت، أن يجعل البيت عن يساره، الموالاة بين الأشواط إلا لعذر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. • حكم الطهارة للطواف بالبيت: يشترط لصحة الطواف بالكعبة، الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وهذا هو الموافق لفعل النبي ﷺ حيث توضأ ﷺ قبل أن يطوف، وأمر بأخذ جميع المناسك عنه، ونهى الحائض أن تطوف بالبيت حتى تطهر وتغتسل. عن عائشة ﵂: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ». متفق عليه (١).

стр. 5850

وعن عائشة ﵂ قالت: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: أَنَفِسْتِ يَعْنِي الْحَيْضَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَال: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي». متفق عليه (١). وعن عائشة ﵂ أن: «صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ في حجة الوداع، فقال النبي ﷺ : أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ فقلت: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يا رسول الله وطافت بالبيت، فقَالَ النبي ﷺ فَلتنفر». متفق عليه (٢). • أحوال الحائض عند الإحرام: للحائض عند الإحرام ثلاث حالات: الأولى: إذا غلب على ظنها أنها ستطهر في مكة، فعليها أن تحرم، وتدخل مكة محرمة، فإذا طهرت اغتسلت في سكنها وأكملت عمرتها. الثانية: إذا كانت لا تدري هل ستطهر في مكة أم لا، فعليها أن تحرم وتشترط، فإن طهرت أكملت العمرة، وإن لم تطهر وخرجت فلا شيء عليها، وكتب الله لها عمرةً بنيتها. الثالثة: إذا مرت بالميقات وهي حائض، ولم تحرم جهلًا منها، وهي تقصد العمرة، ثم دخلت مكة وطهرت، فعليها أن ترجع إلى الميقات وتحرم منه، فإن لم تستطع أحرمت من الحل كالتنعيم أو غيره: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].

стр. 5851

٧ - صفة العمرة من الإحرام إلى التحلل • صفة العمرة التي فعلها النبي ﷺ وبيَّنها: أن يحرم من يريد العمرة بها من الميقات إذا كان مارًا به، ومن كان دون الميقات أحرم من حيث أنشأ النية، ويستحب أن يدخل مكة ليلًا أو نهارًا من أعلاها من جهة كداء إن كانت على طريقه، ويعرف اليوم بريع الحجون، وأن يخرج من أسفلها من جهة كُدى إن كانت على طريقه، جهة مشروع جبل عمر، ويقطع التلبية إذا دخل أدنى حدود الحرم. فإذا وصل المُحرِم المسجد الحرام دخله متوضئًا، من أي باب شاء، ويبدأ بالطواف بالكعبة من الحجر الأسود، ويجعل البيت عن يساره، ويقول عند دخول المسجد ما يقوله عند دخول المساجد: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. ويسن للرجل أن يضطبع قبل أن يطوف، بأن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر في جميع الأشواط. ويسن أن يرمل، وهو المشي بقوة ونشاط في الأشواط الثلاثة الأولى من الحجر إلى الحجر، ويمشي في الأشواط الأربعة الأخيرة. والاضطباع والرمل سنة للرجال فقط دون النساء، في طواف القدوم في الحج، وطواف العمرة. فإذا حاذى الحجر الأسود استقبله واستلمه بيده، وقبّله بفمه، فإن لم يستطع وضع يده اليمنى عليه وقبلها، فإن لم يستطع استلمه بمحجن، أو عصا ونحوهما مما في يده وقبلها، فإن لم يستطع أشار إليه بيده اليمنى ولا يقبلها، ويمضي ولا يقف.

стр. 5852

ويقول إذا حاذاه: الله أكبر مرة واحدة، ويفعل ذلك في كل شوط، ثم يدعو أثناء طوافه بما شاء من الأدعية الشرعية الواردة في القرآن والسنة، ويذكر الله ويوحده ولا يتكلم إلا بخير، ويجوز له أن يأكل ويشرب أثناء الطواف والسعي إن شاء. فإذا مر بالركن اليماني استلمه بيده اليمنى في كل شوط إن تيسر بدون تقبيل ولا تكبير، فإن شق استلامه مضى في طوافه بلا تكبير ولا إشارة. ويحرم على المرأة مزاحمة الرجال في الطواف والسعي وغيرهما، ويقول من يطوف بالكعبة بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١]. فيطوف سبعة أشواط كاملة من وراء الكعبة والحِجر، يكبر كلما حاذى الحجر الأسود، ويستلمه، ويقبّله في كل شوط إن أمكن، ولا يستلم الركنين الشاميين. وله أن يلتزم ما بين الحجر الأسود والباب بعد طواف القدوم، أو الوداع، أو غيرهما إن تيسر، فيضع صدره، ووجهه، وذراعيه عليه، ويدعو ويسأل الله تعالى. فإذا فرغ من الطواف غطى كتفه الأيمن، وتقدم إلى مقام إبراهيم ﷺ وهو يقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]. ثم يسن أن يصلي ركعتين خفيفتين خلف مقام إبراهيم إن تيسر وإلا صلى في أي مكان من المسجد الحرام، ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ما تيسر من القرآن، وفي الثانية بعد الفاتحة ما تيسر من القرآن، ثم ينصرف من حين يسلم، والدعاء بعد الركعتين هنا غير مشروع، وكذلك الدعاء عند

стр. 5853

مقام إبراهيم لا أصل له، ومن خالف السنة وقع في البدعة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. ثم إذا فرغ من الصلاة يسن أن يذهب إلى الحجر الأسود ويستلمه إن تيسر. ثم يتوجه إلى الصفا، ويسن أن يقرأ إذا قرب منه مرة واحدة فقط: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]. ويقول: أبدأ بما بدأ الله به، فإذا صعد على الصفا ورأى البيت، وقف مستقبلًا القبلة وكبر ثلاثًا رافعًا يديه للذكر والدعاء بطونهما للسماء لا على هيئة تكبير الصلاة، يوحد الله ويكبره ويحمده قائلًا: «لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا إلَهَ إلا الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ». متفق عليه (١). ثم يدعو بما شاء، ثم يعيد هذا الذكر مرة ثانية، ثم يدعو بما شاء، ثم يعيد الذكر فقط مرة ثالثة، يجهر بالذكر، ويسر بالدعاء. ثم ينزل من الصفا متجهًا إلى المروة يذكر الله، ويدعوه بخشوع وتذلل، ويمشي حتى يحاذي العلم الأخضر، فإذا حاذاه سعى سعيًا شديدًا إلى العلم الأخضر الثاني، ثم يمشي إلى المروة، وفي كل ذلك يهلل، ويكبر، ويدعو، والمرأة تمشي كعادتها في جميع أشواط السعي. فإذا وصل إلى المروة رقاها، واستقبل البيت، وكبر ثلاثًا رافعًا يديه، ووقف يذكر الله تعالى ويدعوه، ويقول ما قاله على الصفا من الذكر والدعاء، ويكرره ثلاثًا كما سبق، ثم ينزل من المروة إلى الصفا، يمشي في موضع

стр. 5854

مشيه، ويسعى في موضع سعيه، يفعل ذلك سبعًا، ذهابه سعية ورجوعه سعية، يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]. وتسن للسعي الطهارة والموالاة، والمرأة إذا طافت ثم حاضت أكملت السعي وما بعده، والسعي مكانه بعد الطواف، فلا يجوز للحائض وغيرها أن تسعى ثم تطوف بعد أن تطهر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. والسنة أن يطوف ويسعى في الدور الأرضي، ويجوز أن يطوف ويسعى فيما فوقه من الأدوار، لعذر أو لغير عذر. وتسن الموالاة بين الطواف والسعي إن تيسر، وله أن يستريح بينهما أو فيهما لعذر من تعبٍ ونحوه، ولا يخرج أثناء الطواف والسعي إلا لضرورة أو عذر مبيح من وضوء ونحوه، ثم يعود فورًا ويكمل من حيث انتهى. والمرأة كالرجل في الطواف والسعي إلا أنها لا ترمل في طواف، ولا تسرع في سعي، وتجتنب إظهار الزينة، وكشف الوجه أمام الرجال، ورفع الصوت، ومزاحمة الرجال. فإذا أتم الرجل السعي حلق وهو الأفضل، أو قصَّر من شعر رأسه كله. وأفضل الحلق ما أزال الشعر كله بالموس، أما حلق الشعر بالماكينة، فإن أزالت الشعر كله فهو حلق، وإن أبقت منه شيئًا ظاهرًا فهو تقصير، والحلق والتقصير في النسك يكون لشعر الرأس كله، ومن حلق شعره أو قصر بعضه وترك بعضه، فهذا قد أتى ببعض الواجب، وحلقه أو تقصيره ناقص، فعليه إكمال ما ترك، ليكمل أجره من ربه.

стр. 5855

والأصلع لا حلق عليه ولا تقصير، ولا يلزمه إمرار الموس على رأسه، لسقوط الواجب بفقد الشعر. أما المرأة فتقصر من طرف شعرها قدر أنملة، وبذلك تمت العمرة، وحلَّ للمعتمر كل شيء حرم عليه وهو محرم كاللباس والطيب والنكاح ونحو ذلك: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 5856

٩ - الخزانة التاسعة • ما يفعله من يطوف أو يسعى إذا أقيمت الصلاة: إذا أقيمت الصلاة وهو في الطواف أو السعي، فإنه يدخل مع الجماعة ويصلي، يصف الرجل مع الرجال، وتصف المرأة مع النساء، فإذا انتهت الصلاة أتم الشوط من حيث وقف، ولا يلزمه أن يأتي به من أول الشوط، فإن كان قد صلى من قبل صلى معهم، وتكون له نافلة. ويحرم على المرأة أن تصف مع الرجال، فإن صلت معهم فهي آثمة، وصلاتها صحيحة، وإذا اشتد الزحام ولم تستطع الخروج عن الرجال، وصلت في مكانها، فصلاتها صحيحة، ولا إثم عليها، لأن الضرورة تقدر بقدرها ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦]. • حكم تقبيل الحجر الأسود في الطواف: تقبيل الحجر الأسود، واستلامه، والإشارة إليه، والتكبير، ومسح الركن اليماني، كل ذلك سُنة، فمن شقَّ عليه شيء من ذلك، أو نسيه، أو تركه ومضى فلا إثم عليه، وطوافه صحيح، لكنه ترك سنة. والسنة تقبيل الحجر الأسود واستلامه لمن سهل عليه ذلك في حال الطواف؛ وبين الطواف والسعي، لأن تقبيل الحجر واستلامه ومسحه عبادة من العبادات، لكنها داخلة في عبادة الطواف.

стр. 5857

أما مع الزحام الشديد، وأذية الطائفين فلا يشرع، وتركه أولى، خاصة النساء؛ لأن الاستلام والتقبيل سنة، وأذية الناس محرمة، فلا يفعل السنة، ويرتكب المحرم، في آن واحد: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا﴾ [الأنفال: ١]. وأصل الحجر الأسود أنه نزل من الجنة أشد بياضًا من اللبن، فسوَّدته خطايا بني آدم، ولولا ما مسه من أنجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا شفي، يبعثه الله يوم القيامة فيشهد على من استلمه بحق. ومَسْحُ الحجر الأسود، والركن اليماني، يحطَّان الخطايا حطًا. ولا يشرع تقبيل الحجر الأسود، ولا مسح الركن اليماني، إلا لمن طاف بالبيت، لأنه نسك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. • فضل الطواف بالبيت: يستحب للمسلم أن يكثر من الطواف بالبيت، تعظيمًا للرب، وطلبًا لزيادة الأجر. عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ «أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ لِابْنِ عُمَرَ ﵄: مَا لِي لَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلَّا هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الحَجَرَ الأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ اليَمَانِيَ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ أَفْعَلْ فَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اسْتِلَامَهُمَا يَحُطُّ الخَطَايَاقَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ طَافَ أُسْبُوعًا يُحْصِيهِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا رَفَعَ رَجُلٌ قَدَمًا

стр. 5858

وَلَا وَضَعَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ». أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح (١). والأولى ترك طواف التطوع عند الزحام الشديد في المواسم كرمضان والحج والاشتغال بغيره من العبادات كالأذكار، والنوافل، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة للمسلمين، وغير ذلك من أعمال البر، وأجر ما تركه لعذر كمن فعله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥]. • حكم الكلام أثناء الطواف والسعي: الطواف والسعي عبادتان، ومحل للذكر والدعاء فقط، فمن تكلم فيهما فلا يتكلم إلا بخير كأمرٍ بمعروف، ونهيٍ عن منكر، أو إجابة سائل، ورد سلام ونحو ذلك مما لابد منه، ويجتنب فيهما فضول الكلام من جدل أو قيل وقال، أو محادثة في هاتف نقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: قُدْهُ بِيَدِه». أخرجه البخاري (٢).

стр. 5859

• حكم تكرار العمرة: حث النبي ﷺ على الإكثار من الحج والعمرة لعموم المسلمين؛ تعظيمًا للرب، وتعظيمًا لبيته وشعائره، ويستحب للمسلم تكرار الحج وتكرار العمرة في سفرةٍ من بلده أو غيره، فالاستكثار من الطاعات والازدياد من الخير، أمر مطلوب شرعًا بما يوافق السنة: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]. والعمرة أفضل من الطواف بالبيت فقط، لأن الطواف جزء من العمرة، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، فيجوز لأهل مكة والقادمين إليها تكرار العمرة، والاستكثار منها لأنفسهم أو لغيرهم من ميتٍ أو غير قادر. عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ الرَسُولَ ﷺ قال: «العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كفّارةٌ لِمَا بيْنَهُما، والحجُّ المبْرورُ لَيْسَ له جَزَاءٌ إلا الجنّةُ». متفق عليه (١). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ يَرْجِعُ أَصْحَابُكَ بِأَجْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَلَمْ أَزِدْ عَلَى الْحَجِّ، فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي وَلْيُرْدِفْكِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، فَانْتَظَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَعْلَى مَكَّةَ حَتَّى جَاءَت». متفق عليه (٢). وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ». أخرجه أحمد والترمذي بسند حسن (٣).

стр. 5860

• حكم طواف الوداع بعد العمرة: يجب طواف الوداع على كل حاج من غير أهل مكة إذا أردا الخروج إلى بلده، غير حائض أو نفساء، أما المعتمر فلا وداع عليه سواء كان من أهل مكة أو من غيرها، وقد اعتمر النبي ﷺ ثلاث عمر غير التي مع حجته ولم يوادع في واحدة منها، وجلس في مكة عام الفتح بضعة أيام ثم خرج إلى الطائف ولم يوادع: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فطواف الوداع واجب على الحاج من غير أهل مكة إذا أراد الخروج إلى بلده. عَنْ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ». متفق عليه (١).

стр. 5861

٨ - صفة الحج صفة الحج الذي بينه الرسول ﷺ وفعله وأمر به أصحابه ﵃ من الإحرام إلى التحلل، ومن البداية إلى النهاية. صفة الحج المبرور: الحج المبرور هو ما كان خالصًا لله ، وعلى سنة رسول الله ﷺ القولية والعملية، وأن يؤدي المناسك في أوقاتها، وأن يؤديه من مال طيب، ويشتغل وقته بالذكر، والعبادة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والإحسان إلى الناس، ويجتنب المعاصي وأذية الناس: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ الرَسُولَ ﷺ قال: «العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كفّارةٌ لِمَا بيْنَهُما، والحجُّ المبْرورُ لَيْسَ له جَزَاءٌ إلا الجنّةُ». متفق عليه (١). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٢). • صفة النزول في المشاعر: منى ومزدلفة وعرفات من مشاعر الحج، فلا يجوز لأحدٍ تملكها، ومنى مناخ من سبق، ومن ترك المبيت بمنى ليلتين أو ثلاثاً من ليالي أيام التشريق، أو ترك البقاء فيها نهارًا من غير عذر، فهو آثم، ونسكه صحيح، لكنه ناقص، فعليه التوبة والاستغفار: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].

стр. 5862

ومن لم يجد مكاناً بمنى، نزل بجوار آخر خيمة من منى من أي جهة ولو كان خارج منى، ولا حرج ولا دم عليه، ولا يبيت بمنى على الأرصفة أو في الطرق فيضر نفسه ويؤذي غيره: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]. فإن لم يتمكن بات بالقرب من منى في أي مكان يليق به، ويتفرغ فيه لعبادة ربه. ومنى ومزدلفة وعرفات مشاعر كالمساجد لا يجوز لأحدٍ أن يبني فيها بيتًا ويؤجره، أو يأخذ أرضًا ويؤجرها، فإن فعل فالناس معذورون ببذل الأجرة، والإثم على من أخذها. وعلى إمام المسلمين أن ينظم نزول الناس في المشاعر بما يراه مناسبًا يحقق المصلحة والأمن والراحة للحجاج، وعليهم طاعته: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وعَنْ عبد الرحمن بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ بِمِنًى، وَنَزَّلَهُمْ مَنَازِلَهُمْ، وَقَال: لِيَنْزِلْ الْمُهَاجِرُونَ هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى مَيْمَنَةِ الْقِبْلَةِ، وَالْأَنْصَارُ هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى مَيْسَرَةِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ لِيَنْزِلْ النَّاسُ حَوْلَهُمْ». أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح (١). ويسن للمحلين بمكة، وأهل مكة الاغتسال، والتنظف، والتطيب، ثم الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة. يحرم المسلم من مكانه الذي هو نازل فيه في مكة ومنى، ويقول في إهلاله: لبيك حجًا، وأما القارن والمفرد فيبقى على إحرامه، ويخرج قبل الزوال مع الحجاج إلى منى، ومن قدم مكة متمتعًا في ضحى اليوم الثامن

стр. 5863

وما بعده فلا يأتي بعمرة مفردة، لأن وقت الحج قد بدأ، فيقلب نسكه إلى قارن، فيطوف ويسعى ويخرج إلى منى فورًا. ثم يخرج ملبيًا كل من أراد الحج، من مفرد وقارن ومتمتع إلى منى قبل الزوال، فيصلي بها مع الإمام صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، في أوقاتها قصرًا بلا جمع. وإن لم يتيسر صلى مع جماعته في موضع رحله قصرًا بلا جمع ويبيت في منى تلك الليلة، ويشتغل في ذلك اليوم بالتلبية والذكر والدعاء، وإفشاء السلام، وبذل النصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإطعام الطعام، إن تيسر، وغير ذلك من أعمال البر والإحسان: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]. • حدود منى: من الغرب جمرة العقبة. ومن الشرق وادي محسر. ومن الشمال الجبل العظيم المرتفع. ومن الجنوب الجبل العظيم المقابل له. وقد وضعت الحكومة لوحات تبين حدود منى فلينتبه لذلك الحاج. ثم إذا طلعت الشمس من اليوم التاسع وهو يوم عرفة، سار الحاج من منى إلى عرفة ملبيًا ومكبرًا ومهللًا، فينزل بنمرة إلى الزوال، وهي مكان قريب من عرفات وليس منها، ونمرة مكان يقع غرب وادي عُرنة من جهة الحرم، فليست من عرفة، وعُرنة وادٍ ليس من عرفة، والنبي ﷺ نزل بنمرة، ولما

стр. 5864

زاغت الشمس أتى بطن وادي عرنة من جهة عرفة فخطب الناس، وصلى بهم الظهر والعصر قصرًا وجمعًا، ثم رحل إلى الموقف بعرفة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. • حدود عرفات: من الغرب وادي عُرَنَة. ومن الشرق الجبال المحيطة المطلة على ميدان عرفات. ومن الشمال ملتقى وادي وصيق بوادي عرنة. ومن الجنوب ما بعد مسجد نمرة جنوبًا بنحو كيلو ونصف تقريبًا، وقد وضعت لوحات تبين حدود عرفات، فلينتبه لذلك الحاج. فإذا زالت الشمس رحل إلى أول عرفة جهة مسجد عرفات، وفي ذلك المكان حافة بطن عُرنة، يخطُب فيه الإمام بالناس، وهو الآن داخل المسجد، ثم يؤذن المؤذن لصلاة الظهر، ثم يقيم، ثم يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر، جمعًا وقصرًا، ركعتين ركعتين، يجمع بينهما جمع تقديم بآذان واحد وإقامتين، فإن لم يتيسر للحاج صلى جماعة مع رفقته في منزله جمعًا وقصرًا كما سبق. ويسن للحجاج وغيرهم ممن هو في عرفة استماع خطبة الإمام، ثم الآذان والصلاة بعدها في مكانهم، ثم يسن له بعد الصلاة أن يتوجه إلى عرفات، ويقف عند الجبل المسمى جبل عرفة، فيجعله بينه وبين القبلة، ويستقبل القبلة، جاعلًا حبل المشاة بين يديه، ولا يصعد الجبل، لأن النبي ﷺ لم يصعده، ولا أمر بصعوده.

стр. 5865

ويظل واقفًا عند الصخرات أسفل الجبل يذكر الله، ويدعوه، ويستغفره، بخشوع وتذلل رافعًا يديه يدعو ويلبي ويهلل ويكبر. وله الوقوف راكبًا على الراحلة، أو جالسًا على الأرض، والأفضل أن يفعل ما كان فيه الأخشع له، والأحضر لقلبه، ويكثر من الدعاء بما ورد في القرآن والسنة الصحيحة، وبما شاء مما يوافقهما، ويكثر من الاستغفار والتوبة، والتكبير والتهليل، والثناء على الله ، والصلاة على النبي ﷺ ، ويظهر الافتقار إلى الله ، ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. ويظل يذكر الله ويدعوه حتى يغيب قوص الشمس، وإن لم يتيسر له أن يقف عند الجبل قرب الصخرات وقف فيما تيسر له من عرفة في منزله أو غيره، وعرفة كلها موقِف إلا بطن عرنة.

стр. 5866

١٠ - الخزانة العاشرة بقية صفة الحج • وقت الوقوف بعرفة: الوقوف بعرفة يبدأ بعد زوال الشمس من يوم عرفة إلى غروب الشمس، ويستمر زمن الوقوف إلى طلوع الفجر من ليلة العاشر، ومن دخل عرفة قبل الزوال، أو دخل ليلة عرفة جاز، لكن السنة الدخول بعد الزوال إتباعًا للنبي ﷺ ومَن وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا ولو لحظة أجزأه الوقوف. ومعنى الوقوف المكث على الراحلة أو الأرض لا الوقوف على القدمين، ومن وقف بعرفة نهارًا، ثم دفع قبل الغروب فقد ترك أمرًا واجبًا، ووافق أهل الجاهلية في إفاضتهم قبل غروب الشمس، وخالف فعل النبي ﷺ في إفاضته بعد غروب الشمس، فهو آثمٌ، فعليه التوبة، وحجه صحيح، لكنه غير مبرور: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وعن عروة بن مضرس ﵁ قال: «أتيت رسول الله ﷺ بِالمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ فقلت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ، أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ - يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ - بِجَمْعٍ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نُفِيضَ مِنْهُ وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (١).

стр. 5867

• وقت الإفاضة من عرفات: إذا غابت الشمس أفاض الحاج من عرفات إلى مزدلفة ملبيًا ومهللًا ومكبرًا، وعليه السكينة والهدوء، ولا يزاحم الناس بنفسه أو دابته أو راحلته أو سيارته، وإذا وجد فجوة أسرع، فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين، يجمع بينهما جمع تأخير بأذان واحد وإقامتين، ويبيت بها، ويصلي التهجد والوتر، ثم يصلي الفجر مع سنتها بغلس بعد دخول الوقت. • حدود مزدلفة: من الغرب وادي محسِّر، وهو الفاصل بين منى ومزدلفة. ومن الشرق مفيض المأزمين الغربي، وهما جبلان بين عرفات ومزدلفة. ومن الشمال جبل ثبير. ومن الجنوب جبل المريخيات المقابل له. وقد وضعت الحكومة لوحات تبين حدود مزدلفة، فلينتبه لذلك الحاج. • وقت الوقوف بمزدلفة: إذا صلى الحاج الفجر أتى المشعر الحرام، وهو الآن مسجد مزدلفة، ويقف هناك مستقبلًا للقبلة يذكر الله تعالى ويحمده ويهلله ويكبره ويدعوه راكبًا أو على الأرض حتى يسفر جدًا، كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]. وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام، فمزدلفة كلها موقف فيدعو في مكانه مستقبلًا القبلة حتى يسفر جدًا.

стр. 5868

• وقت الدفع من مزدلفة إلى منى: ثم يدفع الحاج من مزدلفة إلى منى ملبياً ومستغفراً قبل طلوع الشمس وعليه السكينة: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩]. فإذا بلغ محسرًا وهو وادي بين مزدلفة ومنى، ليس من منى، أسرع راكبًا أو ماشيًا قدر رمية حجر. ويلتقط سبع حصيات من عند الجمرات، أو من طريقه إلى الجمرات من منى، وإذا أخذها من مزدلفة جاز، ويلبي ويكبر في طريقه، ويقطع التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة. ويجوز للضعفاء وذوي الأعذار من الرجال والنساء ومن يرافقهم، ويقوم على خدمتهم، أن يدفع من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر، أو إذا مضى أكثر الليل، ثم يرموا جمرة العقبة إذا وصلوا منى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. • وقت رمي جمرة العقبة: يبدأ رمي جمرة العقبة ليلة النحر لأهل الأعذار ومن يرافقهم بعد مغيب القمر. فإذا وصل الحاج جمرة العقبة، وهي آخر الجمرات من جهة منى رماها بسبع حصيات بعد طلوع الشمس، جاعلًا منى عن يمينه ومكة عن يساره، يرفع يده اليمنى بالرمي، ويكبر مع كل حصاة قائلًا: الله أكبر. والسنة في حصى الجمار أن تكون صغيرة بين الحمص والبندق مثل حصى الخذف، ولا يجوز الرمي بحصاة كبيرة، ولا يجوز الرمي بغير الحصى

стр. 5869

كالخفاف، والنعال، والجواهر والمعادن ونحوها، ولا يؤذي، ولا يزاحم المسلمين عند الرمي وغيره. عن جابر ﵁ قال: رَأَيْتُ النبيَّ ﷺ يَرْمِي علَى رَاحِلَتِهِ يَومَ النَّحْرِ، ويقولُ: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فإنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتي هذِه". رواه مسلم (١). • ما يفعله الحاج بعد الرمي: ثم بعد الرمي يذبح المتمتع والقارن الهدي، ويقول عند الذبح أو النحر للهدي وغيره: باسم الله والله أكبر، اللهم تقبل مني. عن أنس ﵁ قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا». متفق عليه (٢). ويسن أن يأكل من لحم الهدي، ويشرب من مرقه، ويطعم منه المساكين، وله أن يتزود منه لبلده، أما المفرد فيحلق بعد الرمي؛ لأنه لا هدي عليه، وكذا أهل المسجد الحرام، وحاضري المسجد الحرام، من قارنٍ ومتمتعٍ، ليس عليهم هدي: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 5870

ثم بعد ذبح الهدي يحلق رأسه، أو يقصره إن كان رجلاً، والحلق أفضل، والسنة أن يبدأ الحالق بيمين المحلوق، والمرأة تُقصر من شعر رأسها قدر أنملة من طرفه. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِين قالوا: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِين قالوا: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قالوا: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: وَلِلْمُقَصِّرِين». متفق عليه (١). • التحلل الأول: فإذا فعل الحاج ما سبق حلَّ له جميع محظورات الإحرام إلا الجماع، فيحل له اللباس والطيب وتغطية الرأس ونحوها، ولو رمى جمرة العقبة وحلق حل له كل شيء من المحظورات إلا النساء ولو لم يذبح الهدي إلا من ساق الهدي فلا يحل له حتى يرمي ويذبح الهدي، ثم يحلق. ويسن للإمام أن يخطب ضحى يوم النحر بمنى عند الجمرات، خطبةً يُعَلِّم الناس فيها مناسكهم، ويوصيهم بتقوى الله تعالى، والتعاون على البر والتقوى والإكثار من ذكر الله وشكره. • التحلل الثاني: ثم بعد الرمي وذبح الهدي والحلق يقضي الحاج تفثه، ويتنظف ثم يلبس ثيابه ويتطيب ويفيض إلى مكة ضحى، ويطوف بالبيت طواف الحج، ويسمى طواف الإفاضة أو طواف الزيارة، ولا يرمل فيه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].

стр. 5871

ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعًا، وإن كان قارنًا أو مفردًا ولم يسع مع طواف القدوم طاف وسعى كالمتمتع، وإن سعى بعد طواف القدوم وهو الأفضل، فلا سعي عليه بعد طواف الإفاضة، ثم قد حلَّ للحاج كل شيء مما حرُم عليه في الإحرام حتى النساء. • أول وقت طواف الإفاضة: طواف الإفاضة هو طواف الزيارة، ويبدأ بعد مضي معظم ليلة النحر للمعذور لمن وقف بعرفة، ويسن للحاج أن يطوف في ضحى يوم النحر ولا يؤخره عن شهر ذي الحجة إلا لعذر. • وقت الرجوع إلى منى: ثم يرجع الحاج من مكة إلى منى، ويصلي بها الظهر إن تيسر، ويمكث فيها بقية يوم العيد وأيام التشريق ولياليها، فيبيت بمنى ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر، وليلة الثالث عشر إن تأخر، وهو الأفضل؛ لأنه فعل النبي ﷺ ، فإن لم يتيسر له المبيت بات معظم الليل من ليالي منى بمنى من أوله، أو وسطه، أو آخره، فإن لم يتيسر بات بجوار منى، لأن الواجبات تسقط بالعجز عنها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦]. • ما حكم بقاء الحاج في المشاعر: اجتماع الحجاج في المشاعر نسك، وبقاؤهم فيها لأداء نسكهم عبادة مقصودة شرعًا، يتم بها تعرف بعضهم على بعض، واستفادة بعضهم من بعض، وتعاونهم على البر والتقوى، وإظهار محاسن الأخلاق من الإيثار والإكرام فيما بينهم، فيجب على كل حاج البقاء في منى وعرفات

стр. 5872

والمزدلفة ليلًا ونهارًا كما فعل النبي ﷺ ولا يجوز الخروج من منى وقت الحج إلا لعذر، كأداء طواف أو سعي أو حاجة لابد منها ثم يرجع فورًا. • وقت الرمي في أيام التشريق: يصلي الحاج الصلوات الخمس مع الجماعة في أوقاتها قصراً بلا جمع في مسجد الخيف بمنى إن تيسر، وإلا صلى جماعة في أي مكان من منى، ويرمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق بعد الزوال، يلتقط حصى كل يوم من أي مكان في منى أو غيرها. والسنة أن يذهب إلى الجمرات ماشيًا إن تيسر، فيرمي في اليوم الحادي عشر بعد الزوال الجمرة الأولى وهي الصغرى التي تلي مسجد الخيف بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده اليمنى مع كل حصاة، ويقول: الله أكبر، فإذا فرغ تقدم قليلاً عن يمينه، فيقف مستقبلاً القبلة، رافعاً يديه، ويدعو طويلاً بحسب قدرته. ثم يسير إلى الجمرة الوسطى، ويرميها بسبع حصيات كما سبق، ويرفع يده اليمنى مع كل حصاة ويكبر، ثم يتقدم قليلًا إلى اليسار، ويقف مستقبلاً القبلة، رافعاً يديه، ويدعو طويلا أقل من دعائه عند الجمرة الأولى. ثم يسير إلى جمرة العقبة ويرميها بسبع حصيات، جاعلاً مكة عن يساره ومنى عن يمينه، ولا يقف عندها للدعاء. وبذلك يكون قد رمى إحدى وعشرين حصاة، ويجوز للمعذور ألّا يبيت في منى، وأن يجمع رمي يومين في يوم واحد، أو يؤخر الرمي إلى آخر أيام التشريق، أو يرمي في الليل وهو الأفضل في كل يوم إلا رمي اليوم الثالث عشر، فيكون قبل الغروب.

стр. 5873

ثم يفعل في اليوم الثاني عشر كما فعله في اليوم الحادي عشر، يرمي الجمار الثلاث بالترتيب بعد الزوال كما سبق، والسنة أن يرمي الجمار الثلاث في الدور الأرضي، ويجوز الرمي فيما فوقه من الأدوار. فإن أحب التعجل في يومين خرج من منى قبل الغروب في اليوم الثاني عشر، وإن تأخر إلى اليوم الثالث عشر رمى الجمار الثلاث بعد الزوال كما سبق وهو الأفضل؛ لأنه فِعْل الرسول ﷺ والمرأة كالرجل في كل ما سبق: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣]. والمتعجل في يومين يرمي الجمرات بتسعٍ وأربعين حصاة، يرمي في اليوم الأول من أيام التشريق إحدى وعشرين حصاة، ويرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق إحدى وعشرين حصاة، فيكون رميه تسع وأربعين حصاة مع رمي يوم العيد. أما من لم يتعجل فإنه يرمي سبعين حصاة، وبذلك فرغ الحاج من أعمال الحج بعد إنهاء رمي الجمار. وقد حج النبي ﷺ حجة واحدة هي حجة الوداع، قام فيها بأداء النسك، وتعليم الناس مناسكهم، وحمّل الأمة مسؤولية الدعوة إلى الله، ففي عرفة تم إكمال الدين، وفي يوم النحر تحميل الأمة مسؤولية الدين كما قال ﷺ في حجته: «لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ». متفق عليه (١).

стр. 5874

• الإكثار من ذكر الله بعد إتمام المناسك: يشرع للمسلم كلما فرغ من عبادة كالصلاة والصيام والحج أن يكثر من ذكر الله الذي وفقه لأداء الطاعة، ويحمده على ما يسر له من أداء الفريضة، ويستغفره عن التقصير، ويسأله من خير الدنيا والآخرة لا كمن يرى أنه أكمل العبادة، ومنّ بها على ربه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]. ثم بعد رمي اليوم الثالث عشر بعد الزوال يخرج من منى، ومن السنة أن ينزل الأفاقي بالأبطح إن تيسر، ويصلي به الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ويبيت به بعض الليل، فإن لم يتيسر له ذلك بات في أي مكان، أو ذهب للحرم لطواف الوادع، يفعل الأفق به. • وقت طواف الوداع: ثم ينزل الحاج إلى مكة، ويطوف طواف الوداع، إن كان من غير أهل مكة، والحائض والنفساء لا طواف عليهما للوداع، فإذا طاف للوداع نفر إلى بلده، وله أن يحمل معه من ماء زمزم ما تيسر إن شاء. وإن خرج من منى بعد الرمي، ثم صلى الظهر، وطاف للوداع مباشرة، وخرج إلى بلده، فله ذلك.

стр. 5875

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إِلَّا أنَّهُ خُفِّفَ عَنْ المَرْأَةِ الحَائِضِ». متفق عليه (١). • حكم ترك طواف الوداع: إذا أخر الحاج طواف الإفاضة فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع إذا نواه للإفاضة، لكنه ترك الأفضل، وهو طواف الإفاضة يوم النحر مستقلًا. ومن وجب عليه طواف الوادع، وخرج قبل أن يطوف للوداع، لزمه أن يرجع ويطوف للوداع، فإن لم يرجع فهو آثم، فعليه التوبة والاستغفار: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].

стр. 5876

صفة حجة النبي ﷺ . عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «إِنّ رسول اللهَ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟، قَالَ: اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ ﵁: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،

стр. 5877

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَنا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ، لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟، قَالَ: قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ، قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ

стр. 5878

ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ، أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ

стр. 5879

بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ». أخرجه الإمام مسلم (١). اللهم يسر لعبادك المؤمنين حج بينك الحرم، إنك على كل شيء قدير.

стр. 5880

موسوعة خزائن العلوم الاسلامية ٣٧ - خزائن الحج والعمرة القسم الثاني وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 5881

٣٧ - خزائن الحج والعمرة القسم الثاني ١ - الخزانة الأولى ٩ - أحكام الحج والعمرة • أركان الحج: أركان الحج أربعة هي: ١ - الإحرام. ٢ - والوقوف بعرفة. ٣ - وطواف الزيارة. ٤ - والسعي بين الصفا والمروة. • واجبات الحج: الإحرام من الميقات المعتبر له، والمبيت ليالي أيام التشريق بمنى لغير أهل السقاية والرعاية ونحوهم، والمبيت بالمزدلفة ليلة النحر أو معظم الليل للضعفاء ونحوهم، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير، وطواف الوداع لغير أهل مكة عند الخروج منها: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 5882

• حكم من ترك شيئًا من أعمال النسك: أولًا: من ترك الإحرام لم ينعقد نسكه إلا به، ومن ترك ركنًا من أركان الحج أو العمرة لم يتم نسكه إلا به لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقول النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ». أخرجه مسلم (١). ثانيًا: من ترك واجبًا من واجبات الحج أو العمرة متعمدًا مختارًا عالمًا بالحكم فهو آثم؛ لأنه خالف فعل النبي ﷺ وأمره، ونسكه ناقص غير كامل ولا مبرور، ومن تركه لعذرٍ فلا إثم عليه وعليه فدية فيما ورد به النص. ثالثًا: من ترك سنة فلا شيء عليه، لكنه فاته ثوابها، والسنة ما عدا الركن والواجب، سواء كانت أقوالًا أو أفعالًا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. • كيفية أداء أعمال يوم النحر. الأفضل للحاج أن يرتب الأعمال ليوم العيد وهو العاشر من شهر ذي الحجة كما فعلها النبي ﷺ كما يلي: رمي جمرة العقبة، ثم ذبح الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي، وهذا هو السنة، فإن قدم بعضها على بعض فلا حرج، كأن يحلق قبل أن يذبح، أو يطوف قبل أن يرمي ونحو ذلك من أعمال يوم النحر. وأداء العمرة، وتكرارها للحاج في يوم العيد، أو أيام التشريق غير مشروع، وعلى الحاج أن يبقى مع الحجاج في منى، حتى يكمل نسكه، ويفرغ منه

стр. 5883

ويمتد وقت الذبح للهدي من يوم العيد إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄: «أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقف فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذبح، فَقَالَ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ، فجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ، فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». متفق عليه (١). • حكم تقديم السعي على الطواف: النبي ﷺ في جميع نسكه في الحج والعمرة طاف، ثم سعى بين الصفا والمروة، فلا يجوز تقديم السعي على الطواف مطلقًا سواءً كان سعي حجٍ أو سعي عمرة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. • حكم حج من حُبس عن المزدلفة: إذا دفع الحاج من عرفة إلى مزدلفة وحبسه عذرٌ كزحام شديد وخشي خروج وقت العشاء فيصلي في الطريق، ومن حُبس عاجزًا عن الوصول إلى مزدلفة، ولم يصل إلا بعد طلوع الفجر، أو بعد طلوع الشمس، وقف بالمزدلفة قليلًا، ثم يستمر متجهًا إلى منى، ولا إثم ولا دم عليه، وحجه صحيح، لقول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].

стр. 5884

• حكم المبيت بمنى: يجب على جميع الحجاج المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، والبقاء فيها نهارًا، وعدم الخروج منها إلا لحاجة أو أداء نسك؛ لأن الاجتماع في المناسك مقصود، لما فيه من المنافع والبر والخير لعموم الحجاج. ويجوز للرعاة ومن اشتغل بمصالح الحجاج العامة كرجال المرور والأمن والمطافي والأطباء ونحوهم أن يبيتوا ليالي منى خارجها إذا لزم الأمر، ولا فدية عليهم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦]. • وقت رمي الجمار في أيام التشريق: أولاً: رمي الجمار بعد يوم العيد كله بعد الزوال، ومن رمى قبل الزوال لزمه أن يعيده بعد الزوال، فإن لم يعد وغابت شمس يوم الثالث عشر، فهو آثم، وعليه التوبة، ولا يرمي لفوات وقت الرمي، ونسكه صحيح، لكنه ناقص غير مبرور فليستغفر الله من مخالفة أمره: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. ويرمي الحاج الجمار أيام التشريق كل يوم بيومه مرتبًا بعد الزوال، الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ثانيًا: أيام التشريق الثلاثة بالنسبة إلى الرمي كاليوم الواحد، فمن رمى من المعذورين عن يومٍ منها في يومٍ آخر بعده أجزأه، ولا شيء عليه، لكنه ترك الأفضل لعذره.

стр. 5885

ومن رمى الحصى دفعة واحدة أجزأ عن واحدة، ويكمل الست الباقية، والمرمى هو مجتمع الحصى، وليس الجدار المنصوب للدلالة على الحوض. • حكم الرمي مساءً: الأفضل للحاج أن يرمي الجمرات في أيام التشريق بعد الزوال في النهار، فإن خشي من الزحام رماها مساءً؛ لأن النبي ﷺ وقت ابتداء الرمي، ولم يوقت آخره. عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «سئل النبي ﷺ فقال: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ قَالَ: لَا حَرَجَ». متفق عليه (١). • حكم تأخير رمي الجمار: السنة أن يرمي الحاج الجمار في أوقاتها، وفي أيامها كما فعل النبي ﷺ ، ويجوز للرعاة والمرضى ومن له عذر أو يضره الزحام أن يؤخر رمي أيام التشريق إلى اليوم الثالث عشر، ويرمي مرتبًا لكل يوم، فيرمي في اليوم الحادي عشر الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ثم اليوم الثاني عشر كذلك، ثم الثالث عشر كذلك. فإن أخر الرمي عن اليوم الثالث عشر من غير عذر، فهو آثم، وحجه صحيح ولكنه ناقص غير مبرور. وإن أخره لعذرٍ، فلا إثم عليه، ولا يرمي في كلا الحالين لفوات وقته، ونسكه صحيح.
следующие страницы →