٣٧ - خزائن الحج والعمرة
القسم الثاني
١ - الخزانة الأولى
٩ - أحكام الحج والعمرة
• أركان الحج:
أركان الحج أربعة هي:
١ - الإحرام.
٢ - والوقوف بعرفة.
٣ - وطواف الزيارة.
٤ - والسعي بين الصفا والمروة.
• واجبات الحج:
الإحرام من الميقات المعتبر له، والمبيت ليالي أيام التشريق بمنى لغير أهل السقاية والرعاية ونحوهم، والمبيت بالمزدلفة ليلة النحر أو معظم الليل للضعفاء ونحوهم، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير، وطواف الوداع لغير أهل مكة عند الخروج منها: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
стр. 5882
• حكم من ترك شيئًا من أعمال النسك:
أولًا: من ترك الإحرام لم ينعقد نسكه إلا به، ومن ترك ركنًا من أركان الحج أو العمرة لم يتم نسكه إلا به لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقول النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ». أخرجه مسلم (١).
ثانيًا: من ترك واجبًا من واجبات الحج أو العمرة متعمدًا مختارًا عالمًا بالحكم فهو آثم؛ لأنه خالف فعل النبي ﷺ وأمره، ونسكه ناقص غير كامل ولا مبرور، ومن تركه لعذرٍ فلا إثم عليه وعليه فدية فيما ورد به النص.
ثالثًا: من ترك سنة فلا شيء عليه، لكنه فاته ثوابها، والسنة ما عدا الركن والواجب، سواء كانت أقوالًا أو أفعالًا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
• كيفية أداء أعمال يوم النحر.
الأفضل للحاج أن يرتب الأعمال ليوم العيد وهو العاشر من شهر ذي الحجة كما فعلها النبي ﷺ كما يلي:
رمي جمرة العقبة، ثم ذبح الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي، وهذا هو السنة، فإن قدم بعضها على بعض فلا حرج، كأن يحلق قبل أن يذبح، أو يطوف قبل أن يرمي ونحو ذلك من أعمال يوم النحر.
وأداء العمرة، وتكرارها للحاج في يوم العيد، أو أيام التشريق غير مشروع، وعلى الحاج أن يبقى مع الحجاج في منى، حتى يكمل نسكه، ويفرغ منه
стр. 5883
ويمتد وقت الذبح للهدي من يوم العيد إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄: «أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقف فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذبح، فَقَالَ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ، فجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ، فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». متفق عليه (١).
• حكم تقديم السعي على الطواف:
النبي ﷺ في جميع نسكه في الحج والعمرة طاف، ثم سعى بين الصفا والمروة، فلا يجوز تقديم السعي على الطواف مطلقًا سواءً كان سعي حجٍ أو سعي عمرة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
• حكم حج من حُبس عن المزدلفة:
إذا دفع الحاج من عرفة إلى مزدلفة وحبسه عذرٌ كزحام شديد وخشي خروج وقت العشاء فيصلي في الطريق، ومن حُبس عاجزًا عن الوصول إلى مزدلفة، ولم يصل إلا بعد طلوع الفجر، أو بعد طلوع الشمس، وقف بالمزدلفة قليلًا، ثم يستمر متجهًا إلى منى، ولا إثم ولا دم عليه، وحجه صحيح، لقول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
стр. 5884
• حكم المبيت بمنى:
يجب على جميع الحجاج المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، والبقاء فيها نهارًا، وعدم الخروج منها إلا لحاجة أو أداء نسك؛ لأن الاجتماع في المناسك مقصود، لما فيه من المنافع والبر والخير لعموم الحجاج.
ويجوز للرعاة ومن اشتغل بمصالح الحجاج العامة كرجال المرور والأمن والمطافي والأطباء ونحوهم أن يبيتوا ليالي منى خارجها إذا لزم الأمر، ولا فدية عليهم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
• وقت رمي الجمار في أيام التشريق:
أولاً: رمي الجمار بعد يوم العيد كله بعد الزوال، ومن رمى قبل الزوال لزمه أن يعيده بعد الزوال، فإن لم يعد وغابت شمس يوم الثالث عشر، فهو آثم، وعليه التوبة، ولا يرمي لفوات وقت الرمي، ونسكه صحيح، لكنه ناقص غير مبرور فليستغفر الله من مخالفة أمره: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
ويرمي الحاج الجمار أيام التشريق كل يوم بيومه مرتبًا بعد الزوال، الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
ثانيًا: أيام التشريق الثلاثة بالنسبة إلى الرمي كاليوم الواحد، فمن رمى من المعذورين عن يومٍ منها في يومٍ آخر بعده أجزأه، ولا شيء عليه، لكنه ترك الأفضل لعذره.
стр. 5885
ومن رمى الحصى دفعة واحدة أجزأ عن واحدة، ويكمل الست الباقية، والمرمى هو مجتمع الحصى، وليس الجدار المنصوب للدلالة على الحوض.
• حكم الرمي مساءً:
الأفضل للحاج أن يرمي الجمرات في أيام التشريق بعد الزوال في النهار، فإن خشي من الزحام رماها مساءً؛ لأن النبي ﷺ وقت ابتداء الرمي، ولم يوقت آخره.
عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «سئل النبي ﷺ فقال: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ قَالَ: لَا حَرَجَ». متفق عليه (١).
• حكم تأخير رمي الجمار:
السنة أن يرمي الحاج الجمار في أوقاتها، وفي أيامها كما فعل النبي ﷺ ، ويجوز للرعاة والمرضى ومن له عذر أو يضره الزحام أن يؤخر رمي أيام التشريق إلى اليوم الثالث عشر، ويرمي مرتبًا لكل يوم، فيرمي في اليوم الحادي عشر الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ثم اليوم الثاني عشر كذلك، ثم الثالث عشر كذلك.
فإن أخر الرمي عن اليوم الثالث عشر من غير عذر، فهو آثم، وحجه صحيح ولكنه ناقص غير مبرور.
وإن أخره لعذرٍ، فلا إثم عليه، ولا يرمي في كلا الحالين لفوات وقته، ونسكه صحيح.
стр. 5886
وبحمد الله ومنه وفضله صار الرمي في زماننا سهلًا وواسعًا وميسرًا فميدان الجمرات ميدان كبير، ومهيأ للرمي في كل وقت، فلله الحمد والشكر، فلا حاجة لتأخير اليوم الحادي عشر للثاني عشر، أو جمع رمي الأيام الثلاثة في اليوم الثالث عشر؛ لأن العذر قد زال، ومن هو مريضٌ أو له عذرٌ خاص فيقدر ذلك بقدره: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾ [آل عمران: ٥٠].
• حكم الإنابة في الرمي:
تجوز الإنابة في الرمي لمن لا يقدر عليه من الضعفاء من الرجال والنساء والأطفال، فيرمي الوكيل عن نفسه، ثم يرمي عن موكله، عند كل جمرةٍ في مكانه أو غيره.
• حكم تأخير طواف الإفاضة:
السنة أن يطوف الحاج طواف الإفاضة يوم العيد، ويجوز له تأخيره لأيام التشريق، وإلى نهاية شهر ذي الحجة للمعذور بمرض ونحوه.
ولا يجوز تأخيره عن ذي الحجة إلا لعذر لازمٍ متصل كالمريض الذي لا يستطيع الطواف ماشيًا أو محمولًا، أو امرأةً نفست قبل أن تطوف ونحو ذلك، وطواف الإفاضة من أعظم أركان الحج، فمن تركه لعذر أو نسيه فلابد أن يأتي به.
• حكم طواف الحائض والنفساء:
أولاً: إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة أو نفست، فلا تطوف حتى تطهر، وتبقى في مكة حتى تغتسل، ثم تطوف طواف الإفاضة، فإن كانت مع رفقة لا ينتظرونها ولا تستطيع البقاء في مكة، فلها أن تستعمل ما يقطع
стр. 5887
الحيض والدم من دواءٍ لا يضر، ثم تغتسل وتطوف، لأنها مضطرة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وحجها صحيح إن شاء الله تعالى، فإن اضطرت طافت وهي حائض، لسقوط الشرط الواجب العجز عنه.
ثانيًا: إذا أحرمت المرأة بالعمرة، ثم حاضت قبل الطواف، فإن طهرت قبل اليوم التاسع أتمت عمرتها، ثم أحرمت بالحج وخرجت إلى عرفة.
وإن لم تطهر قبل يوم عرفة أدخلت الحج على العمرة بقولها: لبيك حجًا وعمرة فتصير قارنة، وتقف مع الناس في المشاعر، وتفعل المناسك، فإذا طهرت اغتسلت وطافت بالبيت، ثم سعت، وأكملت مناسكها: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
• حكم تغيير النسك:
المفرد أو القارن إذا قدم مكة، وطاف وسعى، يسن له أن يقلب نسكه إلى عمرة، ليكون متمتعًا، وله قلب نسكه إلى التمتع قبل الطواف، وبعده، وبعد السعي.
ومن خاف فوات الحج من حائض أو معذور، فله أن يقلب نية العمرة إلى القران ويخرج إلى عرفات ليقف مع الناس.
• حكم دخول الكعبة:
دخول الكعبة ليس بفرض، ولا سنة من سنن الحج أو العمرة، بل دخولها حسن إن تيسر له في أي وقت، ومن دخلها يستحب له أن يصلي فيها، ويكبر الله ويدعوه، فإذا دخل مع الباب تقدم حتى يصير بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع والباب خلفه ثم يصلي ركعتين، كما فعل النبي ﷺ .
стр. 5888
ومن صلى في حجر الكعبة فكأنما صلى في الكعبة لأن الحجر منها.
• وقفات الدعاء في الحج والعمرة:
في الحج ست وقفات للدعاء:
١ - وقفة على الصفا في السعي، في بداية كل شوط.
٢ - وقفة على المروة في السعي، في بداية كل شوط.
٣ - وفي عرفة.
٤ - وفي المزدلفة.
٥ - وبعد الجمرة الأولى.
٦ - وبعد الجمرة الوسطى.
أما في العمرة فوقفات الدعاء اثنتان:
١ - وقفة على الصفا في بداية كل شوط.
٢ - ووقفة على المروة في بداية كل شوط من أشواط السعي السبعة.
• إفاضات الحجاج.
إفاضات الحجاج ثلاث:
الأولى: افاضة من عرفة إلى مزدلفة، ليلة عيد النحر.
الثانية: افاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر.
الثالثة: افاضة من منى إلى مكة لطواف الإفاضة.
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ
стр. 5889
أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩].
وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
• أحكام الفوات والإحصار:
من حصره مرضٌ أو عذرٌ أو مانعٌ أو حيضٌ أو ذهاب نفقة، فإن كان مشترطًا حل ولا شيء عليه، وإن لم يكن اشترط في إحرامه ذبح ما تيسر من الهدي، ثم حلق أو قصر، ثم حل، وعليه الحج من قبل إن كان فرضه.
ومن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج، وتحلل بعمرة، ويقضيه فيما بعد إن كان فرضه، ويهدي، وإن اشترط حل ولا شيء عليه.
ومن صده عدوٌ عن البيت ذبح هديًا، ثم حلق أو قصر، ثم حل، وإن صُد عن عرفة تحلل بعمرة:: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وإذا بلغ المرأة وفاة زوجها، وهي في أثناء نسك الحج أو العمرة أتمت نسكها، لوجوب إتمام النسك، ولأن النسك والعدة عبادتان استويتا في الوجوب، وضيق الوقت، فوجب تقديم الأسبق منهما: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
• ما يقوله إذا رجع من الحج أو العمرة أو غيرهما:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنْ الْجُيُوشِ أَوْ السَّرَايَا أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ
стр. 5890
شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ». متفق عليه (١).
• حكم الاعتمار بعد الفراغ من الحج:
يجوز للإنسان أن يعتمر بعد الفراغ من الحج كما فعلت عائشة أم المؤمنين ﵂، فإنها اعتمرت بعد الحج بإذن النبي ﷺ من التنعيم، اعتمرت في سفرةٍ واحدة عمرتين كما في الصحيح.
• حكم من ترك ركنا من أركان الحج:
من ترك طواف الإفاضة أو السعي ناسيًا أو جاهلًا أو كانت المرأة حائضًا أو نفساء، ثم سافر إلى بلده، فهذا يرجع إلى مكة، ويكمل نسكه أولًا، ثم إن أراد العمرة خرج إلى التنعيم، وأحرم منه بالعمرة، ولا يعتمر قبل أن يكمل ما نقص من حجه، لئلا يدخل نسكًا على نسك: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
• حكم الطواف بالطفل المحمول، أو الطواف بالعربية التي عليها أحد:
ينوي الحامل والمحمول، والدافع والمدفوع، كلٌ منهما الطواف، ويصح منهما معًا؛ لأن النبي ﷺ ﷺ لم يأمر المرأة التي حجت بالصبي بطوافين أو سعيين.
عن عُمرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ «أن النبي ﷺ قال: إنَّما الأَعمالُ بالنِّيَّات، وإِنَّمَا لِكُلِّ امرئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (٢).
стр. 5891
٢ - الخزانة الثانية
بقية أحكام الحج والعمرة
• أصناف الحجاج:
• حج الناس أربعة أصناف:
الأول: حج المشركين: وهذا لا قيمة له، ولا يصح لما فيه من الشرك، والتفاخر، والمخالفات الشرعية.
الثاني: حج الصالحين: وهو كل من جاء لأداء الحج حسب السنة، ليكون حجه مبرورًا.
الثالث: حج الأنبياء: فالأنبياء اجتهدوا على أممهم، ثم جاءوا مع من آمن بهم، لأداء فريضة الحج.
الرابع: حج خاتم الأنبياء والمرسلين: فأدى ﷺ الحج والعمرة ثم قال: «خُذُوا عني مَنَاسِكَكُمْ». أخرجه مسلم (١).
وحمل ﷺ الأمة مسئولية الدعوة بقوله: «لْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ». متفق عليه (٢).
وهذا أفضل أنواع الحج، لما فيه من الجهد على النفس وأداء الفريضة كما أمر الله، ولما فيه من الجهد على الغير بالدعوة إلى الله، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
стр. 5892
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
• بداية الطواف بالكعبة:
الحاج أو المعتمر يبدأ الطواف من الحجر الأسود سواء كان الطواف فرضًا أو نفلًا، ومن بدأ الطواف من الركن اليماني، فعليه أن يكمل الشوط السابع إلى الحجر الأسود؛ فإن سعى ولم يكمل، فعليه إعادة الطواف والسعي، وإن ذكر ذلك قبل السعي، وأكمل طوافه صح طوافه.
ومن بدأ بعد الحجر الأسود في الطواف كمن بدأ من مقام إبراهيم، وطاف سبعة أشواط، فعليه أن يزيد شوطًا، لأن الشرط الأول لاغي.
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرُنا فهو رَدٌّ». أخرجه مسلم (١).
والركن اليماني يستحب استلامه في كل شوط دون تقبيلٍ أو إشارةٍ أو تكبير، لفعله ﷺ ، وطريقة الاستلام أن يمسحه بيده اليمنى.
وحجر الكعبة تسميته بحجر إسماعيل لا أصل لها، فليس قبر إسماعيل فيه، ويسمى الحجر بالحطيم.
стр. 5893
• أحكام الطواف والسعي:
ما يتسع وقته يقدم عليه ما يفوت وقته:
١ - فمن دخل المسجد الحرام والناس يصلون التراويح أو الجنازة الأفضل أن يصلي معهم، ثم يؤدي العمرة التي أحرم بها.
٢ - إذا سافر من نقص شيئًا من الطواف أو السعي، فيعيد العمرة كاملة من جديد، ومن شق أو تعذر مجيئه فيكون محصرًا، ويذبح شاة.
٣ - من انتقل في طوافه أو سعيه من الدور الأرضي إلى الدور الثاني فما فوقه، فيكمل من محاذاة ما وقف عليه.
٤ - ومن أنزل منيًا أو مذيًا وهو يطوف، فيجب عليه الغسل من المني، والوضوء من المذي، ثم يكمل طوافه، فإن كان متعمدًا فهو آثم، وإن كان غير متعمدٍ فلا إثم عليه كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. «فقال الله: قد فعلت». أخرجه مسلم (١).
٥ - ولا يصح تقديم السعي على الطواف لعذرٍ أو لغير عذر؛ لأن مكان السعي بعد الطواف، لكن إن قدمه في أعمال يوم النحر في الحج خاصة فجائزٌ للرخصة لقول النبي ﷺ : «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». متفق عليه (٢).
٦ - والرمل والاضطباع يستحب لغير المكي، أما المكي فلا يرمل ولا يضطبع وذلك خاصٌ بالرجال دون النساء.
стр. 5894
والرمل في السعي مشروع للمكي وغيره، لكن للرجال دون النساء، والأفضل للمتمتع بعد عمرته التقصير ليحلق في الحج لحديث «وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِعه هْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وليقصر، وَلْيَحِلْ». متفق عليه (١).
٧ - عمد الصبي خطأ، والخطأ لا يؤاخذ به المكلف في المحظورات.
• أحوال تغيير النسك:
أولاً: من جاء مفردًا للحج، ثم أراد أن يغير النية إلى متمتع أو قارنٍ فله ذلك.
ثانيًا: من جاء قارنًا وأراد أن يكون متمتعًا فله ذلك، ما لم يسق الهدي.
ثالثًا: من جاء متمتعًا، وأراد جعل نسكه مفردًا لا يجوز، وإن أراد جعله قرانًا فلا يجوز إلا إذا ضاق عليه وقت الوقوف بعرفة.
رابعًا: من جاء مفردًا، وأراد جعله قرانًا فله ذلك.
خامسًا: من جاء مفردًا أو قارنًا، وأراد جعله عمرة بلا حج لا يجوز إلا للمحصر.
سادسًا: من جاء متمتعًا لكن نسي التقصير، ولبى بالحج، فهو متمتع، ولا إثم عليه، ومن جاء قارنًا، وقصر ناسيًا، وبقي على إحرامه، فلا شيء عليه، وإن شاء أن يتحلل ويكون متمتعًا فله ذلك: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
سابعًا: من جاء مفردًا، وقصر ناسيًا، وبقي على إحرامه فلا شيء عليه.
стр. 5895
لقول الله : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. «فقال الله: قد فعلت». أخرجه مسلم (١).
وفي هذه الصور الانتقال من مفضول إلى فاضلٍ مشروع، ومن فاضلٍ إلى مفضولٍ لا يُشرع.
ودخول الكعبة ليس بسنة، وإنما هو حسن، ولم يفعله الرسول ﷺ لا في حجٍ ولا عمرة، وإنما دخلها ﷺ عام الفتح وطهرها من الأصنام وصلى فيها ركعتين.
• حكم طواف الوداع:
طواف الوداع يسقط عن الحائض، والنفساء، والعاجز، والمريض الذي لا يستطيعه ماشيًا أو راكبًا لقول الله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].
• حكم قطع ثمر شجر الحرم:
يجوز قطع ثمرة شجر الحرم، سواء تسبب في إنباتها الآدمي أو لم يتسبب، ويجوز رعي البهائم من كل الحرم، لكن لا يجوز قطع النبات منها، ويجوز قطع السواك لأن فيه منفعة كالإذخر.
• حكم طواف من حدثه دائم:
من حدثه دائم كمن به سلس البول أو المستحاضة أو من يكثر خروج الريح منه، فيتوضأ، ويصلي، ويطوف بالبيت، ولا ينتقض وضوؤه إلا بأحد نواقض الوضوء المعروفة: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
стр. 5896
• أحكام الحج والعمرة:
الحج والعمرة أفضل من الصدقة بنفقتها، لمن أخلص لله القصد، وجاء بذلك على الوجه المشروع.
عن أبي هريرة ﵁ قال: «سُئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: إِيمانٌ بِاللهِ وَرَسُولِه» قِيلَ: ثُمَّ ماذا قَالَ: «جِهادٌ في سَبيلِ اللهِ قِيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرورٌ». متفقٌ عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «العُمْرَةُ إلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةَ». متفقٌ عليه (٢).
ومن مات ولم يحج وهو يستطيع، وجب الحج عنه من التركة أوصى بذلك أو لم يوصي: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].
• العبادات التي ورد الشرع بالنيابة فيها عن الغير:
هي: الحج، والعمرة، والصوم، والصدقة، والدعاء، أما غيرها فلا لعدم ورود الدليل في ذلك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وقال النبي ﷺ : «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». أخرجه مسلم (٣).
و قال النبي ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». أخرجه البخاري (٤).
стр. 5897
وقال ﷺ لأحد الصحابة: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمَرَ». أخرجه الترمذي بسندٍ صحيح (١).
• أشهر الحج:
هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، فهذه هي الأشهر التي يُهل بها الحاج بالحج، ومن اعتمر في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده، ثم احرم بالحج مفردًا، فليس عليه دم التمتع؛ لأنه مفرد.
أما إن سافر إلى غير بلده كالمدينة وجدة والطائف، ثم رجع محرمًا بالحج، فهو متمتعٌ عليه دم التمتع.
• أحكام الإحرام:
الزعفران طيبٌ فلا ينبغي للمحرمٍ استعماله في القهوة وغيرها.
ومن لبس المخيط جاهلًا أو ناسيًا قبل أن يقصر، وجب عليه خلعه، ولبس الإحرام، ثم يحلق أو يُقصر في مكة أو بلده، ولا شيء عليه لقول الله : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ». أخرجه مسلم (٢).
والنبي ﷺ قَبل الحجر الأسود، واستلمه في طوافه، ومسح الركن اليماني.
واستلم جدران الكعبة من الداخل لما دخل الكعبة عام الفتح، وألصق صدره وذراعيه وخده في جدارها، وكَبر في نواحيها، ودعا، أما في خارجها فلم يفعل شيئًا من ذلك.
стр. 5898
والمرأة إذا لم تطهر من الحيض أو النُفاس قبل يوم التروية وهي محرمة أحرمت بالحج من مكانها الذي هي مقيمةٌ فيه، وصارت قارنة.
ويجوز الجمع في منى للحاج، كما يجوز القصر، ولكن الاقتصار على القصر دون الجمع هو الأفضل، وهو سُنَّة النبي ﷺ الثابتة بفعله ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
• فقه الإستطاعة في الحج:
الاستطاعة في الحج تكون بثلاثة أشياء:
١ - وجود الزاد
٢ - الراحلة
٣ - وأمن الطريق.
وتزيد المرأة أمرًا رابعًا، وهو وجود المحرم من زوجٍ أو أبٍ أو ابنٍ أو أخ أو عمٍ أو خال ونحوهم من المحارم؛ لقول النبي ﷺ : «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». متفقٌ عليه (١).
• أحكام الحج والعمرة:
١ - السُنَّة صلاة الظهر والعصر في الحج يوم عرفة بعرنة خارج عرفة، جمعًا وقصرًا، ولو صلاها في عرفة، لشدة الزحام، وحصول المشقة فلا بأس.
٢ - حصى الجمار التي تُرمى بها الجمار تكون فوق الحمص، ودون البندق، أقل من بعر الغنم قليلًا.
стр. 5899
٣ - الحج أكمل من العمرة، وإذا أحرم أحدٌ بهما في وقتٍ قريب للحج فالأفضل أن يُقصر رأسه للعمرة، ويجعل الحلق للحج؛ لأن الحج أكمل من العمرة فيكون الأكمل للأكمل، لأن الحج ركن من أركان الإسلام.
٤ - إذا حاضت المرأة أو نفست قبل طواف الإفاضة بقي عليها الطواف حتى تطهر، ولو لم تطهر إلا في المحرم أو صفر، فتؤديه ولا دم عليها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
• فقه رمي الجمرات:
١ - من رمى الجمرات جاهلًا أو ناسيًا بدون ترتيب صح رميه؛ لأنه معذورٌ بالجهل والنسيان، وقد حصل المقصود، والأحكام الشرعية لا تلزم إلا بعد العلم بها، والقدرة على فعلها، فإن ذكر قبل فوات الوقت لزمه رمي الثانية، ثم جمرة العقبة؛ ليحصل له الترتيب.
٢ - ومن طاف للوداع قبل تمام الرمي، لم يجزئه عن الوداع؛ لأنه أوقع الوداع قبل إكمال المناسك، والوادع لا يكون إلا بعد إتمام مناسك الحج كلها.
ليس على المفرد هدي، وإن أهدى فهو أفضل، ومن ذبح هديه خارج الحرم كعرفات لم يجزئه، ولو وزعه داخل الحرم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
والنبي ﷺ أهل بالحج بذي الحليفة، لما ركب ناقته القصواء، ولما استوت به راحلته في البيداء أعاد الإهلال، وكرره، لتعليم الناس، أما رواية أنه أهل في مصلاه فضعيفة.
стр. 5900
يوم عرفة ليلته بعده، ويوم العيد، وهو يوم النحر ليلته بعده، وليلة الثاني عشر تابعةٌ لليوم الحادي عشر، وليلة الثالث عشر تابعةٌ لليوم الثاني عشر، وأما ليلة الرابع عشر فليس فيها رمي؛ لأن الرمي ينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر.
فلله الحمد والمنة على التيسير والتسهيل: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
стр. 5901
٣ - الخزانة الثالثة
• الأيام المعدودات، والأيام المعلومات:
١ - الأيام المعلومات:
هي العشر الأول من شهر ذي الحجة أخرها يوم النحر، كما قال سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٩].
٢ - الأيام المعدودات:
ثلاثة أيامٍ بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق الثلاثة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة: ٢٠٣].
واليوم الأول من أيام التشريق يُسمى يوم القر؛ لأنهم يستقرون فيه بمنى.
واليوم الثاني يُسمى يوم النفر الأول؛ لأن بعض الناس ينفرون من منى إلى مكة.
واليوم الثالث يُسمى يوم النفر الثاني.
ووقت التكبير يبدأ من فجر يوم عرفة ويستمر إلى أخر أيام التشريق.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا
стр. 5902
وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢].
والحسنة تُطلق على كل عملٍ صالح، وكل ثواب في الدنيا والآخرة، فالحسنة في الدنيا العمل النافع، وهو الإيمان والعمل الصالح، والصحة، والأمن، والكفاية، والولد الصالح، والزوجة الصالحة، والرزق الحلال، والنصر على الأعداء ونحو ذلك.
والحسنة في الآخرة الفوز بالجنة، والنجاة من النار، ورؤية الله، ورضاه، ومحبته، وسماع كلامه، والقرب منه ونحو ذلك: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
فهذا الدعاء جامعٌ لجميع مطالب الدنيا والآخرة.
• حكم تقليم الأظفار، وحلق شعر البدن غير الرأس:
كل ذلك لا دليل من كتابٍ ولا سُنَّة في وجوب الفدية بقطعه أو قصه، وعلى المسلم أن يجتنب فعل ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
ويتقرب إلى الله بإبقاء ذلك، لكن لا فدية بقطعه أو قصه.
ويجوز للمحرم أن يعقد الإزار، وأن يجعل له حُجزةً يُدخل فيها تكةً تربط الإزار، ويجوز استظلال المحرم بخيمةٍ ونحوها، وتجوز الحجامة والفصد وقلع الضرس للمحرم عند الضرورة، ولا فدية في ذلك، فإن حلق الشعر من أجل الحجامة لزمته فدية الأذى.
стр. 5903
ويجوز للمحرم مراجعة زوجته حال الإحرام؛ لأنه استدامة نكاح لا إنشاء نكاح، أما عقد النكاح للمحرم فلا يجوز.
• كيفية الذبح والنحر:
السُنَّة نحر الإبل قائمةً معقولة يدها اليسرى، ويُذبح غيرها من البقر والغنم، ويجوز العكس، ويُستحب أن يوجهها إلى القبلة.
والنحر للإبل يكون في أسفل الرقبة من جهة الصدر، وذبح البقر والغنم في أعلى الرقبة من عند الرأس، يضجعها على جنبها الأيسر، ويضع رجله اليمنى على رقبتها، ثم يُمسك برأسها ويذبح، ويقول عند الذبح والنحر: بسم الله والله أكبر.
عن أنسٍ ﵁ قال: «صَلَّى النَّبِيُّ ﵌ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، فَبَاتَ بِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَجَعَلَ يُهَلِّلُ وَيُسَبِّحُ، فَلَمَّا عَلَا عَلَى البَيْدَاءِ لَبَّى بِهِمَا جَمِيعًا، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا، وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﵌ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا». متفق عليه (١).
وعن ابن عمر ﵁ «أَتَى عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً، فَقَالَ: «ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﵌». متفقٌ عليه (٢).
• ما يُفعَل بلحوم الهدي:
قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦].
стр. 5904
وعَنْ عَلِيِّ ﵁ قال: «أَمَرَنِي رسول الله ﵌ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، قال: نحن نُعطيه مِنْ عِندنا». متفقٌ عليه (١).
• صفة الطواف الكامل بالكعبة:
الطواف الكامل التام بالبيت العتيق يكون بتحقيق الأمور الشرعية الآتية:
الأول: نية الطواف، والنية محلها القلب.
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفقٌ عليه (٢).
الثاني: الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، وهو الجنابة والحيض والنُفاس والحدث.
عن عَائِشَةُ ﵂ قالت «خرجنا مع النبي ﷺ لا نَذْكر إلا الحج، حتى جئنا سَرَفَ، فَطَمِثْتُ، فدخل علَيَّ رسولُ الله ﵌ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: والله لوددت أني لم أَكُنْ خرجتُ العام، قال: لعلّكِ نَفِسْتِ؟ قلت: نعم. قال: فإن ذلك شيءٌ كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». متفقٌ عليه (٣).
وعن عَائِشَةُ ﵂ «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﵌، أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ». متفقٌ عليه (٤).
стр. 5905
الثالث: ستر العورة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: «بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﵌، قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْركٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ». متفقٌ عليه (١).
الرابع: أن يكون الطواف على الكعبة كلها، فمن طاف من داخل الحِجر فطوافه ناقصٌ لا يصح؛ لأن الحِجر من البيت، والله يقول: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
الخامس: أن يجعل البيت عن يساره لفعل النبي ﵌.
السادس: أن يبدأ طوافه من الحجر الأسود وينتهي به.
عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ حِينَ يَقْدَمُ، يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ». متفقٌ عليه (٢).
السابع: أن يكون الطواف سبعة أشواطٍ كاملة، فمن نقص من الأشواط شيئًا لم يصح طوافه؛ لأن عدد الأشواط مقدرٌ كعدد ركعات الصلاة، فلا يصح إلا كاملًا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «رَمَلَ رَسُولُ الله ﵌ مِنَ الحَجَرِ إِلَى الحَجَرِ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا». أخرجه مسلم (٣).
стр. 5906
الثامن: الموالاة بين الأشواط الإ لعذر، فمن قطع طوافه عابثًا بطل طوافه؛ لأن الأشواط كركعات الصلاة تكون متوالية.
ومن قطع طوافه لعذرٍ ليصلي المكتوبة، أو يستريح من تعب، أو يقضي حاجة، أو يصلي على جنازة، أو يجدد الوضوء أو نحو ذلك، فإنه يبني على ما طاف، وطوافه صحيح.
التاسع: اضطباع الرجال في الطواف فقط.
والاضطباع أن يجعل المحرم وسط رداءه تحت إبطه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر؛ ليكون منكبه الأيمن مكشوفًا.
والسُنَّة الاضطباع عند البدء بالطواف إلى نهاية الطواف بالبيت، ثم يسوي رداءه بعد الفراغ من الطواف، والاضطباع محله الطواف فقط دون غيره من المناسك، ويُسن الاضطباع في طواف القدوم، وطواف العمرة فقط.
عن يعلى ﵁: «أَنّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا وَعَلَيْهِ بُرْدٌ». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (١).
العاشر: الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى، والمشي في الأربعة الباقية.
والرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطى، والرمل سُنَّة للرجال المحرمين، دون النساء في كل طوافٍ بعده سعي كطواف القدوم، وطواف العمرة.
ومن فاته الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى، فلا يقضيه في الأربعة الباقية؛ لأن هيئتها السكينة، فلا تُغير؛ ولأنه عبادةٌ فات محلها.
الثاني عشر: استلام الركن اليماني باليد اليمنى.
والسُنَّة للمرأة أن تطوف بالبيت مُتسترة معتزلة للرجال، ولا تُزاحم الرجال في الطواف عند الحجر الأسود، وعند الركن اليماني.
عَنْ عَبْدِ الله ﵁: «أنَّ رَسُولَ الله ﵌ كَانَ لا يَسْتَلِمُ إِلا الحَجَرَ وَالرُّكْنَ اليَمَانِيَ». متفقٌ عليه (١).
الثالث عشر: الدعاء بين الركن اليماني، والحجر الأسود بما ورد.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ﵁ قال: كان رَسُولِ اللهِ ﵌ يَقُولُ: ما بين الركنين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].». أخرجه أحمد وأبو داود بسندٍ صحيح (٢).
الرابع عشر: الدعاء أثناء الطواف بالأدعية الشرعية الواردة في القرآن والسُنَّة.
الخامس عشر: التوجه بعد الفراغ من الطواف إلى مقام إبراهيم وهو يتلو: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥].
السادس عشر: الصلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم بعد الطواف، فإن لم يتيسر صلى ركعتين في أي مكانٍ يخشع فيه قلبه، ويصلي المسلم ركعتي الطواف في أي وقتٍ بعد الطواف.
عَنْ ابْنُ عُمَرَ ﵄ قال: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﵌ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا، وَقَدْ قال اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].». متفقٌ عليه (٣).
стр. 5909
وَعَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﵌ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ بسُورَتَيِ الإخْلَاصِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]. و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١].». أخرجه الترمذي والنسائي بسندٍ صحيح (١).
أويقرأ في هاتين الركعتين ما تيسر من القرآن.
• حكم الطواف والناس يصلون المكتوبة:
يجوز لمن ليس من أهل الجماعة كالمرأة، ومن جمع الصلاة ونحوها كالمريض والمعذور أن يطوف خلف الصفوف ما لم يؤذي أحدًا.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَنِّي أَشْتَكِي، قَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، فَطُفْتُ وَرَسُولِ اللَّهِ ﵌ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ [الطور: ١ - ٢]». متفقٌ عليه (٢).
стр. 5910
٤ - الخزانة الرابعة
• صفة السعي الكامل بين الصفا والمروة:
السعي الكامل المأمور به شرعًا هو ما تحققت فيه الأمور الآتية:
الأول: أن يكون السعي بعد الطواف بالبيت العتيق.
الثاني: أن يكون السعي سبعة أشواط كاملة متوالية إلا لعذر.
الثالث: أن يبدأ المحرم بالصفا ويختم بالمروة، كما فعل النبي ﵌.
الرابع: أن يكون السعي في المسعى.
الخامس: أن يكون السعي في نُسك حج أو عمرة؛ لأن السعي لا يُشرع تكراره، ولا يُشرع إلا في نُسك.
السادس: أن يكون على طهارة إن تيسر.
السابع: أن يستلم الحجر الأسود قبل الخروج للمسعى.
الثامن: أن يقرأ إذا اقترب من الصفا مرةً واحدة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨].
التاسع: أن يقول عند صعوده الصفا: أبدأ بما بدأ الله به.
عَنْ جَابرِ ﵁ في صفة حج النبي ﵌ قال وفيه: «فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدأ بالصَّفَا». أخرجه مسلم (١).
стр. 5911
العاشر: أن يستقبل القبلة عند الوقوف على الصفا والمروة للذكر والدعاء، ويدعو بما ورد، ويكرره ثلاث مراتٍ كما سبق.
عن أبي هريرة ﵁ في قصة فتح مكة قال: «فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ». أخرجه مسلم (١).
الحادي عشر: أن يمشي بين الصفا والمروة، ويفعل على المروة كما فعل على الصفا، ويجوز له الركوب لمصلحةٍ أو حاجةٍ أو عذر.
الثاني عشر: أن يسعى سعيًا شديدًا بين العلمين الأخضرين، وهذا خاصٌ بالرجال دون النساء.
الثالث عشر: الذكر والدعاء بين الصفا والمروة بما تيسر مما ورد في الكتاب والسُنَّة.
• حكم السعي راكبًا:
السُنَّة السعي بين الصفا والمروة ماشيًا، ويجوز السعي راكبًا ولو مع القدرة على المشي للحاجة الداعية إليه كزحامٍ ونحوه.
ويجوز للكبير والمريض والعاجز السعي راكبًا على عربةٍ ونحوها.
عَنْ جَابرِ ﵁ قال: «طَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ بِالْبَيْتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 5912
• فضل الركوب في الحج:
خرج النبي ﵌ لحجة الوداع يوم السبت لخمسٍ بقين من ذي القعدة، ووصل مكة في الخامس من ذي الحجة أو الرابع، وقد خرج النبي ﵌ لحجة الوداع راكبًا، واعتمر عمرة الأربع راكبًا.
فالسُنَّة الركوب للحج والعمرة، والتنقل بين المشاعر راكبًا، لأن ذلك أيسر للحاج.
عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﵌، وَنَحْنُ مَعَهُ بالمدينة الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْر بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ، وَسَبَّحَ، وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ». متفقٌ عليه (١).
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ أُسَامَةَ ﵁ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﵌ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﵌ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ». متفقٌ عليه (٢).
• يوم الحج الأكبر:
يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، سُمي بذلك، لما في ليلته من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ولما في نهاره من الرمي، والنحر، والحلق، والطواف والسعي.
стр. 5913
ويوم عرفة مقدمة ليوم النحر بين يديه، فيه الوقوف والتضرع والتوبة كالطهور والاغتسال بين يدي يوم النحر.
ثم يوم النحر تكون الوفادة والزيارة؛ ولهذا كان فيه معظم أعمال الحج: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ [التوبة: ٣].
• أنواع الطواف في الحج:
الطواف بالبيت العتيق في الحج ثلاثة أنواع:
الأول: طواف القدوم، ويُسمى طواف الورود، وطواف التحية، وهو مسنونٌ للأفاقي القادم من خارج مكة من قارنٍ ومفرد.
ومن ذهب من الميقات إلى منى وعرفات ولم يدخل مكة، فلا يُسن له أن يطوف للقدوم بعد عرفة، لأنه فاته وقته، وحجه صحيح.
عن عَائِشَةُ ﵂ قالت: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﵌ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً». متفقٌ عليه (١).
الثاني: طواف الإفاضة، ويُسمى طواف الزيارة، وهو ركنٌ من أركان الحج لا يتم إلا به: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
стр. 5914
وَعَنْ عَائِشَةُ ﵂ قالت: «حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﵌ فأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فأَرَادَ النَّبِيُّ ﵌ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا حَائِضٌ، قالَ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قالَ: اُخْرُجُوا». متفقٌ عليه (١).
الثالث: طواف الوداع، ويُسمى طواف الصدر، وهو واجبٌ من واجبات الحج، لكنه يسقط عن المرأة الحائض والمعذور: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦].
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ». متفقٌ عليه (٢).
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ». أخرجه مسلم (٣).
أما العمرة فمن أركانها الطواف بالبيت العتيق، وكذا طواف التطوع مشروعٌ في كل وقت سبعة أشواط.
فعن ابن عمر: «أنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: مَنْ طَافَ أُسْبُوعًا يُحْصِيهِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ». أخرجه أحمد والترمذي بسندٍ صحيح (٤).
стр. 5915
أحكام الهدي والأضاحي
الأول: أحكام الهدي:
• الهدي هو كل ما يُهدى إلى الحرم تقربًا إلى الله ، وما وجب بسبب تمتعٌ أو قرانٍ أو إحصار.
• حكم الهدي:
الهدي هو كل ما يُهدى إلى الحرم تقربًا إلى الله من الإبل والبقر والغنم.
فأولًا: يجب الهدي على القارن والمتمتع، إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام، وحاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم وما اتصل به.
ثانيًا: يجب الهدي على المحصر عن الحج أو العمرة، فإن لم يجد سقط عنه.
ثالثًا: يُسن التطوع بالهدي من القادر لمساكين الحرم.
رابعًا: من لم يجد الهدي، أو لم يملك ثمنه، يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله إذا كان متمتعًا أو قارنًا، ويصوم الثلاثة أيام قبل يوم عرفة، فإن فات صامها في أيام التشريق.
خامسًا: من حج مفردًا، أو حج متمتعًا أو قارنًا، من أهل مكة والحرم، فليس عليه هدي: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦].
стр. 5916
• حكمة مشروعية الهدي:
هدي التطوع والتمتع والقران دماء نُسك، شُرعت إراقتها في الحرم، تقربًا إلى الله ، وشكرًا لنعمة القيام بإتمام النُسكين الحج والعمرة، وتكرمةً لضيوف الرحمن، وتوسعةً على فقراء مكة؛ ليكتمل السرور، وتتم النعمة، وتحصل المحبة والمودة، ويلهج الحجاج بالذكر والحمد لله رب العالمين: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦].
• أنواع الهدي:
الهدي ثلاثة أنواع:
الأول: هدي التمتع والقران، والهدي خروفٌ أو شاةٌ من الغنم، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، ويجب على المتمتع والقارن إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، ويُستحب للمتمتع والقارن الأكل من هذا الهدي والإطعام منه: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦].
стр. 5917
وعَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ في صفة حج النبي ﵌ قال وفيه: «ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا». أخرجه مسلم (١).
الثاني: هدي الإحصار، والإحصار هو المنع من إتمام الحج والعمرة أو أحدهما، فمن أحرم بالحج أو العمرة فصده عدوٌ عن الحرم، أو أصابه مرضٌ أو حادثٌ فلم يستطع الوصول إلى البيت، هذا ينحر ما تيسر من الهدي في مكانه، ثم يحلق رأسه أو يقصره، ثم يتحلل من إحرامه.
ومن كُسر أو مرض أو عرج أو فاته الوقوف بعرفة، فإن كان مشترطًا حل ولا شيء عليه، وإن لم يشترط ذبح ما تيسر من الهدي، ثم حلق أو قصر، ثم حل.
والمحصر إذا لم يجد الهدي أو عجز عنه سقط عنه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ الله ﵌ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: لَعَلَّكِ أرَدْتِ الحَجَّ. قَالَتْ: وَالله لا أجِدُنِي إِلا وَجِعَةً، فَقَالَ لَهَا: حُجِّي وَاشْتَرِطِي، قُولِي: اللهمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، وَكَانَتْ تَحْتَ المِقْدَادِ بْنِ الأسْوَدِ». متفقٌ عليه (٢).
الثالث: هدي التطوع، وهو ما يهديه الحاج المفرد أو المعتمر تطوعًا، وما يهديه المتمتع والقارن زيادةً على الواجب، وما يبعثه غير الحاج والمعتمر هديًا إلى مكة، ليذبح بها تقرباً إلى الله تعالى، ويستحب لمن تطوع بهذا
стр. 5918
الهدي الأكل منه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧].
وَعنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: «أهْدَى النَّبِيُّ ﵌ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ أمَرَنِي بِجِلالِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا». متفقٌ عليه (١).
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: «أنَا فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ الله ﵌ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ الله ﵌ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ الله ﵌ شَيْءٌ أحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ». متفقٌ عليه (٢).
• وقت ذبح الهدي:
١ - هدي التمتع والقران والتطوع يبدأ وقته من صباح يوم النحر إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من أيام التشريق.
٢ - هدي الإحصار، وقته عند وجود سببه في الحل أو الحرم.
٣ - وهدي التطوع، يُذبح في أي وقت: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ [الحج: ٣٧].
стр. 5919
٥ - الخزانة الخامسة
• حكم هدي التطوع:
أولاً: يُسن للحاج القادر الاستكثار من الهدي لفقراء الحرم وغيرهم.
عَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ في صفة حج النبي ﵌ قال وفيه: «ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا». أخرجه مسلم (١).
ثانيًا: يُسن للمعتمر أن يسوق الهدي من بلده أو من بلد الحل ويهديه لفقراء الحرم وغيرهم.
عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ قَال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﵌ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ المَدِينَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ النَّبِيُّ ﵌ الهَدْيَ، وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ». أخرجه البخاري (٢).
ثالثًا: يُسن للمقيم في بلده أن يبعث الهدي إلى الحرم.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: «فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، ثُمَّ أَشْعَرْهَا وَقَلَّدَهَا -أَوْ قَلَّدْتُهَا- ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِل». متفقٌ عليه (٣).
стр. 5920
الثاني: الأضحية
• الأضحية هي ما يذبح في أيام الأضحى من الإبل والبقر والغنم تقربًا إلى الله تعالى.
• حكم الأضحية:
الأضحية سُنَّةٌ مؤكدة على كل مسلمٍ حيٍ قادر عليها.
وتُسن الأضحية عن الحي وتجوز عن الميت تبعًا لا استقلالًا إلا من أوصى بذلك: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ١ - ٢].
• وقت ذبح الأضحية:
يبدأ وقت ذبح الأضحية من بعد صلاة العيد إلى أخر أيام التشريق، فأيام ذبح الأضحية أربعة، يوم العيد وثلاثة أيام بعده، كما هو الحال في ذبح الهدي، ويُستحب أن يأكل من الأضحية، ويُهدي منها، ويتصدق على الفقراء.
وللأضحية فضلٌ عظيم لما فيها من التقرب إلى الله ، والتوسعة على الأهل، ونفع الفقراء، وصلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب والجيران.
• شروط الهدي والأضحية:
يشترط في الهدي والأضحية ما يلي:
الأول: لا يجزئ في الهدي والأضحية والعقيقة إلا ما كان من الإبل ثني له خمس سنين فأكثر، ومن البقر ثني له سنتان فأكثر، ومن الضأن جذع له ستة أشهر فأكثر، ومن المعز ثني له سنة فأكثر، وإذا تَعَيَّنَت الأضحية لم يجز بيعها، ولا هبتها، إلا أن يبدلها بخير منها.