← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

• حكمة مشروعية الهدي: هدي التطوع والتمتع والقران دماء نُسك، شُرعت إراقتها في الحرم، تقربًا إلى الله ، وشكرًا لنعمة القيام بإتمام النُسكين الحج والعمرة، وتكرمةً لضيوف الرحمن، وتوسعةً على فقراء مكة؛ ليكتمل السرور، وتتم النعمة، وتحصل المحبة والمودة، ويلهج الحجاج بالذكر والحمد لله رب العالمين: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦]. • أنواع الهدي: الهدي ثلاثة أنواع: الأول: هدي التمتع والقران، والهدي خروفٌ أو شاةٌ من الغنم، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، ويجب على المتمتع والقارن إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، ويُستحب للمتمتع والقارن الأكل من هذا الهدي والإطعام منه: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦].

стр. 5917

وعَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ في صفة حج النبي ﵌ قال وفيه: «ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا». أخرجه مسلم (١). الثاني: هدي الإحصار، والإحصار هو المنع من إتمام الحج والعمرة أو أحدهما، فمن أحرم بالحج أو العمرة فصده عدوٌ عن الحرم، أو أصابه مرضٌ أو حادثٌ فلم يستطع الوصول إلى البيت، هذا ينحر ما تيسر من الهدي في مكانه، ثم يحلق رأسه أو يقصره، ثم يتحلل من إحرامه. ومن كُسر أو مرض أو عرج أو فاته الوقوف بعرفة، فإن كان مشترطًا حل ولا شيء عليه، وإن لم يشترط ذبح ما تيسر من الهدي، ثم حلق أو قصر، ثم حل. والمحصر إذا لم يجد الهدي أو عجز عنه سقط عنه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ الله ﵌ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: لَعَلَّكِ أرَدْتِ الحَجَّ. قَالَتْ: وَالله لا أجِدُنِي إِلا وَجِعَةً، فَقَالَ لَهَا: حُجِّي وَاشْتَرِطِي، قُولِي: اللهمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي، وَكَانَتْ تَحْتَ المِقْدَادِ بْنِ الأسْوَدِ». متفقٌ عليه (٢). الثالث: هدي التطوع، وهو ما يهديه الحاج المفرد أو المعتمر تطوعًا، وما يهديه المتمتع والقارن زيادةً على الواجب، وما يبعثه غير الحاج والمعتمر هديًا إلى مكة، ليذبح بها تقرباً إلى الله تعالى، ويستحب لمن تطوع بهذا

стр. 5918

الهدي الأكل منه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]. وَعنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: «أهْدَى النَّبِيُّ ﵌ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ أمَرَنِي بِجِلالِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا». متفقٌ عليه (١). وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: «أنَا فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ الله ﵌ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ الله ﵌ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ الله ﵌ شَيْءٌ أحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ». متفقٌ عليه (٢). • وقت ذبح الهدي: ١ - هدي التمتع والقران والتطوع يبدأ وقته من صباح يوم النحر إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من أيام التشريق. ٢ - هدي الإحصار، وقته عند وجود سببه في الحل أو الحرم. ٣ - وهدي التطوع، يُذبح في أي وقت: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ [الحج: ٣٧].

стр. 5919

٥ - الخزانة الخامسة • حكم هدي التطوع: أولاً: يُسن للحاج القادر الاستكثار من الهدي لفقراء الحرم وغيرهم. عَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ في صفة حج النبي ﵌ قال وفيه: «ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا». أخرجه مسلم (١). ثانيًا: يُسن للمعتمر أن يسوق الهدي من بلده أو من بلد الحل ويهديه لفقراء الحرم وغيرهم. عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ قَال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﵌ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ المَدِينَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ النَّبِيُّ ﵌ الهَدْيَ، وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ». أخرجه البخاري (٢). ثالثًا: يُسن للمقيم في بلده أن يبعث الهدي إلى الحرم. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: «فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، ثُمَّ أَشْعَرْهَا وَقَلَّدَهَا -أَوْ قَلَّدْتُهَا- ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِل». متفقٌ عليه (٣).

стр. 5920

الثاني: الأضحية • الأضحية هي ما يذبح في أيام الأضحى من الإبل والبقر والغنم تقربًا إلى الله تعالى. • حكم الأضحية: الأضحية سُنَّةٌ مؤكدة على كل مسلمٍ حيٍ قادر عليها. وتُسن الأضحية عن الحي وتجوز عن الميت تبعًا لا استقلالًا إلا من أوصى بذلك: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ١ - ٢]. • وقت ذبح الأضحية: يبدأ وقت ذبح الأضحية من بعد صلاة العيد إلى أخر أيام التشريق، فأيام ذبح الأضحية أربعة، يوم العيد وثلاثة أيام بعده، كما هو الحال في ذبح الهدي، ويُستحب أن يأكل من الأضحية، ويُهدي منها، ويتصدق على الفقراء. وللأضحية فضلٌ عظيم لما فيها من التقرب إلى الله ، والتوسعة على الأهل، ونفع الفقراء، وصلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب والجيران. • شروط الهدي والأضحية: يشترط في الهدي والأضحية ما يلي: الأول: لا يجزئ في الهدي والأضحية والعقيقة إلا ما كان من الإبل ثني له خمس سنين فأكثر، ومن البقر ثني له سنتان فأكثر، ومن الضأن جذع له ستة أشهر فأكثر، ومن المعز ثني له سنة فأكثر، وإذا تَعَيَّنَت الأضحية لم يجز بيعها، ولا هبتها، إلا أن يبدلها بخير منها.

стр. 5921

الثاني: يجب أن تكون الأضحية أو العقيقة أو الهدي من بهيمة الأنعام، وأن تبلغ السن المعتبر شرعًا، وأن تكون سليمة من العيوب، وأفضلها أسمنها وأغلاها وأنفسها عند أهلها. و تجزئ الشاة عن واحد، والبدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، ويجزئ أن يُضحي بشاةٍ أو بدنةٍ أو بقرةٍ عنه وعن أهل بيته الأحياء والأموات، ويستحب للحاج الموسر الإكثار من ذبح الهدي اقتداءً بالنبي ﵌، وإكرامًا لحجاج بيت الله الحرام، ومواساةً لفقراء الحرم، وكسبًا للأجر والثواب. • ما يحرم على من أراد أن يضحي: يحرم على من أراد أن يضحي أن يأخذ من شعره و بشره أو ظفره شيئاً في العشر الأُوَل من شهر ذي الحجة، فإن فعل شيئا من ذلك استغفر الله ولا فدية عليه. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النبي ﵌ قال: «إذا دَخَلَتْ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أحدكم أَنْ يُضَحِّيَ فلا يَمَسَّ من شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شيئًا». أخرجه مسلم (١). • ما لا يجزئ من الهدي و الأضاحي: إذا ذبح المسلم الهدي أو الأضحية ونحوهما من ذبائح القُرب، ولم يعلم بمرضها إلا بعد الذبح، فإنها لا تجزئ لفوات المقصود منها. ومقطوعة الإلية أو بعضها، ومجبوبة السنام، والعمياء، ومقطوعة الساق، كلها لا تجزئ في الهدي والأضحية ونحوهما من ذبائح القُرَب.

стр. 5922

عن البراء بن عازب ﵁ أنه سمع النبي ﵌ يقول: «أَرْبَعَةٌ لا يَجْزِينَ فِي الأَضَاحِي، العَورَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالكَسِيرَةُ الَّتِي لاتُنْقِي». أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح (١). • أفضل الهدي والأضاحي: الأفضل في الهدي والأضحية بدنة كاملة، ثم بقرة كاملة، ثم شاة، ثم سُبع بدنة أو بقرة، أما العقيقة فلا تجزئ البدنة أو البقرة أو الشاة إلا عن واحد، والشاة أفضل من البدنة؛ لأنها التي وردت في السُنَّة، والذَّكَر أفضل. عن أنس ﵁ قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﵌ بِكَبْشَيْنِ، أَمْلَحَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا». متفقٌ عليه (٢).

стр. 5923

١١ - فقه نوازل الحج والعمرة • حكم التصاريح والتأشيرات: تصاريح وتأشيرات الحج والعمرة، وتحديد نسب الحجاج، كل ذلك لتنظيم أداء هذه العبادة العظيمة بيسر وسهولة، لا لمنعها وتقييدها، وذلك شرط لوجوب الحج على المسلم كالزاد والراحلة، ومن منع من الحج بسببها، فلا ينيب غيره مكانه. ويحرم بيع تصاريح الحج أو تأشيراته، ولا يجوز استخدامها إلا لمن أعطيت له، ولا يجوز التحايل على أنظمة الحج بجواز أو تصريح أو تأشيرة مزورة، لما في ذلك كله من مخالفة ولي الأمر والكذب وفتح باب الفوضى والخلل الأمني، والكسب الحرام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. • حكم تحديد نسبة الحجاج: الأصل استحباب المتابعة بين الحج والعمرة، ويستحب تكرار العمرة في العام الواحد مرارًا؛ لأن الأصل في العبادات غير المؤقتة استحباب تكرارها، كصلاة التطوع، وصوم التطوع، وعمرة التطوع. وإذا اشتد الزحام على الحج والعمرة، فلولي الأمر أن يحدد للناس نسبة يتمكن معها من يريدون الحج أو العمرة من أداء نسكهم بيسر وسهولة، وأمن وطمأنينة.

стр. 5924

ولولي الأمر أن يحدد مدة الحج لمن سبق له الحج بمدة تخفف الزحام بما يحقق المصلحة، كخمس سنوات مثلًا، ويستثنى من ذلك العلماء والدعاة والأطباء والجنود ونحوهم ممن يقوموا على رعاية الحجاج وإرشادهم وحفظهم، ويجب على الأفراد، وحكام وشعوب الدول الإسلامية التعاون مع ولي الأمر في تحقيق تلك المصالح العامة للمسلمين: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. • حكم حملات الحج والعمرة: يجوز للمؤسسات والشركات الإعلان عن حملات الحج والعمرة بضوابطها الشرعية، ويجوز للدولة طلب ضمان بنكي لحملات الحج لتضمن للحجاج حقوقهم، وأداء نسكهم حسب الاتفاق معهم. قال النبي ﷺ : «والمُؤمِنُون عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا». أخرجه الترمذي (١). ويشرع للعلماء والدعاة مرافقة حملات الحج والعمرة لتوعية الحاج بأحكام المناسك، وإرشادهم في أمور دينهم، ومن أعطي منهم مالًا أو غيره بدون شرط فله أخذه، ولا ينبغي للمسلم الذي يريد الأجر والثواب أن يحج في الحملات الباهظة الثمن؛ لما فيها من الإسراف والتباهي ومخالفة هدي النبي ﷺ وأصحابه من إظهار الافتقار والتواضع لربهم في أداء هذه الشعيرة العظيمة.

стр. 5925

• حكم الحج مع الجهات الحكومية: يجوز الحج على نفقة تلك الجهات الحكومية لجميع الموظفين المكلفين بالعمل في الحج من تلك الجهات، ومن دعته تلك الجهات للحج من الدعاة والعلماء والأطباء وغيرهم، ومن أذنوا له من الناس، ومن شارك في خدمة الحجاج من الجنود والأطباء والموظفين والعمال وغيرهم، ومن أراد الحج فرده ولم يأذن له مرجعه أو كفيله، فإن كان حجه لا يؤثر على عمله أدنى تأثير، فيجوز له الحج بدون إذن مرجعه أو كفيله، وإن كان حجه سيؤثر على أداء عمله، فلا يجوز له الحج إلا بإذن مرجعه، لمنافاته العقد: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤]. ومن أحرم بالحج وهو مكلف بالعمل في الحج، فإن أذن له مرجعه، أتم نسكه، وقام بعمله، وإن لم يأذن له فإن كان مشترطًا أن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، يحل، ولا هدي عليه، وإن لم يكن اشترط ذبح هدي المحصر، ثم يحلق ويحل: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومن كلف بعمل في موسم الحج، وأراد الحج، ولا يدري أيؤذن له بالحج أم لا؟، فلا يلزمه الإحرام من الميقات، فإن أذن له أحرم من المكان الذي حصل فيه الإذن. • حكم سفر المرأة للحج والعمرة: لا يجوز للمرأة السفر إلى الحج أو العمرة أو غيرهما بدون محرم، سواء كانت داعية أو طبيبة أو خادمة أو غيرها، وسواء كانت كبيرة أو صغيرة. ومن كانت عنده مريضة أو خادمة، وأرادت أن تسافر للحج أو غيره، ولم يكن لها محرم، تمكث عنده أو في مكان تأمن فيه على نفسها، ولا يمكن

стр. 5926

أن تبقى وحدها، وهو مضطر لها، فهذه ضرورة يجوز له أن يسافر بها مع أهله، دفعًا لأعلى المفسدتين بفعل أقلهما إثمًا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦]. • نوازل المواقيت: مواقيت الحج والعمرة هي: ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، وذات عرق. أما جدة فهي داخل حدود المواقيت، فلا يجوز لأحد أن يحرم منها إلا أهلها ومن أنشأ النية فيها من القادمين إليها. ومن تجاوز الميقات وأحرم بعده، لأنه لا يحمل تصريح الحج، فحجه صحيح، لكنه غير مبرور، وفعله حرام؛ لتعدي حدود الله بترك الإحرام من الميقات، ومخالفة ولي الأمر، ومن حج بدون تصريح، ثم أحرم بالحج، ثم أكره على نزع الإحرام، فنزعه ولبس الثوب، ثم لما تجاوز النقاط الأمنية لبس إحرامه، فهذا قد أحرم بقلبه، ولبس الثوب على بدنه، فنسكه صحيح؛ لكنه ناقص غير مبرور، وهو آثم بمخالفة ولي الأمر، وعليه فدية لبس المخيط. ومن أحرم بحج أو بعمرة ثم مُنع من أداء نسكه بأي مانع، فإن كان مشترطًا أن محلي حيث حبستني، حل ولا شيء عليه، وإن لم يكن مشترطًا فهو محصر يذبح هدي الإحصار، ثم يحلق ثم يحل، فإن لم يجد الهدي أو لم يقدر على الهدي، حلق ثم حل ولا شيء عليه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 5927

٦ - الخزانة السادسة فقه نوازل الحج والعمرة • نوازل الإحرام: يجوز للمحرم استعمال الصابون والشامبو ونحوهما مما له رائحة طيبة في غسل بدنه أو ثيابه، إذا كان ما أضيف إليهما لم يكن من أصل الطيب كالعود والمسك والعنبر ونحوهما. ويجوز للمحرم تناول طعام وشراب وضع فيه نعناع أو غيره مما له رائحة طيبة كعصيرات الفواكه ونحوها. ويجوز استعمال المناديل المعطرة الجافة، أما الرطبة فلا يجوز استعمالها. ومن طاف وهو محرم، وأراد أن يستلم الحجر الأسود أو الركن اليماني، فإن كان مطيبًا فلا يمسه إن كان الطيب رطبًا، وإن كان يابسًا، فلا حرج عليه في المسح أو التقبيل. ولا يجوز للمحرم لبس النقبة وهي ما يسمى بالوزرة، وهى ثوب كالإزار له حجزة في أعلاه، يشد بها كالتنورة للنساء، ويجوز عند الحاجة لبس الكمامات حال الإحرام، والاستظلال بالشمسية من حرارة الشمس. • نوازل الطواف والسعي: السنة والأفضل الطواف والسعي في الدور الأرضي، ويجوز الطواف والسعي في الدور الأول، وما فوقه من الأدوار.

стр. 5928

والسنة الطواف والسعي ماشيًا، ويجوز الطواف والسعي راكبًا على عربة أو سير كهربائي، سواء كان معذورًا أو غير معذور، لأن النبي ﷺ طاف ماشيًا، وطاف راكبًا. والمسعى مشعر مستقل، له أحكامه الخاصة، وقد دخل الآن في مسجد الكعبة، فهو وقت السعي مسعًى للحاج والمعتمر، وما سوى ذلك يأخذ حكم المسجد الحرام. وساحات المسجد الحرام الخارجية المعدة للصلاة لها حكم المسجد الحرام المعين في جميع الأحكام. ويجوز للمرأة عند الحاجة لإتمام نسكها، تناول ما يمنع نزول دم الحيض إذا لم يترتب عليه ضرر، وإذا نزل دم الحيض واحتاجت المرأة لتناول ما يرفعه لطواف لازم، فهذه إن تناولته وانقطع عنها الدم بالكلية، ورأت الطهر، فلها أن تصلي وتطوف، وإن عاد الدم مرة أخرى فهو حيض حتى ينقطع. ومن طاف حاملاً للنجاسة كقسطرة البول ومن حدثه مستمر ببول أو غائط أو ريح، فهذا إذا توضاء فصلاته وطوافه وسعيه صحيح؛ لأنه معذور بسقوط الشرط الواجب عند العجز عنه. والأصل في الدعاء بالطواف والسعي أن يدعو كل واحد بمفرده، والاجتماع على الدعاء في الطواف أو السعي بصوت واحد بدعة، ومن خالف السنة وقع في البدعة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].

стр. 5929

والأصل في الدعاء الإسرار به، ورفع الصوت بالدعاء في الطواف أو السعي لا ينبغي، لما فيه من التشويش على الطائفين، والجهر بالدعاء الذي ينبغي إسراره، والجهر قد يوقعه في الرياء ولأن الإسرار هو السنة. والأصل أن يدعو كل طائف وساع بمفرده بما يتيسر له من الأدعية المشروعة في القرآن والسنة ويجوز الدعاء بغيرهما بما يوافقهما. أما استئجار المطوفين في الطواف والسعي فهو من البدع المحدثة التي تؤكل بها الدنيا بالدين، ويحصل بسببه الخلاف والخصام ورفع الأصوات وآلية الطائفين، فلا ينبغي للمسلم فعله. والأصل أن يطوف الرجال والنساء كل على حدة، وإن اشتد الزحام، فينأى المسلم بنفسه عن مواضع الفتن والزحام في الطواف أو السعي أو غيرهما. والصفا والمروة مشعران، وما بينهما هو المسعى، وصعود الصفا والمروة سنة، والواجب استيعاب ما بينهما حال السعي. وطول المسعى ثلاثمائة وأربعة وتسعون مترًا، وعرضه أربعون مترًا. ولا يجوز الحلق أو التقصير في المسعى؛ لأنه مكان النسك والتعبد والصلاة، فيجب تطهيره وعدم تلويثه بالشعر واللغو ومن أراد الحلق قصد محلات الحلاقة خارج المسجد. • نوازل عرفة: مساحة عرفات عشر كيلومتر مربع، ومسجد نمرة يقع غرب عرفة، مقدمته في وادي عرنة، ومؤخرته في عرفة ومن وقف في مقدمته فلا يعد وقفًا بعرفة، فلا يصح حجه إن لم يدخل عرفة، ومن وقف بعرفة ثم أغمي عليه، فحجه صحيح، ومن دخل وهو مغمى عليه ولم يفق لحظة واحدة، فوقوفه

стр. 5930

صحيح إن شاء الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]. • نوازل مزدلفة: المبيت بمزدلفة ليلة العيد للحاج واجب، ومن لم يستطع دخولها لعذر من مرض أو زحام شديد حتى طلعت الشمس مر بها ودعا، وحجه صحيح ولا إثم عليه، لأنه معذور. ومن مر بمزدلفة ولم يستطع الوقوف بها بسيارته لشدة الزحام أو خرج منها ولم يستطع الرجوع إليها، فمروره يكفيه عن الوقوف، وحجه صحيح إن شاء الله، فمن مر بها ولم يقف بغير عذر بل لمجرد التعجل، فهذا قد ترك واجبًا فهو آثم، وحجه صحيح، لكنه ناقص غير مبرور. ومن ترك المبيت بمزدلفة للقيام على مصالح الحجاج كالجنود والأطباء ونحوهم، فهذا إذا وقف بها إلى نصف الليل، فله الإفاضة إلى منى كالضعفاء والمرضى. ومن ترك المبيت بمزدلفة خشية فوات الرفقة أو الضياع أو الإرهاق فهؤلاء إن كانوا في سيارة واحدة ومعهم ضعفاء، فالأفضل أن يبيتوا جميعًا، فإن لم يستطع الضعفاء المكث فللبقية أن يرافقوهم؛ لأن في تفرقهم مشقة عليهم، وضياع لبعضهم، وإن كانوا في سيارات متعددة، فتبقى السيارات التي فيها الأقوياء وتنصرف السيارات التي فيها الضعفاء ومن يرافقهم إلى منى. والسنة صلاة المغرب والعشاء جمع تأخير بالمزدلفة، ومن صلاها قبل مزدلفة لغير عذر، فقد ترك السنة، وأجزئته صلاته.

стр. 5931

والسنة لمن وصل إلى مزدلفة قبل دخول وقت العشاء، أن ينتظروا حتى يدخل وقت العشاء ثم يصلون جمع تأخير، وإن جمع هؤلاء جمع تقديم، جاز لهم ذلك. وإذا خشي الحاج الذي حبسه عذر عذرًا خروج وقت العشاء قبل وصوله إلى مزدلفة، فيجب عليه أن يصلي المغرب والعشاء في الطريق قبل خروج وقت العشاء، ومن لم يستطيع النزول ليصلي على الأرض لعذر أو مرض، صلى في سيارته على حسب حاله. ومن انصرف من مزدلفة خشية الزحام قبل نصف الليل أو بعده، فقد خالف السنة، ومن فعل ذلك فيجب عليه الرجوع، فإن لم يرجع فهو آثم، وحجه ناقص غير مبرور، ولا يجوز للضعفاء ولا لغيرهم الانصراف قبل نصف الليل، ولا يجوز لغير أهل الأعذار الإفاضة إلى منى إلا بعد صلاة الصبح والدعاء والإسفار. • نوازل منى: مقدار مساحة منى أربعة كيلومتر مربع تقريبًا وهى أرض مستطيلة يحيط بها من الشمال والجنوب جبلان عظيمان. ويجوز بيع أراضي مكة ومبانيها وتأجيرها، أما بقاع المناسك والمشاعر وهى منى والمزدلفة وعرفات فلا يجوز بيعها ولا تأجيرها؛ لأنها متعبد لجميع المسلمين كالمساجد، ويجوز للدولة بناء المباني على سفوح جبال منى، لتكون حقاً مشاعاً للمسلمين، وتؤجر منافعها لمن أراد، بما في ذلك من زيادة المكان والتوسعة على الناس.

стр. 5932

• حكم تأجير الخيام في المشاعر: يجوز للدولة نصب الخيام في المشاعر، تحقيقًا للمصلحة العامة، وسلامة الحجاج، ويجوز للدولة تأجير هذه الخيام حتى تستوفي قيمتها، ثم يكتفى من قيمة الإيجار بما يقابل الصيانة والخدمات فقط، ولا يجوز للحاج أو للمؤسسة أن يأخذ من الخيام أكثر من حاجته، ومن زاد لديه شيء رده على من أجره، فإن لم يتمكن أجرها بنفس القيمة التي أستأجر بها، فإن أضاف إليها زيادة خدمات فله أن يزيد مقابل تلك الخدمات. وليس لموقع الخيام تأثير في قيمة الإيجار، لأن الإيجار من أجل تكلفة الخيام لا من أجل الأرض، والخيام متساوية في أول منى وآخرها، وتوزع الخيام بالقرعة حلًا للمشاحة، وقطعًا للنزاع بين الحجاج والمؤسسات. ومن لم يجد مكانًا للنزول في منى إلا بأجرة، فهذا إن كان قادرًا على الأجرة، وكانت الأجرة بسعر الدولة أو قريبة منها، فيلزمه الاستئجار. وإن كانت الأجرة بأكثر من المثل، فلا يجب عليه الاستئجار، خاصة إذا كانت الزيادة فاحشة، فهذا ينزل بأقرب مكان إلى منى يصلح للنزول كمزدلفة وما جاور منى من المساحات والمساكن. وإن كان عنده قدرة على بذل الأجرة الفاحشة، جاز له على دفعها والإثم على من أخذها. ويجب على الحاج المبيت في منى ليالي أيام التشريق، ومن لم يجد مكانًا، يجب عليه أن يبيت في أقرب مكان يلي منى كمزدلفة، لأن من أعظم مقاصد الحج اجتماع جميع الحجاج في مكان واحد، وتوحدهم في

стр. 5933

عبادتهم، ولباسهم، وسكنهم، وتيسير تعارفهم وتزاورهم، وهذا لا يتم إلا باجتماعهم وقرب بعضهم من بعض. والأصل البقاء والسكن في منى ليلًا ونهارًا لكل حاج، ولا يجوز للحاج أن يخرج منها إلا لعذر من أداء النسك كطواف الإفاضة والسعي أو لذبح الهدي أو قضاء الحاجة اللازمة ثم يعود للمبيت بها إلا إن حبسه عذر من مرض، أو زحام أو اشتغال بنسك. ولا يجوز للحاج أن يبيت بمنى في الشوارع والممرات المطروقة، لما في ذلك من إلحاق الضرر به وبغيره وتعطيل حركة السير والمشاة، أما ما ليس طريقًا مطروقًا، ولا ممراً للمشاة، ولا يترتب عليه ضرر، أو تعطيل مصلحة، فيجوز له المبيت فيه؛ لأن المشاعر للناس سواء. ويجوز لأهل الأعذار كالمرضى والأطباء والجنود ورجال الأمن ونحوهم ممن يقوموا على مصالح الحجاج، الخروج من منى ليلًا أو نهارًا حسب الحاجة ثم يعودوا إليها. • نوازل رمي الجمار: يجوز للضعفاء والمرافقين رمي جمرة العقبة إذا غاب القمر بعد منتصف ليلة النحر، ومن رماها قبل ذلك فعليه الإعادة. ورمي الجمار أيام التشريق بعد الزوال هو السنة، ولا يجوز لأحد أن يرمي قبل الزوال خشية الزحام؛ لزوال مشكلة الزحام بعد بناء جسر الجمرات المكون من عدة أدوار واسعة فلله الحمد والشكر على السعة، وزوال الحرج.

стр. 5934

وليس عذر موعد الحجز والسفر مبيحًا للتوكيل، أو مبيحًا للرمي قبل الزوال أيام التشريق؛ لأن إتمام النسك مقدم على غيره مهما كان، لأنه جاء من أجله، ولابد من إتمامه، والله سبحانه هو الأول، وأوامره هي الأولى، فيجب إتمامها، ثم الأخذ بأسباب السفر بعد ذلك: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ويجوز الرمي راكباً على عربة ونحوها في الدور الأرضي وما فوقه من أدوار جسر الجمرات، والسنة عند رمي جمرة العقبة، أن يجعل منى عن يمينه ومكة عن يساره أما رميها من الجهات الخلفية وهى الشمالية، فيجوز إذا وقعت الجمار في المرمى؛ لأن المعتبر مكان الرمي، أما الجهة فالأمر فيها واسع. ومكان الرمي هو الحوض المحيط بالشاخص فالشاخص دليل عليه، وعلامة له والجدار الشاخص على الجمار أوسع من المرمى، وحصى الجمار تتدحرج من جميع الأدوار إلى أن تقع في المرمى، وهو مجمع الحصى أسفل، والتوسعة حصلت في دائرة الرمي، لا المرمى الذي قطره ستة أذرع تقريبًا، هذا باق على حاله لم يوسع. ومن وكل غيره على الرمي، ثم ودع وسافر قبل رمي الوكيل، فإن كان بدون عذر فلا يصح التوكيل ولا الرمي، وهو آثم، وحجه غير مبرور، والوداع غير صحيح. وإن كان معذورًا فالتوكيل صحيح، والوداع غير صحيح؛ لأن طواف الوداع لا يصح إلا بعد إتمام الرمي كله منه أو من وكيله.

стр. 5935

ومن سافر ولم يطف طواف الإفاضة لعذر من مرض أو حيض، طافه إذا زال عذره ولو بعد نهاية شهر ذي الحجة، لكن لا يجامع زوجته إلا بعد طواف الإفاضة. ومن أخره لغير عذر، فهو آثم، فعليه التوبة وقضائه، لأن هذا الطواف ركن لا يتم الحج إلا به، وينبغي لولي الأمر تنظيم تفويج الحجاج في عرفات، ومزدلفة، ومنى، ورمي الجمرات، والطواف بالبيت، نظرًا لكثرة الحجاج، وشدة الزحام في هذه السنين الأخيرة، وذلك بما يحقق السلامة والمصلحة في مكة والمشاعر، والواجب على جميع المؤسسات والحجاج التعاون معًا لتحقيق تلك المصالح العامة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] • نوازل الهدي: ذبح الهدي واجب على المتمتع والقارن، والأكل منه وتوزيعه مستحب، وذبح الهدي بنفسه هو الأفضل، ويجوز أن يوكل من يذبح له هديه ممن يثق به من الأشخاص والمؤسسات المعتمدة لهذا العمل. وذبح الهدي مشروع في الحرم كله، ولا يجوز ذبح الهدي خارج حدود الحرم، والأولى الذبح في منى وما جاورها تسييرًا للذبح، والانتفاع بالأكل والإطعام للحجاج والفقراء، والأصل توزيع لحوم الهدي على فقراء الحرم ويجوز نقله خارج الحرم حسب المصلحة.

стр. 5936

• نوازل الحلق والتقصير: الحلق أفضل من التقصير، وأفضل الحلق ما أزال الشعر كله بالموس، أما حلق الشعر بالماكينة فإن إزالت الشعر كله فهو حلق وإن أبقت منه شيئًا ظاهرًا فهو تقصير، والحلق والتقصير في النسك، يكون لشعر الرأس كله، ومن حلق أو قصر بعضه، وترك بعضه، فهذا حلقه وتقصيره ناقص، وعليه إكمال ما ترك؛ لأن الحلق الكامل، له ثواب كامل: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. • نوازل طواف الوداع: إذا خرج الحاج من أهل مكة، ولم يطف طواف الوداع، فيجب عليه أن يعود ليطوفه، ولا إثم عليه إن كان جاهلًا أو ناسيًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ». أخرجه مسلم (١). ومن سافر لعذر قبل أن يتم نسكه، ثم عاد وأتم نسكه، فلا إثم عليه. ومن طاف للوداع، ثم رمى الجمار، ثم خرج إلى بلده، فالرمي صحيح، والوداع غير صحيح؛ لأن طواف الوداع مكانه بعد إتمام النسك. ومن مرضه شديد لا يستطيع معه الطواف لا ماشيًا ولا راكبًا ولا محمولًا، سقط عنه طواف الوداع؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه، لأن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]. ومن طاف للوداع، فعليه أن يخرج من مكة فورًا، ولا يمكث فيها بعد الطواف إلا لضرورة من مرض أو بحث عن مفقود أو انتظار رفقة أو غلبة نوم أو نحو ذلك.

стр. 5937

• حكم الحج السريع: الحج السريع: هو أن يأتي الحاج عرفة ليلًا ويقف بها، ثم ينصرف إلى المزدلفة، ثم يبيت بها إلى نصف الليل، ثم يتوجه إلى منى ويرمي جمرة العقبة ويحلق أو يقصر، ثم يحل من إحرامه، ثم يتوجه إلى مكة ويطوف ويسعى جامعًا بين طواف الإفاضة والوداع، ثم ينيب عنه من يرمي جمار أيام التشريق، ثم يسافر يوم العيد، ويسمى هذا حج الضعفاء فهذا حج غير صحيح؛ لما فيه من تجاوز حدود الله، والتلاعب بشرعه، ومخالفة أوامره وعدم المبالاة بهدي الرسول ﷺ : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١). • حكم العناية بمشاعر الحج: يجب علينا العناية بمشاعر الحج، وهى عرفة والمزدلفة ومنى، والمحافظة على نظافتها وسلامتها وحرمتها، وعدم الإساءة إليها أو فيها بقول أو فعل، ويجوز الجلوس فيها في غير موسم الحج بشرط ألا يفعل فيها ما ينافي حرمتها من ارتكاب المحرمات، لأنها مشاعر كالمساجد والمحرمات تعظم بحسب حرمة المكان: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].

стр. 5938

• كيفية الاستفادة من موسم الحج: ينبغي للحاج أن يشغل وقته بما ينفعه وينفع غيره وينبغي للعلماء والدعاة، الاستفادة من حضور الناس في موسم الحج والعمرة بزيارتهم في مخيماتهم ومنازلهم ووعظهم وإرشادهم وتعليمهم ما يلزمهم، ليؤدوا نسكهم على الوجه الصحيح، وعلى الحجاج الاستفادة من العلماء والدعاة والازدياد من الخير: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. ويقضي الحاج وقتًا طويلًا في الحافلات والسيارات التي تنقلهم بين المشاعر ومكة، فعلى العلماء والدعاة أثناء ذلك، وأثناء ركوب القطار، إفادة الناس ونصحهم وترغيبهم في التعاون على البر والتقوى والتحلي بالأخلاق الحسنة، وحسن الأدب في تلك البقاع الظاهرة. والحجاج وفد الله من أنحاء الأرض، فينبغي للموسرين إكرامهم بالطعام والشراب والسكنى ونحو ذلك مدة إقامتهم في المشاعر ومكة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. وقال الله تعالى ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 5939

٧ - الخزانة السابعة ١٢ - خصائص المساجد الثلاثة • المساجد الثلاثة هي: المسجد الحرام .. والمسجد النبوي .. والمسجد الأقصى. الأول: المسجد الحرام، بناه إبراهيم ﷺ وابنه إسماعيل ﷺ ، وهو قبلة المسلمين، وإليه حجهم، وهو أول بيت وضع للناس، جعله الله مباركًا وهدى للعالمين: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧]. الثاني: المسجد النبوي، بناه محمد ﷺ وأصحابه ﵃، وقد أسس على التقوى، وليس في الدنيا حرم إلا هذان الحرمان فقط. الثالث: المسجد الأقصى، بناه يعقوب ﷺ ، وهو أولى قبلتي المسلمين، ومسرى الرسول الكريم ﷺ . • مضاعفة ثواب الصلاة في هذه المساجد الثلاثة: لهذه الخصائص وغيرها لا تشد الرحال إلا لهذه المساجد الثلاثة: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].

стр. 5940

وعن البراء ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا لثَلَاثَ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى». متفق عليه (١). • فضل الصلاة في المساجد الثلاثة: عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ». متفق عليه (٢). وعن جابر ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ». أخرجه أحمد وابن ماجه بسند صحيح (٣). وعن أبي ذر ﵁ قال: تَذَاكَرنَا وَنَحْنُ عِنْدَ رَسولِ الله ﷺ أَيُّهُما أَفْضَلُ: مَسجِدُ رَسولِ الله ﷺ ، أَوْ مَسجِدُ بَيتِ المَقْدِسِ، فَقَالَ رَسولُ الله ﷺ : «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فِيهِ، وَلَنِعْمَ المُصَلَّى». أخرجه الحاكم بسند صحيح (٤). فالصلاة في المسجد الأقصى بمأتين وخمسين صلاة. • فضل الصلاة في مسجد قباء: عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يأتي إلى مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا. متفق عليه (٥).

стр. 5941

وعن سهل ابن حنيفة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثمَّ أَتَى ماشيًا إلى قُبَاءَ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ». أخرجه النسائي وابن ماجه بسند صحيح (١). • حدود حرم المدينة النبوية: من الغرب الحرة الغربية. ومن الشرق الحرة الشرقية. ومن الشمال جبل ثور خلف جبل أحد. ومن الجنوب جبل عير. وبسفحه الشمالي وادي العقيق. وحرم المدينة لا يقطع شجره، ولا ينفر صيده، وصيد مكة فيه الإثم والجزاء وصيد المدينة فيه الإثم دون الجزاء: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا». متفق عليه (٢).

стр. 5942

وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا». أخرجه مسلم (١). • حكم زيارة المسجد النبوي: أولا: يسن للمسلم أن يزور المسجد النبوي، ويصلي فيه إذا دخل ركعتين تحية المسجد، ثم يذهب إلى قبر النبي ﷺ ويقف أمامه، ويسلم عليه قائلًا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ثم يخطو خطوة عن يمينه ويسلم على أبي بكر ﵁ كذلك، ثم يخطو خطوة عن يمينه ويسلم على عمر ﵁ كذلك. عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ¬ السَّلامَ». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (٢). وإن دعا بما يدعو به عند زيارة قبور المسلمين فلا بأس بذلك. والنبي ﷺ لما مات، دفن في بيته، ولم يدفن في المسجد، والمسجد لم يبنى على القبر، بل بني المسجد في حياة النبي ﷺ ، والقبر الآن ليس في المسجد لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد. ثانيًا: زيارة مسجد النبي ﷺ بالمدينة ليست من مناسك الحج والعمرة، ويتم الحج والعمرة بدونها، وإنما تسن زيارة مسجد النبي ﷺ للصلاة فيه في أي وقت من العام.

стр. 5943

عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي». متفق عليه (١). وتسن زيارة مقبرة البقيع، وشهداء أحد، والسلام عليهم، والدعاء والاستغفار لهم، ويقول عند زيارة القبور: «السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ». أخرجه مسلم (٢). أو يقول: «السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ المؤمنين والْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ». أخرجه مسلم (٣). • حكم تعظيم الآثار: الاهتمام بالآثار من عادات الكفار، وهو محرم لما فيه من الغلو المؤدي للشرك وتعظيم غير شعائر الله، والتلبيس على الناس في أمر دينهم، وأكل أموال الناس بالباطل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].

стр. 5944

• مناسك الحج والعمرة: لما أنبع الله ماء زمزم لهاجر وإسماعيل ﷺ ، مر بهم قوم من العمالقة فاستأذنوا هاجر في السكن، فاشترطت عليهم أن الماء لها، ولم تزل العمالقة معها حتى بغوا وطغوا في الحرم، فسلط الله عليهم قبيلة جرهم، وكان رئيسهم مطلب بن عمرو الجرهمي الذي زوج ابنته رحلة لإسماعيل، وهي التي أمره أبوه إبراهيم ﷺ بإبقائها معه. ولم تزل جرهم حتى شب فيهم إسماعيل، وتعلم منهم العربية، وكانت سدنة البيت عند أولاد إسماعيل إلى آخرهم نابت بن إسماعيل، فلما مات نابت أخذ الجرهميون مفاتيح الكعبة، وصارت لهم سدانة البيت، ولم تزل جرهم هم أهل بيت الله الحرام حتى طغوا وبغوا، ومنهم إساف ونائلة اللذان زنيا في جوف الكعبة، فمسخهم الله حجرين، فأخرجهما عمرو بن حي الخزاعي ووضع أحدهما على الصفا، والآخر على المروة، ليعبدا من دون الله. فلما بغت جرهم، وطغوا في الأرض، سلط الله عليهم خزاعة فطردوهم، ثم إن قصي اشترى من أبي غبشان سيد خزاعة مفاتيح الكعبة وسدانة البيت فعادت سدانة البيت لبني إسماعيل، وبعث النبي ﷺ وهم أهل بيت الله. وليس في الدنيا إلا حرمان فقط: حرم بمكة هو المسجد الحرام .. وحرم بالمدينة. وحرم مكة هو ما أحاط بها من جوانبها بأعلام منصوبة، ما كان داخلها فهو حرم، وما كان خارجها فليس بحرم، فليست كل مكة الآن من الحرم.

стр. 5945

وقد ورد ذكر الحرم في آيتين من كتاب الله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧] • أسماء مكة: كثرة الأسماء لشيء تدل على عظمة المسمى وشرفه، كما في أسماء الله ، وأسماء الرسول ﷺ ، وأسماء كتاب الله ، ولا يعرف بلد في العالم أكثر أسماءً من مكة والمدينة، لكونهما أشرف بقاع الأرض كلها. وأسماء مكة التي وردت في القرآن هي: أولًا: مكة: كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾ [الفتح: ٢٤]. وسميت مكة، لأنها قليلة الماء، وتجدب أهلها، وتجذب الناس إليها، وتمك من ظلم فيها، وتهلكه، وتمك الذنوب وتذهبها. ثانيًا: بكة: كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦]. ومكة وبكة معناهما واحد، وسميت مكة ببكة لازدحام الناس فيها، فهم يتباكون من شدة زحام الرجال والنساء بها، ولأنها تبك أعناق الجبابرة وتدقها.

стр. 5946

ثالثًا: البلد: كما قال سبحانه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾ [البلد: ١ - ٢]. سميت بذلك، لأنها صدر القرى تفخيمًا لها كالنجم للثريا. رابعًا: البلد الأمين: كما قال سبحانه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ١ - ٣]. سميت بذلك، لأن من دخلها كان آمنًا، فهي البلد الأمين، وبلد الأمن، ومنها خرج الأمن في العالم. خامسًا: البلدة: كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ [النمل: ٩١]. السادس: أم القرى: كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى: ٧]. سميت بذلك لأنها أقدم الأرض، ولأنها قبلة يؤمها جميع الناس حجاجًا وعمارًا، فهي أصل القرى وأعظمها شأنًا، والقرى كلها تبع لها لأن فيها البيت الذي يقصده جميع أهل القرى. السابع: القرية: كما قال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣]. والقرية اسم لما يجمع جماعة كثيرة من الناس، فمع أن فيها بيت الله لما كفر أهلها، أصابهم القحط، فكيف بغيرها من القرى.

стр. 5947

٨ - الخزانة الثامنة مناسك الحج والعمرة • حدود الحرم: المسجد الحرام يراد به نفس البيت، والمسجد المحيط به، والحرم كله، ومكة، وأول من نصب أنصاب الحرم إبراهيم ﷺ بدلالة جبريل له، ثم جددها ابنه إسماعيل ﷺ ، ثم جددها قصي بن كلاب، ثم جددها النبي ﷺ حيث أمر تميم بن أسد الخزاعي عام الفتح فجدد أنصاب الحرم، ثم جددها عمر بن الخطاب سنة سبعة عشر من الهجرة. ثم جددها عثمان ﵁ سنة ست وعشرين، ثم استمر تجديد أنصاب الحرم، وفي عام ألف وأربعمائة واثنين وعشرين تم بناء أعلام جديدة واضحة على مداخل الحرم الرئيسية في عهد الملك فهد بن عبد العزيز ﵀، وهو أكبر تجديد لأنصاب الحرم. • الحرم المكي مساحات ومسافات: محيط الحرم المكي: مائة وسبعة وعشرون كيلو متر تقريبًا، ومساحة الحرم المكي المربعة: خمسمائة وخمسون كيلو متر مربع تقريبًا. و المسافة بين الكعبة وحدود الحرم كما يلي: من جهة التنعيم: ستة كيلو ونصف تقريبًا. ومن جهة طريق جدة السريع الحديبية اثنان وعشرين كيلو متر تقريبًا. ومن جهة طريق الليث سبعة عشر كيلو متر تقريبًا.

стр. 5948

ومن جهة طريق الطائف السيل اثنا عشر كيلو وثمانمائة وخمسون متر تقريباً. ومن جهة طريق الطائف الهدى خمسة عشر كيلوا ونصف كيلو تقريبًا. ومساحة الكعبة مائة وخمسة وأربعون متر مربع. وطول جدارها من جهة الباب أحد عشر متراً وثمانية وستون سنتيمتر. وطول جدارها من جهة الحِجر تسعة أمتار وتسعون سنتيمتراً. وطول جدارها ما بين الركن الشامي واليماني اثنا عشر متراً وأربعة سنتيمتر. وطول الجدار ما بين الركن اليماني والحجر الأسود عشرة أمتار وثمانية عشر سنتيمتر. ويبلغ ارتفاعها أربعة عشر متراً، ومحيطها سبعة وأربعون مترا تقريبًا: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧]. • بناء الكعبة: بنيت الكعبة عدة مرات، والثابت المعلوم منها خمسة: البناء الأول: بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة بارتفاع تسعة أذرع، أربعة ونصف متر تقريبًا، طولها من جهة الباب ستة عشر مترًا، ومن الجهة الغربية خمسة عشر متراً وخمسة سنتيمتر، ومن جهة الحجر أحد عشر مترًا، ومن الجهة الجنوبية عشرة أمتار، ولم يجعل لها سقفًا، وجعل لها بابين ملاصقين للأرض، من الجهة الشرقية والغربية.

стр. 5949

الثاني: بناء قريش في السنة الخامسة قبل البعثة، وجعلوا ارتفاعها تسعة أمتار، وسقفوها، وسدوا الباب الغربي، ورفعوا الباب الشرقي، ونقصوها من جهة الحجر ثلاثة أمتار، لأن النفقة قصرت بهم. الثالث: بناء عبد الله بن الزبير سنة أربع وستين هجرية الذي أعاد بناءها على قواعد إبراهيم، وجعل لها بابين كما كانت، وجعل ارتفاعها سبعة وعشرون ذراعًا، ثلاثة عشر مترًا وخمسة سنتيمترات. الرابع: بناء الحجاج بن يوسف، حيث أعاد بناءها على ما كانت عليه في عهد قريش، وأخرج منها ثلاثة أمتار من جهة الحجر، ولم يغير ارتفاعها، وذلك عام ٧٤ من الهجرة. الخامس: بناء مراد خان العثماني الذي أعاد بناء الكعبة على ما كانت عليه بعد تصدع بناءها من جراء السيول عام ألف وأربعين هجرية. وفي عام ألف وأربعمائة وسبعة عشر أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ﵀ بعمل إصلاحات شاملة للكعبة، مع تغيير سقفي الكعبة بسقفين جديدين، مع تبليط جدران الكعبة وأرضها من الداخل بالرخام، وقد شرّفني الله بدخولها فرأيت ذلك ولله الحمد. ومساحة المطاف الحالي سبعة عشر ألف متر مربع، ومساحة مقام إبراهيم أربعين سم في أربعين، وارتفاعه خمسين سم، ويبعد عن الكعبة أربعة عشر متراً ونصف، ولا يزال في مكانه من عهد النبي ﷺ إلى يومنا هذا. وبئر زمزم يبعد عن الحجر الأسود عشرين متراً وستين سنتيمتراً، وعمقه ثلاثون متراً وخمسة سنتيمتر تقريبًا.

стр. 5950

والصفا جبل صغير يقع في الجهة الجنوبية الشرقية من الكعبة، ويبعد عنها مئة وثلاثين متراً، ويقع أسفل جبل أبي قبيس. والمروة جبل صغير يقع في الجهة الشمالية الشرقية من الكعبة، ويبعد عنها ثلاثمائة متر تقريبًا، وهو متصل بجبل قعيقعان. والمسعى هو المكان الممتد بين جبلي الصفا، والمروة. وطول المسعى ثلاثمائة وخمسة وتسعون متر تقريبًا، وعرضه أربعون متر تقريبًا. • عمارة المسجد الحرام: كان المسجد الحرام منذ بناء الكعبة، وحتى صدر الإسلام، يتكون من فناء كبير تتوسطه الكعبة، ولم يكن له جدار يحيط به. وتقدّر مساحته في عهد النبي ﷺ بألفي متر مربع. وفي سنة سبعة عشر أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بزيادة ثمانمائة وستين متراً مربعاً، وهي أول زيادة في المسجد الحرام، وأحاطه بسور دون القامة. وفي سنة ست وعشرين جعل فيه أمير المؤمنين عثمان ﵁ أروقة يستظل بها الناس، وزاد في مساحته ألفين وأربعين متر مربع. وفي سنة خمس وستين قام عبد الله بن الزبير ببناء الكعبة، وزاد في توسعة الحرم أربعة ألاف وخمسين متر مربع تقريبًا. وفي سنة واحد وتسعين أمر الوليد بن عبد الملك بتوسعة المسجد الحرام، وعمارته، وسقفه بالساج، وكانت زيادته من الجهة الشرقية بمساحة ألفين وثلاثمائة متر مربع.

стр. 5951

وفي سنة مائة وسبعة وثلاثين أمر الخليفة أبو جعفر بن منصور بتوسعة المسجد الحرام، وترميمه، نظرًا لكثرة الزوار والحجاج والمعتمرين، وتقدر مساحة التوسعة بأربعة ألاف وسبعمائة متر تقريبًا. وفي سنة مائة وستون وسع الخليفة المهدي العباسي المسجد الحرام من جميع الجهات إلا الجهة الجنوبية لوجود مجرى السيل، وتقدر زيادته بسبعة ألاف وتسعمائة وخمسين متراً مربعاً، ثم لما حجّ سنة مئة وأربعة وستين أمر بتحويل مجرى السيل، ووسع المسجد حتى صار مربعًا، وزاد في مساحته ألفين وثلاثمائة وستين متر مربع. وفي سنة مائتين وواحد وثمانين أدخل المعتصم بالله العباسي دار الندوة في المسجد الحرام في الجهة الشمالية، وزاد مساحة المسجد ألفاً ومائتين وخمسين متر مربع. وفي سنة ثلاثمائة وستة زاد فيه المقتدر بالله العباسي من جهة باب إبراهيم مساحة ثمانمائة وخمسين متر مربع. وفي سنة تسعمائة وتسعة وسبعين جدد السلطان سليم العثماني عمارة المسجد الحرام كاملاً، ولم يزد فيه شيء، وهو البناء العثماني الباقي حتى اليوم، والذي أُزيل، وبدأت بعده البناية السعودية ولله الحمد. ففي عام ألف وثلاثمائة وخمسة وسبعين بدأت التوسعة السعودية الأولى من جميع الجهات في عهد الملك سعود ﵀ ببناء حديث من وراء البناء العثماني، ببناء يتكون من ثلاثة أدوار، وبني المسعى لأول مرة، وضم إلى المسجد الحرام بعد أن كان سوقًا، وصارت مساحة المسجد الحرام

стр. 5952

مائة وثلاثة وتسعون ألف متر مربع بزيادة قدرها مائة وثلاثة وخمسون ألف متر مربع. وفي عام ألف وأربعمائة وتسعة أمر الملك فهد ﵀ بتوسعة المسجد الحرام من الجهة الغربية بمساحة ستة وسبعين ألف متر مربع بأدواره الأربعة، وتم تبليط الساحات الخارجية بالرخام الأبيض بمساحة خمسة وثمانين ألف متر مربع. وبذلك بلغت المساحة الإجمالية للمسجد الحرام، والساحات الخارجية، ثلاثمائة وستة وخمسون ألف متر مربع، تتسع لأكثر من مليون مصلّي. وفي عام ألف وأربعمائة وثمان وعشرين أمر الملك عبد الله بن عبد العزيز بإعادة بناء المسعى، وتوسعته، لشدة الزحام من جهة الشرق عشرون متر فصار عرضه أربعون متراً، وطوله ثلاثمائة وخمسة وتسعون متراً، ومساحته بأدواره الثلاثة مائة وخمسة وعشرون ألف متر مربع. وفي عام ألف وأربعمائة وتسعة وعشرون أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ﵀ بتوسعة المسجد الحرام من الجهة الشامية بعمق ثلاثمائة وثمانون متراً، ولا زالت تحت الإنشاء وقد اكتملت بنسبة تسعين بالمئة ولله الحمد والمنّة. وكلما ازداد المسلمون قذف الله في قلوب من يتولى الإشراف على المسجد الحرام بتوسعته، وتهيئة المساكن حوله. وتوسعة الملك عبد الله بن عبد العزيز للحرم المكي من الجهة الشامية تساوي ثلاثة أضعاف المسجد الحرام القديم، ليتّسع الحرم في وقت واحد لأكثر من مليوني مصلّي.

стр. 5953

وهذه التوسعة أكبر توسعة للحرم المكي في التاريخ، مبنية على أحسن طراز من الناحية المعمارية، مكيفة بشكل كامل، ومزودة بسلالم كهربائية للأدوار العلوية، ومزودة بأحسن السجاد، وزيد فيها مئذنتان جديدتان، لتصبح مآذن الحرم إحدى عشرة مئذنة. وتقدر مساحة التوسعة الجديدة بحوالي مليون وسبعمائة وخمسون ألف متر مربع مع الساحات الخارجية ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. المشاعر المقدسة مساحات ومسافات: أولاً: منى، تقع شرق المسجد الحرام، وتبعد عنه أربعة كيلو متر تقريبًا، وطولها من جمرة العقبة إلى وادي محسر ثلاثة ونصف كيلو. وتقدر مساحتها الإجمالية مع سفوح الجبال بأكثر من ستة كيلو متر مربع، وفي منى الجمرات الصغرى، والوسطى، والكبرى. وفي عام ألف وأربعمائة وستة وعشرين أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ببناء جسر الجمرات الذي يتسع بحمد الله بجميع أدواره لخمسمائة ألف رامي في الساعة الواحدة. ثانيًا: المزدلفة، وتقدر مساحتها بنحو تسعة كيلو متر تقريبًا، وتبعد عن مكة ثمانية كيلو تقريبًا، وتبعد عن عرفات ستة كيلو متر تقريبًا، وبني فيها مسجد المشعر الحرام الذي تبلغ مساحته خمسة ألاف وأربعمائة متر تقريبًا ويستوعب أكثر من ثمانية ألاف مصلي.

стр. 5954

ثالثًا: عرفة، تقع في الجنوب الشرقي من مكة المكرمة وتبعد عن المسجد الحرام ثمانية عشر كيلو متر، وهي في الحل، ويفصلها عن الحرم وادي عرنة ومساحتها سبعة عشر كيلو متر مربع تقريبًا. ووادي عرنة هو الحد الفاصل بين عرفات والحرم، والوادي ليس من عرفات، ولا من الحرم، وقد خطب فيه النبي ﷺ في حجة الوداع، وصلى فيه الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، ثم دخل إلى عرفات، ووقف على الصخرات، حتى غربت الشمس، ويقع الوادي غرب عرفات. والحسنات تضاعف في الحرم كله بمكة وغيرها، والسيئة بواحدة، كرم من الله في مكة وغيرها، والسيئة في الحرم لا تضاعف، بل هي مغلظة في حجمها عن الحل، فالسيئة في الحرم عظيمة وكبيرة في الحجم أكبر من السيئة في الحل، فليس من عصى الله في حرمه، وبين عباده، وفي بيته، كمن عصاه خارج حرمه. ففي الحرم السيئة كبيرة وجزاؤها مثلها كبير، أما مقدار التضعيف للحسنات في الحرم فلا يعلمه إلا الله، ولم يثبت من ذلك التضعيف إلا في الصلاة، فالصلاة في الحرم في مكة أفضل من ألف صلاة فيما سواه. • حكم دخول الكفار حرم مكة: جزيرة العرب حدودها من الجنوب عدن، ومن الشمال الشام والعراق، ومن الغرب البحر الأحمر، ومن الشرق الخليج العربي، ولا يجوز للكفار والمشركين الاستيطان في حرم مكة، ولا دخولها لحاجة أو لغير حاجة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ

стр. 5955

عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨]. ولا يجوز دخول اليهود والنصارى وسائر المشركين إلى جزيرة العرب للاستيطان إلا عند الحاجة والضرورة لقوله ﷺ : «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ». متفقٌ عليه (١). وقوله ﷺ : «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا». أخرجه مسلم (٢). ومكة هي أم القرى، سميت بذلك لأن الأرض كلها دحيت من تحتها، أو لأنها قبلة أهل الدنيا، وسائر القرى تابع لها، أو لأن من أصول عبادات أهل الدنيا الحج، وهو إنما يحدث في مكة، فلهذا يجتمع الخلق فيها كل عام كما يجتمع الأولاد إلى الأم. وقيل: إنما سميت مكة بأم القرى، لأن فيها أول بيت وضع للناس في الأرض، أو لأنها أول بلد سُكِنت في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ [الأنعام: ٩٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
следующие страницы →