← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

وفي سنة مائة وسبعة وثلاثين أمر الخليفة أبو جعفر بن منصور بتوسعة المسجد الحرام، وترميمه، نظرًا لكثرة الزوار والحجاج والمعتمرين، وتقدر مساحة التوسعة بأربعة ألاف وسبعمائة متر تقريبًا. وفي سنة مائة وستون وسع الخليفة المهدي العباسي المسجد الحرام من جميع الجهات إلا الجهة الجنوبية لوجود مجرى السيل، وتقدر زيادته بسبعة ألاف وتسعمائة وخمسين متراً مربعاً، ثم لما حجّ سنة مئة وأربعة وستين أمر بتحويل مجرى السيل، ووسع المسجد حتى صار مربعًا، وزاد في مساحته ألفين وثلاثمائة وستين متر مربع. وفي سنة مائتين وواحد وثمانين أدخل المعتصم بالله العباسي دار الندوة في المسجد الحرام في الجهة الشمالية، وزاد مساحة المسجد ألفاً ومائتين وخمسين متر مربع. وفي سنة ثلاثمائة وستة زاد فيه المقتدر بالله العباسي من جهة باب إبراهيم مساحة ثمانمائة وخمسين متر مربع. وفي سنة تسعمائة وتسعة وسبعين جدد السلطان سليم العثماني عمارة المسجد الحرام كاملاً، ولم يزد فيه شيء، وهو البناء العثماني الباقي حتى اليوم، والذي أُزيل، وبدأت بعده البناية السعودية ولله الحمد. ففي عام ألف وثلاثمائة وخمسة وسبعين بدأت التوسعة السعودية الأولى من جميع الجهات في عهد الملك سعود ﵀ ببناء حديث من وراء البناء العثماني، ببناء يتكون من ثلاثة أدوار، وبني المسعى لأول مرة، وضم إلى المسجد الحرام بعد أن كان سوقًا، وصارت مساحة المسجد الحرام

стр. 5952

مائة وثلاثة وتسعون ألف متر مربع بزيادة قدرها مائة وثلاثة وخمسون ألف متر مربع. وفي عام ألف وأربعمائة وتسعة أمر الملك فهد ﵀ بتوسعة المسجد الحرام من الجهة الغربية بمساحة ستة وسبعين ألف متر مربع بأدواره الأربعة، وتم تبليط الساحات الخارجية بالرخام الأبيض بمساحة خمسة وثمانين ألف متر مربع. وبذلك بلغت المساحة الإجمالية للمسجد الحرام، والساحات الخارجية، ثلاثمائة وستة وخمسون ألف متر مربع، تتسع لأكثر من مليون مصلّي. وفي عام ألف وأربعمائة وثمان وعشرين أمر الملك عبد الله بن عبد العزيز بإعادة بناء المسعى، وتوسعته، لشدة الزحام من جهة الشرق عشرون متر فصار عرضه أربعون متراً، وطوله ثلاثمائة وخمسة وتسعون متراً، ومساحته بأدواره الثلاثة مائة وخمسة وعشرون ألف متر مربع. وفي عام ألف وأربعمائة وتسعة وعشرون أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ﵀ بتوسعة المسجد الحرام من الجهة الشامية بعمق ثلاثمائة وثمانون متراً، ولا زالت تحت الإنشاء وقد اكتملت بنسبة تسعين بالمئة ولله الحمد والمنّة. وكلما ازداد المسلمون قذف الله في قلوب من يتولى الإشراف على المسجد الحرام بتوسعته، وتهيئة المساكن حوله. وتوسعة الملك عبد الله بن عبد العزيز للحرم المكي من الجهة الشامية تساوي ثلاثة أضعاف المسجد الحرام القديم، ليتّسع الحرم في وقت واحد لأكثر من مليوني مصلّي.

стр. 5953

وهذه التوسعة أكبر توسعة للحرم المكي في التاريخ، مبنية على أحسن طراز من الناحية المعمارية، مكيفة بشكل كامل، ومزودة بسلالم كهربائية للأدوار العلوية، ومزودة بأحسن السجاد، وزيد فيها مئذنتان جديدتان، لتصبح مآذن الحرم إحدى عشرة مئذنة. وتقدر مساحة التوسعة الجديدة بحوالي مليون وسبعمائة وخمسون ألف متر مربع مع الساحات الخارجية ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. المشاعر المقدسة مساحات ومسافات: أولاً: منى، تقع شرق المسجد الحرام، وتبعد عنه أربعة كيلو متر تقريبًا، وطولها من جمرة العقبة إلى وادي محسر ثلاثة ونصف كيلو. وتقدر مساحتها الإجمالية مع سفوح الجبال بأكثر من ستة كيلو متر مربع، وفي منى الجمرات الصغرى، والوسطى، والكبرى. وفي عام ألف وأربعمائة وستة وعشرين أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ببناء جسر الجمرات الذي يتسع بحمد الله بجميع أدواره لخمسمائة ألف رامي في الساعة الواحدة. ثانيًا: المزدلفة، وتقدر مساحتها بنحو تسعة كيلو متر تقريبًا، وتبعد عن مكة ثمانية كيلو تقريبًا، وتبعد عن عرفات ستة كيلو متر تقريبًا، وبني فيها مسجد المشعر الحرام الذي تبلغ مساحته خمسة ألاف وأربعمائة متر تقريبًا ويستوعب أكثر من ثمانية ألاف مصلي.

стр. 5954

ثالثًا: عرفة، تقع في الجنوب الشرقي من مكة المكرمة وتبعد عن المسجد الحرام ثمانية عشر كيلو متر، وهي في الحل، ويفصلها عن الحرم وادي عرنة ومساحتها سبعة عشر كيلو متر مربع تقريبًا. ووادي عرنة هو الحد الفاصل بين عرفات والحرم، والوادي ليس من عرفات، ولا من الحرم، وقد خطب فيه النبي ﷺ في حجة الوداع، وصلى فيه الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، ثم دخل إلى عرفات، ووقف على الصخرات، حتى غربت الشمس، ويقع الوادي غرب عرفات. والحسنات تضاعف في الحرم كله بمكة وغيرها، والسيئة بواحدة، كرم من الله في مكة وغيرها، والسيئة في الحرم لا تضاعف، بل هي مغلظة في حجمها عن الحل، فالسيئة في الحرم عظيمة وكبيرة في الحجم أكبر من السيئة في الحل، فليس من عصى الله في حرمه، وبين عباده، وفي بيته، كمن عصاه خارج حرمه. ففي الحرم السيئة كبيرة وجزاؤها مثلها كبير، أما مقدار التضعيف للحسنات في الحرم فلا يعلمه إلا الله، ولم يثبت من ذلك التضعيف إلا في الصلاة، فالصلاة في الحرم في مكة أفضل من ألف صلاة فيما سواه. • حكم دخول الكفار حرم مكة: جزيرة العرب حدودها من الجنوب عدن، ومن الشمال الشام والعراق، ومن الغرب البحر الأحمر، ومن الشرق الخليج العربي، ولا يجوز للكفار والمشركين الاستيطان في حرم مكة، ولا دخولها لحاجة أو لغير حاجة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ

стр. 5955

عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨]. ولا يجوز دخول اليهود والنصارى وسائر المشركين إلى جزيرة العرب للاستيطان إلا عند الحاجة والضرورة لقوله ﷺ : «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ». متفقٌ عليه (١). وقوله ﷺ : «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا». أخرجه مسلم (٢). ومكة هي أم القرى، سميت بذلك لأن الأرض كلها دحيت من تحتها، أو لأنها قبلة أهل الدنيا، وسائر القرى تابع لها، أو لأن من أصول عبادات أهل الدنيا الحج، وهو إنما يحدث في مكة، فلهذا يجتمع الخلق فيها كل عام كما يجتمع الأولاد إلى الأم. وقيل: إنما سميت مكة بأم القرى، لأن فيها أول بيت وضع للناس في الأرض، أو لأنها أول بلد سُكِنت في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ [الأنعام: ٩٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].

стр. 5956

وقد فرض الله الحج في السنة التاسعة من الهجرة بعد فتح مكة في رمضان، وأمر رسول الله ﷺ أبا بكر سنة تسع من الهجرة أن يحج بالناس فلما طهر الله بيته من المشركين، وأعمال الشرك، حج ﷺ سنة عشرٍ حجة الوداع. ومكة هي قبلة المسلمين في صلواتهم، ومتعبد الحجاج في نسكهم. واليهود كانوا يستقبلون جهة المغرب، والنصارى يستقبلون جهة المشرق، وقد أمر الله الرسول ﷺ والمؤمنين حين كانوا بمكة أن يتوجهوا إلى بيت المقدس، ليتميزوا عن المشركين، فلما هاجروا إلى المدينة وبها اليهود أُمِروا بالتوجه إلى الكعبة، ليتميزوا عن اليهود: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٣ - ١٤٥]. فالعرش العظيم قبلة حملته، ومن يطوف به من الملائكة، والبيت المعمور قبلة أهل السماوات من الملائكة، والكعبة قبلة المؤمنين في الأرض من الإنس والجن.

стр. 5957

والمسجد الحرام بمكة قبلة لكل الأنبياء، لكن أتباعهم من اليهود والنصارى هم الذين بدلوا هذه القبلة، فالكعبة قبلة لكل الأنبياء، لأنها أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦]. والكعبة بيت الله باختيار الله، ومساجد الأرض بيوت الله باختيار خلق الله، وكلها تتوجه إلى بيت الله باختيار الله، وهذا وهذا كله مسجد للسجود لله، ولهذا كان بيت الله باختيار الله قبلة لبيوت خلق الله في أي جهة من الأرض، فالذي يصلي أمام الكعبة قبلته الكعبة، والذي يصلي خارج المسجد قبلته المسجد، والذي يصلي بجهات الدنيا قبلته جهة المسجد الحرام: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].

стр. 5958

٩ - الخزانة التاسعة مناسك الحج والعمرة • حكم رباع مكة: مكة فُتِحت عنوة ولم يتعرض النبي ﷺ لشيء من أموال أهل مكة لا منقولها، ولا عقارها، ولا سبى ذراريهم، والمانع من ذلك ومن إجارتها كونها أرض المشاعر التي يشترك في استحقاق الانتفاع بها جميع المسلمين الحاضر والباد كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٥ - ٢٦]. فالساكنون في مكة أحق بما احتاجوا إليه، لأنهم سبقوا إلى المباح، وأما الفاضل فعليهم بذله لمن احتاجه، فهم وإن كان البناء لهم لكن العرصة مشتركة بينهم وبين الناس، فأهل مكة لهم حق، وعليهم حق. ومن صُدّ عن البيت أو أحصر بعدوٍ أو مرض وقد ساق معه الهدي ذبحه ثم أحلق، ثم حل حيث كان، وإن لم يكن معه هدي فلا شيء عليه؛ لأن حكم الإحصار نزل في الحديبية، وهم ألف وأربعمائة، وليس كلهم معهم هدي، فذبحوا سبعين من الإبل، والبقية ليس معهم هدي، فدلّ على أن المحصر

стр. 5959

ليس عليه هدي إذا لم يجد أو لم يستطع: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. • والإحرام بالحج قبل أشهره لا ينعقد ولا يجوز كالصلاة المكتوبة لا ينعقد إحرامها قبل وقتها، فللحج أشهر، وللصلاة أوقات، وللصيام وقت، وتعدي حدود الله لا يجوز: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]. • والمشروع عند الإحرام التلفظ بالنسك كأن يقول: لبيك عمرة، لبيك حجاً، لبيك حجًا وعمرة، فالمشروع عند الإحرام التلفظ بالنسك الذي يريده مع النية، لأن محل النية القلب. • نسك التمتع أفضل لأمرين: الأول: أن النبي ﷺ أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي ولا ينقلهم إلا للأفضل، ولا يتأسف إلا عليه. ثانيًا: أن المتمتع أكثر عملاً، لأنه يأتي بأفعال العمرة كاملة، وأفعال الحج كاملة، والنبي ﷺ حج قارنًا، وساق معه الهدي، فجمع الله له الأجرين؛ أجر فعل الأفضل، وهو القران مع سوق الهدي، وأجر ما اختار من موافقتهم من التحلل بعمرة لولا أنه ساق الهدي، كما قال ﷺ : «لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَحَلَلْتُ». أخرجه أبو داود والنسائي (١). • والتلبية مشروعة في نسك الحج والعمرة عند الصعود والهبوط، أما التكبير فمشروع عند الصعود، والتسبيح مشروع عند الهبوط.

стр. 5960

• والفدية في النسك ما وجب بسبب ترك واجب من واجبات الإحرام، أو فعل محظور كالحلق، أو بسبب منع كدم الإحصار، سميت بذلك لأنها فداء للنفس من العقوبة، كأن من وجبت عليه صار في هلكة يحتاج إلى إنقاذه منها بالفدية، أما الهدي فهو دم التمتع والقران يأكل منه، ويهدي لغيره. • والاضطباع في طواف العمرة والقدوم سنة، إظهارًا للجلادة في مقام العبادة ومحله حين يبدأ بالطواف، لا من حين أن يحرم. • والمتمتع إذا ساق الهدي يطوف بالبيت، ثم يسعى بالصفا والمروة، ثم يقصر، أما القارن فلا يحلق أو يقصّر حتى ينحر، هديه يوم النحر ويرمي جمرة العقبة ويحلق. • والمتمتع والقارن والمفرد يقطع التلبية إذا دخل أدنى حدود الحرم، وكذا المعتمر، لكن المفرد والقارن يعود إلى التلبية بعد الفراغ من السعي. • والوقوف بعرفة يبدأ بعد الزوال، وقد وقف النبي ﷺ راكبًا على ناقته القصواء بعد الزوال، وقف على ناقته، ليراه الناس، والوقوف راكبًا أو جالسًا يختلف باختلاف أحوال الناس، فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه في فتوى ونحوها، أو كان يشق عليه ترك الركوب، فهذا الأفضل أن يقف راكبًا، لأنه الأخشع لقلبه. • وإن كان جلوسه على الأرض أخشع له جلس؛ لأن مراعاة الكمال الذاتي للعبادة أولى من مراعاة الكمال في المكان.

стр. 5961

• حكم من مات ولم يحج: من مات قبل أن يحج فلا يخلو من حالين: الأولى: إن كان قادرًا على الحج ولم يحج، فهذا يجب على ورثته أن يخرجوا من ماله لمن يحج عنه، سواء أوصى بذلك أو لم يوصي. الثانية: إن كان الميت فقيرًا، أو شيخًا كبيرًا لا يستطيع الحج، فهذا المشروع لأولاده أن يحجوا عنه. ولا يجب على الزوج أن يحج بزوجته، ولا الإنفاق عليها في حجها، لكن يحسن منه ذلك من باب حسن العشرة. ولا يجوز للزوجة أن تحج حجة التطوع إلا بإذن زوجها، أما الحج الواجب فلها أن تسافر إلى الحج مع محرم سواء أذن زوجها، أو لم يأذن، ولكن عليها أن تسعى لإرضائه، والإذن منه، أكمل لنسكها: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. • عمر النبي ﷺ : عُمَر النبي ﷺ كلها بعد الهجرة، في ذي القعدة، في أشهر الحج التي يرى المشركون العمرة فيها من الفجور الأولى: عمرة الحديبية، سنة ست من الهجرة، حين صدّه المشركون فنحر هديه، ثم حلق وتحلل وعاد إلى المدينة. الثانية: عمرة القضاء، سنة سبع لما النبي ﷺ قاضى قريشًا على الحج فيها.

стр. 5962

الثالثة: عمرة الجعرانة، سنة ثمان من الهجرة، لما خرج إلى حنين، ثم رجع إلى مكة واعتمر. الرابعة: عمرته التي قرنها مع حجته سنة عشر من الهجرة. • وعمرة رمضان التي تعدل حجه هي التي وقعت كلها في رمضان بداية ونهاية، فمن أحرم بالعمرة قبل رمضان، ثم أداها في رمضان، أو أحرم بها في رمضان وأداها في شوال، فهذا لا يقال أنه اعتمر في رمضان؛ لأن بعضها وقع في رمضان، وبعضها وقع في غير رمضان، وعمرة رمضان هي التي وقعت كلها في رمضان بداية ونهاية. • كانت عُمَر النبي ﷺ كلها في أشهر الحج مخالفة لهدي المشركين؛ لأنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج، ويرون أنها من أفجر الفُجر. • وتجوز العمرة قبل الحج، ويجوز الحج قبل العمرة، وقد اعتمر النبي ﷺ ثلاث عُمَر كلهن قبل الحج، ولا يجوز للمسلم أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، فإن فعل وقع النسك من حج أو عمرة عن نفسه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].

стр. 5963

١٠ - الخزانة العاشرة مناسك الحج والعمرة • أحوال حج التطوع: النيابة في حج التطوع لها ثلاث حالات: الأولى: أن يكون ممن لم يؤدي حجة الإسلام، وهو صحيح قادر، فهذا ليس له أن يستنيب غيره في حجة التطوع، بل يجب أن يحج بنفسه. الثانية: أن يكون قد أدى حج الفريضة، وهو عاجز عن الحج بنفسه، فهذا يصح أن يستنيب غيره في حج التطوع. الثالثة: أن يكون قد أدى حجة الإسلام، وهو قادر على الحج بنفسه، فهذا لا يجوز له أن ينيب غيره، لأنه قادر بنفسه. ومن أخذ المال ليحج أو يُعلّم أو يجاهد، فهذا مأجور، لأن الدين مقصود، والدنيا وسيلة ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. ومن حج أو علّم أو جاهد ليأخذ، فهذا غير مأجور، لأن الدنيا مقصوده، والدين وسيلة، ولا يجوز أداء الحج أو العمرة عن الحي إلا بإذنه، فرضًا كان أو تطوعًا، لأنها عبادة تقع عن نيابة، أما الميت المسلم فيجوز له مطلقًا، لأن النبي ﷺ أمر بالحج عن الميت فقال: «حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ». أخرجه الترمذي بسند صحيح (١).

стр. 5964

ويجوز أن يحج رجلان عن شخص واحد، في عام واحد، فيحج كل منهما حجة كاملة. • مسافات المواقيت: المواقيت خمسة: الأول: ذو الحليفة، بينه وبين المسجد النبوي ثلاثة عشر كيلو متر تقريباً، ويقع جنوب غرب المدينة، وبينه وبين مكة على الخط السريع أربعمائة وعشرون كيلو متر تقريباً، والمسافة على خط مستقيم بين ذي الحليفة والمسجد الحرام عبر الأجهزة الحديثة ثلاثمائة واثنان وثلاثون كيلو متر، وبهذا يكون أبعد المواقيت عن مكة، ويسمى وادي العقيق، ومسجد الشجرة وذو الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة، ومن مر بها، وليس لتسميته بآبار علي أصل في الشرع، وصفة أحرم النبي ﷺ في حجته. الثاني: الجحفة، وهي لأهل مصر والمغرب والشام، وهي ثاني أبعد المواقيت عن مكة، بينها وبين المسجد الحرام مائة وستة وثمانون كيلو متر تقريباً، وبينها وبين المسجد الحرام على خط مستقيم مسافة مائة وأربعة وستين كيلو متر، فلما خربت الجحفة صار الناس يحرمون من رابغ أبعد منها قليلاً، وقد عادت الجحفة الآن ميقاتًا يحرم منه الناس من عام ألف وأربعمائة وإثنين وثلاثين هجرية. الثالث: يلملم، وهو وادي يمتد من الشرق إلى الغرب، حتى يصب في البحر الأحمر، ويلملم بئر تسمى السعدية، وبين يلملم الآن والمسجد الحرام مائة وثلاثين كيلو متر تقريباً، وعلى خط مستقيم اثنان وسبعون كيلو متر، وهو ميقات أهل اليمن، ومن مر به.

стр. 5965

الرابع: قرن المنازل، ويسمى السيل الكبير، ووادي محرم، وقرن المنازل وهو ميقات أهل نجد، ومن مر به، وقرن المنازل وادٍ يجري فيه السيل، أما قرن الثعالب فليس هو قرن المنازل، بل هو جبل مطل على عرفات، وقرن المنازل أسفله السيل الكبير الآن، وأعلاه وادي محرم، وبين السيل الكبير والمسجد الحرام خمسة وسبعون كيلو متر تقريباً، وبين مسجد الميقات والمسجد الحرام على خط مستقيم ستة وستون كيلو متر. وأعلى قرن المنازل وادي محرم، على طريق كرا الهدا إلى مكة، ويقع جنوب شرق مكة، يبعد عن المسجد الحرام ستة وسبعون كيلو متر تقريباً، وعلى خط مستقيم يبعد ثلاثة وخمسين كيلو متر تقريباً، ويبعد عن مسجد السيل الكبير ثلاثة وثلاثين كيلو متر، وهو فرع للسيل الكبير، قرن المنازل. الخامس: ذات عرق، ميقات أهل العراق، ومن مر به، بينه وبين مكة مائة كيلو متر تقريباً، يقع شمال شرق مكة، بينه وبين السيل الكبير خمسة وثلاثون كيلو متر، شمال السيل الكبير مباشرةً. وجميع مواقيت الإحرام أودية عظام، والأفضل أن يحرم من الجهة الأبعد عن مكة منها إن كان ماراً به. • حدود منى: من الغرب جمرة العقبة، ومن الشرق وادي محسر، بطول ثلاثة ألاف وخمسمائة وثمانية عشر مترًا، ووادي محسر ليس من منى، ولا مزدلفة، ومساحة منى مع سفوح الجبال ستة كيلو مترمربع، ويحيط بمنى من الشمال والجنوب الجبلان العظيمان: من الشمال جبل ثبير، ومن الجنوب جبل صابح ويسمى القابل.

стр. 5966

والخيف ما انحدر من غلظ الجبل، وارتفع عن مسيل الوادي. ومسجد الخيف بمنى يقع على السفح الشمالي لجبل الصابح، وهو محل خطب النبي ﷺ وصلواته في منى أثناء حجه. • الجمرات مسافات ومساحات: الجمرة سميت جمرة، لاجتماع الحصى فيها، والجمار اسم للحصى لا للمكان، والجمرة الحصاة، ثم سمي بها المكان، والجمار التي في منى ثلاث هي: الصغرى .. ثم الوسطى .. ثم الكبرى. فالصغرى التي تلي منى، والوسطى التي تليها، والكبرى هي التي تلي مكة، والمسافة بين الجمرة الصغرى والوسطى مائة وستة وخمسون متراً، والمسافة بين جمرة العقبة والوسطى مائتان وخمسة وسبعون متراً، والأحواض لم تكن موجودة على عهد النبي ﷺ ، وفي عام ألف ومائتين وثلاثة وتسعين وضعت الأحواض، لتخفيف الزحام، ولئلا ينتشر الحصى فيؤذي الناس. وفي عام ألف وأربعمائة وستة وعشرين بأمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أقيم مشروع جسر الجمرات العظيم بأربعة أدوار، وقبو، ومخارج طوارئ، وستة أبراج، واستُكمِل المشروع بحمد الله عام ألف وأربعمائة وثلاثين للهجرة. • جمرة العقبة تمتاز بأربع خصائص: ١ - اختصاصها بيوم النحر. ٢ - وأنه لا يوقف عندها للدعاء.

стр. 5967

٣ - وأنها تُرمى يوم العيد ضحى من أسفلها. ٤ - وأنها تقطع التلبية عند الشروع في رميها. • مجر الكبش في سفح جبل ثبير، يبعد عن جمرة العقبة ثلاثمائة متر شمالاً. • مزدلفة تسمى المزدلفة، لأن الحجاج يزدلفون إليها من عرفات، وتسمى جمعًا، لأن الناس يجتمعون فيها، لأن قريش لا تخرج إلى عرفات، وإنما يجتمعون مع الناس في جمع، وتسمى المشعر الحرام: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]. • وجبل عرفات يسمى جبل الآل، وجبل عرفات، ويقع هذا الجبل بين طريقي سبعة وثمانية في عرفة. وقد خرج النبي ﷺ من منى إلى عرفات من طريق ضب، وخرج من عرفة إلى مزدلفة، من طريق، المأزمين، والمأزمان جبلان بين عرفات والمزدلفة، بينهما طريق، يمر عليه الآن طريق سبعة وستة وخمسة، وضب اسم للجبل الذي مسجد الخيف في أسفله. وطريق ضب يمر عليه اليوم طريق السيارات رقم ثلاثة و أربعة، وقد سلكه النبي ﷺ في مسيره من منى إلى عرفة. ومسجد عرفات يقال له مسجد نمرة، ومسجد عرنة، ومسجد عرفة، مقدمته من عرنة، ومؤخرته من عرفة، يقع بين طريق خمسة وستة.

стр. 5968

• المسافات بين المشاعر: المسافة بين المسجد الحرام، ومسجد الخيف بمنى أربعة كيلو متر تقريباً، والمسافة بين مسجد الخيف، والمشعر الحرام بالمزدلفة خمسة كيلو متر، والمسافة بين مسجد المزدلفة، ومسجد عرفات سبعة كيلو متر. والمسافة بين مسجد عرفات إلى جبل عرفات ثلاثة كيلو متر تقريباً. والطرق التي تربط عرفات ببقية المشاعر عددها تسعة طرق. والمسجد الحرام يطلق على الحرم كله. وحرم مكة هو ما أحاط بها من جميع جوانبها، جعل الله حكمه حكمها في الحرمة تشريفًا لها. والبيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، كله يراد به مكة، وسمي البيت الحرام، لأن حرمته انتشرت. وحرم مكة له حدود معلومة، وليس في الأرض كلها حرم إلا حرم مكة والمدينة، فلا يسمى غيرهما حرمًا، لا بيت المقدس ولا غيره، والله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، وإبراهيم ﷺ بلغ عن الله حكمه فيها، وتحريمه إياها، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧]. • حدود الحرم: حدود الحرم على خط مستقيم بالأجهزة الحديثة من طريق جدة السريع من جدار المسجد الحرام إلى العلمين الجديدين على الطريق السريع واحد وعشرون كيلو متر من جهة الحديبية.

стр. 5969

ومن طريق الطائف الهدا من جدار المسجد الحرام وحتى العلمين الجديدين على الطريق السريع أربعة عشر كيلو وستمائة متر تقريبًا. ومن طريق السيل من جدار المسجد الحرام حتى العلمين الجديدين على الطريق السريع ثلاثة عشر كيلو و سبعمائة متر تقريبًا. ومن طريق الليث جهة اليمن من جدار المسجد الحرام حتى العلمين الجديدين على الطريق الجديد عشرين كيلو متر. ومن جهة التنعيم من جدار المسجد الحرام إلى مسجد عائشة سبعة كيلو ونصف. • الحسنات والسيئات في المسجد الحرام: حسنات الحرم أعظم من حسنات غيره، وسيئات الحرم أعظم من سيئات غيره، و مضاعفة الحسنات في الحرم في الكم، ولا يعلم ذلك إلا الله إلا ما ثبت في شأن الصلاة، ومضاعفة السيئات في الكيف، فسيئة في الحرم أعظم من سيئة في غيره، فسيئة الحرم كالجبل، والسيئة في غيره كالحجر. • مضاعفة الحسنات في الحرم: مضاعفة الحسنات في حرم مكة لا شك فيها، لكن لا يعلم قدرها إلا الله، ولم يأتي حد للمضاعفة في النصوص إلا في الصلاة فإنها في الحرم أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه، والمضاعفة للصلاة في المساجد الثلاثة في الثواب لا في الجزاء. فمن عليه قضاء عشر صلوات لا تجزئ عنهما صلاة واحدة فيهما. ويُشرع دخول مكة ليلاً أو نهارًا، وقد دخل ﷺ مكة ضحىً، ودخلها ليلاً بعمرة الجعرانة، والمسلم الأفضل له أن يدخلها فيما تيسر له من نهار أو ليل.

стр. 5970

• ماهو المسجد الحرام: المسجد الحرام ورد ذكره في كتاب الله في خمسة عشر موضعًا، ويراد به الكعبة، والمسجد الذي حولها، والحرم كله. والبيت العتيق: هو المسجد الحرام، وسمي عتيقًا، لأنه قديم إذ هو أول مسجد وضع في الأرض. وإما لأنه عتق وخلص من الجبابرة عن الهوان، أو لأنه لم يُملك قط، أو لأن من طاف به مؤمنًا أعتقه الله من النار. • موقع مسجد الكعبة: يقع مسجد الكعبة في مجرى وادٍ بمكة المكرمة بين أربعة جبال. يحده من الشرق جبل أبي قبيس، ومن الغرب جبل عمر، ومن الشمال جبل هندي قعيقعان، ومن الجنوب حي أجياد وجبل أجياد وهي المسفلة. ودخل النبي ﷺ المسجد الحرام من وجه الكعبة من باب بني شيبة المقابل لباب السلام، وباب بني شيبة أزيل الآن، ويقع بين باب السلام والكعبة. • فضل الصلاة في المسجد الحرام: صلاة واحدة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه، وهي تعادل صلاة خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة فيما سواه، وصلاة يوم وليلة خمس صلوات تعادل مائتان وسبعة وتسعون سنة، وتسعة أشهر وعشر ليال، هذه صلاة المنفرد فريضة أو نافلة. أما صلاة الجماعة فتزيد سبعة وعشرين ضعفًا فتكون مائة ألف صلاة في سبعة وعشرين تساوي مليونين وسبعمائة ألف صلاة، فما أعظم عطاء الرب

стр. 5971

الكريم لعباده المؤمنين الذي آمنوا به وأطاعوه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. • يجوز الوضوء من ماء زمزم، ويجوز الاستنجاء به، والغسل من الجنابة منه، إذا دعت الحاجة إلى ذلك. • والحجر الأسود هو بداية الطواف بالكعبة، وكان الحجر الأسود قطعة واحدة، ثم تكسرت زمن القرامطة، فهو الآن ثمان قطع أكبرها بقدر التمرة، ولما كان قطعة واحدة كان طوله خمسة وعشرون سنتيمترا، وعرضه سبعة عشر سنتيمتر، وباقيه داخل في ركن الكعبة. والحجر الأسود يُشرع له ثلاثة أمور في الطواف كلها صحت عن النبي ﷺ : تقبيله وهو أعلاها، واستلامه بيده، وتقبيل يده، والإشارة إليه بالمحجن وتقبيله، وإن لم يستطع أحد هذه الثلاث أشار إليه بيده اليمنى ولا يقبلها. • وللركن الذي فيه الحجر الأسود فضيلتان: الأولى: كون الحجر الأسود فيه. الثانية: وكونه على قواعد إبراهيم ﷺ . • وللركن اليماني فضيلة واحدة: وهو كونه على قواعد إبراهيم، وليس للشاميين شيء من الفضيلتين، فخُصّ الحجر الأسود بالتقبيل، والاستلام؛ لأن فيه فضيلتان، وخُصّ اليماني بالاستلام، لأن فيه فضيلة واحدة.

стр. 5972

والحطيم هو حِجر الكعبة، الملتزم هو الجزء من جدار الكعبة بين الحجر الأسود وباب الكعبة، ويبلغ طوله حوالي مترين (أربعة أذرع)، ويُعد مكانًا مستحبًا للدعاء والتضرع إلى الله فيه. والحجر الأسود يُستلم ويُقبّل، والركن اليماني يُمسح فقط. والتمسح بجدران الكعبة وكسوتها لم يفعله النبي ﷺ ، وإنما استلم جدران الكعبة من الداخل لما دخل الكعبة ألصق صدره وذراعيه وخده في جدارها، وكبّر في نواحيها، ودعا وصلّى فيها ركعتين عام الفتح. والنبي ﷺ لم يدخل الكعبة لا في حجته ولا في عُمَره كلها، بل دخلها مرة واحدة عام الفتح كما في البخاري، لما دخل النبي ﷺ الكعبة عام الفتح كبّر في نواحيها، وصلى ركعتين بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع، والباب خلفه. والحِجر هو الجزء الواقع شمال الكعبة على شكل نصف دائرة، والحِجر أكثره من البيت بمقدار مترين وثلاثين سنتيمتر شمالاً من جدار الكعبة، والآن بين جدار الكعبة إلى الحد المنحني من الحجر تسعة أذرع بذراع اليد. • يوم الحج الأكبر: يوم النحر، ويوم الحج الأكبر، العاشر من ذي الحجة: سمي يوم الحج الأكبر، لما في ليلته من الوقوف بعرفة، والمشعر الحرام، ولما في نهاره من الرمي، والنحر، والحلق، والطواف، والسعي وغيرها، فسمي يوم الحج الأكبر، لكثرة أعمال الحج فيه.

стр. 5973

ويلبّي الحاج في عرفة ومزدلفة حال سيره، ولا يلبي حال وقوفه فيهما؛ لأنه لم يُنقل عن النبي ﷺ أنه لبّى حال وقوفه أو مبيته بمزدلفة. والاشتراط في الإحرام سُنّة لمن يخاف المانع من إتمام نسكه، وتركه سُنّة لمن لم يخف مانعًا؛ لأن النبي ﷺ أحرم بعُمَره كلها ولم يشترط، وإنما أمر به من جاءت تستفتي، وهي ابنة عمه ضباعة بنت الزبير، لأنها كانت مريضة. • معالم مكة مسافات ومساحات: • جبل قعيقعان جبل بمكة، يطل على الكعبة، ووجهه إلى أبي قبيس، وفي أصله جبل المروة، وجبل أبي قبيس جبل مشرف على الكعبة، وهو المشرف على جبل الصفا من جهة الشرق. والأخشبان أخشبا مكة، جبلا مكة، أبي قبيس وقعيقعان، جبلان متقابلان بينهما بيت الله وهو الكعبة. وأخشبي منى جبلا منى القابل، والصابح، القابل من جهة الشمال، والصابح من جهة الجنوب. وأخشبي مزدلفة جبلا مزدلفة الأخشب الكبير، والأخشب الصغير، سمّيا أخشبين لصلابتهما، وغلظ حجارتهما. • وكَدا، وكُدا، وكَدا بفتح الكاف عقبة بأعلى مكة، يستحب للمحرم دخول مكة منها، وكُدا بضم الكاف، وهي بأسفل مكة مما يلي باب العمرة، ويستحب للمحرم الخروج منها. وقد دخل النبي ﷺ في الحج من كَدا، وخرج من كُدا، وفي العمرة دخل من أسفل مكة، كُدى موضع بأسفل مكة في طريق الخارج إلى اليمن.

стр. 5974

ذو طوى، وادٍ من أودية مكة، واليوم كله أحياء سكنية، ومكانها اليوم يعرف ببئر الزاهر في جرول مقابل مستشفى الولادة. وقد بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح، وهو محرم، ثم اغتسل من ماء بئره، وصلى، ثم دخل مكة. • والجعرانة موضع بين مكة والطائف وهو إلى مكة أقرب، وهو من الحل، ويبعد مسجد الجعرانة عن المسجد الحرام اثنان وثلاثون كيلو متر تقريباً. • والتنعيم أقرب أطراف الحل إلى الكعبة، بينه وبين الكعبة سبعة كيلو ونصف تقريبًا، وفيه بني مسجد عائشة، وهو حد الحرم من جهة المدينة. والمسجد في شمال مكة الغربي، على طريق مكة المدينة السريع، والمسمى بطريق الهجرة. • والحديبية موضع مشهور يسمى اليوم الشميسي، على طريق جدة القديم، وهي من الحل، وهي أبعد الحل عن الكعبة، حيث تبعد عن الكعبة خمسة وعشرون كيلو متر، وهي الموضع الذي نزل فيه النبي ﷺ حين صدّه المشركون عن مكة، ثم صالحهم، وعاد إلى المدينة سنة ست من الهجرة، وفيها الآن مسجد حديث قبل نقطة التفتيش للقادم من جدة إلى مكة. • ومقبرة المعلاة هي أكبر مقابر مكة، وفيها قبور كثير من الصحابة، ولا زالت يُدفَن فيها حتى اليوم، وهي بأعلى مكة في الحجون، والحجون الجبل المشرف على الحرم، وعنده مقبرة المعلاة، على يسار الداخل إلى مكة من جهة منى. • ومقبرة الشبيكة على يسار الخارج من مكة على ثنية كُدا، وهي يمين الخارج من مكة على جبل الكعبة في جبل عمر.

стр. 5975

• والأبطح مكان متسع بين مكة ومنى وهو أقرب إلى منى، وهو خيف بني كنانة، ويسمى المحصب والمعرس، وسمي المحصب لما فيه من صغار الحجارة وهي البطحاء، وهذا المكان الآن أحياء سكنية، وأسواق كثيرة، وصار من أحياء مكة، يسمى بالجعفرية، وهي تابعة لمنطقة الجميزة، فالآن لا حصباء ولا محصب، ولا بطحاء ولا أبطح، لأنه صار دورًا وعمائر وشوارع وأسواق. • وجبل ثور جبل بأسفل مكة، من الجهة الجنوبية من المسجد الحرام، على طريق عرنة، يبعد عن الكعبة أربعة كيلو متر، على الطريق الدائري الثالث في حي الهجرة، وفي غار ثور الذي اختفى فيه النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ حين هاجر إلى المدينة، وهذا الغار صخرة مجوفة، ارتفاعه متر وخمسة وعشرون سنتيمتر، وطوله ثلاثة أمتار ونصف، له فتحتان، وهو دون القمة، وهو صعب المرتقى، ارتفاعه سبعمائة وأربعة وثمانون متراً. • وجبل النور، وهو جبل حراء، وفي أعلاه غار حراء، جبل يطل على مكة، ارتفاعه ستمائة وواحد وعشرون متراً، وفيه غار حراء الذي كان يتعبد فيه النبي ﷺ قبل نزول الوحي، وهذا الغار عبارة عن فجوة بابها نحو الشمال طوله ثلاثة أمتار، وعرضه متر وثلاثون سنتيمتر، وارتفاعه مترين، ويقابل جبل النور جبل ثبير. • وجبل ثبير، وهو جبل عظيم بمنى، وهو أعظم جبال مكة، ويقع على سرداب من مكة إلى منى، ويقابله جبل النور. • والمقطع منتهى الحرم من جهة العراق، وهو جبل أخذ منه ابن الزبير الحجارة حين بنى الكعبة: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا

стр. 5976

تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٢٦ - ٣٢]. فالحمد لله رب العالمين أن منّ علينا بنعمة الإسلام، وهدانا لإتمام أركان الإسلام الخمسة: ١ - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ٢ - وإقام الصلاة. ٣ - وإيتاء الزكاة. ٤ - وصوم رمضان. ٥ - وحج بيت الله الحرام. ولا زال بيت الله في مكة المكرمة يستقبل العُمّار والحُجّاج والزائرين على مدار العام، تحقيقًا وإجابة لدعاء إبراهيم ﷺ حين قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ

стр. 5977

قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ [البقرة: ١٢٦]. وقوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٢٩ - ١٣٢].

стр. 5978

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية الجزء السابع ويشتمل على المباحث التالية: ٣٨ - خزائن المعاملات ٣٩ - خزائن أنواع المعاملات ٤٠ - خزائن النكاح وتوابعه ٤١ - خزائن الأطعمة والأشربة ٤٢ - خزائن الفرائص ٤٣ - خزائن القصاص ٤٤ - خزائن الحدود ٤٥ - خزائن القضاء ٤٦ - خزائن الأيمان والنذور ٤٧ - خزائن الخلافة والإمارة

стр. 5979

قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].

стр. 5980

٣٨ - خزائن المعاملات وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة

стр. 5981

٣٨ - خزائن المعاملات ١ - الخزانة الأولى • فقه أسرار الشريعة الإسلامية: الله أنزل كتابه العظيم منهاجا للبشرية كلها إلى يوم القيامة، ينظم حياة الإنسان من حين ولادته إلى أن يلقى ربه، وجاء الإسلام بالسنن والآداب والأحكام التي تشمل حياة الإنسان في شعب الحياة كلها وفق منهج الله، يسعد بها الإنسان في حياته، و ينال عليها الأجر بعد مماته: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. و يمكن حصر هذه السنن و الأحكام في ثمان شعب: الشعبة الأولى: الأحكام المتعلقة بالتوحيد والإيمان، من معرفة الله بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومعرفة خزائنه، ومعرفة وعده ووعيده، ويسمى هذا الفقه الأكبر: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. الشعبة الثانية: الأحكام المتعلقة بعبادة الله من وضوء و صلاة، وزكاة وصيام وحج، وتلاوة القرآن، وأدعية وأذكار ونحو ذلك، وتسمى هذه أحكام العبادات بين العبد وربه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. الشعبة الثالثة: الأحكام المتعلقة بالأخلاق والحشمة، والمحاسن والمساوئ ونحو ذلك، و تسمى هذه أحكام الآداب و الأخلاق: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ

стр. 5982

لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. الشعبة الرابعة: الأحكام المتعلقة بأحوال الأسرة من زواجٍ وطلاقٍ، وولادة ورضاع، ووصايا وأوقاف، ونفقة وإرث، ونحو ذلك، وتسمى هذه أحكام الأسرة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١]. الشعبة الخامسة: الأحكام المتعلقة بأفعال الناس، ومعاملة بعضهم بعضًا، من بيعٍ و شراء، ورهنٍ وإجارة، وصلحٍ ومشاركة، وقضاء دين و نحو ذلك، و تسمى هذه أحكام المعاملات: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. الشعبة السادسة: الأحكام المتعلقة بعقاب المجرمين، وحفظ الأمن، وحفظ الأنفس والأعراض والأموال، ونحو ذلك، مثل عقوبة القاتل والسارق، والزاني وشارب الخمر، وأحكام القصاص ونحو ذلك، وتسمى هذه أحكام الجنايات والعقوبات و الحدود: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣]. الشعبة السابعة: الأحكام المتعلقة بواجبات الحاكم من إقامة العدل، ودفع الظلم، وتنفيذ الأحكام، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك، وواجبات المحكوم من السمع و الطاعة في غير معصية الله ونحو ذلك، وتسمى هذه الأحكام الأحكام السلطانية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ

стр. 5983

وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. الشعبة الثامنة: الأحكام المتعلقة بتنظيم علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى في حال الحرب والسلم، كعقد الهدنة، وعقد الذمة ونحو ذلك مما فيه تحصيل المصالح، ودرء المفاسد، وتسمى السير: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١]. إن الإسلام هو الدين الكامل الذي أكرم الله به البشرية، وبالإسلام تتحقق سعادة الإنسان في الدنيا و الآخرة: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. واللّه خلق هذا الكون، وجعل لكل مخلوقٍ فيه سنةٌ يسير عليها، وبها يتحقق مراد الله منه، ويؤدي العبودية المطلوبة منه، وفق سنةِ الله ومشيئته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. فكل المخلوقات في العالم العلوي، والعالم السفلي تعبد الله، العرش والكرسي، والسماوات السبع، والنجوم، والشمس، والقمر، والأرض وما فيها من الجبال، والبحار، والأنهار، والإنس، والجن، والأشجار، والحيوان، وغير ذلك، كل ذلك يسبح بحمد ربه، ويشهد بوحدانيته، ويخضع لأمره، ويستجيب لمشيئته، فالكلٌ يؤدي العبادة للّه : ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١]

стр. 5984

فكل مخلوقٍ من عالم الجماد، وعالم النبات، وعالم الحيوان، وعالم الإنسان، وعالم الملائكة، وعالم الجن، كل مخلوق يسبح بحمد ربه، وله سُنّةٌ يسير عليها في هذه الحياة، تدل على جلال اللّه و جماله، وعظمة ملكه وسلطانه، وكمال حكمته، وكثرة العابدين له. فالشمس لها سُنّة تسير عليها، والقمر له سُنّة، والليل له سُنّة، والنهار له سُنّة، والنبات له سُنّة، والحيوان له سُنّة، والرياح لها سُنّة، والأنهار لها سُنّة، والبحار لها سُنّة، والإنسان كذلك مخلوقٌ من مخلوقات الله محتاج إلى سُنّةٍ يسير عليها في جميع الأحوال، ليسعد في الدنيا والآخرة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وهذه السُنّة هي الدين الذي أكرمه اللّه به، وشرعه له، ورضيه له، ولا يقبل منه غيره، وسعادته وشقاوته مرتبطة بمدى تمسكه به، أو إعراضه عنه، وهو مُختارٌ في قبوله أو رفضه، متحملٌ لمسؤولية اختياره: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠]. وثوابه وعقابه بقدر أداء الأمانة، وتنفيذ ما أمره الله به كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ

стр. 5985

وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]. فالإسلام دين الجلال والجمال، الإسلام دين العبادات الحسنة، والمعاملات العادلة، والأخلاق الكريمة، ينظم علاقة الإنسان مع ربه بالإيمان به وتوحيده وعبادته، وطاعة أمره، واجتناب نهيه، والتوجه إليه في جميع الأمور، ومحبته، والاستعانة به في جميع الأحوال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال الله : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. وقال الله : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وينظم الإسلام علاقة الإنسان مع رسول اللّه ﷺ ، وذلك بمحبته وطاعته، واجتناب ما نهى عنه، وتصديق ما جاء به، والاقتداء به في سائر أحواله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ويوجه الإسلام الإنسان للاستفادة من كتاب ربه بالتأدب بآدابه، والتخلق بأخلاقه، والاتعاظ بمواعظه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].

стр. 5986

وينظم الإسلام علاقة الإنسان مع غيره على أسس من العدل والإحسان، كالأم والأب، والزوج والزوجة، والأولاد والبنات، والأقارب والجيران، والحاكم والمحكوم، والمسلم والكافر و غيرهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وقال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وينظم الإسلام كذلك معاملات الإنسان المالية بالكسب الحلال، والسماحة في البيع والشراء، والإنفاق في وجوه البر، وتحري الصدق، وتجنب الغش، وتجنب الربا، وتجنب الكذب، و كيفية توزيع الأموال بالصدقات والزكاة، و قسمة المواريث ونحو ذلك: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. وينظم الإسلام كذلك حياة الإنسان الزوجية، وكيفية تربية الأولاد، وصيانة الأسرة من الفساد، وتربيتها على الفضائل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. وقال الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١].

стр. 5987

وينظم الإسلام كذلك حياة الإنسان الزوجية، وكيفية تربية الأولاد على الفضائل، وصيانة الأسرة من الفساد، و تربيتها على مكارم الأخلاق: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤]. و ينظم حياة الرجل والمرأة، ويقرر الحقوق اللازمة لكل منهما في حال الاستقرار والطلاق، وحال الفقر والغنى، وحال الصحة والمرض، وحال الحضر والسفر: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وينظم الإسلام كذلك سائر العلاقات على جسورٍ متينة من الحب في الله، والبغض في الله، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، وجميل الصفات، كالكرم والجود، و الحياء، والعفة والصدق و البر، والعدل والإحسان، والرحمة، والشفقة، والحلم والعفو، وغير ذلك من مكارم الأخلاق: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقال الله : ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]. وقال الله : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].

стр. 5988

وينهى الإسلام كذلك عن كل شر وفساد، وعن كل ظلمٍ و طغيان، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، كالشرك و القتل بغير حق، والكذب، والكبر، والرياء، والنفاق، والزنا، و السرقة والفواحش والآثام، والبغي والعدوان، والغش والخداع، والكيد والمكر، والنهب والاختلاس، والربا والخمر، والكهانة والسحر، وأكل أموال الناس بالباطل، والغيبة والنميمة، والأذى والظلم، وقول الزور والبهتان، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢]. و يقرر الإسلام بعد ذلك كله حياة الإنسان في الآخرة، وأنها مبنية على حياته في الدنيا، فمن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة دخل الجنة، وسعد برؤية ربه، و نال رضاه، و تمتع في الجنة بما لا عينٌ رأت، و لا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في نعيمٍ كامل، وخلودٍ دائم، كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. و من جاء بالكفر والمعاصي دخل النار، ونال أشد العذاب.

стр. 5989

فهذه شرائع الإسلام، و هذه سننه، و هذه آدابه، و هذا أجره و ثوابه وعقابه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. وهذا هو الدين الكامل الذي أرسل الله به رسوله محمداً ﷺ إلى البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. والإسلام هو الدين الحق الكامل الذي جاء به من عند ربه الرسول الخاتم ﷺ ، الدين الحق الذي اشتمل على أحسن العبادات، والمعاملات، والمعاشرات، والأخلاق، الدين الحق الذي يجب على كل إنسان في العالم اعتناقه؛ لئلا يخسر دنياه وآخرته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. وقال الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقال النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار». أخرجه مسلم (١).

стр. 5990

والله سبحانه خلق الإنسان، وكرمه على سائر المخلوقات، وجعل له علاقة مع ربه، وعلاقة مع خلقه، وكل ذلك عبادة لربه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. فعلاقة الإنسان بربه تتم بواسطة العبادات التي بين العبد وربه، ولب العبادة توحيد الله، والإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له، وطاعته بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره، وذكره وحمده وشكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وقال الله : ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]. وقال الله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. أما علاقة الإنسان بالمخلوق فهي بواسطة المعاملات، والمعاشرات، والأخلاق: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. ويتم ذلك بثلاث أشياء: ١ - أداء الحقوق ٢ - والإحسان إلى الناس ٣ - ورحمتهم وكف الأذى عنهم
следующие страницы →