وينظم الإسلام علاقة الإنسان مع غيره على أسس من العدل والإحسان، كالأم والأب، والزوج والزوجة، والأولاد والبنات، والأقارب والجيران، والحاكم والمحكوم، والمسلم والكافر و غيرهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وينظم الإسلام كذلك معاملات الإنسان المالية بالكسب الحلال، والسماحة في البيع والشراء، والإنفاق في وجوه البر، وتحري الصدق، وتجنب الغش، وتجنب الربا، وتجنب الكذب، و كيفية توزيع الأموال بالصدقات والزكاة، و قسمة المواريث ونحو ذلك: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وينظم الإسلام كذلك حياة الإنسان الزوجية، وكيفية تربية الأولاد، وصيانة الأسرة من الفساد، وتربيتها على الفضائل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وقال الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١].
стр. 5987
وينظم الإسلام كذلك حياة الإنسان الزوجية، وكيفية تربية الأولاد على الفضائل، وصيانة الأسرة من الفساد، و تربيتها على مكارم الأخلاق: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤].
و ينظم حياة الرجل والمرأة، ويقرر الحقوق اللازمة لكل منهما في حال الاستقرار والطلاق، وحال الفقر والغنى، وحال الصحة والمرض، وحال الحضر والسفر: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وينظم الإسلام كذلك سائر العلاقات على جسورٍ متينة من الحب في الله، والبغض في الله، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، وجميل الصفات، كالكرم والجود، و الحياء، والعفة والصدق و البر، والعدل والإحسان، والرحمة، والشفقة، والحلم والعفو، وغير ذلك من مكارم الأخلاق: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقال الله : ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
وقال الله : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
стр. 5988
وينهى الإسلام كذلك عن كل شر وفساد، وعن كل ظلمٍ و طغيان، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، كالشرك و القتل بغير حق، والكذب، والكبر، والرياء، والنفاق، والزنا، و السرقة والفواحش والآثام، والبغي والعدوان، والغش والخداع، والكيد والمكر، والنهب والاختلاس، والربا والخمر، والكهانة والسحر، وأكل أموال الناس بالباطل، والغيبة والنميمة، والأذى والظلم، وقول الزور والبهتان، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢].
و يقرر الإسلام بعد ذلك كله حياة الإنسان في الآخرة، وأنها مبنية على حياته في الدنيا، فمن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة دخل الجنة، وسعد برؤية ربه، و نال رضاه، و تمتع في الجنة بما لا عينٌ رأت، و لا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في نعيمٍ كامل، وخلودٍ دائم، كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
و من جاء بالكفر والمعاصي دخل النار، ونال أشد العذاب.
стр. 5989
فهذه شرائع الإسلام، و هذه سننه، و هذه آدابه، و هذا أجره و ثوابه وعقابه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
وهذا هو الدين الكامل الذي أرسل الله به رسوله محمداً ﷺ إلى البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والإسلام هو الدين الحق الكامل الذي جاء به من عند ربه الرسول الخاتم ﷺ ، الدين الحق الذي اشتمل على أحسن العبادات، والمعاملات، والمعاشرات، والأخلاق، الدين الحق الذي يجب على كل إنسان في العالم اعتناقه؛ لئلا يخسر دنياه وآخرته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
وقال الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
وقال النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار». أخرجه مسلم (١).
стр. 5990
والله سبحانه خلق الإنسان، وكرمه على سائر المخلوقات، وجعل له علاقة مع ربه، وعلاقة مع خلقه، وكل ذلك عبادة لربه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فعلاقة الإنسان بربه تتم بواسطة العبادات التي بين العبد وربه، ولب العبادة توحيد الله، والإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له، وطاعته بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره، وذكره وحمده وشكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله : ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
وقال الله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
أما علاقة الإنسان بالمخلوق فهي بواسطة المعاملات، والمعاشرات، والأخلاق: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
ويتم ذلك بثلاث أشياء:
١ - أداء الحقوق
٢ - والإحسان إلى الناس
٣ - ورحمتهم وكف الأذى عنهم
стр. 5991
فنمد أيدينا إلى الخالق سبحانه؛ لأنه قاضى الحاجات وحده لا شريك له، وذلك هو العبادة، ونمد يدنا الأخرى بالإحسان إلى الخلق، وذلك هو الأخلاق: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
فالدين ركنان:
عبادة الحق .. والإحسان إلى الخلق.
فباليد الأولى نأخذ، وباليد الأخرى نعطي، وبطاعة الله وعبادته يكون العبد محبوبًا عند الله، وملائكته، وخلقه؛ وبرحمة الناس، والإحسان إليهم يكون الإنسان محبوبًا عند الناس، وعند رب الناس: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والأصل في جميع العقود والمعاملات إنما هو العدل الذي بعث الله به رسله و أنزل به كتبه، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
فدين الله كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي، وفى المعاملات والأخلاق، وفى الحقوق والحدود: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
стр. 5992
صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام.
والله سبحانه شرع أحسن العبادات بين العبد وربه من صلاة وزكاة، وصيام وحج، وأدعية وأذكار، ومن معاملات بين المخلوق وغيره من رحمة وإحسان وحلم وعفو، ولطف ورفق.
فالله أباح البيع، لما فيه من العدل، وحرم الربا، لما فيه من الظلم، وأمر بالنكاح الشرعي، لما فيه من المصالح، ونهى عن الزنا، لما فيه من مفاسد: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
وقال الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وحث الإسلام على الإنفاق، لما فيها من الخير، وحذر من البخل لما فيه من الشر: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقال الله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
ورغب الإسلام في الصدقة لما فيها من منافع، وزجر عن السرقة لما فيها من المضار: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨].
فاستقم كما أمرت رحمك الله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
وقال الله : ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)﴾ [يونس: ١٠٥].
стр. 5993
٢ - الخزانة الثانية
• فقه المعاملات:
أوامر الله كلها عبادات، إذ لكل أمر سنة وثواب، فأحكام الطهارة والصلاة كأحكام الطعام والنكاح، كأحكام العقود والبيوع، كأحكام السلم والحرب، كبقية الأحكام التي شرعها الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فنمتثل أوامر الله كلها، سواء كانت من العبادات التي بين العبد وربه، أو من المعاملات التي بين المخلوق والمخلوق، وكلها عبادة لله، وكلها دين لله، وكلها أوامر الله، وكلها شرع الله، وكلها يرجو بها المسلم رضا الله وثوابه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
وقال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
فالدين يتألف من هذه وتلك على السواء، وحكم هذه كتلك؛ لأنها تمثل دين الله وشريعته ومنهجه، وليست هذه بأولى من تلك في الطاعة والإتباع والعمل والأجر، بل إن أحد الشطرين لا يقوم بغير الآخر، والدين لا يستقيم إلا بهما معا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ
стр. 5994
الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧].
كل هذه عقود أمر الله المؤمنين بالوفاء بها، وكلها عبادات يؤديها المسلم بنية القربى إلى الله، وكلها إسلام وإقرار من المسلم بعبودية الله وتوحيده، فجميع أوامر الله من شعائر وشرائع، كلها عبادات وفرائض، وعقود مع الله ، والإخلال بشيء منها إخلال بعقد الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وقال : ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥].
وقد وصف الله أعمال الدين بالصالحات؛ لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، ويكون بذلك من الصالحين، الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه والإيمان به، وأصلح ألسنتهم بالثناء عليه وذكره وحمده، وأصلح جوارحهم بعبادته وطاعته، وبذلك صلحوا لكرامته، وصلحوا لمجاورة الرحمن في جنته: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
стр. 5995
ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات، فهو السابق في الآخرة إلى الجنة؛ فالسابقون أعلى الخلق درجة كما قال : ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١].
أعظم النعم:
كم لله من نعمة في بعثة رسوله الكريم ﷺ بهذا القرآن العظيم، الذي فيه تبيان كل شيء، فهو حجة الله على العباد كلهم؛ وحجة انقطعت به حجة الظالمين، وانتفع به المسلمون كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
فصار هذا الكتاب العظيم المبارك هدى للمسلمين يهتدون به إلى أمور دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون بها كل خير في الدنيا وفى الآخرة، ويبشرهم بكل خير ونعيم وسعادة في الدنيا والآخرة: ﴿﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ [الكهف: ١ - ٣].
والله جواد كريم، رءوف بالعباد، خلق الناس في أحسن تقويم، وأسكنهم في الأرض، ورزقهم من الطيبات، وأتاهم من كل ما سألوه، وجعل لهم العقول والأسماع والأبصار، وأنزل عليهم كتبه، وأرسل إليهم
стр. 5996
رسله، وشرع لهم أفضل شرائع دينه، ووعدهم على ذلك الثواب العظيم يوم يلقونه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال الله : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وقال الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وهداهم سبحانه إلى ما يسعدهم في الدنيا والآخرة، ودلهم على ما يحببهم إليه، ويقربهم إليه، بعبادته وطاعته، وأمرهم بكل خير، وحذرهم من كل شر، ووعدهم على ذلك بالأمن والسعادة في الدنيا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
والجنة والرضوان في الآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨].
• فقه العبودية:
كلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته لله أعظم، وذكره لله أكثر، وصار الواجب عليه منها أكبر وأكثر من الواجب على غيره: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 5997
ولهذا كان الواجب على الرسل أعظم من الواجب على أممهم لكمال معرفتهم بالله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
لهذا كان الواجب على الأنبياء والرسل، أعظم من الواجب على أممهم، والواجب على أولي العزم من الرسل، أعظم من الواجب على غيرهم، والواجب على العلماء أعظم من الواجب على من دونهم، وكل واحد بحسب مرتبته، ودرجته بحسب عمله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
والعبودية التامة:
هي امتثال أوامر الله في جميع الأحوال، وفى جميع شعب الحياة، على طريقة رسولهصلى الله عليه وسلم في الإيمان والعبادات والمعاملات والمعاشرات والأخلاق، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
والطريق إلى الله واحد وهو الإسلام، والإسلام جامع لكل ما يرضى الله ، وما يرضى الله متعدد متنوع بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
стр. 5998
وقال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ومن رحمة الله أن جعلها متنوعة جدا، لاختلاف استعدادات العباد وقوابلهم؛ ليسلك كل مسلم إلى ربه بعد أداء الفرائض والواجبات طريقًا يناسب استعداده وقوته وقبوله، فمن الناس من يكون سيد عمله، وطريقه الذي يسلكه إلى الله، طريق العلم والتعليم، قد وفر عليه زمانه؛ مبتغيا بذلك وجهه الله، فلا يزال كذلك، حتى يصل من تلك الطريق إلى الله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة، فمتى أدى ورده منها، فهو في سرور وانشراح، ومتى قصر في ورده أظلم عليه وقته، وضاق صدره: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وقال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ١ - ٣].
ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر، فهو يتلذذ بذكر الله في كل وقت، وقد جعله زادا لمعاده فمتى فتر وقصر رأى أنه قد غُبن وخسر: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ
стр. 5999
عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الإحسان، والنفع المتعدي كقضاء الحاجات، وإغاثة اللهفات، وتفريج الكربات، وأنواع الصدقات، وقد فتح الله له في هذا، وسلك منه طريقًا إلى ربه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
ومن الناس من يكون طريقه الصوم يجد فيه لذته، ومتى أفطر تغير قلبه، وساءت حاله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
ومنهم من يكون طريقه الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقد فتح الله له طريقا فيه كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
стр. 6000
ومنهم من يكون طريقه الذي نفذ فيه تكرار الحج والعمرة: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقال النبي ﷺ : «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ». أخرجه الترمذي والنسائي (١).
وقال النبي ﷺ : «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةَ». متفق عليه (٢).
ومن الناس من يكون طريقه قطع العلائق مع الخلائق، ودوام المراقبة لربه، والخلوة به، وحفظ الأوقات في مناجاته، فهو يستأنس بربه، ويستوحش من غيره: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
ومن الناس السالك إلى الله في كل واد، الواصل إليه من كل طريق، فأين كانت مرضاة ربه، وأين كانت العبودية، وجدته هناك، إن كان علم وجدته مع أهله، وإن كان جهاد وجدته مع المجاهدين، أو صلاة وجدته مع المصلين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان وجدته في زمرة المحسنين، أو محبه ومراقبة إلا وجدته مع المراقبين: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥].
стр. 6001
هذا السالك تدين بدين العبودية الله بروحه وقلبه وبدنه، ليس له مراد إلا تنفيذها.
فهذا بأرفع المنازل، وفي مقدمة هؤلاء الأنبياء والرسل، ثم أتباعهم من المؤمنين: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وقال الله : ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال الله : ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الحديد: ٢٩].
وقال الله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨].
• خير الأمم:
هذه الأمة خير امة أخرجت للناس كما قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
стр. 6002
وكتابها أحسن الكتب كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
وأعظمها كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
وأحكم الكتب كما قال سبحانه: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [يس: ١ - ٣].
وأبين الكتب كما قال : ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨].
وشريعتها أحسن الشرائع كما قال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
فالشرائع ثلاث:
شريعة عدل: وهي شريعة التوراة، فيها الأحكام والقصاص.
وشريعة فضل: وهي شريعة الإنجيل المشتملة على العفو ومكارم الأخلاق.
وشريعة عدل وإحسان: وهي شريعة القرآن الذي جاء بها محمد ﷺ من ربه للناس كافة إلى يوم القيامة، وقد جمعت بين العدل والإحسان كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ
стр. 6003
الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
والقرآن الكريم يذكر العدل، ويوجبه، ويذكر الفضل، ويندب إليه كما قال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]
وبنو إسرائيل هم أولو العلم الأول، وأمة موسي ﷺ أوسع علوما ومعرفة من أمة المسيح كما قال سبحانه عن التوراة التي أنزلها على نبيه موسي ﷺ : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
ولهذا لا تتم شريعة المسيح إلا بالتوراة وأحكامها؛ لأن المسيح ﷺ وأمته محالون في الأحكام عليها، والإنجيل مكمل لها، متمم لمحاسنها، والقرآن جامع لمحاسن الكتابين قبله، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨].
стр. 6004
فالنبي ﷺ نبي الكمال، وشريعته شريعة الكمال، وأمته أكمل الأمم، حرم الله عليهم كل خبيث وضار، وأباح لهم كل طيب ونافع: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وهداهم لما ضلت عنه الأمم من قبلهم، وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم من قبلهم، كما كمل لنبيهم ﷺ بما فرقه في الأنبياء قبله من الأخلاق، وكمل في كتابه من المحاسن بما فرقه في الكتب قبله، وكمل في شريعته من المحاسن بما فرقه في شرائع الأنبياء قبله، وجعلهم شهداء على الناس فأقامهم مقام الأنبياء، شاهدين على أممهم: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].
стр. 6005
٣ - الخزانة الثالثة
• فقه العبادات و المعاملات:
كل ما أمر الله ورسوله به، فهو دين ندين الله به، سواء كان من العبادات فيما بين العبد وربه من صلاة وصيام وغيرها من أنواع العبادات، أو كان فيما بين العبد وغيره من الخلق كالبيوع والإيجارات، والمآكل والمشارب ونحو ذلك. ومصالح الآخرة، وهى امتثال أوامر الله ، لا تتم إلا بمعظم مصالح الدنيا التي منها الأكل والشرب والنكاح واللباس والسكن والمركب وغير ذلك من المنافع: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
ولهذا انقسمت الشريعة الإسلامية إلى أقسام:
الأول: العبادات المحضة في جلب المصالح الأخروية.
الثاني: العبادات المتعلقة بمصالح الدنيا والآخرة.
الثالث: ما يغلب عليه مصالح الدنيا كالزكوات.
الرابع: ما يغلب عليه مصالح الآخرة كالصلوات.
وكذلك انقسمت المعاملات إلى أقسام:
إلى ما يغلب عليه مصالح الدنيا كالبيوع والإيجارات.
وإلى ما يغلب عليه مصالح الآخرة كالإجارة بالطاعات على الطاعات.
وإلى ما تجتمع فيه المصلحتان.
стр. 6006
أما مصالح الآخرة فلباذليه، وأما مصالح الدنيا فلآخذيه كالزكاة والصدقة.
والعبادات أنواع:
أحدها المعارف المختصة بالله ، كمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ومعرفة ملكه وسلطانه ومعرفة عظيم نعمه وإحسانه كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
الثاني: الأقوال المختصة بالله تعالى كالتسبيح والتحميد، والتكبير والتهليل والدعاء والاستغفار، وغيرها من الأذكار، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، ونصح المسلمين: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله : ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
الثالث: أفعال مختصة بالله تعالى كالحج والعمرة، والصيام والاعتكاف، والسعي والطواف ونحو ذلك.
الرابع: ما يشتمل على الحقين، ويغلب عليه حق الله مثل الصلوات والجهاد.
стр. 6007
الخامس: ما يشتمل على الحقين: حق الله، وحق العباد. ويغلب عليه حق العباد كالزكوات والكفارات.
وأما المعاملات فأنواع:
الأول: ما وضع لإفادة المصالح العاجلة، كالبيوع والإيجارات، وتدخله المصالح الآجلة بالعفو والهبات، وحسن القضاء، وحسن الاقتضاء.
الثاني: ما تكون فيه آجلة، كالاستئجار للحج والعمرة بتعليم القران، والآذان، أو تعليم القراءة والكتابة ونحو ذلك.
الثالث: ما تكون إحدى مصلحتيه آجلة، والأخرى عاجله، كالقرض الحسن مصلحته للمقرض آجلة، وللمقترض عاجلة.
الرابع: ما تكون مصلحته العاجلة لآخذيه، والآجلة لبادليه، كالأوقاف والوصايا، والهدايا والعطايا ونحو ذلك.
والمعاملات والعبادات كلها وسائل لتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودرء مفاسدهما: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥].
стр. 6008
• فقه حقائق التصرفات:
الإنسان مكلفٌ بعبادة اللّه ما دام حيا، في كل مكان، وفي كل زمان، و في كل حال، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
و لن تتم حياته إلا بدفع ضروراته و حاجاته، من المآكل و المشارب، و المراكب و المساكن، و غيرها من أنواع المنافع، و لن يتم له ذلك إلا بإباحة التصرفات الدافعة للضرورات و الحاجات: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
والتصرفات أنواعٌ كثيرة منها:
النقل، والقبض، والإسقاط، والإذن، والرهن، والإتلاف.
فهذه ستة أنواعٍ من التصرفات:
الأول: النقل، فنقل الحق من أحد إلى أحد ضربان:
الأول: نقلٌ بعِوض، و هو أنواع:
الأول: البيع وهو انتقال سلعةٍ إلى آخر بعِوض.
الثاني: الإجارة، و هي بيع المنافع بالأموال أو المنافع.
الثالث: المضاربة، و هي التعاقد على التجارة بجزءٍ معلومٍ من الأرباح، كالثلث أو الربع و نحوهما.
الرابع: السَلَم، و هو بيع دينٍ بعين مقبوضةٍ في المجلس.
الخامس: القرض، و هو بذل عينٍ لمن ينتفع بها ثم يردها.
стр. 6009
السادس: الجعالة، و هي بذل مالٍ في مقابلة عملٍ معلوم. و نحو ذلك من أنواع البيوع التي ستأتي إن شاء الله.
الضرب الثاني: النقل مجانًا بغير عِوض كالهدايا، و الصدقات، والهبات، و الوصايا، والزكوات و الكفارات.
الثاني: الإسقاط:
إسقاط الحقوق ضربان:
أحدها إسقاطٌ بغير عِوض، و هو أنواعٌ منها:
الإبراء: و هو إسقاط الدين عن المدينين، و إسقاط القصاص بالعفو، و اللعان يُسقِط حد القذف، و إسقاط حق النكاح بالطلاق، و إسقاط ملك الرقيق بالعتق، و إسقاط الملك للعين بالوقف.
الثاني الإسقاط بالعِوض و هو أنواعٌ منها:
إسقاط حق الزوج بالخُلع، أو الطلاق على مال، و إسقاط ملك الرقيق بالعتق على مال، و إسقاط القصاص بالصلح على مال.
الثالث: القبض، وهو ثلاثة أنواع:
الأول: قبضٌ بمجرد إذن الشرع، كقبض اللُقطة، ومال اللقيط، والقبض.
المقصود للولاة و الحكام، و كذا قبض الحاكم أموال الغير التي لا حافظ لها، كقبض الحاكم أموال المجانين والمحجور، عليهم بسفهٍ أو صِغر، و قبض أموال المصالح، والزكوات وأموال المحبوسين، وقبض الإنسان حقه إذا ظفر به.
الثاني: ما يتوقف جواز قبضه على إذن مستحقه و مالكه:
كقبض المبيع، وقبض الثمن، وقبض الصدقة، وقبض الرهون، وقبض الهبات ونحو ذلك.
стр. 6010
الثالث: قبضٌ بغير إذن الشرع، ولا إذنٍ من المستحق والمالك:
فهذا إن كان القابض عالمًا بتحريمه فهو قبضٌ مغصوب، وهو مضمون، فإن على اليد ما أخذت حتى تؤديه، ولا يحل مال امرئ إلا بطيبةٍ من نفسه.
و إن كان الغاصب جاهلًا كأن يقبض مالًا يعتقده لنفسه، فبان لغيره، فلا إثم عليه، ولا يباح له، وهو مضمونٌ لصاحبه، فعليه إعادته له.
الرابع: الإذن.
والإذن ضربان:
الأول: ما ترجع فائدته إلى المأذون له، فإن كان من المنافع، فهي العواري، و إن كان من الأعيان فهو الضيافات و المناكح.
الثاني: ما ترجع فائدته إلى الآذن، فإن كان من الاستصناع، كالحَلْقِ والحجامة، فله أخذ الأجرة عليه.
وإن كان من التصرف القولي أو التوكيل في أنواع المعاملات، أو كان تصرفًا فعليًا كالقبض والإقباض، وهو التوكيل في كل ما يتعلق به الإذن من الأفعال القابلة للتوكيل جاز له ذلك.
الخامس: الإتلاف.
الإتلاف أقسام:
أحدها: إتلاف لإصلاح الأجساد، و حفظ الأرواح، كإتلاف الأطعمة و الأشربة و الأدوية الفاسدة حفظًا للأبدان و الأرواح، و كذا قطع الأعضاء المتآكلة حفظًا للأرواح و الأبدان.
стр. 6011
الثاني: إتلاف الدفع، و هو أنواع:
الأول: قتل الحيوانات المؤذية كالحية و العقرب و السباع.
الثاني: قتل الكفار دفعًا لمفسدة الكفر في جهاد الطلب، ودفعًا لمفسدتي الكفر والإضرار بالمسلمين في قتال الدفع.
الثالث: قتل البُغاة، دفعًا لبغيهم، وخروجهم عن الطاعة.
الرابع: القتل، والقطع، والجرح، لدفع ضرر الصائل على الأنفس، والأموال، والعرض.
الخامس: إتلافٌ لدفع الضرر، كقتال الظلمة من المسلمين، دفعًا لظلمهم و عصيانهم، وتخريب ديارهم، وقطع أشجارهم، وقتل ذراريهم، إذا لم يمكن دفعهم إلا بذلك، و كذا تخريب ديار الكفار، و قطع أشجارهم و إحراقها إذا لم يمكن دفع شرهم إلا بذلك، و هو نوعٌ من الجهاد.
السادس: إتلاف ما يُعصى الله به كالأوثان والأصنام والصلبان، والملاهي، والخمور، والمعازف، لكن يكون ذلك بأمر الحاكم، لئلا يترتب على ذلك مفسدةٌ أكبر منه.
القسم الثالث: إتلاف الزجر، كالقصاص من الجناة، ورجم الزناة، وقطع أيدي السُراق وقطع أيدي وأرجل المحاربين والبغاة، زجرًا عن السرقة، والمحاربة، والجناية، وصون الأمن.
السادس: التأديب والزجر، و هو أقسام:
أحدها: ما قدره الشرع كالحدود، كحد الزنا، و السرقة، و القذف و نحوها، هذا لا يزاد عليه، و لا ينقص منه. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
стр. 6012
الثاني: ما لا تقدير فيه، كالتعزيرات، حسب ما يراه الحاكم بما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة.
الثالث: التأديب، كتأديب الوالدين لأبنائهم و بناتهم.
الرابع: تأديب العبيد و الإماء من أسيادهم.
الخامس: تأديب الدواب بأنواع الرياضات، كتأديب الخيل و نحوها.
ومقدار التأديب يكون بالأخف من الأقوال و الأفعال، و الحبس و الاعتقال، و لا يجاوز ذلك إلى الأغلظ، إذ هو مفسدةٌ لا فائدة فيه لحصول الغرض بما دونه. فلله الحمد على هذه الشريعة السمحة العادلة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨].
وقال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
• فقه تصرف الولاة:
يتصرف الولاة في الإسلام من الملوك و الأمراء و نوابهم، بما هو الأصلح للمُوَلّى عليه، درءًا للضرر و الفساد، و جلبًا للنفع و الرشاد.
و لا يقتصر الوالي على الصلاح، مع القدرة على الأصلح، إلا أن يؤدي إلى مشقةٍ شديدة، ويتخير الولاة في التصرف حسب تخيرهم في حقوق أنفسهم، فيختار ويفعل الأصلح والأحسن، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا
стр. 6013
تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وقال الله : ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
و كل تصرفٍ جر فسادًا، أو دفع صلاحًا، فهو منهيٌ عنه، مثل إضاعة المال من غير فائدة، و إضاعة الأوقات من غير فائدة، وإفساد الأمزجة والعقول من غير فائدة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
فالأكل على الشبع منهيٌ عنه، لما فيه من إضاعة الأموال، وإفساد الأمزجة، وقد يؤدي إلى تفويت الأرواح: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
أقسام الموانع:
موانع صحة العبادات .. و المعاملات، تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يمنع الصحة في الابتداء و الدوام، و هو أنواع:
أحدها: الكفر، وهو مانعٌ من ابتداء العبادة ودوامها، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
الثاني: الردة، تمنع صحة النكاح ابتداءً و دواما.
стр. 6014
الثالث: المحرمية تمنع من ابتداء النكاح و دوامه.
الرابع: الرضاع، يمنع من ابتداء النكاح و دوامه.
الثاني: ما يمنع الابتداء، ولا يمنع الدوام، وهو أنواع:
أحدها: الإحرام؛ فإنه يمنع ابتداء النكاح، ولا يمنع الدوام.
الثاني: العِدة؛ فإنها تمنع ابتداء النكاح، ولا تمنع الدوام.
الثالث: رؤية الماء، وهو مانعٌ من ابتداء الصلاة بالتيمم، وغير مانعٍ إذا رآه في الصلاة.
الرابع: وجود الرقبة في صوم كفارة الظِهار، وقتل الخطأ، مانعٌ من ابتداء الصوم وغير مانعٍ من دوامه.
• أقسام الأفعال:
الأفعال التي تتعلق بها الأحكام ضربان:
الأول: ما هو حسنٌ في ذاته، حسنٌ في ثمراته، و ذلك كمعرفة الله بأسمائه و صفاته وأفعاله، ومعرفة دينه وشرعه، والإيمان بذلك، فهذا أحسن ما كلف الله به الإنسان، وهو أفضل من ثمراته التي هي دخول الجنان، والزحزحة عن النيران: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
الثاني: ما هو قبيحٌ في ذاته، قبيحٌ في ثمراته، كالجهل بالله و دينه و شرعه، و الجهل بما يحب من المعرفة و الإيمان، فهذا ثمراته الخلود في
стр. 6015
النار، و الحرمان من الجنة: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
ومن الأفعال ما هو متحدٌ في حقيقته وذاته، ولكنه يُنهى عنه تارة لقبح ثمراته، ويؤمر به تارة لحسن ثمراته، و يُباح تارة لمصلحة الإقدام عليه، أو الإحجام عنه، ولذلك أمثلة:
أحدها: القتل، وهو ثلاثة أقسامٍ باعتبار ثمراته، لا باعتبار ذاته؛ لأن ذاته إفسادٌ و إتلاف.
فالأول: قتلٌ حسن، لحسن ثمراته، كقتل من يجب قتله من الكفار والمسلمين المعتدين، أما قتل الكافر، فلما فيه من محو الكفر الذي هو من أفسد المفاسد، وأما قتل الجاني من المسلمين؛ فلما فيه من حفظ الأرواح، و زجر الجناة عن الجنايات: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣].
وقال الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
الثاني: قتل المسلمين حرام، لقبح ثمراته، لما فيه من العدوان بغير حق، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
الثالث: قتل من يجوز قتله بالقصاص من الجناة، فهذا حسنٌ، لحسن ثمراته كما قال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
стр. 6016
٤ - الخزانة الرابعة
• فقه أكساب الإنسان:
أكساب الإنسان أربعة أقسام:
القسم الأول: أكساب القلوب، وهى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا يكون إلا حسنا، ويؤمر به لذاته، لحسنه في نفسه، وحسن ثمراته، كمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة ما يجب له من التوحيد والعبادة والإيمان بذلك، والعمل بموجب ذلك، وهذا أعلى أنواع الكسوب وأشرفها وأفضلها: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
الثاني: ما لا يكون إلا قبيحا، وينهى عنه لذاته، لقبحه في ذاته، وقبح ثمراته، وذلك كالجهل بالله، وما يجب له من أوصاف الجمال والجلال والمحبة والتعظيم، والحمد والشكر، وثمراته أقبح الثمرات من الكفر والشرك والشك والنفاق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
стр. 6017
وقال الله عن الكافر: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٧].
وقال الله : ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج: ٣١].
وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦١ - ١٦٣].
الثالث: ما يختلف حسنه وقبحه باختلاف متعلقة، فلا ينهي عنه، ولا يؤمر به، ولا يؤذن فيه لذاته، وإنما ينهى عنه، لما يقترن به من مفاسد التحريم أو الكراهة، ويؤمر به لما يقترن به من مصالح الإيجاب أو الندب، ويؤذن فيه لمصالح الإباحة، فالعزوم والقصود مثلا تختلف أحكامها باختلاف أحكام المعزوم عليه والمقصود، وكذلك التمني والندم، والحب والبغض، والفرح والحزن، كل ذلك تختلف أحكامه باختلاف متعلقة، وكذلك التذكر والتفكر، والصبر والرضا، والجزع والخوف، والرجاء والتعظيم، كل ذلك تختلف أحكامه باختلاف المتفكر فيه، والمصبور عليه، والمرضي به وهكذا، فالأعمال بالنيات، والثواب والعقاب بحسب النية والعمل.
القسم الثاني: أكساب الحواس الخمس:
وهى النظر، والاستماع، والذوق، والشم، واللمس، فهذه حقائق متحدة، وتختلف أحكامها باختلاف متعلقاتها في الحسن والقبح، والحلال والحرام، والمأمور به والمنهي عنه، فالنظر للعورات حرام، والنظر
стр. 6018
للسوءات أشد، والنظر إلى عورة الزوجة مباح، والى سوءتها مكروه، ونظر الإنسان إلى سوءة نفسه مكروه، ونظر الرجل للحراسة في سبيل الله، أو حراسة ما استؤجر على حفظه، أو إلى قراءة ما يجب قراءته من الرسائل، واجب.
والنظر إلى صور الملاح الحسان، والمشتهيات المحرمات، لم ينه عنه لحسن متعلقه، إنما نهى عنه؛ لما يؤدى إليه من الفساد والفتنة.
وأما النظر المباح فكثير، كالنظر إلى ما خلق الله في السماوات والأرض كما قال : ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله : ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠].
وهذا النظر سبيل لتقوية الإيمان وزيادته، ومثل ذلك يقال في بقية الحواس.
القسم الثالث أكساب الأقوال، وهى ثلاثة أضرُب:
أحدها: ما يؤمر به لذاته؛ لحسنه في نفسه، وصلاحه، كالإقرار بشهادة التوحيد، والآذان، والإقامة، والأذكار، والأدعية، وقراءة القرءان ونحو ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
والقرءان بعضه أفضل من بعض؛ لأن كلام الله عن الله أفضل وأعظم من كلام الله عن إبليس و فرعون.
стр. 6019
كما أن كلامنا عن الله أعظم وأفضل من كلامنا عن غيره؛ ولذلك كانت "قل هو الله أحد"تعدل ثلث القرءان، وآية الكرسي أعظم آيات القرءان، والفاتحة أعظم سور القرءان.
وإذا نُهى عن قراءة القرءان في الحُش أو للجنب؛ فليس لذات القرءان، لحسنه وشرفه، وإنما لما اقترن به من سوء الأدب؛ لأن الذاكر والقارئ جليس الرحمن، فلا ينبغي له أن يجالس و يخاطب ربه العظيم في مكان قبيح أو حال قبيحة.
الثاني: ما ينهى عنه لذاته، لقبح نفسه وفساده، كجحد اللسان لجميع ما يجب الايمان به، أو كلامه بما نهى الله عنه، من الترغيب في الكفر والشرك والمعاصي ونحو ذلك.
الثالث: ما تختلف أحكامه باختلاف المقول فيه، صلاحًا وفسادا، كالجهر والسر، فهما حقيقتان متحدتان، وتختلف أحكامهما حسب متعلقيهما، فالجهر مثلًا يجب في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وخطب الجمعة والأعياد، والآذان والإقامة ونحو ذلك.
ويحرم الجهر بقبيح الأقوال والأعمال، وهتك الأستار، وكشف الأسرار.
وكذلك الإسرار حقيقة متحدة؛ فيندب إليه في الصلوات السرية، والأدعية، والأذكار، وإسرار الصدقات، ويحرم في مواطن كثيرة، ويحرم حيث يجب الإظهار في الأقوال والأعمال.
وأما السب فضرب مؤلم، وإذا لم تتعلق به مصلحة، فهو منهي عنه، والمصلحة كجرح الشهود، والدعاء على الظلمة ونحو ذلك: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾ [النساء: ١٤٨].
стр. 6020
القسم الرابع: كسب الأفعال، وهي ثلاثة أقسام:
أحدها: ما هو حسن في صورته، فيؤذن فيه، ويؤمر به لذاته، أمر إيجاب أو أمر استحباب، كالإصلاح، والفعل كالإطعام.
الثاني: ما هو قبيح في صورته، فينهي عنه لعينه، نهي تحريم أو كراهة، وذلك كالإفساد، والفعلي كالقتل والزنا ونحوهما.
والثالث: ما يختلف حكمه باختلاف ما يقترن به من المصالح والمفاسد، كالأكل والشرب، والركوع والسجود، والإكراه والاختيار، والقطع والرجم، وكل هذه حقائق متحدة، وإنما تباح أو يندب إليها أو تجب، لما يقترن بها من المصالح، وينهى عنها إذا تجردت عن المصالح، أو اقترن بها من المفاسد المقتضية للكراهة أو التحريم.
والزواجر في الشرع قسمان:
الأول: مقدراً كالحدود، لا تجوز زيادته ولا نقصه، لكن يجوز تخفيفه وتأخيره بالأعذار.
الثاني: غير مقدر كا التعزيرات، وهي غير محددة، وهي مقرونة بما تحصل به المصلحة وتندفع به المفسدة، وتختلف مقاديرها، وتعيين جنسها، بحسب الزاجر بها، وقد شرع الله في كل تصرف من التصرفات، ما يحصل مقاصده، ويوفر مصالحه، ويدرء مفاسده.
• فقه التصرفات:
التصرفات من حيث اللزوم وعدمه أنواع:
الأول: ما لا تتم مصالحه ومقاصده إلا بلزومه، كالبيع والإيجارة، والنكاح والوقف، والضمان والهبات، فلو لم تكن هذه الأمور لازمة من
стр. 6021
الطرفين لم يحصل انتفاع من كل واحد لما صار اليه من بيع وايجارة؛ اذ لا يأمن من فسخ صاحبه له.
والثاني ما تكون مصلحته في جوازه من طرفي الشركة، والوكالة، والوصية، والجعالة، والوديعة، والعارية، والقرض ونحو ذلك.
الثالث ما تكون مصلحته التصرف فيه، جوازه من أحد طرفيه، ولزومه من الطرف الآخر، كالرهن والكتابة، وإجازة المشرك حتى يسمع كلام الله، وعقد الجزية، فالرهن مثلا لازم في حق الراهن، والكفارة لازمة في حق الجاني، والكتابة لازمة في حق السيد، والإيجارة لازمه من جهة المستأجر، والعفو عن القصاص والعقوبات لازم من جهة من له الحق، وكذلك الإبراء من الديون، وكذلك قسمة التراضي بين الطرفين لازمه لا تقبل الرجوع فيها.
• أفضل الطرق للتعامل مع الناس:
جاء الإسلام بأحسن الطرق والأخلاق؛ للتعامل مع الناس.
فبيّن الله في القرءان في خمس آيات طرق التعامل مع الناس، وفتح أبواب التعاون على البر والتقوى؛ لتمتلئ القلوب بالمحبة والرضا، وتذوق طعم الإخوة الإيمانية. وقد جاءت هذه الآيات في أول القرءان ووسطه وآخره، وهذه الآيات هي: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والثانية: كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ
стр. 6022
تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٢ - ١٥٣].
والثالثة: كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ [الإسراء: ٥٣].
والرابعة: كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت: ٤٦].
والخامسة: كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
وبهذه المعاملات الحسنة تتآلف القلوب، ويحب بعضها بعضا، ويحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه، ويشعر الإنسان بالإخوة الإيمانية، والمحبة الصادقة، وتتآلف القلوب، ولا يأخذ الإنسان ما ليس له، ويعطى ما وجب عليه؛ تعبدًا لله : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
ومن تولاه الله هداه سبل رضاه فيما بينه وبين ربه تعبدا، وفيما بينه وبين خلقه دعوة وتعليما وإحسانا. والولي هو من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به، فالإيمان سبب يوالى به المؤمنون ربهم بالطاعة، ويواليهم به بالثواب والنصر والإعانة. فالله ولى المؤمنين والمؤمنون أولياؤه، يوالونه بالإيمان والتوحيد، والعبادات والطاعات، وهو يواليهم
стр. 6023
بالأجر والعون كما قال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
وقال الله : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
والمؤمنون بعضهم أولياء بعض بالحب والرحمة، والإخوة الإيمانية كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
والله مولى المؤمنين ينصرهم دون الكافرين كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ [محمد: ١١].
والله سبحانه مولى الخلق كلهم بالملك والقهر، ونفوذ المشيئة كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام: ٦٢].
وقال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
والمؤمن حقا هو الذي يصل من قطعه، ويعطى من حرمه، ويعفوا على من ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
стр. 6024
وقال الله : ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
وقال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وإذا كان المجتمع كله بهذه الصفات شعر كل واحد من المسلمين بالمحبة والإخوة والطمأنينة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله : ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
فاللهم أهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال لا يهدى لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
стр. 6025
٥ - الخزانة الخامسة
• فقه المعاملات:
امتثال أوامر الله ، سواء كانت فيما بين العبد وربه كالصلاة، أو فيما بين العبد وخلقه، كالبيع والإجارة ونحوهما، وكل ذلك عبادة الله، فالمسلم كما يعبد الله في مسجده كذلك يعبده في سوقه، وفى بيعه وشرائه، وفى أخذه وعطائه؛ فأحكام الله على الإنسان كاملة، تستغرق جميع أوقاته وأحواله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
والمسلم يعمل في أي عمل كسبي مشروع؛ لحكم عظيمة، منها تنفيذ أمر الله في ذلك العمل، وإرضاء ربه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وإحياء سنة الرسول ﷺ في ذلك العمل، وفعل الأسباب المأمور بها شرعا، والتوكل على الله في جلب الرزق، ثم الله بعد ذلك يرزقه رزقا حسنا، ويوفقه لأن يصرفه في مصرف حسن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠].
ومعرفة أحكام الحلال والحرام، وأحكام البيع والشراء، والأخذ والعطاء، تُبصر الناس بمعرفة أحكام الله التي شرعها لعباده، فيأخذون الحلال الطيب الذي أحله الله ورسوله، ويجتنبون المعاملات، والأشياء