← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

• الشرائع التي أنزل بها كتبه: الشرائعُ التي أنزل الله ثلاث: الأولى: شريعة عدل: وهي شريعة التوراة، فيها الحكمُ والقصاصُ بالعدل، وهي شريعة الجلال والقهر. الثانية: شريعة فضل: وهي شريعة الإنجيل، وهي مشتملةٌ على العفو، ومكارم الأخلاق، والصفح والإحسان، فهي شريعةُ الجمال والفضل والإحسان. الثالثة: شريعة جمعت هذا وهذا، العدل والإحسان: وهي شريعة القرآن التي جاء بها محمد صل الله عليه وسلم، فإن الله يذكر في القرآن العدل ويوجبه، ويذكر الفضل ويندب إليه، ويذكر الظلم ويحرمه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وقال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال سبحانه: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾ [الفرقان: ١٩]. وقد أرسل الله بهذه الشريعة محمداً ﷺ ، فشريعةُ محمد ﷺ جاءت في مظهر الكمال الجامع للجلال والجمال، جمعت بين العدلِ والإحسان، والشدةِ في الله، وبين اللينِ والرحمةِ والرأفة في الله. فشريعة موسى جاءت بالجلال، وشريعة عيسى جاءت بالجمال، وشريعة محمد ﷺ جاءت بالكمال الجامع للجلالِ والجمالِ، ولهذا رَضِيها الله

стр. 632

للبشرية دينًا إلى يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]. فشريعة محمدصلى الله عليه وسلم أكمل الشرائع، وهو أفضل الأنبياء وأكملهم، وأمته أفضل الأمم، وكتابة أحسن الكتب: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣]. فالنبيُ ﷺ سيد الأنبياء وخاتمهم، وأمته أفضلُ الأمم وآخرها، وكتابه أفضل الكتب وأحسنها، وشريعته أكمل الشرائع وآخرها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. فصلوات الله وسلامه على أنبيائه ورسله، وعلى سيد الخلق نبينا محمد ﷺ الذي يحمدهُ لجمال صفاته أهلُ السماء والأرض، وهو أحمد الخلق لربه، وأحقُ بأن يحمد أكثر من غيره، فقد جاء من ربه بأعظم شريعة، وأحسن كتاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقال الله تعالى:: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].

стр. 633

٣ - الخزانة الثالثة • فضائل القرآن العظيم: القرآنُ العظيم فيه تبيانُ كلُ شيء، وفيه كلُ خيرٍ وفلاحٍ وبركةٍ في الدنيا والآخرة، وقد أثنى الله على نفسه ممتنًا على رسوله في إنزال هذا الكتابِ العظيم فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧]. وامتن على هذه الأمة مثنيًا على نفسه بنزول هذا القرآن العظيم: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. فكانوا شرَ الناس، وبالقرآن العظيم، والإيمان بالله العظيم، كانوا خير الناس، وكانوا شرَ أمة، ثم كانوا بعد الإسلام خيرَ أمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقد أخبر اللهُ عن القرآن الكريم بأنه ذكرٌ للعالمين بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠]. فالقرآن الكريم ذكر للعالم أجمع، فهو المنهج الكامل الوحيد الذي يسعدون بهِ وبإتباعهِ في الدنيا والآخرة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١]. وأخبر سبحانه أنه تذكرةٌ للمتقين بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ [الحاقة: ٤٨].

стр. 634

يذكرهم بربهم ﷻ ، فهو ذكرُ لأهل الإيمان والتقوى يذكر العباد بما فيه صالحهم في معاشهم ومعادهم، ويذكرهم بالرب تعالى، وأسمائه، وصفاتهِ، وأفعاله، وحقوقه على عباده، ويذكرهم بالخير ليفعلوه، ويذكرهم بالشرِ ليجتنبوه، ويذكرهم بمصالحهم في معاشهم، ومعادهم، ويذكرهم بالمبدأ، والمعاد، ويذكرهم بنفوسهم، وآفاتها، وما تكمُنُ بها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وأنه ذكرٌ مبارك في قوله سبحانه: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾ [الأنبياء: ٥٠]. فهو يذكر الخلق بنفوسهم، وآفاتها، وما تسعد به، وما تزكوا به: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. ويذكرهم بمن يقتدون به من الأنبياء، والرسل، ويذكرهم بعدوهم، وما يريدُ منهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. فهو يذكرهم بعدوهم الشيطان، وما يريد منهم، ومن أي طريق يأتي إليهم، وبماذا يحترزون من كيده: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].

стр. 635

ويذكرهم القرآن بفاقتهم، وحاجتهم إلى ربهم، وأنهم مضطرون إليه في كل حال لا يستغنون عنه لحظة أبدً: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. ويذكرهم القرآن بنعم الله عليهم؛ ليشكروه، ويدعوهم بها إلى نعمٍ أخرى أكبر منها في الجنة ويذكرهم برحمة، وعفوه، ليقبلوا عليه، ويتوبوا إليه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. ويذكرهم سبحانه بأسه، وشده بطشه وانتقامه ممن عصى أمره، وكذب رسله؛ ليخافوهُ، ويهابوهُ، ويطيعوه سبحانه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. ويذكرهم القرآن بثواب الله، وعقابه، وما أعد لأوليائه، وما أعد لأعدائه؛ ليقبلوا على ما ينفعهم من الإيمان والتقوى، ويحذروا ما يضرهم من الشرك والمعاصي، ويتنافسوا في الخيرات: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. ويذكرهم القرآن بما يحل لهم، وما يحرم عليهم، وما يحبه الرب، وما يبغضه، ويذكرهم بصفات أوليائه؛ ليفعلوها، ويتحلوا بها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ

стр. 636

اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. ويذكرهم بصفات أعدائه، ليجتنبوها، ويحذروا منها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]. ويذكرهم بعاقبة هؤلاء وهؤلاء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. ولهذا أمر الله عباده أن يذكروه، وأن يذكروا ما في كتابه من المواعظ والشرائع والأحكام وان يأخذوها كما قال سبحانه: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ [الأعراف: ١٧١]. فالمؤمنُ حقًا من صدق الأخبار، وامتثل الأوامر، واجتنب النواهي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وكون القرآن ذكري للعالمين كلهِم غير جهة كونه ذكرى للمتقين، فإن القرآن ذكرٌ للعموم للصلاحية، والقوة، وذكرٌ لأهل الاستقامة بالخير والنفع: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]. الكونُ العظيم كتابُ الله المنظور المفتوح، والقرآنُ العظيم كتابُ الله المقروء المسطور.

стр. 637

وقد أمرنا الله بالنظر، والتدبر، والتفكر، في هذا وهذا فقال في الكون المنظور: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وقال في الكتاب المسطور: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. والكتابُ المنظور، والكتابُ المسطور، كلاهما دليل على الخلاقُ العليم، وكلاهما مؤثر في قلب الإنسان، ليزيد إيمانه، ويحركُ الجوارح بالطاعاتِ، وامتثال أوامر الله. وكلاهما دليلٌ على الخلاق العليم، كما أن كليهما كائنٌ ليعمل، فالكونُ كله بما فيه من مخلوقات مازال يتحرك، ويؤدى دوره الذي قدره له بارئه بطاعةٍ تامة لربه. فكلُ ما في الكون من المخلوقات العظيمة شاهد بوحدانية الله ومسبح بحمد وخاضع لأمره: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل/ ٤٩ - ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]. والقرآنُ كذلك أدى دوره للبشرية التي آمنت به، وحكمته، واستجابت لأوامره، فاستقامت فيه حياتهم في أحسن حياة في هذه الأرض، وأديرت

стр. 638

به معركةٌ ضخمة في مجال النفس الإنسانية، وفي رقعة من الأرض كذلك، فكانت النتائج طيبةً مباركة. فيا سعادة من تمسك به في الدنيا والآخرة، وخذلان من خالفه وشقاؤه في الدنيا والآخرة: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. ذلك هو جيلُ الصحابة الذين تلقوا الدينَ والإيمانَ والقرآن مباشرةً قلبيًا وعمليًا من الرسول ﷺ : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. فتلك أمةٌ كانت قبل الإسلام شرُ أمة، فكانت بالإسلامِ خير أمة، وكانت قبل الإسلام شر القرون، وبعد الإسلام خير القرون، وانتقلت من الشركِ إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم، ومن الظلمِ والطغيان إلى العدل والإحسان، ومن الفرقةِ والخلاف إلى الوحدة والاجتماع فكانوا خيرُ أمة تلقت هذا الوحي العظيم من الرسول ﷺ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. والقرآن هو القرآن، والإنسانُ ما يزال هو الإنسان، والقرآن هو خطاب الله لكل إنسان إلى يوم القيامة، يصدقُ أخباره، ويمتثل أوامر، ويجتنبُ نواهيه فالكونُ كله يتحرك بأمر الله الكوني القدري، والإنسانُ كذلك يجب أن

стр. 639

يتحرك بأمر الله الديني الشرعي؛ ليوافقَ الكائنات في العبادة والطاعة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]. فالكون له أوامر، والإنسانُ له أوامر، وكلٌ إليه راجعون، فهل نستفيد من القرآن كما استفاد الصحابة؟ وهل نعمل به كما عملوا، لنسعد في الدنيا، والآخرة؟. قال الله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]. يا ويح البشرية إن الدواء والشفاء الذي يشفيها من عِللِها وأمراضها وأسقامها موجودٌ بين أيديها، ولكنها لا تستفيد منه إلا قليلاً: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. فتلك مصيبة والمصيبة التي أعظم منها أنها تطلب شفاءها وسعادتها فيما يزيدُ من آلامها، ويوسع جراحها، ويشقيها في الدنيا والآخرة مما يخالفُ كتاب ربها، وهدي نبيها ﷺ من قوانين الأمم الكافرة الأخرى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. فسقطت من عين الله، ثم سقطت من أعين الكفار: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. مذمومًا لا حَامِدَ لك، مخذولًا لا ناصر لك؛ فماذا أعد اللهُ لهؤلاء في الدنيا والآخرة؟.

стр. 640

قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤]. لقد أعز الله بهذا القرآن العظيم أمةٌ محمد ﷺ : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. ونقلهم من ظلماتِ الجاهلية، إلى نور الإسلامِ، والإيمان. وخلصهم بالقرآن العظيم من آفاتٍ أربع: حكمُ الجاهلية .. وحميةِ الجاهلية .. وظن الجاهلية .. وتبرج الجاهلية. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. فما الذي دهى كثير من المسلمين حتى رفعوا أحكام القرآن من واقع الحياة؟ وما الذي صرفهم عن مصدر عزهم وسعادتهم؟. لقد كان هذا القرآن العظيم هو مصدر المعرفة، والتربية، والتوجيه، والتكوين، والعزة، لجيل من البشرِ فريد، وهو جيل الصحابةِ الكرام، الذين هم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلُها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، فأنهم على الهدى المستقيم. وأنشأ الله بمشيئته وقدرته، وبهذا الكتاب العظيم، تلك المعجزة المجسمة في عالم البشر، وهم أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار الذين تآلفوا وتحابوا على الإيمان: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]. فأصحاب النبي ﷺ معجزةٌ واقعةٌ مشهودة، وذلك المجتمع الفريد كانت تحكمه الشريعة التي جاء بها هذا الكتاب العزيز، فنقلهم الله من رعاة الغنم

стр. 641

إلى رعاة الأمم، ومن الظلم والطغيان إلى العدل والإحسان، ومن الكفر والشرك إلى التوحيدِ والإيمان. وكان هذا المجتمع العظيم معجزةٌ أخري في تاريخ البشرية لما يتحلى به من مكارم الأخلاق، وحسن الآداب التي ﵃ بها، ورضوا عنه، وكانوا في إيمانهم، وأخلاقهم، وأعمالهم، قدوةً ورحمةٌ للبشرية ﵃ أجمعين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. والمجتمعات البشرية التي تفوقُ المسلمين في الإمكانات المادية، لا تطاولهم في الإيمانِ، والأخلاق الكريمة العالية، وحياةُ الأمة لا تحكم اليومَ كتاب ربها، ليعود إليها عزها ومجدها، وليعزها الله، ويرفع ما بها من ذل: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. إن الأمة الإسلامية إذًا هجرت كتاب ربها، وسكت العلماء عن بيان الحق وأحكام الدين، وقعد الدعاة عن نشر الدين بين الأمم، واشتغل الناس بالأموال والأشياء، وزهدوا في الإيمان والأعمال، وفُقِدَ الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، ونقضت الأمة عهد ربها وميثاقه، إذًا حصل هذا في الأمة فقد أحلت بنفسها غضب الله وسخطه، واستوجبت عقوبته: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. لقد عاشت الأمة الإسلامية أحسن عصورها في عهد النبي ﷺ وأصحابه، وعهد الخلفاء الراشدين، ولكن سرعان ما تصدع جدارُ الإيمانِ والتوحيدِ

стр. 642

والأخلاق من بعدهم، فانقطعوا عن مصدر عزهم، وخضعت رقابهم وديارهم لعدوهم. لقد جاء الشيطانُ فاحتل قلوبهم، ثم جاء العدو فاحتل ديارهم، ولا تزال القلوبُ معتلة، مادامت من الشيطانِ محتله. لهذا أصبحت الأمة من بعد الصحابة بحاجه ماسه للعودة إلى مصدر عزها، حيث نالتها الضربات، والأوجاع من كل ناحية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٧]. وكم كاد الكائدون لهذا الدين العظيم، وهذا القرآن العظيم، بوسائل خفية عنيفة مستمرةُ، طويلةُ الأمد، وطرقٌ خبيثة ماكرةٌ لئيمة، وحشدت تلك الطاقات، والأفكار، والأموال، والحديد، والنار؛ لمحاربة هذا الدينِ وأهله، ولهذا الكتاب العظيم وأوامره: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٨ - ٩]. اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نُسينا، وارزقنا حسن تلاوته، وحسن امتثال أوامره، وحسن العمل به، وحسن الدعوة إليه: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٦].

стр. 643

٤ - الخزانة الرابعة فقه الإيمان بالكتب: الإيمان بالكتب التي انزلها اللهُ على رسله ركنٌ من أركان الإيمان الستة. وما جاء في الكتب السابقة ينقسم إلى قسمين: الأول: ما قصه الله علينا في القرآن، أو قَصَهُ علينا رسول الله ﷺ في السنة، فهذا مقبولٌ صحيح. الثاني: ما نقله إلينا أهل الكتاب، وهذا لا يخلو من ثلاثِ حالات: الأول: أن يشهد شرعنا بصدقه فنصدقه، ونقبله، وشرعُ من قبلنا شرعٌ لنا إذًا لم يرد شرعنا بخلافة. الثاني: أن يشهد شرعنا بكذبه، فيجب علينا أن نكذبه ونرده. الثالث: ما ليس من هذا ولا هذا، فيجبُ علينا أن نتوقف فيه؛ لأنه يحصل في خبرِ أهل الكتاب الكذب والتغيير، والزيادة والنقصان. فإذًا حدثنا أهلُ الكتاب فلا نصدقهم، ولا نكذبهم، ونقولُ آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان ما قالوه حقاً لم نكذبهم، وإن كان ما قالوه باطلًا لم نصدقهم. والإيمانُ بالكتب لابد فيه من أربعة أمور: الأول: أن يعلم العبد أن هذه الكتب وحيٌ من الله إلى رسله. الثاني: أن يعلمَ أن هذا الوحي الذي نزلت به الملائكة المطهرون لم يكن لأحدٍ من الشياطين أن يلقى ضلالاتهم فيه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠].

стр. 644

الثالث: أن هذا القرآن العظيم محفوظ لم يغير ولم يحرف منه شيء: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. الرابع: أن يعلم العبد أن القرآن مشتملٌ على المحكم والمتشابه وأن محكمه يكشف عن متشابهة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. ومتشابهة يردُ إلى محكمه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧]. والإيمان بالكتب التي أنزلها الله هو الركن الثالث من أركان الإيمان: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. ومن صفات المتقين الإيمانُ بالغيب والإيمان بالكتب: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٢ - ٥]. والكتابُ يطلق على كل كتابٍ، أو صحفِ، أو ألواح فالكتاب كالتوراة، والزبور، والإنجيل والقرآن، والصحف كصحف إبراهيم وموسى، والألواح

стр. 645

كألواح موسى، ومصدر تلك الكتب أنها منزلة من عند الله، على نبيٍ من أنبياء الله، من آدم إلى محمدٍ ﷺ ، وكلُ نبيٍ كتابه بلغه قومه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ [الرعد: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]. ونحنُ مأمورون أن نؤمن بالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله، لأنها حقٌ من عنده: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٨]. اللهُ سبحانه رءوفٌ بالعباد، أكرم خلقه بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الإسعاد فأرسل الرسل، وأنزل الكتب: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. وقال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]. وقال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]

стр. 646

وحاجهُ الناسِ إلى الكتب السماوية، والشرائع الإلهية، أعظم حاجه، والله سبحانه كريم وهب الإنسان سمعاً يسمع به، وبصرًا يبصر به، وعقلًا يعقل به، وفكرًا يفكر به، ووهبه فطرة تقوده إلى التوحيد والإيمان: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. وكانت تكفيه هذه الفطرة إلى الهداية والتوحيد والإيمان، لكن الله كريم أكرمه بإرسال الرسل، وإنزال الكتب: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران/ ١٦٤]. وبذلك تقومُ الحجةُ على الخلق: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]. وقال الله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. فالنبي والرسول يبلغ قومه رسالة ربه، لكنه يموت كغيره من الناس، وإذًا مات الرسول أو النبي، فإن الناس سوف يختلفون من بعده لاختلاف الأحوال، والأفهام، والمستحدثات، ودخول الهوى، فكيف يجمعُ الله شتات الناس؟. لهذا انزل الله الكتب على الرسل رحمهً بعبادهِ، تبقى معهم يرجعون إليها في كل أمر من أمور الحياة، في العقيدة، والأخبارِ، والأحكامِ، والعبادات والمعاملات: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].

стр. 647

فتبقى هذه الكتب معهم في كل مكانٍ وزمان، يصدقون أخبارها، ويطبقون أحكامها كما أنزلها الله ، وحتى يحفظ الله بهذه الكتب عقائد الدين وشرائعه من الضلالات، والأهواء، والبدع بعد الرسول الذي مات. واليهود والنصارى أكرمهم الله بالتوراة والإنجيل، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال سبحانه: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ [المائدة: ٤٦]. وقد وكلهم الله بحفظها؛ ولكنهم ضيعوها ولم يحفظوها، فقد حرفوها وبدلوها، وغيروها بأحكام من عند أنفسهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]. وقال الله : ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة: ٦٨]. وقال الله : ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤]. لهذا تولى الله لهذه الأمة حفظ كتابه، لأنه الكتاب الخاتم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].

стр. 648

وحفظه سبحانه من التحريف، والتبديل، والتغيير فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. وإذا فُقدَ الكتاب في الأمة بعد الرسول، أو حرف، أو بدل، زال الحق الذي أنزله الله ليحكم بين الناس، واضطربت الأهواء، وانتشرت البدع، وتفرقت الأمة وأكل بعضها بعض: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١] ومن حكمه بقاء الكتاب بعد موت الرسول أو النبي، لكي يحتكم الناسُ إليه، ويحكمونه في جميعُ أمورهم حينما يختلفون، وإذا لم يكن بينهم الكتاب احتكم الناس إلى عقولهم أهوائهم، والعقول والأهواء مختلفة: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩]. ومن الحكمةِ من بقاء الكتاب بعد موت الرسول ضمان سريان الأحكامِ في كل الأرض، فإن الرسول يعيشُ في أي كل مكان وزمان ثم يموت، وجهوده محصورٌ في منطقته، وبقاءُ الكتابِ بعد الرسول في الأمة، ليقوم أتباعه بما قام به، ويطوفوا في المدنِ والقرى؛ لينشروا الأحكام والآداب والسنن التي جاء بها الرسول ليبلغها للناس، فتنتشر أحكامه في جميع بقاع

стр. 649

الأرض: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. المؤمن يؤمن بجميع الكتب التي أنزلها الله على رسله لهداية عباده، ما نعلمُ منها، وما لم نعلم، من عهد آدم ﷺ إلى القرآن الذي أنزله الله على محمدٍ ﷺ ، ويصدق بكلِ ما جاء فيها من أخبارٍ وأحكام: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وكتبُ الله هي كلامه الذي تكلم به، وكلامه هو صفةٌ من صفاته، وصفاته غيرُ مخلوقة، فكتبُ الله منزلةٌ غيرُ مخلوقه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢]. وهذه الكتب منها ما كان مسموعًا من وراء حجاب دون واسطة كما كلم الله موسي: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]. وكما كلمَ الله رسوله محمداً ﷺ ليلة المعراج: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠]. ومنها ما سمعهُ الرسول ﷺ من الملك جبريل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. فهذه ثلاثةُ أنواع من الوحي: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ (٥١)﴾ [الشورى: ٥١]. وقال الله : ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢].

стр. 650

والرابع: ما كتبه الله بيده كما كتب الله لموسى للتوراة في الألواح: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾ [الأعراف: ١٤٥]. وكذا من الإيمان بالكتب الإيمان بكل ما ورد فيها من الأخبار والأحكام والشرائع: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. وكلُ أمةٍ مأمورهٌ أن تحتكمَ إلى ما جاء في كتابها من الأحكام، ومن لم يحكم بما أنزل الله فحكمه يدور بين ثلاثة أمور: ١ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]. ٢ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]. ٣ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧]. وهذا خطابٌ لكل أمة في كلٍ وزمانٍ، وكلُ من لم يحكم بما أنزل الله فحكمه يدور بين الكفر، والظلم، والفسق. فأولًا: من قال أن الزمان تغير، وشرعُ الله لا يصلح لهذا الزمان، ولابد أن نواكب تطور عصرنا، والقرآن لا يُناسب هذا الزمان، فهذا كافرٍ بالله وبكتابه وشرعه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. ثانيًا: من قال أنا مؤمن بالله، ولكن الظروفَ السياسية والعالمية والاجتماعية، لا تسمح بتطبيق شرع الله، والعمل بما جاء في كتابه، ومتى توفرت الشروط، وتهيأت الظروف، سأطبقُ شرعُ الله، فهذا الحاكم ظالم لنفسه، وظالمٌ لغيره، ولكنه ليس بكافر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].

стр. 651

ثالثاً: من آمن بالله وكتابه، ولكن يطبق كتاب الله في بعض الأمور، ويخالفُ في أمورٍ أخرى، فهذا فاسق لا كافر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧]. ومن صلى، لكنه متهاونٌ في الزكاة، فهذا فاسقٌ عاص وما قبلهُ ظالمٌ لنفسه وظالمٌ لغيره لا كافر، والأول كافرٌ بالله، وبكتابه، ومن الإيمان بالكتب الإيمان بأن بعضَ الكتاب ينسخُ بعضه نسخًا جزئيًا، أو كليًا. النسخ الجزئي: كما نسخت شريعة عيسى بعضَ الأحكام في شريعة موسى في التوراة كما قال عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾ [آل عمران: ٥٠]. وكذا نسخُ القبلة في القرآن: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦]. أما النسخُ الكلي: فكما نسخت شريعة محمدٍ ﷺ ما قبلها من الشرائع: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. الله ﷻ هو الملكُ الحق، وكمالُ ملكه يدل على كمال التصرف فيمن خلقَ، وكمال التصرف في مخلوقاته يدل على كمال الإرادة: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].

стр. 652

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]. وهذا الكونُ العظيم بما فيه من مخلوقاتٍ عجيبة، وآيات عظيمة مظهرٌ لأسماء الله الحسنى، وصفاته العلى، وأفعالهِ الكبرى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. واللهُ حكيمٌ عليم لا يمكن أن يدع خلقه دون أن يعرفهم بنفسه، وبخلقه، ويعرفهم بأنفسهم، وماذا يريد الله منهم؟ وماذا يريدون منه؟ وماذا أعد لهم من نعيم لو أطاعوه؟. وماذا أعد لهم من عذابَ عظيم لو عصوه؟. وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. فمن رحمة الرحمن الرحيم أن خلق السكن قبل أن ينزل فيه الساكن الذي سوف يسكنه، ثم أرسل إليه رسولاً بكتابٍ من عنده، فيه منهج حياة الإنسان في هذه الدنيا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]. فالنبي والرسول دعوته منوطة بحياته؛ أما الكتاب الإلهي الذي معه فدعوته مستمرة، لهذا يمكن لك أن تؤلف قلوبًا، ويمكن أن تؤلف كتبًا، وتأليف الكتب أطولُ أمدًا، وتأليف القلوبِ أعمقُ أثرًا.

стр. 653

ومن كمال رحمة الله بعبادة أن جمع لخلقه بين إنزال الكتب، وإرسال الرسل الذين يطبقون تلك الكتب ويعلمونها: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. فالإنسان الذي يقيد نفسه بإتباع الرسول المرسل، والكتاب المنزل، ويقيد جوارحه وقلبه بذلك، يطلقُ الله جوارحه يوم القيام بأعظم نعيم في الجنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. والإنسانُ الذي لم يقيد نفسهُ وجوارحهُ بمنهج الله، فهو ضال يسير بلا منهجٍ ولا نظام والأنعامُ خيرٌ منه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. واللهُ سبحانه انزلَ كتابه القرآن، ورسوله محمداً ﷺ رسولًا للعالمين فكيف أثبت اللهُ أن كتابهُ ورسولهُ حق؟. قال الله : ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾ [الرعد: ٤٣]. الأنبياء من قبلهِ ﷺ كانت إثباتُ نبوه ورسالة الرسول حسية؛ إذا رأها الناس آمنوا، فإبراهيمُ ألقى في النار، ولم يحترق، هذا فوق طاقةُ البشر: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩]. وموسى ﷺ : ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾ [الأعراف: ١٠٧]. وعيسى يحيى الموتى بإذن الله، هذا كلهُ فوق طاقة البشر، ومعجزةٌ حسية في وقتٍ خاص، فأيد الله الأنبياء السابقين بآياتٍ حسية تشهدُ لهم أنهم رسُل الله.

стр. 654

أما النبي ﷺ فلأنه آخر الأنبياء والرسل، ودعوته خاتمة الدعوات؛ ولأنه مبعوثٌ للناسِ كافة، وأمته آخر الأمم، لهذا لابد أن تكونَ معجزاته مستمرة، ولتكونَ مستمرة فلابد أن تكونَ معجزةٌ علمية لا يستطيعُ أحدٌ أن يأتي بمثلها أبداً، ألا وهى القرآن، فاللهُ تحدى الإنسَ والجن أن يأتوا بمثلهِ أو صورهِ من مثله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقال الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣]. فما من نبي إلا أوتى ما مثله آمن عليه البشر، ولكن الذي أوتيه النبي ﷺ هذا الوحي، هذا القرآنُ العظيم، الذي فيه أخبار الأوليين والآخرين، وفيه بيانُ الحلالُ والحرام، وبيانُ الأخبارُ والأحكام، وبيانُ الوعدِ والوعيد. قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وقد بين اللهُ وكشف لعباده أموراً لا زالت تحدث كل يوم، ليؤمن الناس بربهم إذا رأوها ذكرها الله في القرآن كما قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣]. فالحمدُ لله رب العالمين على نعمهِ التي لا تعدُ، ولا تحصى، حيث أرسل إلينا أفضل رسله، وأنزل علينا أفضل كتبه.

стр. 655

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٤ - خزائن الإيمان بالرسل وتشمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 656

٤ - خزائن الإيمان بالرسل ١ - الخزانة الأولى • فقه الإيمان بالرسل: الإيمان بالرسل: هو التصديق الجازم بأن الله بعث في كل أمة رسولاً يدعوهم إلى عبادة اللهوحده واجتناب عبادة ما سواه، وأنهم جميعًا مرسلون صادقون، وقد بلغوا جميع ما أرسلهم الله به؛ منهم من أعلمنا الله باسمه، ومنهم من استأثر الله بعلمه. ويجب علينا الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعًا، والعمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم، وأفضلهم، وسيدهم، المرسل إلى الناس كافة، وإلى العالم قاطبة؛ محمد ﷺ : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. فيجب علينا الإيمان بجميع رسل الله الذين أرسلهم رسلاً إلى عباده يدعونهم إلى عبادة الله وحده: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦].

стр. 657

والله يربي الأنبياء والرسل وأتباعهم؛ ليجتهدوا أولاً على أنفسهم بالحصول على كمال الإيمان بالعبادة والتزكية، والنظر والتفكر والتدبر في الآيات الكونية، والآيات القرآنية، والصبر والتضحية بكل شيء من أجل الدين، والبذل والترك من أجل إعلاء كلمة الله، حتى يكمل الإيمان في حياتهم: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. ويأتي اليقين في قلوبهم على أن الله خالق كل شيء، وبيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء، وأنه سبحانه المستحق للعبادة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣]. ثم يجتهدون على حفظ الإيمان بالبيئات الصالحة؛ كالمساجد المعمورة بالإيمان والأعمال الصالحة، وحلقات الذكر والعلم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. ثم يجتهدون لقضاء حاجاتهم على الاستفادة من الإيمان، فيرون أن الله معهم حيث كانوا، ينصرهم ويرزقهم ويؤيدهم، كما حصل من النصر للمسلمين في بدر وفتح مكة وحنين وغيرها: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. ومن صفات هؤلاء الرسل أنهم يتوكلون على الله سبحانه، ولا يتوكلون على أحد سواه. ثم يجتهدون على نشر الإيمان بين أقوامهم ومن أرسلوا إليه ليعبدوا الله وحده لا شريك له، ويعملونهم أحكامه، ويتلون عليهم آيات ربهم ليهتدوا

стр. 658

ويسعدوا في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وقال الله ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٢ - ٤]. • الفرق بين الرسول، و النبي: الرسول هو من أوحى الله إليه بشرع، وأمره الله بتبليغه إلى من لا يعلمه، أو يعلمه ولكنه خالفه. والنبي هو من أوحى الله إليه بشرع سابق، ليعلم من حوله من أصحاب ذلك الشرع ويجدده. فكل رسول نبي ولا عكس، والرسول والنبي إذا اجتمعا فلكل واحد معناه، وإذا افترقا شملَ كل واحدٍ معنىً الآخر وحكمه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج: ٥٢]. • بعث الأنبياء والرسل. لم تخلو أمة من رسولٍ يبعثه الله تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه أو نبي يوحى إليه بشريعة من قبله ليجددها من بعده: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].

стр. 659

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]. • عدد الأنبياء والرسل: الأنبياء والرسل كثيرون، منهم من بين الله أسماءهم في القرآن، وقص علينا أخبارهم، وهم خمسةٌ وعشرون: الأول: آدم: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥]. وذكر الله بعض أنبيائه ورسله وهم ثمانية عشر في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٩]. العشرون: إدريس ﷺ : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)﴾ [مريم: ٥٦]

стр. 660

الحادي والعشرون: هود ﷺ : ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥)﴾ [الشعراء: ١٢٣ - ١٢٥]. الثاني والعشرون: صالح ﷺ : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣)﴾ [الشعراء: ١٤١ - ١٤٣]. الثالث والعشرون: شعيب ﷺ : ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩)﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٧٩]. الرابع والعشرون: ذو الكفل ﷺ : ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾ [ص: ٤٨]. الخامس والعشرون: محمد ﷺ كما قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]. ومن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من لم نعلم أسماءهم، ولم يقص الله علينا إخبارهم، فنؤمن بهم إجمالًا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ [غافر: ٧٨]. وعن أبي ذر أنه قال: «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ وَفي عِدَّةُ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: «مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا». أخرجه أحمد والطبراني بسند صحيح (١).

стр. 661

• أولو العزم من الرسل: أولو العزم من الرسل خمسة وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وقد ذكرهم الله في قوله سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]. • أول الرسل وأخرهم: وأول الرسل نوحصلى الله عليه وسلم، وهو أول رسولٍ أرسله الله إلى أهل الأرض بعد أن حدث الشرك بعد آدم صلى الله عليه وسلمبعشرة قرون، أرسله الله لقومٍ كافرين، ليدعوهم إلى الله، ويأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣]. وعن أبي هريرة ﵁: في حديث الشفاعة وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إلى أَهْلِ الْأَرْضِ» أخرجه مسلم (١). أما آخر الرسل فهو محمد ﷺ ، سيد الأولين والآخرين، فلا رسول ولا نبي بعده إلى يوم القيامة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].

стр. 662

وبعث الله الأنبياء والرسل إلى أقوامهم خاصة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد: ٧]. وبعث الله محمداً ﷺ إلى الناس كافة، وهو خاتم الأنبياء المرسلين وأفضلهم، فهو سيد ولد آدم، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، أرسله الله رحمة للعالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨]. الحكمة من بعثة الأنبياء والرسل: الله أرسل الأنبياء والرسل لحكم كثيرة منها: الأولى: دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. الثانية: بيان الطريق الموصل إلى الله، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. الثالثة: بيان حال الناس بعد الوصول إلى ربهم يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ [الحج: ٤٩ - ٥١].

стр. 663

الرابعة: إقامة الحجة على الناس قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]. الخامسة: أن الله أرسلهم رحمة للعالمين كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. • صفات الأنبياء والرسل: الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله إلى الناس لهم صفات: الأولى: جميع الأنبياء والرسل رجالٌ من البشر، اختارهم الله ، واصطفاهم واجتباهم من بين سائر عباده، فضلهم الله بالنبوة والرسالة، وأيدهم بالآيات والمعجزات، وأكرمهم الله بالرسالة، وكلفهم بها، وأمرهم بإبلاغها إلى الناس، ليعبدوا الله وحده، ويتركوا عباده ما سواه ووعدهم علي ذلك الجنة، وقد صدقوا وبلغوا عليهم الصلاة والسلام. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. الثانية: إن الله أمر جميع الأنبياء والرسل بالدعوة إلى الله، وعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا

стр. 664

أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]. وشرع الله لكل قوم من الشرائع ما يناسب أحوالهم كما قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨] الثالثة: أن الله تعالى لما اصطفي الأنبياء والرسل شرفهم بالعبودية له ووصفهم بالعبودية له في أعلى مقاماتهم، كما قال عن محمد صلى الله عليه وسلمفي مقام تنزيل القرآن: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]. وفي مقام الإسراء قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]. وقال في عيسي ﷺ : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الزخرف: ٥٩]. الرابعة: أن جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بشر مخلقون، يأكلون ويشربون، وينسون وينامون ويصيبهم المرض والموت، وهم كغيرهم لا يملكون شيئًا من خصائص الربوبية والألوهية، فلا يملكون النفع والضر لأحد إلا ما شاء الله، ولا يملكون شيئًا من خزائن الله، ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه، أرسلهم الله إلى خلقه مبشرين ومنذرين كما قال سبحانه لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا

стр. 665

إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾ [الفرقان: ٢٠]. • خصائص الأنبياء والرسل: الأنبياء والرسل أطهر البشر قلوبًا، وأزكاهم عقولًا، وأصدقهم إيمانًا، وأحسنهم أخلاقًا، وأكملهم دينًا، وأقواهم عبودية، وأكملهم أجسامًا، وأحسنهم صورة. وقد خصهم الله بخصائص تميزهم عن غيرهم وهي: الأولى: إن الله اصطفاهم بالوحي والرسالة، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. الثانية: أن الأنبياء والرسل معصومون فيما يبلغون الناس من العقيدة والأحكام، ولو أخطئوا فالله يردهم إلى الحق والصواب، كما قال سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥]. الثالثة: أن الأنبياء والرسل لا يورثون بعد موتهم.

стр. 666

فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ». متفقٌ عليه (١). الرابعة: أنهم تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم. عن أنس ﵁ في قصة الإسراء وفيه فقال أنس: «وَالنَّبِيُّ ﷺ نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَتَوَلَّاهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّمَاءِ» أخرجه البخاري (٢). الخامسة: أنهم يخيرون عند الموت بين الدنيا والآخرة. عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخرة». متفقٌ عليه (٣). السادسة: أن الأنبياء والرسل يقبرون حيث ماتوا. عن أبي بكر ﵁ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: «لَنْ يُقْبَرَ نَبِيٌّ إِلَّا حَيْثُ يَمُوتُ فَأَخَّرُوا فِرَاشَهُ، وَحَفَرُوا لَهُ تَحْتَ فِرَاشِه». أخرجه أحمد بسند صحيح (٤). السابعة: أن الأنبياء والرسل أحياء في قبورهم يصلون. عن أنس ﵃ أن الرسول الله صلى الله عليه وسلمقال: «مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». أخرجه مسلم (٥).

стр. 667

وعن أنس ﵁ أن النبي الله صلى الله عليه وسلمقال: «الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ». أخرجه أبو يعلى بسندٍ جيد (١). الثامنة: إن أزواجهم لا تنكح من بعدهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣]. • تفاضل الأنبياء والرسل: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام سواءٌ من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما يكون التفاضل بين الأنبياء والرسل في زيادة الأحوال، والخصائص، والآيات، والألطاف؛ ولهذا منهم رسل، ومنهم أنبياء، ومنهم ألوا العزم، ومنهم من اتخذ الله خليلاً، ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ونحو ذلك من الفضائل. وأفضلهم في ذلك كله سيد ولد آدم محمد ﷺ : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال الله ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء: ٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].

стр. 668

وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إلى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ». أخرجه مسلم (١). وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى». متفقٌ عليه (٢). ورسل الله إلى خلقه هم أفضل البشر على الإطلاق: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]. فهم أفضل البشر؛ لأنهم يدعون الناس إلى ربهم، ويهدونهم إلى خالقهم ويتعبون من أجل راحتهم، فما أسعد من آمن بهم، وتشرف بصحبتهم وإتباعهم، وما أحسن صحبتهم في الدنيا والآخرة، وإنما ينال العبد ذلك إذا أطاع الله ورسوله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]. وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلموقد ذاقوا طعم صحبته في الدنيا، يتشوقون إلى صحبته في الآخرة، فقد كان أمر صحبته في الآخرة يشغل قلوبهم وأرواحهم، وإنه حقًا لأمرٌ يشغل كل قلب ذاق محبة ذلك الرسول الكريم، وعرف ما قام به، وما جاء به من الخير.

стр. 669

فعن ربيعة الأسلمي قال: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: «سَلْ» فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ» قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُود». أخرجه مسلم (١). وقيل للنبي ﷺ : الرجل يحب القوم، ولما يلحق بهم، قال: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ». متفقٌ عليه (٢). وهذه المحبة للرسل إنما تنشا عن معرفة عظمة ما جاءوا به من الخير، ومن حسن أخلاقهم، ومن معرفة رحمتهم للبشر وبذلهم ومواساتهم، ومن صبرهم وتحملهم الشدائد من أجل هداية الناس، ومن معرفة كمال عبوديتهم لربهم، وشكرهم لمولاهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].

стр. 670

٢ - الخزانة الثانية • وظيفة الأنبياء والرسل: وظيفة الرسول أداء الرسالة، لا إحداث الخير، ولا إحداث السوء فهذا من أمر الله الذي بيده ملكوت كل شيء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وأمر الناس مع الرسول أن من أطاعه فقد أطاع الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠]. ومن تولى معرضا مكذبًا فأمره إلى الله من ناحية حسابه وجزائه ولم يرسل الله الرسول ليجبره على الهدى، أو يكرهه على الدين، وليس موكلاً بحفظه من العصيان والضلال، فهذا ليس داخلاً في وظيفة الرسول، ولا داخلًا في قدرة الرسول، إنما ذلك بيد الله وحده: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ [يونس: ٩٩ - ١٠٠]. فكل ما يحصل في الكون لا يكون إلا بإذن الله وإرادته، وقدره ومشيئته، وكل ما يحصل للناس من الحسنات والسيئات، والنعم والمصائب فلا يقع إلا بإذن الله وإرادته، لأنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد. لكن الحسنات والنعم من فضل الله ، وما أصاب العبد فبما كسيت يداه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
следующие страницы →