← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

• حكم الإيداع في البنوك الربوية يجب على المسلمين إذا احتاجوا الإيداع والتحويل بواسطة المصارف الإسلامية، فإن لم توجد جاز للضرورة الإيداع في غيرها، لكن بدون فائدة ربوية، والتحويل من غيرها، ما لم يخالف الشرع. ثانيًا: يحرم على المسلم العمل في أي بنك أو مؤسسة تأخذ أو تعطي الربا، والمال الذي يأخذه العامل فيه، سحت يحاسب عليه يوم القيامة، سواء باشر العمل الربوي أم لا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. حكم أخذ الربا: إذا أودع المسلم أمواله في بنوك ربوية، ثم أعطوه فوائد ربوية على ماله، فلا يجوز له أخذها، لأنها سحت، وكسب خبيث، ولا يجوز له الانتفاع بها، لأنها كسب خبيث، والله طيب لا يقبل إلا طيبا، والحل أن يتركه ولا يأخذه منهم وإن صرفوه في محرم، أو في حرب المسلمين، فأنت لم تأمرهم بذلك، ولم تعطهم إياه، لأنك لم تملكه، ومن أخذه عرض نفسه للعقوبة، وعصي ربه، فأكل الربا من كبائر الذنوب، وقد أعلن الله الحرب على آكل الربا، فيحرم الربا عطاء وأخذاً، سواء كان قليلاً أو كثيرا، وعاقبتة أبدا المحق، والحرب من الله ورسوله كما حصل ويحصل في كل مكان، وفي كل زمان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].

стр. 6092

حكم الأموال الربوية بعد التوبة: إذا من الله على المرابي، وتاب إلى الله ، وله أو عنده أموال مجتمعة من الربا، ويريد التخلص منها فلا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون الربا له في ذمم الناس لم يقبضه، فهذا يأخذ رأس ماله، ويترك ما زاد عليه من الربا. الثانية: أن تكون أموال الربا مقبوضة عنده فهذا له حالتان: إحداهما: أن يكون جاهلا بأن هذه المعاملة محرمة، فتكون الأموال له، ولا شيء عليه، كحديث عهد الإسلام، ومن عاش في بادية بعيدة: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥]. الثانية: أن يكون عالما بحرمة المعاملة الربوية، ثم تاب منها صادقا، فهي له لأن الله لم يأمر برد الربا، وإنما أمر بعدم أخذه مستقبلًا، ومن تاب من أكل الربا فليس له إلا رأس ماله، ورأس ماله هو ماله الأصلي، وما قبضه من أموال قبل التوبة، فمن رأس ماله مائة أو آلاف، ثم صارت بعد سنين ملايين من الريالات ثم من الله عليه بتوبة نصوح، فإن التوبة تجب ما قبلها كما أن الإسلام يجب ما قبله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].

стр. 6093

٧ - الخزانة السابعة • حكم بيع الحيوان: لا ربا في الحيوان ما دام حيا، وكذا كل معدوم، فيجوز بيع البعير بالبعيرين والثلاثة، فإذا صار موزونا أو مكيلا، جري فيه الربا، فلا يجوز بيع كيلو من لحم الغنم بكيلوين من لحم الغنم، ويجوز بيع كيلو من لحم الغنم بكيلوين من لحم البقر، لاختلاف الجنس، إذا حصل التقابض في الحال. • حكم التجارة في الذهب والفضة: يجوز شراء الذهب والفضة للقنية أو لقصد الربح كأن يشتري الذهب حينما ينخفض سعره، ويبعه عندما يزيد سعره، لأن الذهب والفضة مال يجوز بيعه وشراؤه بشروطه كغيره. • حكم بيع الصرف والأوراق المالية: الصرف هو بيع نقد بنقد سواء اتحد الجنس أو اختلف، وسواء كان النقد من الذهب أو الفضة أو من الأوراق النقدية المتعامل بها الآن، فهي تأخذ حكم الذهب والفضة لاشتراكها في الثمنية كالريال والدينار والدولار ونحوها من العملات، والنقد اسم لكل ما يستعمل وسيطًا لتبادل السلع، سواء كان من ذهب أو فضة أو أوراق مالية وغيرها، وهذه بعض أحكام الصرف. أولًا: إذا باع نقدا بجنسه كذهب بذهب أو ورق نقدي بجنسه كريال بريال ورقي أو معدني، وجب التساوي في المقدار، والتقابض في المجلس. ثانيًا: إذا باع نقد بنقد من غير جنسه كذهب بفضة، أو ريالات ورقية سعودية بدولارات أمريكية، جاز التفاضل في المقدار، ووجب التقابض في المجلس.

стр. 6094

ثالثًا: إذا افترق المتصارفان قبل قبض الكل أو البعض، صح العقد فيما قبض، وبطل فيما لم يقبض، كأن يعطيه الدينار ليصرفه بعشرة دراهم فلم يجد إلا خمسة دراهم، فيصح العقد في نصف الدينار، ويبقي نصفه أمانة عند البائع حتى يعطيه نقدا ما يقابله. • حكم العقود الفاسدة والمحرمة: جميع العقود الباطلة، والفاسدة، والمحرمة، منهي عنها، ويحرم تعاطيها، والتعامل بها، ولا ينتقل الملك فيها ولو تراضيا؛ لأن ما بُني على الباطل فهو باطل، ومن فعل ذلك فهو آثم؛ لأنه فعل ما لا يجوز له فعله، ويجب رد كل مالٍ إلى مالكه ولو قُبض، ولا ينفذ تصرف المشتري فيه، وعليه رده بنمائه، وللمشتري أجرة مثله مدة مكثه عنده، ويضمنه إن تلف أو نقص كغيره، وإن باع السلعة المملوكة بعقدٍ فاسد لم يصح البيع؛ لأنه باع ملك غيره بغير إذنه، وما بُني على الباطل فهو باطل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]. حكم عقود الجاهلية: كل عقدٍ وافق الشرع فهو صحيح، والعقود الفاسدة، والمحرمة، لها حالتان: الأولى: ما مضى منها في حال الكفر، وقبضه المتعاقدان قبل الإسلام، فهذا يقران على ما مضى منه؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥].

стр. 6095

الثانية: ما مضى من الربا حال الكفر، ولم يقبضه، فلا يحل له أخذه بعد الإسلام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. حكم القروض المصرفية: أهم العمليات التي تجري في المصارف عمليتان كلاهما محرم: الأولى: الإقراض بفائدة، بأن يعطي الإنسان ما له للمصرف؛ ليأخذ عليه فائدة ربوية كخمسة بالمائة مثلًا، وتُسمى هذه العملية الإيداع إلى أجل، وهي عملية ربوية محرمة. الثانية: الاقتراض بفائدة، بأن يقترض الشخص أو الشركة من المصرف مبلغًا من المال على أن يرده بعد سنة بفائدة مقدارها سبعة في المائة مثلًا، وهذه كذلك عملية ربوية محرمة كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٦]. حكم الزيادة على القرض: إذا أقرض الإنسان غيره شيئًا خمسة آلاف مثلًا، واشترط عليه أن يرد أكثر منه، أو اشترط نفعًا على المستقرض، كأن يسكنه داره شهرًا مثلا، فهذا الفعل محرم؛ لأنه قرض جر نفعًا فهو ربا، فإن لم يشترط المقرض، وبدل

стр. 6096

المستقرض النفع أو الزيادة بنفسه جاز، وأُجر على فعله، وعلى شكره المعروف من أخيه. عن أبي هريرة ﵁ قال: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ»، فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ»، فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّهُ بِكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً». متفق عليه (١). • ما يقع فيه الربا: الربا نوعان: الربا في الديون، والربا في البيوع الأول: الربا في الديون له صورتان: الأولى: أن يكون للإنسان مال مؤجل على آخر، فإذا حل الأجل، ولم يتمكن من السداد قلب الدين على المُعسر مقابل زيادة الأجل، وهذا هو ربا النسيئة، وهو أصل ربا الجاهلية، وهو أخطر أنواع الربا؛ لعظيم ضرره، حيث يجتمع فيه الربا بأنواعه ربا النسيئة، وربا الفضل، وربا القرض، ولهذا حرمه الله ، وأعلن الحرب على آكله. الثانية: أن يُقرض الإنسان غيره مبلغًا من المال لأجل، على أن يرده عليه بزياده بعد حلول الأجل، كأن يقرضه ألف ريال على أن يرده عليه بعد سنة ألف وخمسمائة ريال مثلًا، فهذا القرض محرم؛ لأن كل قرض جر منفعة فهو محرم، وإن بدل له المقترض زيادة بدون شرط فذلك مشروع؛ لأنه من الإحسان، ومن حسن القضاء.

стр. 6097

الثاني: الربا في البيوع، وهو قسمان: الأول: ربا الفضل، وهو بيع المال الربوي بجنسه متفاضلًا، كأن يبيعه جرامًا من الذهب بجرامين منه، مع التسليم في الحال، وهذا البيع محرم؛ لأنه وسيلة إلى ربا النسيئة. الثاني: ربا النسيئة، وهو الزيادة التي يأخذها البائع من المشتري مقابل التأجيل، كأن يعطيه ألفًا نقدًا على أن يرده بعد سنة ألفًا وخمسمائة ريال مثلًا أو يقلب الدين على المُعسر مقابل التأجيل، وهذا أخطر وأعظم أنواع الربا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ». متفق عليه (١). • حكم بيع الذهب بذهب مخلوطٍ مع غيره: لا يجوز بيع الربوي بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه كبيع الذهب بالذهب مع وجود الألماس في أحدهما، حتى يُفصل، ويُعلم وزن الألماس، والذهب. عن فضالة بن عبيدة ﵁ قال: «اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ». أخرجه مسلم (٢).

стр. 6098

• حكم أخذ الذهب من الصائغ للمشاورة عليه: من أخذ ذهبًا من بائع؛ ليريه لأهله فله حالتان: الأولى: إما أن يقول أخذ هذا الذهب بمائة ريال، فإن أعجب الأهل رجعت وأعطيتك الثمن، فهذا ربا النسيئة فيحرم. الثانية: إن أخذ الذهب، وراه أهله فأعجبهم، فرجع ثانية للبائع فساومه ثم نقده الثمن، فهذا البيع والشراء بهذه الصورة جائز لا حرج فيه. • حكم بيع المعدود: أولاً: كل ما يُباع بعدد، ولا يُراعى فيه الوزن، يجوز بيعه متفاضلا كالإبل، والغنم، والسيارات، والآلات، والثياب، والأحذية، وغير ذلك من المعدودات؛ لأن علة الربا في غير المطعومات إما الوزن، أو الكيل أو الثمنية، وهذه ليست موزونة، ولا مكيلة، ولا أثمان للأشياء، فيجوز بيعها بجنسها أو بغير، متفاضلة أو متساوية، بثمن عاجلٍ أو أجل. ثانيًا: إذا كان الشيء موزونًا من غير المطعومات كالحديد، والنحاس ونحوهما فلا يجوز بيعه إلا مثلًا بمثل يدًا بيد، ولو أن هذا الموزون أخرجته الصنعة عن كونه موزونًا إلى كونه معدودًا غير الأثمان كالذهب، والفضة، وذلك كالحديد إذا صُنع منه آلة أو سيارة أو أبواب، فهذا يجوز بيعه متفاضلًا، فيجوز بيع سيارة بسيارتين، وبيع بابٍ ببابين، وبيع سيارة بثلاجة وهكذا في كل معدود غير الأثمان الذهب، والفضة. • حكم البيع والشراء من المُرابي: البيع والشراء من المسلم قربة، وطاعة لله ؛ لأن فيها إعانة على البر والتقوى، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].

стр. 6099

ويجوز البيع والشراء من الكفار، والمرابي به إذا لم يتعارض مع الشرع، فلا حرج على الإنسان أن يتعامل مع الغير كالمرابي في السلع المنفكة كما لو باع المرابي سيارة أو طعامًا أو آلة فله أخذ القيمة؛ لأنها في مقابل عين مباحة يملكها، وكون المشتري يتعامل بالربا لا يُوجب سريان التحريم عليه، بل إثمه على كاسئه، والنبي ﷺ كان يشتري من اليهود، وهم يتعاملون بالربا عن عائشة ﵂ قالت: «اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ». متفق عليه (١). • مميزات المصارف الإسلامية: المصرف الإسلامي مؤسسة مالية، تقوم بجمع المال، وتنميته؛ لصالح المشتركين وفق الأصول الشرعية، وأهم تلك الأصول الشرعية إتباع قواعد الحلال والحرام في الإسلام، واجتناب المعاملات الربوية، والعقود المحومة، وتوزيع الأرباح حسب الاتفاق، والتجارة في الأشياء المُباحة، ومساعدة أهل الحاجة عن طريق القرض الحسن، وإمهال الغريم عند العسر، وصرف الزكاة على من أصابه عسر أو ضيق من الأسر الفقيرة، والتعاون بدعم الأعمال الخيرية التي تنفع المسلمين، وتيسير قرض العمل للأمة، وبناء المساكن، وبيعها، بأقل تكلفة، والعدل في توزيع الأرباح. • حكم التعامل مع المصارف الإسلامية: المصرف الإسلامي يلتزم جانب الحلال في أعماله، ومعاملاته، ويجتنب الحرام فيما يقوم به من عقود، ومشاركة، واستثمار، فالأجدر بالمسلم أن يودع فيه أمواله، ويقترض منه عند الحاجة، ويحول بواسطته، ويشارك في مرابحاته؛ ليستفيد، ويفيد، ويشجع إخوانه الصادقين: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ

стр. 6100

وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. عقوبة آكل الربا: الربا من الذنوب العظيمة، ومن السبع الموبقات التي حذرنا الله ورسوله منها، وقد أعلن الله ﷻ الحرب على آكله، وموكله من بين سائر الذنوب، مما يدل على عظيم خطره وضرره على الأفراد، والجماعات، والأمم، فالمرابي جانٍ على نفسه، وعلى الأمة، فعقوبته غليظة في الدنيا، والآخرة، فهو معاقب بحرب من الله ورسوله، ولعن الله له، ومحق أمواله الربوية، ونقصان أمواله، والعذاب في الآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ». متفق عليه (١). وعن جابر ﵁ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ». أخرجه مسلم (٢).

стр. 6101

• فضل التوبة إلى الله: يجب على المسلم التوبة إلى الله من كل ذنب: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ [الزمر: ٥٤ - ٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٧ - ١٨]. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ، سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ». متفق عليه (١).

стр. 6102

٨ - الخزانة الثامنة ٥ - القرض • أقسام العقود: عقود المعاملات الشرعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: عقود معاوضات كالبيع والإجارة ونحوهما. الثاني: عقود تبرعات كالهبة والوصية، والوقف والقرض، والصدقة والهدية، ونحوها من عقود كالإرفاق والإحسانِ والتبرع. الثالث: عقود توثيقات كالرهنِ والضمان والكفالة والشهادة ونحوها من عقود الإثبات والتوثيق. • القرض: هو دفع مالٍ لمن ينتفع به، ويرد بدله، طلبًا للثوابِ من الله تعالى، أو دفع مالٍ لمن ينتفع به، دون قضاء، طلبًا للثواب من اللهِ . • حكمة مشروعية القرض: القرضُ قربةُ مندوب إليها، لما فيه من الإحسان للمحتاجين، وقضاء حاجاتهم، وكلما كانت الحاجة أشد، والعمل أخلص للهِ تعالى، كان الثواب أعظم. • فضل القرض: قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [التغابن: ١٧ - ١٨].

стр. 6103

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». أخرجه مسلم (١). • حكم القرض: القرض مستحب للمقرض، ومباحٌ للمقترض، وكل ما صح بيعه صح قرضهُ، إذا كان معلومًا، والمقرض مما يصح تبرعه، وعلى المقترض أن يرد بدل ما اقترضه، المثل في المثليات، والقيمةُ في غيرها. وكل قرضٍ جر نفعًا فهو من الربا المحرم، كأن يقرضه شيئًا، ويشترط أن يسكن داره سنة، أو يقرضه مالًا بفائدة ربوية، كأن يقرضه ألفا بألفِ وخمسمائة ريالٍ مثلًا بعد سنة. • حكم الأجل في القروض: من أقرض مالًا إلى أجل، ثبت الأجل؛ لأن القرض شُرع لنفع المقترض لا للإضرار به، والمقترض إنما أقدم على القرض من أجل هذا الأجل المتفق عليه، والأحكام الشرعية إنما شُرعت لجلب المصالح، ودرء المفاسد كالقرض والعارية، والديون تلزم بالتأجيل، ولا يطالب صاحبها قبل حلول الأجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وإذا لم يتفق الطرفان على التأجيل عمل بالعرف، فإن لم يوجد عرف إن كان المقترض يتضرر برد المال؛ لأنه صرفه في مصالحه، وجب على الدائن

стр. 6104

إنضاره كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وإن كان المال لا يزال في يد المقترض، ولا ضرر عليه في إعادته للدائن، ويمكنه السداد بدون ضرر يلحقه، وجب عليه الوفاء فور مطالبة الدائن به لقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]. صفة قضاء الدين: العبرة في وفاء الديون من القروض وغيرها بعملةٍ كالريال مثلًا، هي بالمثل لا بالقيمة السوقية الحالية؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، ولا تربط الديون بتغير أسعار العملات، فعليه قيمتها يوم البيعِ والقبض. وإذا اقترض الإنسان مبلغًا من المال كمائة ألف ريال سعودي مثلًا لمدةٍ معينة، وجب عليه رد القرض بالعملةٍ نفسها، والمبلغ نفسه فقط، لكن إذا ردَّ المقترض أكثر من غير شرط ولا طلب من المقرض، وكان عن طيب نفس، فذلك من الإحسان مقابل الإحسان، وخير الناسِ أحسنهم قضاءً. وإذا قبل الطرفان عند السداد الرد بعملةٍ أخرى، فلا مانع من ذلك على أ ن يكون الرد بقيمة العملة يوم السداد، وأن يتم القبض في الحال. • حكم الإحسان في القرض: الإحسان في رد القرض مُستحب، إن لم يكن شرطًا كأن يقرضه من الإبل بكرًا فيعطيه بدلهُ رباعيًا؛ لأن هذا من حُسن القضاء ومكارم الأخلاق، ومن أقرض مسلمًا مرتين فكأنما تصدق عليه مرة. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ

стр. 6105

بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً». أخرجه مسلم (١). • فضل إنذار المعسر والتجاوز عنه: إنظار المعسر من مكارم الأخلاق، وأفضل منه التجاوز عنه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وعن حذيفة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: «مَاتَ رَجُلٌ، فَقِيلَ لَهُ، قَالَ: كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، فَأَتَجَوَّزُ عَنِ المُوسِرِ، وَأُخَفِّفُ عَنِ المُعْسِرِ، فَغُفِرَ لَهُ». متفق عليه (٢). وعن أبي اليسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ». أخرجه مسلم (٣). • حكم من مات وعليه دين: يجب على المسلم قضاء الديون التي عليه متى حل أجلها، ومن أخر حقوق العباد من غير عذر، ثم مات أخذت من حسناته. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟». قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا،

стр. 6106

وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ». أخرجه مسلم (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ». أخرجه البخاري (٢). • حكم الحط من الدين من أجل تعجيله: يجوز الحط من الدين المؤجل، من أجل تعجيله، سواءً كان بطلب من صاحب الدين، أو المدين، لما فيه من مصلحة الطرفين، ومن أدى عن غيره واجبًا عليه من دينٍ أو نفقة، رجع عليه به إن شاء: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] فضل الشفاعة في وضع الدين: قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥]. وعن جابر ﵁ قال: «أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، فَطَلَبْتُ إِلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعُوا بَعْضًا مِنْ دَيْنِهِ فَأَبَوْا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا، فَقَالَ: صَنِّفْ تَمْرَكَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهِ، عِذْقَ ابْنِ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ، وَاللِّينَ عَلَى حِدَةٍ، وَالعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ،

стр. 6107

ثُمَّ أَحْضِرْهُمْ حَتَّى آتِيَكَ، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ جَاءَ ﷺ فَقَعَدَ عَلَيْهِ، وَكَالَ لِكُلِّ رَجُلٍ حَتَّى اسْتَوْفَى، وَبَقِيَ التَّمْرُ كَمَا هُوَ، كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ». أخرجه البخاري (١). • حالات المدين: يجب على من عليه دين أن يوفي ما عليه في وقتهِ ومقدارهِ. وللمدين أربع حالات: الأولى: ألا يكون عنده شيء مطلقًا، هذا يجب إنظارهُ وترك ملازمته، لقول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠]. الثانية: أن يكون ماله أكثر من دينه، فهذا يجوز طلبهُ، ويُلزم بالقضاء. الثالثة: أن يكون ماله بقدر دينه، فُيلزم بالوفاء. الرابعة: أن يكون مالهُ أقل من دينه، فهذا مفلس يحجر عليه بطلب الغرماء أو بعضهم، ويقسم ماله بين الغرماء حسب النسب المستحقة. • عقوبة من اقترض المال وهو لا يريد رده: يجب على من اقترض مالًا أن يعزم على أدائه، وإلا أتلفه الله كما قال النبي: ﷺ «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ». أخرجه البخاري (٢).

стр. 6108

٦ - الرهن الرهن: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها، أو من ثمنها إن تعذر الاستيفاء من المدين. • أقسام العقود من حيث الجواز واللزوم: العقود من حيث الجواز واللزوم ثلاثة أقسام: الأول: عقود لازمة من الطرفين كالبيع والإجارة ونحوهما. الثاني: عقود جائزة من الطرفين، لكلٍ منهما فسخها كالوكالة ونحوها. الثالث: عقود جائزة من أحدهما دون الآخر كالرهن جائز من قبل المرتهن لازمٌ من قبل الراهن، ونحو ذلك مما يكون الحق فيه لواحدٍ على الآخر. • حكمة مشروعية الرهن: الرهن مشروعُ لحفظ المال، لئلا يضيع حق الدائن، فإذا حل الأجل لزم الراهن الوفاء، فإن امتنع عن الوفاء فإن كان الراهنُ أذن للمرتهن في بيعه باعه ووفى الدين، وإلا أجبره الحاكم على وفائه، أو بيع الرهن، فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفى دينه حفظًا لحقوق العباد: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وعن عائشة ﵁: «اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ». متفق عليه (١). • شروط صحة الرهن: يشترط لصحة الرهن ما يلي: ١ - أن يكون الراهن جائز التصرف، والإيجاب والقبول بين الطرفين. ٢ - معرفة الرهن وجنسهِ.

стр. 6109

٣ - معرفة حدود العين المرهونة ولو مشاعة. ٤ - مُلك العين المرهونة. ٥ - قبض المرتهن للعين المرهونة. فإذا تمت هذه الشروط صح الرهن ولزم. • من ينفق على الرهن: مؤونة الرهن على الراهن، وما يحتاج إلى مؤنة فللمرتهن أن يركب ما يركب، ويَحلب ما يحُلب، بقدر نفقتهِ. والرهن أمانة في يد المرتهن، أو أمينه، لا يضمنهُ إلا أن يتعدى أو يفرط. • حكم بيع الرهن: لا يصح بيع الراهن للرهن إلا بإذن المرتهن، فإن باعه وأجازه المرتهن صح البيع، وإن لم يجزه فالعقد فاسد. • حكم الرهن العقاري: يجوز للشركات والمؤسسات والأفراد بناء مساكن من الفلل والشقق وغيرها، وبيعها على الناس بأقساطِ ميسرة، ورهن ذلك العقار حتى ينتهي السداد، وذلك وفقًا للضوابط الشرعية، لما في ذلك من تحقيق المصالح للناس: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] انتهاء عقد الرهن: ينتهي عقد الرهن بواحدٍ مما يلي: ١ - تسديد كل الدين للمرتهن. ٢ - تسليم المرهون لصاحبهِ. ٣ - البيع الجبري الصادر من الراهن بأمر القاضي.

стр. 6110

٤ - فسخ الرهن من قبل المرتهن. ٥ - البراءة من الدين بأي وجه. ٦ - هلاك العين المرهونة. ٧ - التصرف في المرهون ببيع، أو هبة برضا الطرفين. فإذا حصل واحد من هذه الأمور انفك الرهن وانتهى، ومن اشترى سلعةً أو اقترض مبلغًا جاز له رهن الشيك المصدق بالقبول من البنك مؤجل الدفع إلى مدةٍ معينة معلومة. ويجوز رهن الأسهم الحلال؛ لأن كل ما جاز بيعه جاز رهنه؛ لأن مقصود الرهن الإستيثاق ببيع الرهن إن تعذر الاستيفاء من ذمة الراهن، وما لا يجوز بيعه من الأسهم المحرمة، أو الربوية لا يجوز رهنه. والرهن عقدٌ جائز وهو من عقود التبرع، ومن العقود العينية التي لا تعتبر تامة، الالتزام إلا بالتسليم وهي خمسة: ١ - الهبة. ٢ - والقرض. ٣ - والوديعة. ٤ - والعارية. ٥ - والرهن. والرهن مشروع في الحضر والسفر، والأصل في الرهون أن تكون بالأعيان، سواءً كانت ثابتة كالعقار والدور والمزارع، أو منقولة كالآلاتِ والسيارات: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].

стр. 6111

عن عائشة ﵁ أن النبي ﷺ : اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ». متفق عليه (١). • أطراف الرهن: الرهن يتم بأربعة أشياء: ١ - الراهن، وهو معطي الرهن. ٢ - المرتهن، وهو آخذ الرهن. ٣ - والمرهون أو الرهن وهو ما أعطى من المال العيني وثيقة للدين. ٤ - والمرهون به وهو الدين. • شروط الرهن: يشترط لصحة الرهن ما يلي: ١ - أن يكون الراهن جائز التصرف. ٢ - الإيجاب والقبول، ومعرفة قدر الرهن وصفته وجنسه. ٣ - ووجود العين المرهونة عند عقد الرهن ولو مشاعة. ٤ - وملك المرهون أو الإذن له في رهنه. ٥ - قبض المرتهن للعين المرهونة كما سبق. والرهن أمانة في يد المرتهن، فلا يجوز له الانتفاع به؛ لأن كل قرضِ جر نفعًا فهو ربا، فلا ينتفع به إلا إذا أذن له الراهن، فإن المرهون مركوبًا أو محلوبًا، فيجوز للمرتهن أن يركب ما يركب، ويحلب ما يحلب، وينفق عليه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : «الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ، إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ». أخرجه البخاري (٢).

стр. 6112

٩ - الخزانة التاسعة ٧ - الضمان الضمان: هو التزام المكلف بأداء ما وجب على غيرهِ من الحقوق المالية. • حكم الضمان: الضمان عقد جائز، والمصلحة تقتضي ذلك، بل قد تدعو الحاجة إليه، وهو من التعاون على البر والتقوى، وفيه قضاءُ لحاجة المسلم، وتنفيسُ لكربته: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]. وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ : كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟». فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ، قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ». متفق عليه (١). • شروط صحة الضمان: يشترط لصِحة الضمان أن، يكون الضامن جائز التصرف، راضيًا غير مكره، قادرًا على الوفاء.

стр. 6113

• ما يصح به الضمان: يصح الضمان بكل لفظ يدل عليه كضمنته أو تحملت عنه ونحو ذلك، ويصح الضمان لكل مالٍ معلوم كعشرة آلاف مثلًا، أو مال مجهول، كأن يقول أنا ضامن لك ما لك على فلان، أو ما يقضى به عليه حيًا كان المضمون عنه أو ميتًا. عن سلمه ابن الأكوع ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟».، قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟».، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ».، قَالَ: أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ». أخرجه البخاري (١). • الآثار المترتبة على عقد الضمان: إذا ضمن الدين ضامنٌ فهو مأجور، لكن المدين لا يبرأ من الدين، وإنما يبكون الدين عليهما جميعًا وللدائن مطالبة المدين أولًا، فإن لم يسدد أو لم يستجب أو مات طالب الضامن عنه. والأولى أن يُطالب المدين قبل الضامن، فإن تعذر طالب الضامن لأن الضامن محسن، وما على المحسنين من سبيل. • درجات الضمان: الضمان يكون برد العين، فإن تعذر ردها فبالمثل، فإن تعذر المثل فبالقيمة، مثال ذلك: لو أن إنسانًا استأجر سيارة، فإذا انتهت مدة الإجارة وجب عليه ردها إلى صاحبها، فإن تلفت وجب عليه رد مثلها من السيارات، فإن تعذر وجود مثلها وجب عليه رد قيمة مثلها.

стр. 6114

• متى يبرأ الضامن والمضمون عنه: يبرأ المضمون عنه في حالتين: إذا أدى الحق لصاحبه، أو إذا أبرأه صاحب الدين. ويبرأ الضامن في حالتين: ١ - إذا أبرأه صاحب الحق. ٢ - أو إذا برأ المضمون عنه بما سبق. ويجب على المضمون عنه أن يبادر بأداء ما عليه من الحق لأهلهِ، ولا يعرض الضامن للمطالبة من قبل المضمون له، والضامن مُحسن إلى المضمون عنه، ولا يقابل إحسانه إليه بالإساءة إليه: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾ [التوبة: ٩١]. حكم خطاب الضمان: خطاب الضمان الذي تصدرهُ البنوك، إن كان له غطاء كامل في المصرف فيجوز أخذ الأجرة عليه مقابل الخدمة، وإن كان خطاب الضمان غير مغطى فلا يجوز للبنك إصداره ولا يأخذ أجرة عليه، لما فيه من الغرر والكذب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].

стр. 6115

٨ - الكفلة • الكفالة: هي التزام رشيد برضاه إحضار من عليه حقُ مالي لربهِ. • حكمة مشروعية الكفالة: النفوس مجبولةٌ على الشح، وحب المال، فإذا لم يكن ترغيب في الدين، ولم يكن استيثاقٌ في قضائه، لم يكن هناك من يقرض، وتعطلت مصالح البشر، لهذا شرع الله ما ييسر على الناس حفظ حقوقهم، وقضاء مصالحهم، بالضمانِ والكفالةٍ ونحوهما. والكفالة: عقد تبرعٌ وإحسان، وفيها أجرٌ للكفيل، وفرحة للمكفول وطمأنينةٌ للمكفول عنه. • وسائل التوثيق في الشرع: وسائل التوثيق في الشرع كثيرة أهمها الضمان، والكفالة، والرهن، والشهادة. فالضمان: كفالة الدين. والكفالة: كفالة المدين. والرهن: وثيقة يطمئن به صاحبه على ماله. والشهادة: يثبت بها الحق في الذمة، وتقطع النزاع بين الناس. • الفرق بين الضمانِ والكفالة: الضمان: التزامٌ بوفاء الدين، والكفالة: التزام بإحضار المدين. ويجوز في الضمان مطالبة الضامن مع حضور المضمون عنه، ولا يجوز في الكفالة مطالبة الكفيل، مع حضور المكفول.

стр. 6116

والكفالة أدنى من الضمان؛ لأنها متعلقة بالبدن لا بالدين، فإذا أحضر الكفيل المكفول لصاحب الدين، وصاحب الحق فقد برئ منه، سواءً أوفاه أو لم يوفه. وإذا كفل إنسانٌ إحضار مدين فلم يحضره غَرِمَ ما عليه. • حكم سفر من عليه دين: من أراد سفرًا وعليه حق يستحق قبل مدة السفر، فلصاحب الحق منعهُ، فإن أقام ضمينًا مليئًا، أو دفع رهنًا يفي بالدين عند الحلول، فله السفر لزوال الضرر. • حكم الكفالة: الكفالة مستحبة، لما فيها من الإحسان للمكفول، والتعاون على البر والتقوى، والكفالة عقدٌ جائز، فمن لا يستطيع أن يضمن الأموال كفل النفوس: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ [يوسف: ٦٦]. وقال الله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]. صفة عقد الكفالة: الكفالة عقد تبرع تنعقد برضا الكفيل، والتزامه، ولا تحتاج إلى قبول المكفول له، أو المكفول عنه، ولا يشترط علم الكفيل بالمكفول له. • أقسام الكفالة: الكفالة تنقسم إلى قسمين: الأول: كفالة النفس: وهي التزام إحضار من عليه حقُ مالي إلى ربه.

стр. 6117

الثاني: كفالة المال، وهي التزام الكفيل بأداء ما على المكفولِ من حق. والكفالة بالنفس الأصل فيها هو المال، فهي الالتزام بإحضار شخص ليؤدي ما عليه من حقٍ للمكفول له. • أركان الكفالة: أركان الكفالة خمسة: الصيغة، والكفيل، والمكفول له، والمكفول عنه، والمكفول به. فالصيغة: تصح الكفالة بكل لفظٍ فُهم منه الضمان عرفًا كأن يقول شخص لآخر كفلت لك دينك الذي على فلان أو تحملته أو ألتزمته، أو يقول: أنا كفيل أو زعيمُ أو حميل، أو يقول: ما على فلان على، أو يقول على ما على فلان ونحو ذلك. فالكفيل الذي يتكفل بإحضار المكفول ليؤدي ما عليه من حق، ولابد أن يكون من أهل التبرع، بأن يكون: بالغا، عاقلًا، مختارًا، رشيدًا. المكفول له: هو صاحب الدين. والمكفول عنه: هو المدين الذي قام الكفيل بضمان دينهِ. والمكفول به: هو الدين أو العين، ويشترط فيه أن يكون مما يمكن استيفاؤه من الضامن وأن يكون معلومًا. • ما يترتب على الكفالة: إذا كفل الإنسان غيره لزمهُ تسليمهُ إلى المكفول له، فإن تعذر عليه ذلك أو امتنع من إحضارهِ، لزم أن يؤدي إلى صاحب الحق جميع ما كفله عنه؛ لأن الزعيم غارم.

стр. 6118

• سقوط الكفالة: تسقط الكفالة ويبرأ الكفيل بما يلي: ١ - إذا مات المكفول. ٢ - إذا مات الكفيل. ٣ - إذا سلم الكفيل المكفول لصاحب الحق. ٤ - إذا سلم المكفول نفسه. ٥ - إذا أدى المكفول ما عليه من الدين. ٦ - إذا أبرأ صاحب الدين المكفول. ٧ - إذا أبرأ صاحب الحق الكفيل من الكفالة.

стр. 6119

٩ - الحوالة الحوالة: هي نقل الدين من ذمة المُحيل إلى ذمة المُحال عليه. • حكم الحوالة: الحوالة جائزة، لما فيها من المصالح، وحفظ الأموال من السرقة، وسلامة النفوس من الأخطاء: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] • حِكمة مشروعية الحوالة: شرع الله الحوالة تأمينًا للأموال، وقضاءً لحاجة الإنسان، وقد يحتاج الإنسان إلى إبراء ذمتهِ من حقٍ لغريم، أو استيفاء حقه من مدين له، وقد يحتاج لنقل مال من بلد إلى آخر، ويكون نقل هذا المال غير متيسر، إما لمشقة حمله، أو لبعد المسافة، أو لكون الطريق غير مأمون، فشرع الله الحوالة لتحقيق هذه المصالح الظاهرة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] • شروط الحوالة: يشترط لصحة الحوالة ما يلي: أولًا: أن يكون المحيل، والمحال عليه، جائز التصرف. ثانيًا: أن يكون المحال عليه مدينًا للمُحيل. ثالثًا: أن يكون الدين المحال عليه قد حلَّ. رابعًا: أن يبكون الدين للمحال مساويًا للمحال عليه في المقدار والجنس والصفة. خامسًا: الإيجاب والقبول بين المحيل والمحال عليه حسب العرف.

стр. 6120

• حكمٌ قبول الحوالة: إذا حال المدين دينه على مالئ لزمه أن يحتال، وإن أحاله على مفلس ولم يعلم، رجع بحقهِ على المُحيل، وإن علم ورضي بالحوالة التي عليه فلا رجوع له. ومماطلة الغني حرام، لما فيها من الظلم. عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ». متفق عليه (١). • ما يترتب على الحوالة: إذا تمت الحوالة انتقل الحق من ذمة المُحيل إلى ذمة المحال عليه، وبرأت ذمة المحُيل. • فضل التجاوز عن المعسر: إذا تمت الحوالة، ثم أفلس المحال عليه، استحب إنظاره أو التجاوز عنه، وهو الأفضل: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ». متفق عليه (٢). • حكم التحويل المصرفي: التحويل المصرفي: هو أن يسلم الإنسان نقودًا لمصرف البلد الذي هو فيه، ثم يأخذُ من المصرف شيكًا أو حوالةً ليقبض بها نقوده في بلدٍ آخر أو مكانٍ آخر، وهذه المعاملة جائزة، لما فيها من تسهيل قضاء حوائج الناس،

стр. 6121

وحفظ الأموال من السُراق، وحفظ النفوس من الأخطار، سواءً كانت النقود المحولة من جنس النقود المدفوعة، أو من غير جنسها، ويقوم تسليم الشيك الموثق أو الحوالة المعتبرة، مقام القبض في مسألة صرف النقود بالتحويل، ويجوز للمصرف أخذ أجرة التحويل من المستفيد مقابل الحوالة. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقت انتهاء الحوالة تنتهي الحوالة بأحد الأمور الآتية: أولًا: فسخ الحوالة برضا المحيل والمحال. ثانيًا: أداء المحال عليه المال إلى المحال. ثالثًا: أن يهب المحال المال للمحال عليه، أو يتصدق به عليه. رابعًا: أن يُبرئ المحال المحال عليه من الدين. • حكم التحويل من البنوك الربوية: يجب على المسلم الإيداع والتحويل بواسطة المصارف الإسلامية، فإن دعت الضرورة إلى الإيداع والتحويل من البنوك الربوية فلا حرج في ذلك للحاجة، ولا يجوز أخذ الفائدة على ذلك، فإن دفع البنك الفائدة بدون شرط، فلا يجوز أخذها؛ لأنها كسبٌ خبيث والله طيب لا يقبل إلا طيبًا. فإذا أودع الإنسان مالهُ في بنك ربوي، فلا يجوز له أخذ الفائدة، فإن أعطوها له فلا يجوز له أخذها؛ لأنها كسبُ خبيث والله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا.

стр. 6122

١٠ - الوكالة الوكالة: هي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة. • حكمة مشروعية الوكالة: الوكالة من محاسن الإسلام، فكل أحد بحكم ارتباطه بغيره قد تكون له حقوق، أو تكون عليه حقوق، فإما أن يباشرها بنفسه أخذًا وعطاءً، أو يتولاها عنه غيره، وليس كل إنسان قادرًا على مباشرة أموره بنفسه، ومن هنا أجاز له الإسلام توكيل غيره، ليقوم بذلك نيابة عنه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] حكم الوكالة: الوكالة عقدٌ جائز، يجوز لكل من الوكيل والموكل فسخها في أي وقت، والوكالة تنعقد بكل ما يدل عليها من قولٍ أو فعل، في بيعٍ، أو شراءٍ، أو نكاحٍ ونحو ذلك: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ [الكهف: ١٩] وعن عروة ﵁: أن النبي ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ». أخرجه البخاري (١).

стр. 6123

• ما تصح فيه الوكالة: الواجبات والحقوق ثلاثة أنواع: الأول: ما تصح الوكالة فيه مطلقاً، وهو كل ما تدخله النيابة كالعقودِ والفسوخِ والحدودِ ونحوها، وتصح من واحد لمجموعة، ومن مجموعة لواحد. الثاني: ما لا تصح الوكالة فيه مطلقًا، وهو العبادات البدنية المحضة كالطهارة والصلاة ونحوهما، وكالوكالة في فعل محرم كأن يوكل من يبيع له الخمر، أو يقتل معصومًا، أو يغصب مالًا ونحو ذلك. الثالث: ما تصح فيه الوكالة مع العجز كحج فرضِ وعمرته: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] حالات الوكالة: الوكالة تصح مطلقة كأن يقول أنت وكيلي في إدارة تجارتي، وتصح مؤقتة كأن يقول أنت وكيلي شهرًا، وتصح معلقةً بشرط كأن يقول إذا تمت إجارة داري فبعها، وتصح منجزة كأن يقول أنت وكيلي الآن، ويصح قبولها على الفور والتراخي. • حكم توكيل الموكل: ليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه إلا إذا أذن له الموكل بذلك، فإن عجز فله التوكيل إلا في الأمور المالية، فلابد من إذن الوكيل.

стр. 6124

• انتهاء الوكالة: تبطل الوكالة بما يلي: الأول: فسخ أحدهما لها. الثاني: موت أحدهما، أو جنونه. الثالث: عزل الموكل للوكيل. الرابع: حجر السفه على أحدهما. • صفة التوكيل: يجوز التوكيل بأجرٍ، أو بغير أجر، ويشترط في الأجر أن يكون معلومًا، وبرضا الطرفين، والوكيل أمين فيما وكل فيه لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط، فإن تعدى أو فرط ضمن، ويقبل قوله في عدم التفريط مع يمينه. • حكم طلب الوكالة: من علم من نفسهِ الكفاءة والأمانة والقدرة، ولم يخش من نفسه الخيانة، ولم تشغله الوكالة عما هو أهم، فهي مستحبة في حقه، لما فيها من الأجر والثواب والإحسان، حتى لو كانت بأجرة، مع صدق الإخلاص، وإتمام العمل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] أركان الوكالة: أركان الوكالة أربعة: الموكل، والوكيل، والموكل فيه، والصيغة. فالموكل صاحب الحق، والوكيل النائب عن الموكل، والموكل فيه هو الحق أو السلعة، والصيغة هي الإيجاب والقبول من الطرفين، وتصح بكل لفظ يدل عليها مثل وكلتك وفوضتك بكذا.

стр. 6125

• حكم الوكالة في الديون: يجوز التوكيل في قضاء الديون، وقسمة الأموال، وغيرها من الحقوق. عن أبي هريرة ﵁ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا».، ثُمَّ قَالَ: «أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً». متفق عليه (١). • حكم الوكالة في الحدود: تجوز الوكالة في إثبات الحقوق، واستيفاء الحدود. عن زيد ابن خالد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». متفق عليه (٢). • حكم توكيل المرأة الإمام في نكاحها: إذا لم يكن للمرأة ولي من الأقارب فوليها الإمام، ولها أن توكله في نكاحها وفسخها. عن سهل ابن سعد ﵁ قال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا، قال: «فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ». متفق عليه (٣). • حكم التصرف الفاسد من الوكيل: إذا تصرف الوكيل تصرفًا محرمًا أو فاسدًا فتصرفه مردود. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مِنْ أَيْنَ هَذَا؟. قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ

стр. 6126

صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِهِ». متفق عليه (١). • ما يترتب على الوكالة: إن كانت الوكالة مطلقة، فالوكيل قائم مقام الموكل فيما وكله فيه من العقود أو الفسوخ أو الحدود أو الحقوق، وإن كانت الوكالة خاصة، فليس للوكيل أن يتصرف فيما لم يدخل في الوكالة، فإن تصرف فلا اعتبار بتصرفه.

стр. 6127

١٠ - الخزانة العاشرة ١١ - الصلح • الصلح: عقدٌ يحصل به قطع النزاع بين المتخاصمين من الناس. • حكمة مشروعية الصلح: شرع الله الصلح للتوفيق بين المتخاصمين، وإزالة الشقاق والخلاف بينهما، وبذلك تصفو النفوس، وتزول الأحقاد، ويحصل التآلف بين الناس، والإصلاح بين الناس من أجلَّ القربات، وأعظم الطاعات، إذا قام به العبد ابتغاء مرضاة الله ، لما فيه من تصفية القلوب، وإزالة العداوة والفرقة. • فضل الإصلاح بين الناس: قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ». متفق عليه (١). • حكمُ الصلح: الإصلاح بين الناس مستحب، بل هو من أعظم القربات، لما فيه من المحافظة على المودةٍ، وتخليص النفوس مما يمزق شملها. وأنواع الصلحِ كثيرة، فالصلح مشروع بين المسلمين والكفار، وبين أهل العدل والبغي، وبين الزوجين عند الشقاق، وبين الجيران، والأقارب،

стр. 6128

والأصدقاء وغيرهم، وبين المتخاصمين في غير مال، وبين المتخاصمين في المال، وهو المقصود هنا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: «ألا أخبِرُكُم بأفضَلَ من درجةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَة؟ قالوا: بَلَى يا رسولَ الله ﷺ قال: إصلاحُ ذاتِ البَينِ، وفسادُ ذات البين الحالِقَة». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (١). • أقسام الصلح • ينقسم الصلح إلى قسمين: أحدهما: صلحٌ على مال. الثاني: صلحٌ على غير مال. والصلح في المال ينقسم إلى قسمين: الأول: صلحُ على إقرار: كأن يكون لأحدٍ على آخر عينٌ أو دينٌ لا يعلمان مقداره، وأقر به فصالحه على شيء صح، وإن كان له عليه دين حال، وأقر به فوضع بعضه، وأجل باقية صح الإسقاط والتأجيل، وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالًا صح، وإنما يصح هذا الصلح إذا لم يكن مشروطًا في الإقرار، كأن يقول أقر لك بشرط أن تعطيني كذا، ولا يمنعهُ حقه بدونه. الثاني: صلحٌ على إنكار، بأن يكون للمُدعي حقٌ لا يعلمه المدعى عليه فينكره، فإذا اصطلحا على شيءٍ صح الصلح، لكن إن كذب أحدهما لم يصح الصلح في حقه باطنًا، وما أخذه حرام.

стр. 6129

• الصلح الجائز: المسلمون على شروطهم والصلح جائزٌ بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرم حلالًا، والصلح الجائز هو العادل الذي أمر الله ورسوله به، وهو ما يقصد به رضا الله تعالى، ثم رضا الخصمين، وقد مدحه الله تعالى، لما فيه من حصول الخير العظيم بقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. شروط الصلح العادل: الصلح العادل يشترط لصحته ما يلي: أهلية المتصالحين بأن تصح منهم التصرفات الشرعية، وألا يشتمل الصلح على تحريم حلال، أو تحليل حرام. وألا يكون أحد الخصمين كاذبًا في دعواه. وأن يكون المصلح تقيًا عالمًا بالوقائع، عارفًا بالواجب، قاصدًا العدل: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. حكم الصلح عن الدين المؤجل: إذا صالح الإنسان عن دينه المؤجل ببعضه حالًا صح، وهو من الإحسان إلى أخيه. عن كعب: ﵁ «أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: «يَا كَعْبُ».

стр. 6130

قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا». وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ: أَيِ الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ». متفقٌ عليه (١). • حقوق الجار: يحرم على المالك أن يحدث بملكهِ ما يضر بجاره، من ماكينة قوية، أو قرن ونحوهما، فإن لم يضر فلا بأس، وللجار على جاره حقوق كثيرة أهمها صلته وبره، والإحسان إليه، والنصح له، وكف الأذى عنه، والصبر على أذاه ونحو ذلك مما يجب على المسلم نحو جاره. عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ». متفقٌ عليه (٢). • فضائل الإصلاح بين الناس: قال الله تعالى: ﴿﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. وقال الله : ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. وعن أم كلثوم بنت عقبة ﵁ أنها سمعت الرسول ﷺ يقول: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا». متفق عليه (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: «الصُّلحُ جائزٌ بين المسلمينَ -زاد أحمد- إلا صُلحاً أحَلَّ حراماً أو حَرَّمَ حَلالاً. وزاد سليمان بن داود: وقال رسولُ الله ﷺ : المسلمون على شُرُوطهم». أخرجه أبو داود بسندٍ حسن (٤).
следующие страницы →