الثانية: شركة التوصية بالأسهم، وهي التي تضم نوعين من الشركاء متضامنين ومساهمين، والمساهمون كالشركاء الموصين في شركة التوصية البسيطة ويختلف المساهم عن الموصي في أن الأول يملك أسهمًا قابلة للتداول، على عكس الثاني.
وهذه الشركة جائزة شرعًا؛ لأنها نوعُ من شركات العِنان وعمل المتضامنين فيها خاضع لأحكام شركة المضاربة.
الثالثة: الشركة ذات المسئولية المحدودة، وهي شركةُ تجارية كباقي شركات الأموال، تجمع بين شركات الأموال والأشخاص، ففيها من شركات الأموال أن مسئولية الشريك محدودة بمقدار حصته، ومن يديرها كالأجير.
وفيها من شركات الأشخاص أن الشريك يكون صاحب حصةٍ في الشركة وليس مساهمًا، ولا تكون حصص الشركاء قابلة للتداول كالأسهم.
وهذه الشركة جائزة شرعًا؛ لأنها تعتبر من شركات العِنان، وفيها بعض خصائص المضاربة.
فالحمد لله أن أحل لنا الحلال، ومنعنا من الحرام: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
• أنواع شركات الأموال:
الشركات التي طرحت أسهمها في الأسواق ثلاثة أنواع:
١ - شركات حلال.
стр. 6162
٢ - وشركات محرمة.
٣ - وشركات مختلطة.
أولًا: الشركات الحلال:
هي الشركات التي أصل نشاطها مباح، ولا تبيع أو تشتري المحرمات، ولا تتعامل بالربا، كالشركات الزراعية والصناعية والتجارية ونحوها من الشركات الحلال المجازة شرعًا، فهذه تجوز المساهمة فيها وبيع وشراء أسهمها، والاستثمار فيها.
ثانيًا: الشركات المحرمة:
وهي الشركات التي أصل نشاطها محرم كالبنوك الربوية والشركات التي تبيع الخمور والدخان أو تصنعها، أو التي تبيع وتشتري السلع المحرمة كالأفلام والصور ونحوها، وهذه الشركات لا تجوز المساهمة فيها، ولا البيع والشراء في أسهمها، ولا الاستثمار فيها.
ثالثًا: الشركات المختلطة، وهي الشركات التي أصل نشاطها مباح، لكنها قد تمارس بعض الأنشطة المحرمة كالاقتراض من البنوك بالربا أو إقراض البنوك بالربا ونحو ذلك.
فهذه الشركات فيها حلال وحرام، فيجب اجتنابها سلامة للكسب، وتشجيعًا للشركات الحلال، وهجرًا للشركات المحرمة لتعود إلى الكسب الحلال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وعن النعمان ابن بشير ﵁ قال سمعت الرسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي
стр. 6163
الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفق عليه (١).
• حكم شراء الأشياء المحرمة:
لا يجوز لمسلم شراء الأشياء المحرمة من شركاتِ وغيرها، لما في ذلك من تعدي حدود الله، وتجاوز الحلال إلى الحرام: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
أما شراء الشركات المحرمة بغرض تحويلها إلى شركات إسلامية مباحة وتنقيتها من شوائب الربا، والعقود المحرمة، والأشياء المحرمة لتكون الشركة أداةً استثمارية مشروعة، فهذا جائز إذا أمكن التحويل في وقت قصير؛ لأن هذا من التعاون على البر والتقوى، لما فيه من تحويل الحرام إلى الحلال، ولما فيه من جلب المصالح، ودفع المفاسد: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
أنواع الأوراق التي يتعامل بها الناس في التجارة:
الأوراق التي يتعامل بها الناس اليوم ثلاثة أنواع:
الأوراق النقدية، والأوراق التجارية، والأوراق المالية.
فالأوراق النقدية: هي كل مالٍ وضع بين الناس، ليكون وسيطًا للتبادل في السلع كالريال، والدرهم، والدينار، والجنيه، والدولار، وغيرها من العُملات النقدية.
стр. 6164
ثانيًا: الأوراق التجارية، وهي صكوك ثابتة قابلة للتداول بين الناس، وهي تمثل حقًا شخصيًا موضوعه دفع مبلغ معين من النقود بموجبها لحاملها وهي نوعان:
١ - الشيكات.
٢ - الكمبيالات.
فالشيك أمر مكتوب يطلب به صاحبه من البنك أن يدفع مبلغًا من المال لفرد، أو شركة، أو جهة ونحو ذلك.
والكمبيالة صك محرر يتضمن أمرًا من الساحب إلى المسحوب عليه، أن تدفع مبلغاً مسمى لحامل الصك، في وقت محدد، ويسمى السند ألإذني.
ثالثًا: الأوراق المالية، وهي نوعان:
الأسهم: وهي صكوك قابلة للتداول، تمثل الحصص التي يملكها الإنسان في الشركة، ويتكون رأس المال من هذه الأسهم، سواءً كانت نقدية أو عينية.
ثانيًا: السندات، وهي صكوك قابلة للتداول، تمثل قرضًا تصدرها الحكومات والشركات عندما تستدين من الناس، ويعتبر حامله دائنًا للشركة ولا يعد شريكًا فيها، وهي محرمة لما فيها من الربا.
وهذه الأوراق الثلاث كثيرة الشيوع والاستعمال في عصرنا الحاضر، وهي من فقه النوازل المستجدة، فلابد من كشف أحوالها، وبيان أحكامها، ليكون المسلم على بينة منها لئلا يقع في الحرام أو المشتبه وهو لا يعلم.
стр. 6165
• الأسواق المالية (البورصة):
هي سوق منظمة للتعامل في الأوراق المالية من أسهمِ وسندات الحكومات والشركات القابلة للتداول في البورصة، وفق ضوابط محددة، وتعقد في مكان معين في أوقات دورية للتعامل بيعًا وشراءً بمختلف الأوراق المالية.
• أنواع البورصات:
الأولى: بورصة الأوراق المالية، وهي التي تباع فيها الأسهم والسندات بسعر البنك أو بسعر البورصة.
الثانية: بورصة البضاعة الحاضرة، وهي التي يتم التعامل فيها بناءًا على عينة من البضاعة كالسيارات والسجاد والآلات ونحو ذلك، ثم يدفع غالب الثمن عند العقد، والباقي عند التسليم، أو بجزيء البيع فيها على سلعٍ حاضرة بثمن مؤجل على سعر باتِ أو معلقُ خلال فترة معينة.
الثالثة: بورصة العقود، وهي التي يتم فيها البيع لسلعٍ غائبة بسعر بات مقرر، أو بسعر معلقٍ على سعر البورصة، وهي بيع مقدور التسليم في المستقبل لا في الحال.
• مكان بيع الأوراق المالية:
بورصة الأوراق المالية، ليست هي المكان الوحيد التي تباع وتشترى فيه الأسهم والسندات، فقد تمت الآن مزاولة هذه التجارة من خلال شبكات الحاسب الآلي على المستوى الإقليمي والعالمي.
• الفرق بين الأسهم والسندات:
الأول: السهم نصيبٌ من رأس مال الشركة، والسند دينُ على الشركة.
ثانيًا: حامل السهم شريك في الشركة التي أصدرت السهم، وحامل السند دائن على الشركة التي أصدرت السند.
стр. 6166
ثالثًا: حامل السهم يحصل على الربح بحسب نسبة أرباح الشركة، ويخسر بحسب خسارته، وحامل السند يحصل على ربحٍ ثابتٍ في الموعد المحدد، سواءً ربحت الشركة أو خسرت.
• أوجه التشابه بين الأسهم والسندات:
كل من السهم والسند يصدر بقيمة متساوية، ولا يقبل التجزئة، ويمثل حقًا بموجب الصك، ويمكن تداوله في السوق، وكل منهما يدر دخلًا على صاحبه، ويصدران عن طريق الاكتتاب العام، ولكل منهما قيمة اسمية وسعر في السوق اليومي.
• أنواع بيع الأوراق المالية:
العمليات التي تتم في سوق الأوراق المالية نوعان:
الأول: العمليات العاجلة الفورية.
الثاني: العمليات الآجلة.
أولًا: العمليات الفورية، يتم فيها بيع السهم، وقبض قيمته فورًا، وهو كالبيع المعروف لغير السهم من السلع، يجوز بيعه وشراؤه في العمليات العادية والفورية كعروض التجارة؛ لأن الأصل جواز بيع الشريك حصته لشريك أو لآخر، وهو حاصل في بيع الأسهم.
ثانيًا: العمليات الآجلة، يتم فيها عقد الصفقة الآن، ولكن الدفع والتسليم يتمان فيما بعد في وقت معلوم، فهذا البيع لا يجوز؛ لأنه من بيع الدين بالدين، فإن البائع للأسهم لا يسلمها للمشتري، والمشتري لا يدفع له الثمن، فقد تأجل الثمن والمثمن معًا، وهم غالبًا لا يريدون البيع والشراء حقيقة، بل المراد المضاربة على ارتفاع الأسعار وانخفاضها فقط، وذلك
стр. 6167
من الميسر الذي حرمه الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
حكم التعامل المالي بالأسهم:
أولاً: القرض: يجوز إقراض كل عين يجوز بيعها، والأسهم عينٌ يجوز إقراضها؛ لأنه يجوز بيعها، فإذا اقترض الإنسان خمسين سهمًا من أي شركة فعليه أن يرد خمسين سهمًا من أسهم هذه الشركة، فيكون قد رد مثل ما أخذ تمامًا.
ثانيًا: الرهن، يجوز رهن الأسهم؛ لأنه يجوز بيعها، فكل ما جاز بيعه جاز رهنه.
ثالثًا: الحوالة، تجوز الحوالة في الأسهم، فيحيل من عليه الدين، من له الدين بالأسهم التي له على المحال عليه.
رابعًا: المضاربة بالأسهم، الأسهم بذاتها عروض تجارة والمضاربة بالنقد أو العروض جائزة، فيأخذ المضارب الأسهم من رب المال، ويبيع ويشتري بها، بقصد الربح، والربح بينهما حسب الاتفاق، والخسارة على مالك الأسهم، وهكذا في باقي المعاملات المالية الأخرى.
• خصائص الأسهم:
الأسهم صكوك مالية كالعروض قابلة للتداول والمتاجرة، فهي كعروض التجارة تزيد وتنقص، حسب العرض والطلب، وأسهم كل شركة متساوية القيمة، والمساهم لا يشارك الشركة في أنشطتها، وملكية السهم غير ملكية الشركة، فقد يرتفع نشاط الشركة، وينزل السهم، ولذلك ربح السهم لا يعود للشركة، بل يعود لمشتري السهم، والسهم يمثل حقاً في الشركة، فمن ملكه فله أرباح من الشركة.
стр. 6168
• حكم بيع وشراء الأسهم:
الأسهم من حيث الأصل جائزة، فهي نوع من الشركات والعروض والبيوع التي الأصل فيها الحل إذا توافرت فيها شروط البيع الشرعية.
وما يجري في سوق الأسهم من البيع والشراء، والربح والخسارة، بشكل سريع، فيه مخاطرة لا مقامرة، والمخاطرة من اجلِ الكسب جائزة، وهذا جائز في جميع السلع، وليس في الأدلة الشرعية ما يمنعها.
• حكم مزاولة البيع والشراء في الأسهم:
يجوز لمالك الأسهم إذا كانت حلالًا أن يبيع ويشتري بها بنفسهِ ويجوز له أن يوكل غيره بنسبة معلومة من الربح كالربع مثلًا، ويجوز أن يضارب بها مع غيره، بأن تكون الأسهم باسم الشخص، والبيع والشراء بيد الآخر، على نسبة معلومة من الربح كالربع أو النصف أو بما تراضيا عليه.
ثانيًا: لا يجوز للإنسان أن يشتري أسهما من شركة باسم غيره، سواء كان ذلك بعوض أو بدون عوض، لما في ذلك من الكذب والحيلة، ولما يسببه من النزاع في حال الربح أو الخسارة.
ثالثًا: يجوز أخذ المال للمتاجرة فيه بنسبةٍ معينة من الربح كالثلث مثلًا، ولا يجوز أن يحدد مبلغًا مقطوعًا معينًا لمن أخذ منه المال، كأن يأخذ منه مائة ألف ريال، ويقول أتاجر فيها وأعطيك كل شهرِ خمسة آلاف، لما فيه من الغرر؛ لأنه قد يربح وقد يخسر.
رابعًا: إذا كانت الأسهم التي اشتراها محرمة وهو لا يعلم، فإن زادت فله أخذها؛ لأنه لا يعلم، لكن يبيعها فورًا وإن نقصت انتظر حتى يعود إليه رأس ماله، ثم يخرج مها: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٩].
стр. 6169
حكم وقف الأسهم:
يجوز وقف الأسهم؛ لأنها أجزاء مشاعة من موجودات الشركة، مع ما تمثله من القيمة السوقية.
عن كعب ابن مالك: ﵁ «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ».، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ». متفقٌ عليه (١).
• حكم الوصية بالأسهم:
الأسهم من الأموال، ويجوز للإنسان أن يوصي بثلث ماله فأقل، فإن كانت قيمة الأسهم حين موت الموصي أكثر من ثلث مالهِ توقف ما زاد على الثلث على إجازة الورثة، فإن أجازوه وإلا بطل ما زاد على الثلث.
عن سعد ابن أبي وقاص ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا». فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: «لَا». ثُمَّ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». متفقٌ عليه (٢).
• كيفية زكاة الأسهم:
إذا تملك الإنسان أسهمًا في شركةٍ حلال للحصول على الأرباح السنوية ويقصد الاستمرار فيها، ولا يقصد بتملكها متاجرة فيها بيعًا وشراءً في سوق المال، فهذا يزكي بحسب ماله في الشركة، من حيث الحول والنصاب، ومقدار الواجب في عروض التجارة ربع العشر من المال وربحه، وفي
стр. 6170
الزراعة العشر أو نصف العشر، وفي المواشي زكاة بهيمة الأنعام بشروطها الشرعية.
وإن كانت الشركات الزراعية والحيوانية تبيع السلع كعروض التجارة ففيها زكاة عروض التجارة، ربع العشر من رأس المال السائل وأرباحه، إن كان المساهم اشترى الأسهم بقصد المتاجرة فيها بيعًا وشراءً في الأسواق المالية كالبضائع، فهذه فيها زكاة عروض التجارة ربع العشر من رأس المال والأرباح، والمعتبر في زكاة الأسهم هو قيمة السهم السوقية؛ لأن عروض التجارة تقوم بسعرها الحالي، فإذا بلغت النصاب، وحال عليها الحول، أخرج زكاتها.
• حكم السندات:
السند صكٌ قابل للتداول، تصدره الحكومات والشركات عندما تستدين من الناس، وتدفع بموجبهِ فائدة لمن أقرضها، مع بقاء رأس المال كاملاً، وصاحب السند يأخذ عليه فائدة معينة ثابتة كل سنة مثلًا، وهذا هو الربا المحرم، بل قد جمع أنواع الربا الثلاثة، ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا القرض، فهو في أصله قرض جر نفعًا، وهذا هو ربا القروض، وبناءًا على ذلك تحرم جميع السندات مهما اختلفت مسمياتها، مادامت سندًا يلتزم المُصدر له بموجبه أن يدفع لحامله القيمة الاسمية كاملة، مع فائدة ربوية متفقُ عليها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠].
والتعامل بالسندات لا يجوز فالسندات سلعٌ ربوية محرمة لا يجوز بيعها ولا شراؤها ولا المضاربة فيها، ولا رهنها، ولا وقفها، ولا الوصية بها، وذلك لاشتمالها على عقد ربوي محرم جر نفعًا وهو الفائدة، ولا زكاةً فيها؛ لأنها كسب خبيث، لكن تجب الزكاة في أصل الدين بدون الفائد والله أعلم.
стр. 6171
١٦ - السبق
• السبق: بلوغ الغاية قبل غيره.
والمسابقة جائزة، وقد تكون مستحبة حسب النية والقصد، والسبق هو العوض المبذول لمن سبق.
• حكمة مشروعية المسابقة:
المسابقة والمصارعة من محاسن الإسلام، وهما مشروعتان، لما فيهما من المرونة، والتدريب على الفنون العسكرية، والكرِ والفر، وتقوية الأجسام، والصبر والجلد، وتهيئة الأعضاء والأبدان للجهاد في سبيل الله تعالى.
• أنواع المسابقة:
المسابقة تكون بالعدو بين الأشخاص، وتكون بالرمي بالسهام والأسلحة، وتكون بالخيل والإبل.
• شروط صحة المسابقة:
يشترط لصحة المسابقة المشروعة ما يلي:
أولًا: أن يكون المركوب أو الآلة التي يُرمى بها من نوعٍ واحد.
الثاني: تحديد المسافة، ومدى الرمي.
ثالثًا: أن يكون العوض معلومًا مباحًا.
الرابع: تعيين المركوبين أو الراميين.
• حكم المصارعة والملاكمة:
أولًا: تباح المصارعة والسباحة وكل ما يقوي الجسم، ويبعث على الصبرِ والجلد، إذا لم يشغل عن واجب، أو عما هو أهم منه، أو يكون فيه ارتكاب محظور، أو تكثر أخطاره.
стр. 6172
والملاكمة والمصارعة الحرة التي تمارس اليوم في حلبات الرياضة محرمة، لما فيها من تحكيم غير شرع الله عند الإصابة ونحوها، والإلقاء بالنفس إلى التهلكة، والخطر والضرر، وكشف العورات، واستباحة المحرمات.
ولا يجوز التحريش بين البهائم، وإغراء بعضها ببعض بالمقاتلة بينها، ولا يجوز اتخاذها غرضاً للرمي، ومن فعل ذلك فهو آثم وظالم ومتعدٍ: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠].
حكم آخذ العوض في المسابقات:
أخذ العِوض في المسابقات له ثلاث حالات:
الأولى: يجوز السباق بعوض، وهو المسابقة في الإبل، أو الخيل، أو الرمي، ونحوها مما يعين على الجهاد في سبيل الله لقوله ﷺ : «لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أو نصل». أخرجه أبو داود والترمذي (١).
وتجوز المسابقة في العلم الشرعي، وإعطاء الجوائز عليها، لما في ذلك من نفع المسلمين وتحصيل العلم، وتشجيع من يطلبه ويحفظه ويعلمه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
стр. 6173
الثاني: لا يجوز بعوض، ولا بغير عوض، وهو كل محرمِ كالنرد والشطرنج، والميسر والقمار ونحوها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
الثالث: يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض، وهذا هو الأصل والأغلب كالمسابقة على الأقدام والسفن والمصارعة ونحوها مما فيه منفعة، لكن يجوز أن يعطى الفائز تشجيعًا له جائزة أو عوضًا غير مشروط.
• جهة دفع العوض:
يجوز أن يتولى دفع الجائزة الحاكم، أو بعض المتسابقين، أو غيرهم، أما إذا تولى دفع الجائزة جميع المتسابقين على أن من غلب فهي له، فيحرم لشبهة بالقمار، ولما يسببه من العداوة، والقمار هو كل معاملة مالية يحصل بها العرمُ بلا جهدٍ، وهو الميسر.
• حكم القمار والميسر:
يحرم القمار والميسر، واللعب بالنرد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
وعن بُريد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ». أخرجه مسلم (١).
стр. 6174
• حكم آخذ العوض في السباق:
السبق ثلاثة أقسام:
الأول: ما يجوز بعوض، وبدون عوض، وهو ما فيه مصلحة عامة تعينه على الجهاد في سبيل الله كالمسابقة على الإبل والخيل والرمي بالسهام، ويقاس عليها الدبابات ونحوها التي تشبه الإبل والطائرات تشبه الخيل، والصواريخ تشبه السهام، فهذه كلها تُعين في الجهاد في سبيل الله، فتجوز بعوض، وبدون عوض.
الثاني: ما يجوز بغير عوض، وهو ما لا مضرة فيه شرعية، فهذا جائزٌ بين رجلين، أو المرأتين، أو الرجل والمرأة، أو الزوج وزوجته، لما فيه من الترويح عن النفس، وتقوية البدن، والمنافسة في المغالبة، فيصح على الأقدام، وسائر الحيوان، والسفن، والسيارات، لكن بدون عوض، لئلا تتخذ تجارةً تلهيه عما هو أهم منها، فإن اشتملت على ضار حرمت.
الثالث: ما لا يجوز بعوض، ولا بغير عوض وهو المسابقة في الأمور المحرمة كالمسابقة والعدوان على الناس، وقطع الطريق ونحوهما كنهب الأموال وكاللعب بالنرد والشطرنج، ونحوها، مما يلهي كثيرًا، ولا منفعة فيه، كالألعاب التي كثرت في زماننا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١].
وعن بُريد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ». أخرجه مسلم (١).
стр. 6175
• حكم المسابقات في وسائل الإعلام:
جميع المسابقات والمغالبات إذا خلت من الظلمِ والربا، والغرر والميسر وأكل أموال الناس بالباطل، وكان المتسابق إما غانمًا أو سالمًا، فهذه جائزة إذا تحققت بها مصلحة، ولم تشتمل على مفسدة، ومن ذلك المسابقات في وسائل الإعلام المختلفة، أما إذا كان المتسابق غارمًا أو غالبًا بأن يدفع نقوداً ليدخل في المسابقة، أو ليتم الاتصال بالجهة صاحبة المسابقة، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا إما غانم إن كسب، أو غارمُ إن لم يكسب، وهذا من أكل أموال الناس بالباطل.
• حكم اليانصيب:
اليانصيب هو لعبةٌ يدفع فيها مجموعة من الناس مبلغًا صغيرًا من كل واحد ابتغاء كسب النصيب الكبير، ويكون لكل مساهم رقم، وتجمع الأرقام، ثم يسحب منها رقم، فمن خرج رقمه فاز بكل المال المجموع.
واليانصيب من الميسر والقمار؛ لأن كل واحد من المساهمين إما أن يغنم النصيب كله، أو يغرم ما دفعه، وهو محرم؛ لأن أثمه أكبر من نفعه، فلا يجوز اليانصيب بأي شكلٍ كان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
حكم اللعبِ بالكرة:
اللعبِ بالكرة من الأمور المباحة إذا كان في حدود الشرع، فإن أدى اللعب بها إلى ترك فريضة أو تأخيرها، أو الوقوع في معصية، أو كانت سببًا في جلب مفسدة، أو فوات مصلحة، صارت من اللهو الباطل الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ويحرم اللعب بها؛ لأن درء المفاسد، مقدم على جلب المصالح وما أفضى إلى المحرم فهو محرم.
стр. 6176
وكم حصل بالمسابقات الرياضية من إضاعة الأموال والأوقات والصلوات؟، وكم حصل من السب والشتم؟، وكم حصل من الولاء والبرا لتلك الفرق الرياضية؟، وكم حصل من الاختلاط بين الرجال والنساء؟ وغير ذلك من المفاسد التي حرمها الله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١].
والأولى بالمسلم أن يحفظ أوقاته فيما ينفعه، وينفع الخلق، من عبادة الله، والدعوة إليه، وتعليم شرعه، وكسب المعاش، والإحسان إلى الناس، ونحو ذلك من المنافع الدينية والدنيوية، ويجعل للترويح عن النفس جزءًا يسيرًا من وقته: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وأما أخذ العِوض في المباريات الرياضية، أو بيع وشراء اللاعبين، هذا كله من أكل أموال الناس بالباطل، وصرف للمال فيما لا يجوز: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠].
стр. 6177
• حكم حوافز الشراء:
حوافز الشراء في المؤسسات والشركات والمحلات التجارية والأسواق وغيرها جائزة، لكن بشرط ألا يزيد صاحب المحل في قيمة السلعة، وألا يوقع ضررًا بغيره من المحلات، وألا يشترط الشراء للدخول في المسابقة، وألا يكون في عمله غش أو خداعٌ أو خيانة للمستهلك، وألا يشتري المتسابق سلعةً لا يحتاج إليها من أجل المسابقة، وبطاقة الفنادق، وشركات الطيران، والمؤسسات، التي تمنح نقاطًا تجلب منافع مباحة جائزة، إذا كانت مجانية، لما فيها من مصلحة الطرفين، فإن كانت تُصرف بعوض، فلا تجوز، لما فيها من الغرر وأكل أموال الناس بالباطل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
стр. 6178
٣ - الخزانة الثالثة
١٧ - العارية
• العارية: هي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه، ثم ردها بلا عوض، سُميت بذلك لتعريها عن العِوض.
• حكمة مشروعية العارية:
قد يحتاج الإنسان إلى الانتفاع بعين من الأعيان، وهو لا يستطيع أن يتملكها ولا يملك مالًا ليدفع أجرتها، وبعض الناس قد لا تقوى نفسه على الصدقة أو الهبة، ومن هنا شرع الإسلام العارية قضاءً لحاجة المستعير، مع حصول الأجر والثواب للمعير، ببذل المنفعة لأخيه، مع بقاء العين له: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
حكم العارية:
العارية سُنة مندوب إليها، لما فيها من الإحسان إلى الغير، وقضاء الحاجات، وجلب المودة والمحبة، وتنعقد بكل لفظٍ أو فعل يدل عليها، وتتأكد مع استغناء المالك عنها، وحاجة الإنسان إليها، وهي من التعاون على البر والتقوى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وعن أنس ابن مالك ﵁ قال: كانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ المَنْدُوبُ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: «مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا». متفق عليه (١).
стр. 6179
• شروط صحة العارية:
١ - أن تكون العين منتفع بها مع بقائها.
٢ - وأن يكون النفع مباحًا.
٣ - وأن يكون المعير أهلًا للتبرع، ومالكا لما يعيره أو ما دونا له فيه.
٤ - وأن يكون المستعير أهلًا للتصرف.
• ما تباح إعارته:
تباح إعارة كل ذي نفعٍ مباح كالدار والدابة، والسيارة والآلات ونحوها من المباحات.
وكل ما جاز بيعه جازت إعارته، وتستحب إعارة كل ما فيه طاعةُ لله أو إعانة عليها، ككتب العلم الشرعي، وآلات النسخ والطباعة ونحوها مما فيه منافع للناس: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
ما تحرم إعارته:
تحرم إعارة ما فيه معصية لله تعالى كالأواني لشرب الخمر، والدور للبغاء، والأجهزة لرؤية أو سماع المحرمات كالأغاني والفواحش: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
حفظ العارية:
يجب على المستعير المحافظة على العارية، وردها سليمة إلى صاحبها، ولا يجوز للمستعير أن يعير العارية لغيره إلا بإذن مالكها.
стр. 6180
• ضمان العارية:
يجب على المستعير حفظ العارية، وحُسن استعمالها، وردها سليمة إلى صاحبها؛ لأن على اليد ما أخذت حتى تؤديه، وتضمن العارية مطلقًا إن تلفت بيد المستعير، سواء فرط أو لم يفرط، فإن على اليد ما أخذت حتى تؤديه إلا أن يتنازل عنها المعير فيسقط: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
وعن يعلى ﵁ قال: قال لي رسول الله: ﷺ «إذا أتتك رُسُلي فأعطهم ثلاثين درعًا وثلاثينَ بعيراً، قال: فقلت يا رسول الله أعارِيَّةٌ مضمونةٌ أو عاريَّةُ مؤدَّاة؟ قال: بل مُؤدَّاة». أخرجه أبو داود بسندٍ صحيح (١).
• انتهاء عقد العارية:
ينتهي عقد العارية بما يلي:
الأول: طلب المعير العارية، أو رد المستعير العارية.
ثانيًا: موت أحد العاقدين، أو جنونه.
ثالثًا: الحجر على المعير بسبب الإفلاس.
رابعًا: الحجر على أحد العاقدين بالسفه.
стр. 6181
١٨ - الغصب
• الغصب: هو الاستيلاء على مال غيره قهرًا بغير حق من عقارٍ ومنقول.
• أقسام الظلم:
الظلم ثلاثة أقسام:
١ - ظلمُ لا يتركه الله.
٢ - وظلمُ يغفر.
٣ - وظلمٌ لا يغفر.
فأما الظلم الذي لا يغفر، فالشرك لا يغفره الله، لمن مات مشركًا، وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد فيما بينه وبين ربه، وأما الظلم الذي لا يغفر فظلم العباد، يقتص الله لبعضهم من بعض يوم القيامة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
أنواع المحرمات:
المحرمات في الشرع نوعان:
الأول: المحرمات من الأعيان كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، والخبائث، والنجاسات ونحوها، مما تعافهٌ النفوس، وتنفر منه.
الثاني: المحرمات من التصرفات كالربا والميسر، والقمار والاحتكار والغش والغصب، وبيوع الغرر ونحو ذلك مما فيه ظلم وأكل لأموال الناس بالباطل، وكلا النوعين فيه أضرارُ وأمراضُ وأخطارُ.
стр. 6182
فالأول: تعافه النفس، فلا يحتاح إلى رادعٍ يمنع منه.
والثاني: تشتهيه النفس، فاحتاج إلى رادعٍ وزاجرٍ وعقوبة تمنع من الوقوع فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
• حكم الغصب:
الغصب حرام؛ لأنه اعتداءُ على مال الغير بغير حق: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
وقال : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].
ولا يحل لأحد أن يأخذ من غيره شيئًا مهما كان إلا بطيبةٍ من نفسه، والغصب بضد ذلك: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨].
وعن سعيد ابن زيد ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». متفقٌ عليه (١).
• حكم من احدث في الأرض المغصوبة:
أولاً: إذا غصب الإنسان أرضًا، فغرسها أو بنى فيها دارًا، لزمهُ القلع، وإزالة البناء، وضمان النقص، والتسوية إن طالبه المالك بذلك، وإن تراضيا على القيمة جاز.
стр. 6183
ثانيًا: إذا زرع الغاصب الأرض، وردها بعد أخذ الزرع، فهو للغاصب، وعليه دفع أجرة الأرض لمالكها، وإن كان الزرع قائمًا فيها، خير ربها بين تركه إلى الحصاد بأجرة مثله، وبين أخذهِ بنفقته: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
حكم رد المغصوب:
يجب على الغاصب رد ما غصبه على صاحبه، ولو غرم أضعافه؛ لأنه حق غيره، توجب رده إليه، وإن تاجر في المغصوب فالربح بينهما مناصفة، وإن كانت للمغصوب أجرة فعلى الغاصب رده وأجرة مثله مدة بقائهِ في يده.
• الحكم إذا تغير المغصوب:
إذا نسج الغاصب الغزل، أو قصر الثوب، أو نجر الخشب ونحو ذلك لزمه ردهِ لمالكهِ، وأرش نقصه، ولا شيء للغاصب؛ لأن يدهُ متعدية.
• حكم خلط المغصوب بغيره:
إذا خلط الغاصب ما أخذه بما لا يتميز كزيت بمثله، أو أرز بمثله ونحوهما، فإذا لم تنقص القيمة ولم تزد فهما شريكان بقدر ما ليهما، وإن نقصت ضمنها الغاصب، وإن زادت قيمة احدهما فلصاحبه.
• الحكم إذا تلف المغصوب:
ما تلف أو تعيب من مغصوبٍ غرم مثله، وإلا يوجد مثله فقيمته يوم تعذر المثل.
• حكم تصرفات الغاصب:
تصرفات الغاصب من بيعٍ وتأجيرٍ، ونكاحٍ وحجٍ ونحو ذلك موقوفةٌ على إجازه المالك، فإن أجازها وإلا بطلت؛ لأن ما بُني على الباطل فهو باطل.
стр. 6184
• من يُقبل قولهُ في الغصب؟.
القول في قيمة التالف أو قدره أو صفته قول الغاصب مع يمينه ما لم تكن بينه للمالك، والقول في رده وعدم عيبه قول المالك ما لم تكن بينة.
• حكم من فوت المُلك على غيره:
إذا فتح الإنسان قفصًا أو بابًا أو حلًّ وكاءً أو رباطًا أو قيدًا، فذهب ما فيه، أو تلف، ضمنه، سواء كان مكلفًا، أو غير مكلف؛ لأنه فوته عليه.
ومن أقتنى كلبًا عقورًا أو أسدًا أو ذئبًا فأطلقه، أو طيرًا جارحًا فأتلف شيئًا ضمنه.
• حكمٌ ما أتلفتهُ البهائم:
إذا أتلفت البهائم شيئًا من الزروع ونحوها ليلًا ضمنه صاحبها؛ لأن عليه حفظها ليلًا، وما أتلفته نهارًا لم يضمنه؛ لأن على أهل المزارع حفظها نهارًا، إلا أن فرط صاحبها فيضمن ما أتلفته.
• أحكام رد المغصوب:
إذا أراد رد المغصوب، وجهل صاحبه، سلمهُ الحاكم إن كان عدلًا، أو تصدق به عنه، ويضمنه إن لم يجزه صاحبه فيما بعد.
وإذا كانت بيد الغاصب أموالاً مغصوبة، وسرقات، وأمانات، وودائع للناس، ورهون ونحوها ولم يعرف أصحابها، فله الصدقة بها عنهم، وله صرفها في مصالح المسلمين، ويبرأ من عهدتها، وله تسليمها لولي الأمر الأمين إن شاء.
стр. 6185
• حكم إتلاف الأشياء المحرمة:
لا ضمان في إتلاف آلات اللهو، والصلبان، وأواني الخمر، وكتب الضلال والمجون، وآلات السحر ونحوها؛ لأنها محرمة لا يجوز بيعها، لكن يكون إتلافها بأمر الحاكم أو نائبه، ضمانًا للمصلحة، ودفعًا للمفسدة.
• حكمُ ما أكلته النار:
من أوقد نارًا بملكهِ لغرضٍ صحيح، فتعدت إلى ملك غيره بتفريطه فأتلفت شيئًا ضمنه، لا إن طرأت ريحُ ونقلتها فلا ضمان عليه؛ لأنه ليس من فعلهِ ولا بتفريطهِ.
• حكمُ دهس البهائم على الطريق:
البهائم إذا اعترضت الطرق العامة المعبدة بالإسفلت ونحوه، فضربتها سيارةٌ فهلكت، فهي هدر، لا ضمان على من أتلفها إلا أن يفرط أو يتعدى، وصاحبها آثم بتركها وإهمالها واعتراضها في طرق السيارات.
• حكم المال المغصوب:
يحرم على الغاصب الانتفاع بالمغصوب، ويجب عليه ردهُ، وكذا سائر المظالم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: ﷺ «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ». أخرجه البخاري (١).
стр. 6186
• حكم دفع الصائل:
يجوز للإنسان الدفاع عن نفسه وماله إذا قصده وآخر لقتله، أو أخذ ماله، فإن قُتل فهو شهيد، وإن قَتل الجاني فهو في النار، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ.، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ».». أخرجه مسلم (١).
стр. 6187
٤ - الخزانة الرابعة
١٩ - رسائل الشفعة والشفاعة
١ - الشفعة: هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكة من يد مشتريها بالثمن الذي أستقر عليه العقد مع المشتري.
• حكمة مشروعية الشفعة:
الشفعة من محاسن الإسلام، شرعت لدفع الضرر عن الشريك؛ لأنه ربما يشتري نصيب شريكه عدو له، أو ذو أخلاق سيئة، فيحدث بسبب ذلك التباغض، ويتأذى الجار، وفي ثبوت الشفعة، دفعٌ للأذى والضرر.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تناجشوا ولا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا». متفق عليه (١).
وقال النبي ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ أَوْ قَالَ لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». متفق عليه (٢).
• حكم الشفعة:
الشفعة جائزة للشفيع، وتثبت الشفعة في كل شيء لم يقسم من أرض أو دار أو حائط، ويحرم التحايل لإسقاطها؛ لأنها شرعت لإزالة الضرر عن الشريك.
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ». متفق عليه (٣).
стр. 6188
• وقت الشفعة:
الشفعة حق للشريك متى علم بالبيع، فإن أخرها بطلت شفعته، إلا أن يكون غائبًا أو معذورًا فيكون على شفعته متى قدر عليها، وإن أمكنه الإشهاد على المطالبة بها ولم يشهد بطلت شفعته.
وإذا مات الشفيع ثبتت الشفعة لورثته، ويأخذ الشفيع المبيع بكل الثمن، فإن عجز عن بعضه سقطت، وأخذ المبيع المشتري الأول.
• ثبوت الشفعة:
لا يجوز للشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذن شريكه، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به، وإن أذن له، وقال لا غرض لي فيه، لم يكن له المطالبة به بعد البيع.
• حكم شفعة الجار:
الجار أحق بشفعة جاره إذا كان بين الجارين حق مشترك، من طريق أو ماء، ثبتت الشفعة لكل منهما لقوله ﷺ : «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا». أخرجه أبو داود وابن ماجة (١).
٢ - الشفاعة: هي طلب العون للغير.
أقسام الشفاعة:
الشفاعة تنقسم إلى قسمين: حسنة وسيئة.
أولاً: الشفاعة الحسنة: وهي ما كانت فيما أستحسنه الشرع، كان يشفع في إزالة ضرر، أو جر منفعة إلى مستحق، أو رفع مظلمة عن مظلوم، وهذه محمودة وصاحبها مأجور.
ثانيًا: الشفاعة السيئة، وهي ما كانت فيما حرمة الشرع كان يشفع في إسقاط حد، أو هدم حق، أو منع حق، أو إعطائه لغير مستحقه، فهذه
стр. 6189
مذمومة، وصاحبها مذموم غير مأجور: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وعن أبي موسى ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، قَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ». متفق عليه (١).
стр. 6190
٢٠ - الوديعة
• الوديعة: هي المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض.
• حكمة مشروعية الوديعة:
قد تطرأ على الإنسان أحوال يكون فيها غير قادر على حفظ ماله، إما لفقد المكان، أو لعدم الإمكان، أو يكون عند غيرة من إخوانه القدرة على حفظ ماله، ومن هنا أباح الإسلام الوديعة، لحفظ المال من جهة، وكسب الأجر من جهة المودع، وفي حفظها لأخيه ثواب جزيل «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». أخرجه مسلم (١).
• حكم الوديعة:
الوديعة عقد جائز، إن طلبها صاحبها، وجب ردها إليه، وإن ردها المستودع، لزم صاحبها قبولها.
والوديعة مباحة من المودع، سنة للمودع عنده؛ لأنها من الإحسان الذي يحبه الله، وفيها قضاءٌ لحاجه المسلم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
حكم قبول الوديعة:
يستحب قبول الوديعة لمن علم من نفسه الأمانة، وعنده القدرة على حفظها؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى، وفيها أجر كبير، وتكون من جائز التصرف لمثله، أما من لم يعلم من نفسه الأمانة، والقدرة على الحفظ، فلا يقبلها.
стр. 6191
• حفظ الوديعة:
أولاً: إذا تلفت الوديعة من بين ماله، ولم يتعد ولم يفرط، لم يضمن، ويلزم حفظها في حرز مثلها، فإن أذن للمودع أن يتصرف فيها صارت قرضًا مضمونًا.
ثانيًا: إذا حدث خوف، وأراد المودع أن يسافر، وجب عليه رد الوديعة إلى صاحبها أو وكيله، فإن لم يمكن دفعها إلى الحاكم إن كان عدلًا، فإن لم يمكنه أودعها عند ثقة، ليردها إلى صاحبها.
ثالثًا: من أودع دابة فركبها بغير نفعها، أو دواب فأخرجها من حرزها، أو خلطها بغير متميز، فضاع الكل أو تلف ضمن الكل.
رابعًا: المودع أمين لا يضمن إلا إن تعدى أو فرط، ويقبل قول المودع مع يمينه في رد الوديعة، وتلفها، وعدم التفريط ما لم تكن بينه.
• حكم رد الوديعة:
الوديعة مالًا كانت أو غيره أمانة عند المودع، يجب ردها عندما يطلبها صاحبها، فإن لم يردها بعد طلب صاحبها من غير عذر فتلفت ضمنها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
وإذا طلب أحد المودعين نصيبه من مكيل أو موزون أو معدود ينقسم أعطي إياه.
• حكم الأموال المودعة في المصرف:
الودائع المصرفية تنقسم إلى قسمين:
الأول: الودائع الحالة؛ وهي المبالغ التي يودعها صاحبها في المصرف في حسابه، ويأخذها متى شاء، ولا يأخذ عليها فائدة، وهذه تسمى بالحساب
стр. 6192
الجاري؛ وهي قرض يضمنها المصرف لصاحبها، وللمصرف التصرف فيها وردها لصاحبها إذا طلبها، وعلى هذا لو أحترق المصرف بأموال الناس بدون تعد ولا تفريط ضمن المصرف القروض، ولا يضمن الودائع؛ لأن المودع أمين، قبض المال بإذن صاحبه، ولمصلحة مالكة، فلا يضمن إلا أن تعدى وفرط، والمستقرض أستقرض لمصلحة نفسه بإذن مالكه، فيضمن القرض لصاحبه.
الثاني: الوداع الآجلة؛ وهي مبالغ يودعها صاحبها في المصرف لمدة معينة، ولا يسحب منها شيئاً خلال تلك المدة، مقابل فائدة ربوية محددة، سواء كانت الودائع لأجل ثابت معين، أو ودائع توفير، أو ودائع الادخار، وهذه الودائع بأنواعها يعطي عليها المصرف فائدة حيث أن هذه المبالغ من القرض المضمون، فلا يجوز أخذ الفائدة على هذه القروض؛ لأنه من الربا المحرم شرعًا، ولذا فهي حرام على الدافع والآخذ.
أما وديعة الوثائق والمستندات وغيرها إذا أودعها صاحبها في البنك لحفظها بعينها، وأخذ إيصال من البنك بها لحفظها لمدة معينة، مقابل أجرة متفق عليها، فذلك جائز، لأنه عقد إجارة على حفظ ودائع بأجرة معلومة للطرفين، وفي ذلك مصلحة للطرفين: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
стр. 6193
٥ - الخزانة الخامسة
٢١ - إحياء الموات
• الموات: هي الأرض التي لا مالك لها، و هي الأرض المفككة عن الاختصاصات وملك معصوم.
والاختصاصات كمجاري السيول، ومواضع الحطب، ومناطق الرعي، والمصالح العامة كالحدائق والمقابر ونحوها.
وملك المعصوم هو ما ملكه الإنسان، والمعصوم من بني أدم أربعة المسلم، والمعاهد، والذمي، والمستأمن، فهؤلاء لا يجوز لأحد الاعتداء على ما يملكون من مال: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].
حكمة مشروعية أحياء الموات:
إحياء الموات فيه أتساع لدائرة الرزق، وثواب لمن حسنت نيته، وانتفاع المسلمين بما يخرج من الأرض من طعام وغيره، ومن زكاه تفرق على المستحقين، ومن صدقة تعطى المساكين.
• فضل أحياء الموت لمن حسنت نيته:
عن أنس ﵁ قال، قال رسول الله: ﷺ «مَا مِنْ مُسلم يَغرِسُ غَرْسًا أو يَزرَعُ زَرْعًا فيأكُلُ مِنه طَيرٌ أو إنسَانٌ أو بهيْمَةٌ إلا كان لهُ بهِ صَدقَةٌ». متفق عليه (١).
• حكم إحياء الموات:
أولاً: من أحيا أرضاً ميتة ليست لأحد فهي له، من مسلم وذمي، بإذن الإمام و عدمه، في ديار الإسلام وغيرها، ما لم تتعلق بمصالح المسلمين
стр. 6194
كالمقبرة، ومحل الاحتطاب ونحوها، وموات الحرم، وعرفات لا يملك بالأحياء، عن عائشة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ». أخرجه البخاري (١).
ثانيُا: إذا رأى الإمام ضبط الأمور لتحقيق العدل، وقطع النزاع، فأمر الناس أن يستأذنوا عند الإحياء، فتجب طاعته؛ لأن طاعة ولي الأمر واجبه في غير معصية الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
كيفية إحياء الأرض الموات:
يحصل إحياء الأرض بما يلي:
إما بحائط منيع مما جرت به العادة، أو بإجراء الماء، أو حفر بئر فيها، أو غرس شجر، ويرجع في ذلك إلى العرف في كل زمان ومكان، فما عده الناس إحياء، فإنه تملك به الأرض الموات، فمن أحياها أحياءً شرعيًا ملك الأرض بجميع ما فيها، كبيرة كانت أو صغيرة، وإن عجز، وللإمام أخذها ويقطعها لمن يقدر على إحيائها، والانتفاع بها.
• حكم تملك الأرض القريبة:
الأرض الواقعة في البلد، أو القريبة منه، لا تملك إلا بإذن الإمام، فقد يحتاجها المسلمون لمقبرة أو بناء مسجد أو مدرسة أو مستشفى أو حفر بئر، ونحو ذلك من المصالح العامة، وامتلاكها يفوت هذه المصالح
стр. 6195
العامة، والأرض الموات التي ينحدر سيلها إلى أرض مملوكة تبع لها على وجه الاختصاص لا يسوغ إحياؤها ولا تقطع لغير أهل الأرض المملوكة إلا بإذنهم، دفعًا للضر عنهم.
• ما يجوز للإمام إقطاعه:
يجوز للإمام إقطاع موات لمن يحيه، وإقطاع الجلوس في الأسواق الواسعة للبيع والشراء، ما لم يضيق على الناس، ومن غير إقطاع يجوز الجلوس فيها لمن سبق، وإن سبقا معًا اقترعا، وإذا أختلف الناس في الطريق جعل سبعة أذرع، وللحاكم تنفيذ ما تتحقق به المصلحة العامة لأهل بلده، وذلك يختلف باختلاف البلاد والطرق والحاجة.
• حكم الحجر على الأرض:
التحجر لا يفيد التملك، وإنما يفيد الاختصاص والأحقية من غيره كان يحيط الأرض بجدار ليس بمنيع أو بشبك أو خندق أو حاجز ترابي، أو يحفر بئراً ولا يصل إلى الماء، فهذا يضرب له ولي الأمر مدة لإحيائها، فإن أحياها إحياء شرعيًا، وإلا نزعها من يده وسلمها لمتشوف لإحيائها، قادر على إستثمارها، والانتفاع بها.
• صفة السقي من الماء المباح:
يجوز لمن في أعلى الماء المباح كماء النهر والوادي السقي، وحبس الماء إلى الكعبين، ثم يرسله إلى ما تحته من جيرانه.
• حكم اتخاذ الحمى:
المسلمون شركاء في ثلاث:
الماء .. والكلأ .. والنار.
ولا يجوز الحمى إلا لمصالح المسلمين العامة.
стр. 6196
ويجوز للإمام دون غيره حمى مرعى للدواب والخيل التي تتبع بيت مال المسلمين كخيل الجهاد وإبل الصدقة ونحوها ما لم يضر بالمسلمين، ومن سبق إلى مباح وحازه فهو له كصيد وعنبر وحطبٍ ونحو ذلك.
• حكم التعدي على حق الغير:
يحرم على المسلم الاعتداء على حق غيره من مال أو عقار وغيرهما: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].
وعن عائشة ﵂ قالت، قال النبي ﷺ : «مَنْ ظَلَمَ قيد شبر من الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». متفق عليه (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقٍّ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ». أخرجه البخاري (٢).
стр. 6197
٢٢ - الجعالة
• الجعالة: هي جعل مال معلوم لمن يعمل له عملًا مباحاً معلوماً، أو مجهولاً، كبناء حائط أو رد شارد ونحوهما.
• حكم الجعالة:
الجعالة جائزة، لحاجة الناس إليها، ويجوز لكل من الطرفين فسخها إلا إذا كانت ضررًا على الأخر، فلا يجوز فسخها: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢].
صفة الجعالة:
أن يقول الإنسان مثلًا من بني هذا الجدار، أو خاط هذا الثوب، أو رد هذا الفرس، فله كذا مالًا، فمن فعل أستحق الجعل.
والفرق بين الإجارة والجعالة، أن الإجارة مع شخص معين بنفسه، والجعالة مع كل أحد، فمن شاء قام بالعمل، وأخذ الجعالة.
• حكم فسخ الجعالة:
يجوز فسخ الجعالة، فإن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئًا، و أن كان الفسخ من الجاعل، فإن كان قبيل الشروع في العمل لم يستحق العامل شيئًا، وإن كان بعده فللعامل أجرة عمله.
• حكم من بذل منفعة:
من رد لقطه أو ضالة ونحوهما من غير جُعل لم يستحق عوضًا، ويستحب إعطاؤه ما تيسر، شكرًا لإحسانه، ومن أستنقذ مال غيره من الهلكة، ورده إلى صاحبه، أستحق أجرة المثل، ولو بغير شرط: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
стр. 6198
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
الفرق بين الإجارة والجعالة:
الفرق بين الجعالة والإجارة من وجوه:
الجعالة تشبه الإجارة في بذل المال، وحصول المنفعة.
وتختلف الجعالة عن الإجارة في أمور:
الأول: تصح الجعالة مع معين وغير معين، ولا تصح الإجارة إلا مع شخص أو جهة معينة.
ثانيًا: تصح الجعالة على عمل معلوم أو مجهول، ولا تصح الإجارة إلا على عمل معلوم.
ثالثًا: لا يشترط في الجعالة قبول العامل، أما الإجار فلابد فيها من إجارة المؤجر، وقبول المستأجر.
رابعًا: الجعالة عقد جائز غير لازم، أما الإجارة فهي عقد لازم لا تفسخ إلا برضا الطرفين.
خامسًا: الجعل يستحق في الجعالة بعد تمام العمل، أما الإجارة فيجوز تعجيل الأجرة وتأجيلها، حسب الاتفاق.
سادسًا: الجعالة أوسع من الإجارة؛ لأنها تجوز على أعمال القرب بخلاف الإجارة فلا تجوز.
عن أبي سعيد الخضري ﵁: «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ
стр. 6199
القُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ، فَضَحِكَ وَقَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ». متفق عليه (١).
• حكم اختلاف المالك والعامل:
إذا أختلف المالك والعامل في أصل الجعل، ولم تكن بينه، فيصدق المنكر مع يمينه، كان يقول العامل شرطت لي جعلا، فينكر المالك، ويصُدقَّ المالك مع ينمينه؛ لأن الأصل عدم اشتراط الجعل، وإن أختلفا في نوع العمل كرد الجمل الضائع، أو أختلفا فيمن قام بالعمل فيصدق صاحب العمل مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العمل وإن أختلفا في رد المال فيصدق المالك؛ لأن الأصل عدم الرد، وإن أختلفا في قدر الجعل أو قدر المسافة فالقول قول المالك مع يمنيه؛ لأن الأصل عدم الزائد أو يتحالفان فينفسخ العقد، وتجب أجرة المثل.
стр. 6200
٦ - الخزانة السادسة
٢٣ - اللقطة واللقيط
• اللقطة: هي مال أو مختص ضل عنه ربه، والتقطه غيره.
والشيء الذي لا يعرف صاحبه إن كان أدميا فهو لقيط، وإن كان حيوانًا فهو ضالة، وإن كان غير ذلك فهو لقطة.
• حكم اللقطة:
جواز أخذ اللقطة وتعريفها من محاسن الإسلام، لما فيها من حفظ مال الغير، وحصول الأجر لمن التقطها وحفظها وردها إلى صاحبها، ويستحب لمن أمن نفسه على اللقطة، وقوي على تعريفها أن يأخذها ويعرفها، لما في ذلك من حفظ مال أخيه، وكسب الأجر والثواب، ويحرم أخذ اللقطة على من عرف نفسه بالطمع فيها، وعدم أدائها: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
أقسام الأموال الضائعة:
ينقسم المال الضائع إلى ثلاثة أقسام:
الأول: مالا تتبعه همة أوساط الناس، كالسوط والعصا والرغيف والثمرة ونحو ذلك، فهذا يملك بأخذه، إن لم يجد صاحبه، ولا يجب تعريفه، والأفضل أن يتصدق به.
الثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السباع، كالإبل والبقر، والخيل والظباء والطيور ونحوها، فهذه من ألتقطها فهو ضال؛ لأنه أضلها عن صاحبها، ومن أخذها لزمة ضمانها، وتعريفها أبدا.