← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

ويجوز للإمام دون غيره حمى مرعى للدواب والخيل التي تتبع بيت مال المسلمين كخيل الجهاد وإبل الصدقة ونحوها ما لم يضر بالمسلمين، ومن سبق إلى مباح وحازه فهو له كصيد وعنبر وحطبٍ ونحو ذلك. • حكم التعدي على حق الغير: يحرم على المسلم الاعتداء على حق غيره من مال أو عقار وغيرهما: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. وعن عائشة ﵂ قالت، قال النبي ﷺ : «مَنْ ظَلَمَ قيد شبر من الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». متفق عليه (١). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقٍّ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ». أخرجه البخاري (٢).

стр. 6197

٢٢ - الجعالة • الجعالة: هي جعل مال معلوم لمن يعمل له عملًا مباحاً معلوماً، أو مجهولاً، كبناء حائط أو رد شارد ونحوهما. • حكم الجعالة: الجعالة جائزة، لحاجة الناس إليها، ويجوز لكل من الطرفين فسخها إلا إذا كانت ضررًا على الأخر، فلا يجوز فسخها: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]. صفة الجعالة: أن يقول الإنسان مثلًا من بني هذا الجدار، أو خاط هذا الثوب، أو رد هذا الفرس، فله كذا مالًا، فمن فعل أستحق الجعل. والفرق بين الإجارة والجعالة، أن الإجارة مع شخص معين بنفسه، والجعالة مع كل أحد، فمن شاء قام بالعمل، وأخذ الجعالة. • حكم فسخ الجعالة: يجوز فسخ الجعالة، فإن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئًا، و أن كان الفسخ من الجاعل، فإن كان قبيل الشروع في العمل لم يستحق العامل شيئًا، وإن كان بعده فللعامل أجرة عمله. • حكم من بذل منفعة: من رد لقطه أو ضالة ونحوهما من غير جُعل لم يستحق عوضًا، ويستحب إعطاؤه ما تيسر، شكرًا لإحسانه، ومن أستنقذ مال غيره من الهلكة، ورده إلى صاحبه، أستحق أجرة المثل، ولو بغير شرط: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].

стр. 6198

وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. الفرق بين الإجارة والجعالة: الفرق بين الجعالة والإجارة من وجوه: الجعالة تشبه الإجارة في بذل المال، وحصول المنفعة. وتختلف الجعالة عن الإجارة في أمور: الأول: تصح الجعالة مع معين وغير معين، ولا تصح الإجارة إلا مع شخص أو جهة معينة. ثانيًا: تصح الجعالة على عمل معلوم أو مجهول، ولا تصح الإجارة إلا على عمل معلوم. ثالثًا: لا يشترط في الجعالة قبول العامل، أما الإجار فلابد فيها من إجارة المؤجر، وقبول المستأجر. رابعًا: الجعالة عقد جائز غير لازم، أما الإجارة فهي عقد لازم لا تفسخ إلا برضا الطرفين. خامسًا: الجعل يستحق في الجعالة بعد تمام العمل، أما الإجارة فيجوز تعجيل الأجرة وتأجيلها، حسب الاتفاق. سادسًا: الجعالة أوسع من الإجارة؛ لأنها تجوز على أعمال القرب بخلاف الإجارة فلا تجوز. عن أبي سعيد الخضري ﵁: «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ

стр. 6199

القُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلُوهُ، فَضَحِكَ وَقَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ». متفق عليه (١). • حكم اختلاف المالك والعامل: إذا أختلف المالك والعامل في أصل الجعل، ولم تكن بينه، فيصدق المنكر مع يمينه، كان يقول العامل شرطت لي جعلا، فينكر المالك، ويصُدقَّ المالك مع ينمينه؛ لأن الأصل عدم اشتراط الجعل، وإن أختلفا في نوع العمل كرد الجمل الضائع، أو أختلفا فيمن قام بالعمل فيصدق صاحب العمل مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العمل وإن أختلفا في رد المال فيصدق المالك؛ لأن الأصل عدم الرد، وإن أختلفا في قدر الجعل أو قدر المسافة فالقول قول المالك مع يمنيه؛ لأن الأصل عدم الزائد أو يتحالفان فينفسخ العقد، وتجب أجرة المثل.

стр. 6200

٦ - الخزانة السادسة ٢٣ - اللقطة واللقيط • اللقطة: هي مال أو مختص ضل عنه ربه، والتقطه غيره. والشيء الذي لا يعرف صاحبه إن كان أدميا فهو لقيط، وإن كان حيوانًا فهو ضالة، وإن كان غير ذلك فهو لقطة. • حكم اللقطة: جواز أخذ اللقطة وتعريفها من محاسن الإسلام، لما فيها من حفظ مال الغير، وحصول الأجر لمن التقطها وحفظها وردها إلى صاحبها، ويستحب لمن أمن نفسه على اللقطة، وقوي على تعريفها أن يأخذها ويعرفها، لما في ذلك من حفظ مال أخيه، وكسب الأجر والثواب، ويحرم أخذ اللقطة على من عرف نفسه بالطمع فيها، وعدم أدائها: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. أقسام الأموال الضائعة: ينقسم المال الضائع إلى ثلاثة أقسام: الأول: مالا تتبعه همة أوساط الناس، كالسوط والعصا والرغيف والثمرة ونحو ذلك، فهذا يملك بأخذه، إن لم يجد صاحبه، ولا يجب تعريفه، والأفضل أن يتصدق به. الثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السباع، كالإبل والبقر، والخيل والظباء والطيور ونحوها، فهذه من ألتقطها فهو ضال؛ لأنه أضلها عن صاحبها، ومن أخذها لزمة ضمانها، وتعريفها أبدا.

стр. 6201

عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا». أخرجه مسلم (١). الثالث: سائر الأموال كالنقود والأمتعة والحقائب، والحيوانات التي لا تمتنع بنفسها من السباع كالغنم والفصلان ونحوها، فهذه يجوز أخذها إن أمن نفسه عليها، وقوى على تعرفيها، فيشهد عليها عدليين، ويحفظ عفاصها ووكاها وعددها ثم يعرفها سنة كاملة في المجتمعات العامة كالأسواق وأبواب المساجد ونحوها من وسائل إعلام مباحة، والعفاص وعاء تكون فيه النفقة، والوكاء خيط يشد به الوعاء. وتبرأ ذمة من التقط لقطة إذا سلمها للجهات المسئولة التي نصبها الحاكم في البلد: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]. حكم اللقطة بعد التعريف: إذا عرف الإنسان اللقطة بعد سنة كاملة؛ فإن وجد صاحبها سلمها إليه بلا بينة ولا يمين، وإن لم يجده عَرَفَ عِفاصَها وقدرها، ثم تصرف فيها وتملكها، ومتى جاء صاحبها ووصفها له دفعها إليه، أو مثلها إن كانت قد تلفت، وإن هلكت اللقطة أو تلفت في حول التعريف بغير تعد منه ولا تفريط، فلا ضمان عليه. • ما يفعل باللقطة إذا أخذها: إن كانت اللقطة شاة أو فصيلا أو نحوهما من الضوال، أو ما يخشى فساده من طعام ونحوه؛ فللملتقط أن يفعل الأحظ لمالكه من أكله وعليه قيمته، أو بيعه وحفظ ثمنه، أو حفظة مدة التعريف، ويرجع بما أنفق عليه على

стр. 6202

مالكه كشاة وحيوان ونحوه، والسفيه والصغير يُعرف لقطتهما وليهما، وللملتقط أن يعرفها بنفسه، أو ينيب غيره مكانه، عن زيد ابن خالد ﵁ قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمعَنِ اللُّقَطَةِ، الذَّهَبِ، أَوِ الْوَرِقِ؟ فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ».، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا، دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا».، وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». متفق عليه (١). • حكم لقطة الحرم المكي: لقطة الحرم المكي لا يجوز أخذها إلا إذا خاف عليها التلف أو الضياع، ويجب على آخذها تعريفها ما دام في مكة، أو تسليمها للجهات المختصة كإمارة مكة، أو إدارة الحرم أو غيرهما من الجهات التي كلفها الإمام بمثل ذلك، وإذا أراد الخروج من مكة سلمها لجهات الاختصاص من حاكم أو من ينوب عنه، ولا يجوز تملك لقطة مكة بحال، ولا يجوز أخذها إلا لمن يُعَرِفها أبدًا. ومثلها لقطة الحاج يحرم التقاطها، سواء كانت في الحل أو في الحرم إلا لمن يعرفها أبدا. عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ».

стр. 6203

فَقَالَ العَبَّاسُ ﵁: إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: إِلَّا الإِذْخِرَ». متفق عليه (١). • حكم إنشاد الضالة في المسجد: لا يجوز لأحد أن ينشد ضالته في المسجد، لأن المساجد بنيت لذكر الله وعبادته. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا». أخرجه مسلم (٢). • أحكام اللقيط: اللقيط: هو طفل لا يعرف نسبه ولا رِقُه، نُبذ في مكان أو ضل الطريق. • حكم التقاط اللقيط: التقاط اللقيط فرض كفاية، ولمن أخذه ورباه أجر عظيم، لما في ذلك من إنقاذ نفس من الهلاك، وتربية اللقيط وإعداده لطاعة الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. حكم اللقيط: إذا وجد اللقيط في دار الإسلام حكم بإسلامه، ويحكم بحريته أينما وجد، لأنها الأصل، ما لم يتبين خلاف ذلك، ويختار له إسماً يدعى به، ولا ينسبه من التقطه إلى نفسه، بل ينسبه إلى أسم عام، أو إلى جهة مطلقة كأن يسميه محمد ابن مسلم، أو سليمان العربي، أو فاطمة الجنوبي، ونحو ذلك من الأسماء العامة، ويسجله لدى الجهات المختصة بهذا الاسم: ﴿ادْعُوهُمْ

стр. 6204

لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. حضانة اللقيط: اللقيط لواجده إن كان مكلفا أمينا عدلا، ونفقته على بيت مال المسلمين، وإن وجد معه شيء أنفق عليه منه. • حكم ميراث اللقيط وديته: ميراث اللقيط وديته لبيت المال إن لم يخلف وارثا، ووليه في قتل العمد الإمام يخير فيه بين القصاص والدية لبيت المال. • من يرد إليه اللقيط: إن أقر رجل أو امرأة ذات زوج مسلم أو كافر أنه ولده لحق به، وإن إدعاه جماعة قدم ذو البينة، فإن لم تكن بينة فمن ألحقته القافة به لحقه. • حكم التبني: التبني: هو نسبة الولد لغير أبيه، بحيث يأخذ أحكام الابن من الصلب، وقد حرم الله هذا التبني بقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤ - ٥]. ويستحب لمن له قدرة أخذ اللقيط وتربيته وإطعامه والإحسان إليه حتى يبلغ ويتزوج: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].

стр. 6205

واللقيط ليس أبنا، وإنما هو أجنبي، إلا إذا أرضعته زوجة من كفله أو ابنته فيأخذ حكم الرضاع في الحرمة. وإذا كانت الدولة لا تبيح كفالة اللقيط إلا إذا نسب المتبني الولد إليه؛ وترك هذا التبني يجعل الكفار يأخذون أبناء المسلمين، ويربونه على غير ملة الإسلام، فلا مانع من تسجيل اللقيط باسم من كفله من المسلمين، لكن تكتب ورقة ويشهد عليها أن هذا الولد ليس لمن ينسب له، ولا مانع أن يوصي له بالثلث فما دونه، وذلك عملا بأخف الضررين، والضرورة تقدر بقدرها، وعلى كافل اليتيم اللقيط أن يعلمه حينما يبلغ رشده بنسبه، وحقيقة أمره بالحكمة، درءا للمفاسد التي قد تحدث.

стр. 6206

٧ - الخزانة السابعة ٢٤ - الوقف • الوقف: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، طلبا للثواب من الله . • حكمة مشروعية الوقف: يرغب من يوسع الله عليه من ذوي الغنى واليسار أن يتزودوا من الطاعات، ويكثروا من القربات، فيجعلون شيئا من أموالهم العينية، مما يبقى أصله، وتستمر منفعته، وقفا لله ، خشية أن يؤول بعد الموت إلى من لا يحفظة ولا يصونه، لذا شرع الله الوقف زيادة في أجر الواقف، ومنفعة للموقوف عليه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧]. حكم الوقف: الوقف عبادة مستحبة، وهو من أفضل الصدقات التي حث الله تعالى عليها وأجل أعمال القرب والبر والإحسان، وأعمها وأكثرها فائدة. والوقف من الأعمال التي لا تنقطع بعد الموت، ويصح بكل قول أو فعل يدل عليه: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾ [الحديد: ١٨]. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». أخرجه مسلم (١).

стр. 6207

• شروط صحة الوقف: يشترط لصحة الوقف ما يلي: ١ - أن يكون في عين معلومة ينتفع بها مع بقاء عينها. ٢ - أن يكون على بِر كالمساجد والقناطر، والأقارب والفقراء. ٣ - أن يقف على معين من جهة كمسجد كذا، أو شخص كزيد مثلا، أو صنف كالفقراء. ٤ - أن يكون الوقف مؤبداً منجزا غير مؤقت ولا معلق إلا إذا علقه بموته. ٥ - أن يكون الواقف ممن يصح تصرفه. ٦ - أن يكون الوقف مملوكا للواقف. • ما ينعقد به الوقف: ينعقد الوقف بالقول؛ كأن يقول وقفت أو حبست وسبلت ونحوها. ويصح بالفعل كمن بنى مسجدا وأذن للناس بالصلاة فيه، أو مقبرة وأذن للناس بالدفن فيها، أو يحفر بئرا ويأذن للناس بالشرب والسقي منها. • صفة التصرف بالوقف: يجب العمل بشرط الواقف في جمع، وتقديم، وترتيب ونحوها ما لم يخالف الشرع، فإن أطلق ولم يشترط الواقف عُمِل بالعادة والعرف مالم يخالف الشرع، وإلا فَهُمْ سواء في الاستحقاق. • ما يشترط في العين الموقوفة: يشترط في العين الموقوفة المنفعة دائما من عقار وحيوان وبستان وسلاح وأثاث ونحوه، وأن تكون مباحة النفع. ويستحب أن يكون الوقف من أطيب المال وأحسنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ

стр. 6208

مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]. كيف يكتب الوقف: عن ابن عمر ﵄ قال: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا».، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الفُقَرَاءِ، وَالقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ». متفق عليه (١). • أحكام الوقف: ١ - إذا وقف الإنسان على جماعة يمكن حصرهم، وجب تعميمهم والتسوية بينهم، فإن لم يمكن حصرهم كقبيلة كذا جاز التفضيل والاقتصار على بعضهم. ٢ - إذا وقف على أولاده، ثم على المساكين، فهو لأولاده الذكور والإناث وأولادهم وإن نزلوا للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كان لبعضهم عيال، أو ذو حاجة أو عاجز عن الكسب، فله أن يخصه بما يسد حاجته. ٣ - إذا قال: هذا الوقف وقف على أبنائي، أو بني فلان، اختص بالذكور دون الإناث إلا أن يكون الموقوف عليهم قبيلة كبني هاشم ونحوها، فيدخل النساء مع الرجال. ٤ - الوقف أصل ثابت يجوز دفعه إلى آخر يقوم بتعميره من ماله بنسبة معينة من الربع.

стр. 6209

٥ - ليس للوقف مقدار محدد، وهو يختلف باختلاف الناس، فمن كان غنيا لا وارث له، فيسن له أن يوقف كل ماله، ومن كان غنياً له ورثة، فيسن له أن يوقف بعضه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. • الحكم إذا تعطلت منافع الوقف: الوقف عقد لازم لا يجوز فسخه، ولا يباع، ولا يورث، ولا يوهب، ولا يرهن، فإن تعطلت منافعه بخراب أو غيره وجب بيعه ويصرف ثمنه في مثله كالمسجد إذا تعطلت منافه، يباع وينقل لمسجد آخر حفظا لمصلحة الوقف، ما لم يترتب على ذلك مفسدة أو مضرة لأحد: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤]. • ما يصح وقفه: يجوز وقف كل ما جاز بيعه، وجاز الانتفاع به، مع بقاء عينه من عقار ومنقول، فالعقار كالأرض والدار والدكان ونحو ذلك، والمنقول كالحيوان والسيارة والسلاح والدروع والآلات والكتب والحلي والأثاث ونحو ذلك. عن ابن عمر ﵄: «أَنَّ عُمَرَ ﵁ وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا».، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَذِي القُرْبَى وَالضَّيْفِ». متفق عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمبِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَنْقِمُ ابْنُ

стр. 6210

جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمفَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». متفق عليه (١). • اختيار الوقف: الله ﵎ طيب لا يقبل إلا طيبا، فإذا أراد المسلم أن يوقف شيئا طلبا لمرضاة الله ، يحسن به أن يختار أحسن أمواله وأنفسها عنده، وأحبها إليه، وذلك من تمام البر والإحسان: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]. وعن أنس ابن مالك ﵁ قال: «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلميَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمفَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ». متفق عليه (٢).

стр. 6211

• أفضل الأوقاف: أفضل الأوقاف وأحبها إلى الله ، هو كل ما عم نفعه لعموم الناس، في كل زمان ومكان، كوقف الماء، وبناء المساجد، ودور العلم، والوقف على المجاهدين في سبيل الله، والوقف على طلبة العلم، والوقف على الأقارب والفقراء، والوقف على البساتين التي يطعم منها الفقراء والمساكين والمحتاجين. وأفضل الأوقاف ما فيه إحياء للنفوس والقلوب، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال والأشخاص. وإذا كان الإنسان في بلد يموت فيه الناس من الجوع والعطش فالأفضل الوقف على إنقاذ الناس من الموت والجوع والعطش، والصدقة على القريب الفقير أفضل، لأنها صدقة وصلة. وإذا كان الإنسان في بلد فيها الأرزاق متيسرة، والناس محتاجون للعلم، فبناء المساجد، ودور العلم، وطباعة الكتب، أفضل وأعظم ثوابا وهكذا: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. أنواع الأوقاف في عهد الرسول ﷺ : عن أنس بن مالك ﵁ قال: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمالمَدِينَةَ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، وَقَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا». قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ». متفق عليه (١).

стр. 6212

وعن ابن عمر ﵄ قال: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا».، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُبْتَاعُ، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ». متفق عليه (١). وعن ابن عباس ﵄: «أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا». أخرجه البخاري (٢). وعن أبي عبد الرحمن: «أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ حِينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمقَالَ: «مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ».؟ فَحَفَرْتُهَا، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ».؟ فَجَهَّزْتُهُمْ، قَالَ: فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ». أخرجه البخاري (٣). وعن عمر ابن الخطاب ﵁ قال: «حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَابْتَاعَهُ أَوْ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ،

стр. 6213

فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». متفق عليه (١). • حكم تغيير صورة الوقف: يستحب تغيير صورة الوقف إذا تعطلت منافعه، أو بعض منافعه، للمصلحة كجعل الدور حوانيت، والبساتين دورا ومساكن. ونفقة الوقف من غلته مالم يشترط من غيرها، وتجوز مخالفة نص الواقف إلى ما هو أصلح وأنفع وأحب إلى الله تعالى. • ناظر الوقف: إذا لم يعين الواقف ناظرا للوقف فالنظر يكون للموقوف عليه إن كان معينا، وإن كان على جهة كالمساجد أو من لا يمكن حصرهم كالمساكين؛ فالنظر على الوقف للحاكم، ويجوز تعدد النظار عند الحاجة كما لو كان الوقف من المزارع الكبيرة والوقف كبيرا. ويشترط في الناظر: ١ - العدالة. ٢ - الكفاية. فإن لم تتوفر العدالة والكفاية، نزع الحاكم الوقف منه، وأشرف عليه، حفظا لمصلحة الوقف، والموقوف عليه. • وظيفة الناظر: مهمة ناظر الوقف محصورة في أمرين: الأول: المحافظة على الوقف ورعايته وصيانته وتنميته.

стр. 6214

الثاني: صرف الوقف على الجهة التي سمى الواقف، ولا يتصرف زيادة على ذلك إلا بإذن القاضي. • عزل الناظر: يجوز للواقف عزل الناظر متى شاء، وللناظر عزل نفسه متى شاء، بعلم القاضي. ويجب على القاضي عزل الناظر في الأحوال الآتية: ١ - إذا كان خائنًا غير مأمون. ٢ - أو كان عاجزًا. ٣ - أو ظهر به فسق كشرب الخمر ونحوه. ٤ - أو كان يصرف مال الوقف في غير المعين له. وإذا تم عزل الناظر، عين القاضي ناظرا غيره على الوقف، وتكون أجرته من ريع الوقف يقدرها القاضي حسب العرف. • حكم الوقف على الورثة: يجب على المسلم التسوية بين أولاده، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا يجوز تفضيل بعضهم على بعض بدون سبب ظاهر، وإذا كان أحد أولاده مريضا أو عاجزا، فيجوز أن يخصه بما يسد حاجته، ويحرم على الإنسان أن يقف وقفا يضار به الورثة، فإن فعل فالوقف باطل، وإذا خاف الرجل على بناته أن تطلق من بعده أو ترمل بناته من بعده، فلا حرج عليه أن يوقف عليهن الدور شفقة عليهن، ورحمة بهن؛ لأن الذكر يستطيع أن يتكسب بخلاف الأنثى، خاصة إذا طلقت ربما لا تجد من يرفق بها، خاصة إذا لم يكن لها أبناء، أو من يقوم عليها.

стр. 6215

• حكم أوقاف الكفار: أوقاف الكفار نوعان: أحدهما: الوقف على معين أو جهة: يجوز للإنسان الوقف عليها كإطعام الفقراء، وإصلاح الطرق، وحفر الآبار، والمصالح العامة ونحوها. فهذا الوقف صحيح ينفع صاحبه الكافر في الدنيا لا في الآخرة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. الثاني: الوقف على الكنائس والبيع ومواطن الشرك ونحوها، فهذا الوقف لا يصح من مسلم ولا كافر، لما فيه من الإعانة على الكفر وتقويته واستمراره، وللإمام أن يستولي على كل ذلك، ويجعله في القربات التي شرعها الله ورسوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. حكم زكاة الوقف: الوقف له حالتان: الأولى: إذ كان الوقف على جهة تستحق الزكاة كالفقراء والمساكين، فهذا لا زكاة فيه لأنه وصل إلى أهل الزكاة. الثانية: إذا كان الوقف على جهة لا تستحق الزكاة كأولاده؛ فهذا بمجرد صرف الأموال لكل واحد من الموقوف عليهم، يستقبل به الحول، ثم يزكيه إذا حال عليه الحول، وبلغ النصاب. • حكم وقف الكافر: الوقف قربة يتقرب بها العبد المسلم إلى الله ، فلا ثواب فيه لكافر، ويصح الوقف المشروع من الكافر، لكن يثاب على الصدقات في الدنيا بمال أو ولد أو عافية، ولا حظ له من ثواب الآخرة، لكفره المانع من قبول

стр. 6216

عمله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]. وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا». أخرجه مسلم (١). • مبطلات الوقف: يبل الوقف بما يلي: ١ - الوقف على كنيسة. ٢ - الوقف على معصية. ٣ - الوقف على كافر حربي. ٤ - الجهل بسبق الوقف على الدين. ٥ - موت الواقف قبل تسليم الوقف.

стр. 6217

٨ - الخزانة الثامنة ٢٥ - الهبة • الهبة: هي تمليك الإنسان ماله لغيره في الحياة بلا عوض. والهدية: هي ما يهدى للإنسان من مال غيره في الحياة بلا عوض. والعطية: هي التبرع بالمال في الحياة بلا عوض. والوصية: هي التبرع بالمال بعد الوفاة. والصدقة: هي التبرع بالمال في الحياة، طلبا للثواب من الله تعالى في الكل. وتطلق الهبة على الهدية والعطية، والجميع داخل في باب البر والإحسان، والصلة والمعروف، فالهبة والصدقة والعطية من رأس المال، والوصية من الثلث فأقل لغير وارث، وما زاد على الثلث أو كان لوارث، فهو موقوف على إجازة الورثة بعد الموت: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. • حكمة مشروعية الهبة: شرع الله الهبة، لما فيها من تأليف القلوب، وتوثيق عُرَى المحبة بين الناس، خاصة إذا كانت على قريب أو جار أو ذي عداوة، فقد تحصل الخصومات. ويقع التنافر والتباغض، وتنقطع صلة الأرحام، فشرع الله الهبة والهدية، لتصفو القلوب، وإزالة كل ما يسبب الفرقة بين الناس، وتطهر النفوس من رذيلة البخل والشح والطمع، ويحصل الأجر والثواب لمن فعلها ابتغاء

стр. 6218

وجه الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. حكم الهبة: الهبة عبادة من العبادات، وهي مستحبة لما فيها من تأليف القلوب، وتحصيل الأجر والثواب، وحصول المحبة والمودة. عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا». أخرجه البخاري (١). وعن عائشة ﵂ قالت: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا». أخرجه البخاري (٢). • فضل الهبة: قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ». متفق عليه (٣).

стр. 6219

وعن عائشة ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِي: إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ، ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمنَارٌ، فَقُلْتُ يَا خَالَةُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلمجِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلممِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا». متفق عليه (١). • فقه الإنفاق الشرعي: الله كريم، يحب الجود والكرم، وقد رغب الإسلام في الهدية والهبة والعطية، وكان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فلهو أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها، ويدعوا إلى قبولها ويرغب فيها، وكان أعظم الناس صدقة بما ملكت يده، لا يسأله أحد شيئا إلا أعطاه إياه، قليلا كان أو كثيرا، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان العطاء صدقة أحب شيء إليه، وكان فرحه وسروره بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه منه، إذا عرض له محتاج آثره على نفسه. وكان ﷺ ينوع في أصناف عطائه وصدقته، تارة بالهبة، وتارة بالصدقة، وتارة بالهدية، وتارة يشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه، وتارة يقترض الشيء فيرده أكثر منه، وتارة يشتري الشيء ثم يعطي البائع السلعة، وثمن السلعة جميعا، وبذلك كان أشرح الناس صدرا، وأطيبهم نفسا صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].

стр. 6220

كرم النبي ﷺ : عن ابن عباس ﵄ قال: «كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمأَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَانَ يَلْقَاهُ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمالْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمأَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ». متفق عليه (١). وعن أنس ﵁ قال: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمعَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ». أخرجه مسلم (٢). • ما تنعقد به الهبة: تنعقد الهبة بكل لفظ يفيد تمليك المال بلا عوض، كوهبتك أو أهديتك أو أعطيتك، وتنعقد بكل معاطاة دالة عليها. • ما يصح هبته: كل ما يجوز بيعه تجوز هبته من الأموال والعقار، قليلا كان أو كثيرا، ويستحب قبولها، ويكره ردها وإن قلت. • شروط الهبة: يشترط لصحة الهبة ما يلي: ١ - أن يكون الواهب جائز التصرف. ٢ - أن يكون مختارًا. ٣ - أن يكون مالكا للموهوب.

стр. 6221

٤ - وأن يذكر ما يدل على الهبة. ويشترط في الموهوب: ١ - أن يكون موجودًا حقيقة. ٢ - وأن يكون مالًا متقومًا. ٣ - وأن يكون مملوكًا للواهب. • أنواع الهبة: الهبة إن كانت من الغني لمثله، فهي من أجل المودة والمحبة، وإن كانت من الغني إلى الفقير، فهي للإحسان والمواساة، وإن كانت الهبة من الفقير إلى الغني، فهي غالبا يراد بها المكافاة. فالهبة نوعان: الأول: هبة مطلقة: لا يقصد بها العوض، وإنما يقصد بها الأجر، وحصول المودة، سواء كانت لمن دونه، أو أعلى منه، أو مثله، وهذا هو الأصل، وهي مستحبة. عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلمفَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسَهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ، إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ». متفق عليه (١). الثاني: هبة مقيدة: وهي التي يقصد بها ثواب الدنيا، فهذه حكمها حكم البيع، والغالب أن المُهدِي يطلب بها أكثر مما أَهْدَى، والأفضل أن يقنع بما أهدي إليه، ولا يجعل الهدية طريقا لابتزاز أموال الناس: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا

стр. 6222

لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وقال الله : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. ما تملك به الهبة: الهبة والصدقة تملك بالقبض، فإن لم يقبض الإنسان الهبة أو الصدقة فمن حق الواهب أو المتصدق أن يرجع فيها، عند وجود عارض يمنعه من الصدقة أو الهبة. • الأولى بالهدية: الأولى بالهدية والهبة والعطية الأقرب فالأقرب من الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء من الأغنياء والفقراء. عن عائشة ﵂: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا». أخرجه البخاري (١). وعن ميمونة بنت الحارث ﵂ أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله ﷺ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ، كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ». متفق عليه (٢). • حكم أخذ العطاء: من جاءه مال أو شيء من غير إشراف أو مسألة، فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه، فإن شاء تموله، وإن شاء تصدق به.

стр. 6223

عن ابن عمر ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلمكَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ: أَعْطِهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». متفق عليه (١). • كيف يعطي الإنسان أولاده: يسن للقادر أن يعطي أولاده حال حياته، ويجب عليه التسوية بينهم على حسب ميراثهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن فضل بعضهم على بعض سوي برجوع أو زيادة، وإذا أعطى الإنسان أحد أولاده لمعنى فيه من زمانه أو كثرة أولاد أو مرض أو الانشغال بعلم ونحوه، جاز التخصيص من أجل ذلك، ويحرم ذلك على سبيل الأثرة. عن عامر قال: «سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄، وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟».، قَالَ: لَا، قَالَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ، قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ». متفق عليه (٢).

стр. 6224

• حكم من عمل في مال أبيه: الأولى أن يجعل الأب أبنه الذي يدير تجارته شريكا معه بنسبة معينة مكتوبة، لئلا يقع الخلاف بين الأولاد، فإن لم يكن هذا، وحصل الخلاف، فالأب مخير بين ثلاثة أمور: ١ - أن يعامل الابن كأنه شريك له نسبة يقدرها أهل الخبرة كالربع أو الخمس ونحو ذلك. ٢ - أن يقدر أهل الخبرة للابن الذي عمل مع أبيه أجرة المثل كأنه عامل مع أبيه. ٣ - أن ينصف الأب أبنه الذي عمل معه بأن يخصه بعطية من المال تقابل عمله، بشرط أن يعطيه الأب حال الحياة. • حكم الرجوع في الهبة: لا يجوز لواهب أن يرجع في هبته المقبوضة إلا الأب فيما وهب لأولاده، ويجوز للأب أن يأخذ من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه إلا بنفقته الواجبة عليه، وليس للأب القادر أن يقضي دين ولده من الصدقة أو الزكاة إذا كان غنياً. عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». متفق عليه (١). • ما يُسنُ للمُهْدِي والمُهْدَى له: الهدية والهبة والعطية عبادة تجلب المحبة، والمودة، إذا كانت ابتغاء وجه الله ، ويستحب الإهداء للأقارب والصغار، والوجها والكبار وسائر

стр. 6225

الناس ابتغاء وجه الله تعالى، ويستحب قبول الهدية والإثابة عليها مقابلة للجميل بمثله أو أفضل منه، لئلا يكون لأحد عليه منة، فإن لم يجد دعا له، وإن جمع بينهما فهو أفضل: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا». أخرجه البخاري (١). وعن أسامة ابن زيد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ». أخرجه الترمذي بسند صحيح (٢). • حكم رد الهدية: يجوز رد الهدية لسبب، كأن يعلم أن المهدي صاحب منة، أو يعيره بها، أو يتحدث بها ونحو ذلك، ويجب رد الهدية إن كانت مسروقة أو مغصوبة أو منهوبة. • حكم العطية عند الموت: من مرضه مخوف كالطاعون، وذات الجب ونحوهما فلا يلزم ولا يصح تبرعه لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة له بعد الموت، كما لا يلزم ولا يصح تبرعه بما فوق الثلث لغير وارث إلا بإجازة الورثة له بعد الموت.

стр. 6226

• حكم الهدية للمشرك وقبولها منه: تشرع الهدية للمشرك، وقبولها منه، تأليفا لقلبه، وطمعا في إسلامه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]. وعن أنس ﵁ قال: «أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلمجُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا». متفق عليه (١). وعن أسماء ﵂ قالت: «قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ». متفق عليه (٢). • ما لا يرد من الهدايا: عن أنس: ﵁ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلمكَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ». أخرجه البخاري (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ طَيِّبُ الرِّيحِ». أخرجه مسلم (٤). • ما يُفعل بالهبة أو الهدية أو العطية التي لا تليق به: عن علي ﵁ قال: «أَهْدَى إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةَ سِيَرَاءَ، فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي». متفق عليه (٥).

стр. 6227

وعن ابن عمر ﵄ قال: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا، وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا، فَقَالَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، فَأَتَاهَا عَلِيٌّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: لِيَأْمُرْنِي فِيهِ بِمَا شَاءَ، قَالَ: تُرْسِلُ بِهِ إِلَى فُلَانٍ، أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَةٌ». أخرجه البخاري (١). وعن عبد الله ابن عمر ﵄ قال: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ». ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁، أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا». متفق عليه (٢). • من أهدي له هدية في مجلس فهو أحق بها: عن ابن عمر ﵄: «أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ عَلَى بَكْرٍ لِعُمَرَ صَعْبٍ، فَكَانَ يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَقُولُ أَبُوهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ ﷺ أَحَدٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : بِعْنِيهِ، فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ لَكَ، فَاشْتَرَاهُ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ». أخرجه البخاري (٣).

стр. 6228

• قبول الهدية، وإن قلت: قبول الهدية فيه تطيب لقلب المهدي، وإزالة الوحشة بين الناس. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ». أخرجه البخاري (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «أتي النبي ﷺ بمال تُصُدِّقَ به عَلَى بَرِيرَةَ، قَالَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ». متفق عليه (٢). • حُكم المكافأة على الهدية أو الهبة أو العطية: يستحب قبول الهدية، والمكافأة عليها بأحسن منها أو مثلها مقابلة للجميل بمثله ولئلا يكون لأحد عليه منة، فإن لم يجد دعا له. عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا». أخرجه البخاري (٣). وعن أبي هريرة رضي ﵁ عن النبي: ﷺ «أَنَّهُ أَخَذَ سِنًّا، فَجَاءَ صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالُوا لَهُ: فَقَالَ: إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا، ثُمَّ قَضَاهُ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ، وَقَالَ: أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً». متفق عليه (٤). • حُكم الثناء على المهدي: يستحب الثناء على المهدي، والدعاء له، شكرا لإحسانه وبذله. عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاء». أخرجه الترمذي (٥).

стр. 6229

وعن أنس ﵁ قال: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، أَتَاهُ الْمُهَاجِرُونَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ، وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ، مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَأ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا، مَا دَعَوْتُمْ اللهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ». أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح (١). • حُكم الهدية لجلب مصلحة: من أهدى هدية لولي أمر أو غيره، ليفعل معه ما لا يجوز، كان حراما على المهدي، والمهدى إليه، فإن فعل ذلك كان من الرشوة الملعون آخذها أو معطيها؛ وإن أهداه هدية، ليكف ظلمه عنه، أو ليعطيه حقه الواجب له، فهذه الهدية حرام على الآخذ، وجاز للدافع دفعها إليه دفعا لشره، وحفظا لحق الدافع. عن أبي حميد السعدي ﵁ قال: «اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسْدٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ سُفْيَانُ أَيْضًا فَصَعِدَ المِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَم وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ، أَلا هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا». متفق عليه (٢).

стр. 6230

وعن أبي هريرة ﵁ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ». أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح (١). • الفرق بين الهدية والرشوة: الراشي يقصد بالرشوة إبطال حق، أو إحقاق باطل، فهذا محرم، فإن رشاه لدفع الظلم عن نفسه اختص المرتشي وحده باللعنة، وأما المهدي فقصده استجلاب المودة والإحسان، فإن قصد المكافأة فهو معاوض، وإن قصد الربح فهو مكاثر. • حُكم العمرى والرقبة: العمري: أن يهب الإنسان غيره شيئا مدة عُمْرِه، فإذا مات عادت للواهب، كأن يقول أعمرتك هذه الدار مدة عمرك أو مدة عمري. والرُقْبَةُ: كأن يقول: أرقبتك داري مدة حياتك، فإن مت قبلي رجعت إلي، وإن مت قبلك، فهي لك ولعقبك. فالعمري والرقبة نوع من الهدية، لكنها موقتة بوقت، وحكمها أنها جائزة والتوقيت باطل، فتكون العمري والرقبة لمن وهبت له في حياته، ولورثته من بعده، ولا ترجع للواهب. عن جابر ابن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، وَلِعَقِبِهِ». أخرجه مسلم (٢). وعن جابر ﵁ قال: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالعُمْرَى، أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ». متفق عليه (٣).

стр. 6231

• حُكم رد الهدية: يستحب قبول الهدية، ويجوز رد الهدية لسبب كأن يعلم أن المهدي صاحب منة، أو يعيره بها، أو يتحدث بها أمام الناس. ويجب رد الهدية لمانع شرعي، كأن تكون مسروقة أو مغصوبة أو محرمة. عن عبد الله ابن عباس ﵄ عن الصعب ابن جثامة الليثي: «أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ». أخرجه البخاري (١). وعن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي». متفق عليه (٢).

стр. 6232

٩ - الخزانة التاسعة ٢٦ - الصدقة • الصدقة: هي ما يعطى للفقراء والمحتاجين من مال، طلبا للثواب من الله تعالى. والمواساة بالمال على ثلاث مراتب: الأولى: أن تنزل المحتاج منزلة عبدك، فتعطيه ابتداء، ولا تحوجه إلى السؤال، وهي أدناها. الثانية: أن تنزله منزلة نفسك، وترضى بمشاركته إياك في مالك، وهذه هي أوسطها. الثالثة: أن تؤثره على نفسك، وهذه مرتبة الصديقين، وهي أعلاها: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩]. حُكم الصدقة: الصدقة والهبة كلاهما مستحب، وقد حث الإسلام على الصدقة والهدية والعطية، لما فيها من تأليف القلوب، وتوثيق عرى المحبة بين المسلمين، وبين الناس، وتطهير النفوس من رذيلة البخل والشح، وجعل الله لمن فعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى الأجر الجزيل، والثواب العظيم: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾ [الحديد: ١٨].

стр. 6233

وقال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. هدي النبي ﷺ في الإنفاق: الله ﷻ جواد كريم، يحب الجود والكرم والسخاء من الناس للناس، وكان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان يقبل الهدية، ويثيب عليها، ويدعوا إلى قبولها، ويرغب فيها، وكان ﷺ أعظم الناس صدقة بما ملكت يده، لا يسأله احد شيئا إلا أعطاه قليلا كان أو كثيرا، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان العطاء والإحسان أحب شيء إليه، وكان سروره وفرحه ﷺ بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه منه، إذا عرض له محتاج آثره على نفسه. وكان ﷺ ينوع في أصناف عطاءه وصدقته، تارة بالهبة، وتارة بالصدقة وتارة بالهدية، وتارة يشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه، وتارة يقترض الشيء ثم يرد أكثر منه، وتارة يشتري الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة معا، ولذلك كان أشرح الناس صدرا، وأطيبهم نفسا، وأحسنهم خلقا، صلوات الله وسلامه عليه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 6234

وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال الله عن الأنبياء والرسل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. فضل الجود والإحسان: قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ». متفق عليه (١). • أعظم الصدقة: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل للنبي ﷺ فقال يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ». متفق عليه (٢). • فضل الإنفاق في وجوه البر: الإنفاق في سبيل الله، في مصالح المسلمين، وعلى المحتاجين، من أعظم القرب، والثواب الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، إلى أضعاف مضاعفة، والله يضاعف لمن يشاء.

стр. 6235

ويتفاوت الإنفاق بحسب حال المنفق، ونيته، وإيمانه، وإخلاصه، وإحسانه، وانشراح صدره، والسرور بذلك، وبحسب مقدار النفقة والصدقة، ونفعها، ووقوعها موقعها، وبحسب طيب المنفق منه، وسلامته وطهارته، وكيفية إنفاقه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ [البقرة: ٢٦١ - ٢٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ». متفق عليه (١). • حُكم الصدقة: الصدقة سُنةٌ كل وقت، بالفاضل عن كفايته، وكفايته من يمونه، وتتأكد في زمان وأحوال، فالزمان كرمضان، وعشر ذي الحجة. والحالات أوقات الحاجة أفضل، دائمة كفصل الشتاء، أو طارئة كأن تحصل مجاعة أو جدب أو غير ذلك.
следующие страницы →