← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ». متفقٌ عليه (١). الرابعة: أنهم تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم. عن أنس ﵁ في قصة الإسراء وفيه فقال أنس: «وَالنَّبِيُّ ﷺ نَائِمَةٌ عَيْنَاهُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَتَوَلَّاهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّمَاءِ» أخرجه البخاري (٢). الخامسة: أنهم يخيرون عند الموت بين الدنيا والآخرة. عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخرة». متفقٌ عليه (٣). السادسة: أن الأنبياء والرسل يقبرون حيث ماتوا. عن أبي بكر ﵁ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: «لَنْ يُقْبَرَ نَبِيٌّ إِلَّا حَيْثُ يَمُوتُ فَأَخَّرُوا فِرَاشَهُ، وَحَفَرُوا لَهُ تَحْتَ فِرَاشِه». أخرجه أحمد بسند صحيح (٤). السابعة: أن الأنبياء والرسل أحياء في قبورهم يصلون. عن أنس ﵃ أن الرسول الله صلى الله عليه وسلمقال: «مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». أخرجه مسلم (٥).

стр. 667

وعن أنس ﵁ أن النبي الله صلى الله عليه وسلمقال: «الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ». أخرجه أبو يعلى بسندٍ جيد (١). الثامنة: إن أزواجهم لا تنكح من بعدهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣]. • تفاضل الأنبياء والرسل: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام سواءٌ من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما يكون التفاضل بين الأنبياء والرسل في زيادة الأحوال، والخصائص، والآيات، والألطاف؛ ولهذا منهم رسل، ومنهم أنبياء، ومنهم ألوا العزم، ومنهم من اتخذ الله خليلاً، ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ونحو ذلك من الفضائل. وأفضلهم في ذلك كله سيد ولد آدم محمد ﷺ : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال الله ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء: ٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].

стр. 668

وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إلى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ». أخرجه مسلم (١). وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى». متفقٌ عليه (٢). ورسل الله إلى خلقه هم أفضل البشر على الإطلاق: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]. فهم أفضل البشر؛ لأنهم يدعون الناس إلى ربهم، ويهدونهم إلى خالقهم ويتعبون من أجل راحتهم، فما أسعد من آمن بهم، وتشرف بصحبتهم وإتباعهم، وما أحسن صحبتهم في الدنيا والآخرة، وإنما ينال العبد ذلك إذا أطاع الله ورسوله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]. وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلموقد ذاقوا طعم صحبته في الدنيا، يتشوقون إلى صحبته في الآخرة، فقد كان أمر صحبته في الآخرة يشغل قلوبهم وأرواحهم، وإنه حقًا لأمرٌ يشغل كل قلب ذاق محبة ذلك الرسول الكريم، وعرف ما قام به، وما جاء به من الخير.

стр. 669

فعن ربيعة الأسلمي قال: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: «سَلْ» فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ» قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُود». أخرجه مسلم (١). وقيل للنبي ﷺ : الرجل يحب القوم، ولما يلحق بهم، قال: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ». متفقٌ عليه (٢). وهذه المحبة للرسل إنما تنشا عن معرفة عظمة ما جاءوا به من الخير، ومن حسن أخلاقهم، ومن معرفة رحمتهم للبشر وبذلهم ومواساتهم، ومن صبرهم وتحملهم الشدائد من أجل هداية الناس، ومن معرفة كمال عبوديتهم لربهم، وشكرهم لمولاهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].

стр. 670

٢ - الخزانة الثانية • وظيفة الأنبياء والرسل: وظيفة الرسول أداء الرسالة، لا إحداث الخير، ولا إحداث السوء فهذا من أمر الله الذي بيده ملكوت كل شيء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وأمر الناس مع الرسول أن من أطاعه فقد أطاع الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠]. ومن تولى معرضا مكذبًا فأمره إلى الله من ناحية حسابه وجزائه ولم يرسل الله الرسول ليجبره على الهدى، أو يكرهه على الدين، وليس موكلاً بحفظه من العصيان والضلال، فهذا ليس داخلاً في وظيفة الرسول، ولا داخلًا في قدرة الرسول، إنما ذلك بيد الله وحده: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ [يونس: ٩٩ - ١٠٠]. فكل ما يحصل في الكون لا يكون إلا بإذن الله وإرادته، وقدره ومشيئته، وكل ما يحصل للناس من الحسنات والسيئات، والنعم والمصائب فلا يقع إلا بإذن الله وإرادته، لأنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد. لكن الحسنات والنعم من فضل الله ، وما أصاب العبد فبما كسيت يداه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].

стр. 671

وما يصيب الناس من حسنةٍ ونعمة فهي من عند الله؛ لأنه بسبب منهجه وهدايته، وفضله، وإحسانه، وما يصيبهم من سيئة ومصيبة فهي من عند أنفسهم؛ لأنها حصلت لهم بسبب تنكبهم عن منهج الله، والإعراض عنه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩]. فالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلمطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع. والرسول صلى الله عليه وسلموظيفته أنه رسولٌ يبلغ ما جاء به من عند الله إلى خلقه، وطاعته فيما يأمر به طاعةٌ لله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. وليس هناك طريقٌ لطاعة الله غير طاعة رسوله ﷺ : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠]. والرسول صلى الله عليه وسلمليس مكلفًا أن يحدث الهدي للمعرضين من المتولين، ولا أن يحفظهم من الإعراض بعد التولي بعد البلاغ والبيان: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٨]. والأنبياء والرسل هم مصابيح الدجى، وينابيع الهدي في هذه الأرض، فهدي الله للبشر جاء بواسطتهم، وما أرسل الله الرسل إلا ليطاعوا، وما أنزل الله الكتب إلا ليحكم بها بين الناس بالعدل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ

стр. 672

لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨]. فالذين أنكروا إرسال الرسل ما عرفوا الله، ولا عرفوا حكمته ورحمته، وعدله وإحسانه، وكرمه وفضله؛ فمن أنكر بعثة الأنبياء، وإرسالهم إلى الناس، فما أسفهه هؤلاء وأجهلهم بربهم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ [الأنعام: ٩١]. وكل هذا جهلٌ بقدر الله ، فالله العظيم الكريم، الرحمن الرحيم، العليم الحكيم، لا يدع هذا الإنسان وحده، هو الذي خلقه، ويعلم سره وجهره، وطاقاته وقواه، وحاجاته إلى منهج يعتمد عليه، ويسير عليه، ومبادئ يرجع إليها في أفكاره وأقواله وأفعاله. فلله الحمد والمنة على أن أرسل إلينا رسولًا يبين لنا ما يحب ربنا وما يرضيه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. والله خلق الإنسان في أحسن تقويم وزوده بالآلات العلم والمعرفة وهى: السمع .. والبصر .. والعقل. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].

стр. 673

والله سبحانه يعلم أن العقل الذي أعطاه للإنسان لا يستقل بمعرفة ما ينفعه وما يضره، ويتعرض لضغوط كثيرة من رغباته وشهواته، وليس العقل موكلاً بصياغة نظام ومنهج حياة، هذا مجال الدين والشريعة التي تأتى من الله بواسطة رسله، فيؤمن به ويتبع ما جاءت به، فيسعد في دنياه وآخرته: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾ [الحديد: ٩]. فالعقل مستقبل للوحي فقط: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. ومن ثمَ فمن رحمة الله لا يكل الإنسان إلى هذا العقل وحده، ولا يكله كذلك إلى ما أودع في فطرته من معرفة ربه، وشوقه إليه، ولجوئه إليه في الشدائد: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. فهذه الفطرة قد تفسد بسبب المؤثرات، وبسبب الأهواء والتزيين الذي يقوم به شياطين الإنس والجن بكل ما يملكون من أجهزة التوجيه والتأثير، كما قال الله في الحديث القدسي: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ» أخرجه مسلم (١).

стр. 674

إنما يكل الله الناس إلى وحيه ورسله، وهداه وكتبه، ليرد فطرتهم إلى استقامتها وصفائها، وليرد عقولهم إلى صحتها وسلامتها ليجلو عنهم غاشية الظلام والتضليل الذي أصابهم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. وهذا هو الذي يليق بكرم الله وفضله ورحمته، وعدله وإحسانه وحكمته وعلمه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣]. فما كان الله ليخلق البشرية، ويجمعهم في الأرض، ثم يتركهم سدى، ثم يحاسبهم يوم القيامة ولم يبعث فيهم رسولًا يبين لهم ما يتقون، وينزل عليهم كتاباً به يهتدون: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. ومنَّ الله على البشرية كافة ببعثة الأنبياء والرسل إليهم، وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بالتوحيد المطلق الخالص، الذي لا ظل فيه للشرك في صورة من صوره، وأمروهم بعبادة الله وحده، وأخبروا أممهم أنهم بشر لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًا، ولا يعلمون الغيب إلا ما طلعهم الله عليه، ولا يملكون بسط الرزق أو قبضه لأحد، وأنذروا قومهم الآخرة وما فيها من حسابٍ وجزاء، وثوابٍ وعقاب. فهذه الأصول الذي دعا إليها كل رسولٍ من رسل الله إلى عباده: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].

стр. 675

والإيمان بالرسل ليس فقط اعتقادًا بالقلب؛ بل هو مع ذلك عملٌ إيجابي في تنفيذ جميع ما جاءوه به: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وعملٌ كذلك إيجابي في نصرة هؤلاء الرسل، وشد أذرهم فيما ندبهم الله له، وفيما أوقفوا حياتهم كلها لأدائه، وهو إبلاغ رسالة الله إلى عباده: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ودينه وشرعه مقتضاه أن ينهض المؤمن لينصر ما آمن به، وليقيمه في الأرض، وليحققه في حياة الناس كافة كما فعل النبي ﷺ ، وذلك يحتاج إلى دعوه، وبذل للأنفس والأموال والأوقات، وترك كل شيء من أجل دين الله لينتشر الحق في العالم، ويحتاج إلى نصره وجهاد لتحقيق وجوده، ولحمايته من الأعداء بعد تحقيقه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. وقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]. إن الإيمان بالرسل، والإقرار بالرسالة، والعمل بموجبها، هو الذي يجعل هناك قاعدةٌ لما يريده الله من البشر، كي يتلقى البشر كل ما يتعلق بالعبودية لله من مصدر واحد، هذا المصدر الأمين الذي اصطفاه الله واجتباه هم فقط

стр. 676

الأنبياء والرسل الذين يبلغون رسالات الله إلى عباده: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. • دين الله واحد: دين الله للبشرية كافة واحد: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩]. والحق هو الذي أنزله الله الحق في كتابه، وكل ما سواه باطل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. هذا المصدر الأمين للتشريع الذي اصطفاه الله، جاء به الأنبياء والرسل فقط، ولذلك كل طاغوت مفترٍ، وكل منافقٍ وملحد، يقول للناس قولًا، ويشرع للناس شرعًا، ثم يزعم أن الله شرعه وأمر به، بينما هو يفتريه من عند نفسه. وفي كل جاهلية في الأرض يقوم بين الناس من يشرع الشرائع والنظم، ثم يقول للناس هذا من عند الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩].

стр. 677

وما يقضى على هذه الفوضى ويزيل هذا الضلال، وهذا الاحتيال على الناس باسم الله، إلا أن يكون مصدرٌ واحدٌ مبلغٌ عن الله، هم رسله الذين اختارهم وأرسلهم، وهم أمناؤه على وحيه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥]. وما أعظم جريمة هؤلاء الناس الذين يفترون على الله الكذب ويضلون الناس بباطلهم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩]. والشرائع السماوية يكمل بعضها بعضًا، ومقصودها توحيد الله ، والإيمان به، والتسليم له في كل شيء، وعبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)﴾ [آل عمران: ١٧٩].

стр. 678

والشرائع السماوية السابقة كلها أكملها الله بالإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ ، ورسول الله صلى الله عليه وسلمجاء ليكمل اللبنة الناقصة في البناء الإيماني، ليكمل البناء، ويكون صالحًا مفتوحًا لكل فردٍ من البشرية إلى يوم القيامة. وإنها لنعمة كبرى من الكريم على خلقه لو كانوا يفقهون: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]. وقال النبي ﷺ : «إن مَثَلي ومَثَلَ الأنبياءِ مِنْ قبلي كَمَثَلِ رَجُل بني بيتاَّ، فأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ؛ إلا موضِعَ لَبِنَةٍ من زاويةٍ، فجَعَلَ الناسُ يَطوفون بهِ، ويَعْجَبونَ لهُ، ويقولونَ: هَلَّا وُضِعتْ هذه اللبِنَةُ، قالَ: فأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتَمُ النبِيِّينَ». متفقٌ عليه (١). فما أعظم فضل الرب على الناس، وما أعظم رحمته لهم، وما أعظم عنايته بهم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. فما أعظم نعم الله على خلقه: يرسل إليهم رسولًا بعد رسول، وينزل عليهم أمرًا بعد أمر، ويهديهم بكتاب بعد كتاب، حتى أكمل الله الدين، وبعث به رسول الله خاتم النبيين، ورضيه منهجًا للحياة إلى يوم الدين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].

стр. 679

فيا لها من نعمة ما أعظمها، وتكرمه ما أجلها، وحليةً ما أحسنها: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. وليس للقلوب سرورٌ ولا لذة تامة إلا بمحبة الله، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوبٍ سواه، ومن أحب الله أنس به، ومن أحب غيره عذب به، وشقي به: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء:/ ٢١٣]. فمن يشعر ويحس بقيمة هذه النعمة الكبرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١]. إن البداية من الله، وإن البقاء في الدنيا بأمر الله، وإن النهاية بأمر الله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٦]. وقال الله ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢]. فلا حل ولا نجاة ولا فلاح للبشرية في الدنيا والآخرة إلا بالتسليم لله وطاعته وعبادته وحده لا شريك له، وإتباع الرسول فيما جاء به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أعظم الوظائف الدعوة إلى الله. الله أكرم رسله وأنبياءه بأعظم الوظائف وهى الدعوة إلى الله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].

стр. 680

وقد ألقي الله على الأنبياء والرسل تبعةً ثقيلةً عظيمةً، وألقاها من بعدهم على المؤمنين برسالاته، تجاه البشرية كلها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]. وهذه الأمانة تبعة ثقيلة عظيمة، بمقدار ما هي جسيمةٌ وكبيرة، إن مصائر البشرية كلها في الدنيا والآخرة منوطةٌ بالرسل والأنبياء، وبإتباعهم من بعدهم، فعلى أساس تبليغهم ما أمرهم الله به للبشر، تقوم سعادة هؤلاء البشر أو شقوتهم، ويترتب عليها ثوابهم أو عقابهم في الدنيا والآخرة. ولهذا أكد الله على رسله إبلاغ جميع ما أرسلوا به للناس، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. إن أمر الرسالة وإبلاغ أوامر الله لعباده أمرٌ عظيمٌ وكبير، ومن ثم كان الرسل يحسون بجسامة ما كلفوا به، وكان الله يبصرهم بحقيقة العبء الذي ينوطه بهم، ويعلمهم كيف يتهيئون له، ويستعدون للقيام به، كما قال الله لرسوله محمد ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ١ - ٥]. فالأنبياء ليس لهم عمل إلا عبادة الله وحده لا شريك له، وامتثال أوامره، ودعوة الناس إلى دينه، وتعليمهم أحكامه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ١ - ٤].

стр. 681

وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. والنبي صلى الله عليه وسلمخير من عبد ربه، فكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، وهو خير من دعا إلى ربه، فقد بلغ البلاغ المبين، ودعا إلى ربه حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، وهو خير من علم أحكام الشرع، فقد ترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. حقًا إن الأمر عظيمٌ وكبير، أمر رقاب الناس، أمر حياتهم ومماتهم، وأمر سعادتهم وشقوتهم، وأمر ثوابهم وعقابهم، فالبشرية في أنحاء الأرض قاطبة إما أن تُبلغ رسالة الله ، ليؤمنوا بالله وحده، ويعبدوه وحده لا شريك له، فتقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة. وإما أن تُبلغ إليها فترفضها وتنبذها فتشقى في الدنيا والآخرة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]. وإما أن لا تُبلغ إليها فتكون لها حجةً على ربها يوم القيامة؛ لأنها لم تُبلغ ولم تعلم وتكون تبعة شقائها في الدنيا، وضلالها وعذابها في الآخرة معلقةٌ بعنق من كُلف التبليغ فلم يبلغ فيبوء بإثم ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ

стр. 682

اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. تابوا من بعد ما ظلموا، وأصلحوا ما فسدوا، وبينوا ما كتموا. والله يقول لكل مسلم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. فأما رسل الله عليهم الصلاة والسلام فقد بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، وجاهدوا في الله حق جهاده، بلغوا الرسالة دعوة باللسان، وقدوةً حسنةً للعباد، وجهادًا مضنيًا بالليل والنهار، ودعوةً ودعاء يملأ الأوقات والألسنة والقلوب، وجهادًا في سبيل الله متواصلًا لإزالة الأزمات والعوائق، سواءً كانت هذه العقبات شبهاتٌ تحاك، وضلالاتٌ تزين، أو كانت قوًى طاغية تصد الناس عن الدعوة، وتفتن الناس عن دينهم: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ [التوبة: ٨٨]. ثم يمضي هؤلاء الرسل والأنبياء مبلغين لدين ربهم، خالصين من هذا الالتزام الثقيل، من أول الرسل نوح ﷺ إلى خاتم النبيين محمد ﷺ وبقي هذا الواجب الثقيل على من بعدهم من المؤمنين برسالتهم. والنبي صلى الله عليه وسلمبلغ البلاغ المبين، وترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ودخل الناس في دين الله أفواجًا: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [النصر: ١ - ٣]. فصلوات الله وسلامه عليه ما دام الليل والنهار.

стр. 683

وشرّف الله هذه الأمة بوظيفة الأنبياء والرسل، وهي الدعوة إلى الله، وعبادة الله وحده لا شريك له، فهذا الواجب الثقيل العظيم انتقل من بعد الرسول ﷺ إلى أمته من المؤمنين برسالته رجالًا ونساء. فهناك أجيال وأجيال جاءت وستجيئ من بعده ﷺ ، ودعوة هؤلاء للإسلام واجبة، وتبليغهم الدين منوطٌ بعده بإتباعه ﷺ : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ولا انفكاك لهم من هذه التبعة الثقيلة، تبعة إقامة حجة الله على الناس، وإبلاغهم هذا الدين، ليسعدوا في الدنيا والآخرة، وتبعه استنقاذ البشرية من عذاب الآخرة وشقاء الدنيا إلا بالتبليغ، والأداء على ذات النهج الذي بلغ به رسول الله ﷺ وأداه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. والجهد الذي قام به صلى الله عليه وسلمهو أعظم جهدٌ لتبليغ الدين إلى يوم القيامة، جهدٌ وتضحية، وحكمةٌ ورحمة، وبذلٌ وعطاء وحلمٌ وصبر، وإحسانٌ ودعوةٌ ودعاء، وتعليمٍ وهدى. فالرسالة هي الرسالة التي بلغها محمد ﷺ والناس هم الناس، والوظيفة هي الوظيفة، وهناك في كل زمان وكل مكان ضلالات وأهواء، وشبهاتٍ وشهوات، وقوًى طاغية في البر والبحر والجو، تحول دون الناس ودون الدعوة، وتفتنهم عن دينهم بالتضليل، وبالقوة والقهر، وبالسخرية

стр. 684

والاستهزاء وبالقتل والتشريد: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ [البروج: ٨ - ٩]. وأمام أن هذا ليس هناك إلا حلٌ واحد ومركبٌ واحد ينقذ البشرية والإنسانية مما هي فيه من الجاهلية والضلال، والفتن والظلام؛ ألا وهو أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، لابد من توحيد الله ، واستقامةٍ على الدين، وإبلاغ هذا الدين الحق، بلاغٍ للبشرية بالبيان، وبلاغ بالعمل، حتى يكون المترجمون ترجمة حية بالدين والأخلاق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وبلاغٌ بإزالة العقبات التي تعترض طريق الدعوة والدعاة، وتفتن الناس بالباطل وبالقوة، وإلا فلا بلاغ ولا أداء، والله ينصر الرسل وأولياءه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧]. ومن العقوبة والخسران أنه أمر واجب على المؤمنين، الذي لا حيلة في النكوس عن حمله وإلا فهي التبعة الثقيلة المؤلمة الموجعة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].

стр. 685

إنها مسؤوليةٌ عظيمة، وعهدٌ وميثاقٌ عظيم، فهذا الدين أمانةٌ في أيدينا لابد من إبلاغه للبشرية، وإلا فهو غضب الرب، ونقض العهد، تبعة ضلال البشرية كلها، وحرمانها من حقها، وشقوتها في الدنيا والآخرة، وتبعة عدم القيام بحجة الله في الآخرة، وحملت التبعة في هذا كله، وحرمانها من الجنة، وعدم النجاة من النار. ألا ما أخطر الأمر، وما أعظم نقض العهد، وما أعظم عدم أداء حق البشرية: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ [الرعد: ١٩ - ٢١]. من الذي يستهين بهذه التبعة العظيمة التي تقصم الظهر، وتهز المفاصل، وترعد لها الفرائس؟!. إلا ما أعظم نقض العهد، وخيانة الأمانة: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥] إن المسلم إما إن يستقيم كما أمر الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. ويتبع ويؤدى هكذا وإلا فلا نجاة له في دنياه ولا أخراه.

стр. 686

٣ - الخزانة الثالثة فضائل هذه الأمة: هذه الأمة لشرفها توَّجها الله بأربعة تيجان: ١ - تاج: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]. ٢ - وتاج: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج: ٧٨]. ٣ - وتاج: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. ٤ - وتاج الشهادة: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وحين يقول المسلم أنه مسلم، ثم لا يبلغ الدين، ولا يؤديه للآخرين، إنما هذا يؤدي شهادة ضد الإسلام الذي يدعيه، بدلًا من أداء شهادةٍ له تحقق فيه قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فهذه الأمة خير أمة، هذه الأمة عدلٌ خيارٌ وسط، وما عدا الوسط فأطراف داخلةٌ تحت الخطر والهلاك، فجعل الله هذه الأمة وسطًا في كل أمور الدين، وسطًا في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود، فجعلهم بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٢]. أما اليهود والنصارى فقد آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].

стр. 687

وهذه الأمة وسط في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى. وهي أمةٌ وسط في باب الطهارة، والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حُرِّمت عليهم طيباتٍ أُحلت لهم عقوبةً لهم على فعلهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئًا، ولا يحرمون شيئًا، بل أباحوا كل شيء. ووهب الله هذه الأمة من العلم والعمل، والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمةٍ سواهم، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أحسنها، ومن الأعمال أفضلها، ولهذا كانوا وسطًا كاملين، ليكونوا شهداء على الناس بسبب عدالتهم، وحكمهم بالقسط. وتبدأ شهادة المسلم للإسلام بأن يكون هو بذاته، ثم بيته وعائلته، ثم أسرته وعشيرته صورةً واقعيةً حية من الإسلام الذي يدعو إليه. وتخطوا شهادته الخطوة الثانية بدعوة الأمة إلى الله، لتحقق الإسلام في حياتها كلها، حسب أمر الله ورسوله. وتنتهي شهادته بالجهاد في سبيل الله، بإزالة العوائق التي تضل الناس وتفتنهم عن دينهم، من أي لون كانت هذه العوائق، فإذا استشهد في هذا فهو إذًا شهيد، أدى شهادةً لدينه، ومضى إلى ربه، وهذا وحده هو الشهيد، بل هو أعلى الشهداء: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وهذا عمل الأنبياء، بل عمل سيد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، الذي جمع بين العبادة والدعوة، والتعليم والإحسان إلى الخلق، والجهاد في سبيل الله.

стр. 688

والله رءوف بالعباد، والملك ملكه، والخلق خلقه، ولا يعزب عنه مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، لا يمكن أبدًا أن يترك خلقه للشياطين تعبث بهم: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]. فحين حرف اليهود والنصارى كتاب ربهم، وبدلوا شرائعه، وكذبوا وافتروا، وظلموا وطغوا، وجحدوا وكتموا الحق، وصدوا عن سبيل الله، وقتلوا الأنبياء والرسل، وتركوا العمل بدينهم، ونقضوا العهد، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا، وقالوا على الله ورسله غير الحق، بعد هذا الظلم والعدوان، والعناد والإعراض والإفساد، اقتضت حكمة الله ورحمته بالبشرية أن يرسل رسولًا يهديها إلى الحق، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧]. فأرسل الكريم الرحمن ﷻ محمدًا ﷺ رحمةً للعالمين، ورسولًا إلى الناس أجمعين إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ [النساء: ١٧٠]. فلم يكن بد من تبليغٍ عام في ختام الرسالات، يُبلّغ إلى الناس كافة، لكي لا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل، ولم يسبق أن كانت هناك رسالةً عامة، ولم يكن بدٌ من هذه الرسالة العامة.

стр. 689

فكانت حقًا هذه الرسالة الكاملة رحمة الله للعالمين في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه عن رسوله محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وأهل الأرض قاطبة، واليهود والنصارى، كل هؤلاء مدعوون إلى الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ ، مدعوون إلى الإيمان بالله، والإيمان بهذا الرسول، ونصره وتأييده كما أخذ عليهم ميثاقه بالإيمان به، فهو رسوله إلى أهل الكتاب، كما أنه رسوله إلى العرب، ورسوله إلى الناس كافة في مشارق الأرض ومغاربها في كل زمانٍ وفي كل مكان، فلا مجال لإنكار رسالته، رسالته من عند الله، أو الادعاء بأنها خاصة بالعرب، أو أنها غير موجهةٌ إلى أهل الكتاب، بل هي للناس كافة: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. بعث الله رسوله محمدًا ﷺ إلى الناس كافة، وإلى العالم قاطبة، وجعله رحمةً للعالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. يدلهم ﷺ على ما يسعدهم في الدنيا والآخرة، فهو رسول الله إلى الناس كافة، وإلى اليهود والنصارى وغيرهم من أمم الأرض.

стр. 690

وقد أخفى اليهود كثيرًا من أحكام الشريعة: كرجم الزاني، وتحريم الربا، وقصة أصحاب السبت الذين مسخهم الله قردةً وخنازير وغير ذلك. وأخفى النصارى الأساس الأول للدين وهو التوحيد: فقالوا تارةً إن الله ثالث ثلاثة. وتارةً قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم. وتارةً قالوا المسيح ابن الله. كما أخفى أهل الكتاب خبر بعثة النبي ﷺ : ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦]. فالمؤمنون من أهل الكتاب هم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]. والله سبحانه يتودد إلى أهل الكتاب، ويبين لهم أنه بُعث إليهم وإلى غيرهم رسولًا يهديهم إلى ربهم بعد ما ضلوا وانحرفوا عن الحق، وبدلوا وحرفوا كما قال سبحانه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾ [المائدة: ١٩].

стр. 691

إن الله سبحانه الذي خلق هذا الكون وعجائبه، وسيره بأوامره، هو الذي خلق الإنسان وفطرته، وهو الذي وضع للإنسان المنهج الذي يسير عليه في هذه الحياة، وهو سبحانه الذي رضي للبشرية هذا الدين العظيم الذي جاء به محمد ﷺ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فالواجب على البشرية كافة أن تشكر الله على ما أنعم به عليها من هذا الدين الكامل، وتتبع الصراط المستقيم والدين القويم الذي جاء به محمدٌ ﷺ . قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وأما القول بأن الله هو المسيح ابن مريم، أو أن المسيح ابن الله، أو ثالث ثلاثة فهو الكفر والشرك لا ريب، وأما القول بأن اليهود والنصارى أبناء الله وأحباؤه أو أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، فهو الافتراء والكذب الذي لا دليل عليه، والذي جاء القرآن بتكذيبه. فهل يستحق قيادة البشرية من ظلمها، وحرمها من الهدى، وصد عن سبيل الله، وكفر بالله وقتل رسله، ونقض: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥]. وهل يستحق قيادة البشرية من يقول عن ربه إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء؟. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١]

стр. 692

وهل يستحق إمامة البشرية من يقول عن خالقه أنه بخيل؟. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤] وهل يستحق إمامة الناس من يقول عن ربه أنه أب؟. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [المائدة: ١٨] وهل يستحق إمامة البشرية من استهان بالإله، وأشرك به، وهل بعد هذا من كفر وشرك؟. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٤]. وماذا بقي من شريعة اليهود والنصارى؟ لقد حُرّفت، وبدلت، وزيد فيها، ونقص منها، وكتم الكثير منها، وهل قامت هذه الشريعة في حياتهم؟ وما

стр. 693

هو مصير البشرية لو بقيت بدون إيمان يصلها بربها الذي خلقها، وشريعةٌ تستقيم بها حياتها؟. ومن هنا كانت رحمة الله بالبشرية ببعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلمإلى الناس كافة، وببعثة النبي صلى الله عليه وسلمقطع الله الحجة على أهل الكتاب وغيرهم. فهو مبعوثٌ إلى الناس كافة إلى يوم القيامة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. بعث الله رسوله محمدًا ﷺ رحمةً للعالمين، وأشد القلوب استعصاءً على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت الحق ثم انحرفت، كاليهود المغضوب عليهم، ثم يليهم النصارى الضالون، فاللهم اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة، لأنها تفاجأ من الدعوة بجديدٍ يهزها، وينفي عنها الركام والغبار، وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها أول مرة، أما القلوب التي نوديت من قبل فالنداء الثاني لا تكون له جدته ولا تكون له هزته، ولا يقع فيها الإحساس بجديته وأهميته. ومن ثم تحتاج إلى جهدٍ مضاعف، وصبرٍ طويل، وهذا ما حصل لنبينا ﷺ بدعوته لليهود والنصارى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥].

стр. 694

فلم يؤمن بالنبي ﷺ من اليهود والنصارى إلا القليل، بينما أسلم من الكفار والمشركين ما يزيد على مائة ألف شهدوا معه حجة الوداع، ثم تتابع دخول الناس في دين الله أفواجا، أما اليهود والنصارى فقلة. ولهذا قال النبي ﷺ : «لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ، لآمَنَ بِي اليَهُودُ» أخرجه مسلم (١). ولكن لا بد من البلاغ للكفار والمشركين، واليهود والنصارى والهندوس وغيرهم من أمم الأرض: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. إن الإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ هو الإسلام في صورته النهائية الأخيرة، والإسلام هو الدين الذي جاء به جميع الرسل، ولكن خص الله محمدًا ﷺ بكماله وجماله وجلاله، ليكون دين البشرية كلها، ولتكون شريعته هي شريعة الناس جميعًا، ولتهيمن على كل ما كان قبلها، وتكون هي المرجع النهائي، ولتقيم منهج الله في حياة البشرية حتى يرث الله الأرض ومن عليها ويُحكم بها بين الناس: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. ولا يحل لأحدٍ أن يترك شريعة الله في أي حال، كما أنه ليس هناك رسولٌ جديد، ولا رسالةٌ جديدة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].

стр. 695

لقد أكمل الله لنا هذا الدين، وتمت به النعمة على العباد، ورضيه الله منهج حياةٍ للناس أجمعين، ولم يعد هناك من سبيل لتعديل شيءٍ فيه أو تبديله، ولا لترك شيءٍ من حكمه إلى حكمٍ آخر، ولا شيءٍ من شريعته إلى شريعةٍ أخرى، لأنه هو الدين الكامل الذي ارتضاه الله دينًا للبشرية إلى يوم القيامة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقد علم الله سبحانه حين رضيه للناس أنه يسع الناس جميعًا، وعلم حين رضيه مرجعًا أخيرًا أنه يحقق الخير للناس جميعًا في أي مكان وأي زمان، وعلم سبحانه أن معاذير كثيرة يمكن أن تقوم، وأن يبرر بها العدول عن شيءٍ مما أنزله الله، وحذر سبحانه من إتباع أهواء الضالين، الذين في نفوسهم رغبةٌ خفية لتأليف القلوب ولو على غير الدين، ومن مسايرة بعض رغباتهم عندما تصطدم ببعض أحكام الشريعة: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. وقد حذر الله نبيه ﷺ من إتباع الأهواء، ومن فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩]. وبذلك أغلق الله مداخل الشيطان كلها، وبخاصةٍ ما يبدوا منها خيرًا، وتأليفًا للقلوب، وتجميعًا للصفوف، بالتساهل في شيءٍ من شريعة الإسلام في مقابل إرضاء الجميع، والمحافظة على وحدة الصف. إنه إما حكم الله، وإما حكم الجاهلية، ولا وسط بينهما.

стр. 696

وهل يليق بالعاقل أن يرفض شريعة الله، ويتبع حكم الجاهلية؟ وهل أحدٌ أحسن من الله حكما أو دينًا؟. قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. أيستطيع أحدٌ أن يقول أنه أعلم بالناس من خالق الناس؟ أيستطيع أن يقول أنه أرحم بالناس من رب الناس؟ أيستطيع أحد أن يقول أنه أعرف بمصالح الناس من رب الناس؟ ألا ما أظلم من ينجيِ شريعة الله عن حكم الحياة، ويستبدل بها شريعة الجاهلية، ألا ما أتفه الكلام الرخيص الذي ينعق به سفلة الخلق: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصف: ٨]. إنه إما إسلامٌ وإما جاهلية، وإما إيمانٌ وإما كفر، وإما حكم الله وإما حكم الجاهلية، وإما إلى الجنة وإما إلى النار: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]. وقال الله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].

стр. 697

٤ - الخزانة الرابعة • فقه الفرق بين النبي والرسول: يطلق النبي على الرسول، ويطلق الرسول على النبي، فإذا اجتمعا في آية فلكل واحدٍ منهما معنًى يخصه، وإذا افترقا شمل كل واحدٍ معنى الآخر وحكمه. فالنبي مأخوذٌ من النبوة أو من الإنباء، فالنبي منبأٌ من الله بشرع، وهو مخبرٌ عن الله بما أوحاه إليه من أمره وشرعه لعباده. والنبي مأخوذٌ من النبوة وهي الرفعة، فالنبي ذو رفعةٍ عند الله في الدنيا والآخرة، وذو شرفٌ في قومه وسؤدد، لأنه منبأٌ من الله بشرعه الذي يسعدهم في الدنيا والآخرة. فإذا اجتمع الرسول والنبي في آية، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج: ٥٢]. فإذا اجتمع الرسول والنبي في آية، فالنبي من بعثه الله إلى قومٍ مؤمنين بشريعةٍ سابقة، ليبطل ما ابتدعوه في تلك الشريعة، ويصحح ما أخطئوا فيه، فهو يحكم بشريعة من قبله، وقد يوحي الله إليه بوحيٍ خاص في واقعةٍ معينة. والرسول من بعثه الله بوحيه الشرعي إلى قومٍ لم يأتهم نذير قبله، أو أتاهم نذير ولكنهم خالفوه، والأنبياء والرسل يشتركون في الوحي من الله، وفي جنس الإنسان، والأنبياء، لا ينزل عليهم كتاب، بل يحكمون بكتابٍ سابق، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا

стр. 698

النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقد وصف الله بعض أنبيائه بالنبوة والرسالة، كما قال سبحانه عن موسى ﷺ : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ [مريم: ٥١]. ووصف الله بعضهم بالنبوة والصدق كما قال عن إدريس: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)﴾ [مريم: ٥٦]. ووصف الله بالنبوة والرسالة إسماعيل كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤]. وجميع الأنبياء المذكورون في القرآن كلهم رسولٌ ونبي. فالرسول غالبًا يوحى إليه بشرعٍ جديد، والنبي غالبًا يوحى إليه بشرعٍ سابق، الرسول يرسل إلى قومٍ لم تبلغهم رسالة من قبله، أو بلغتهم ولكنهم كفروا وخالفوا أمر الله، والنبي يرسل إلى قومٍ مؤمنين برسالةٍ سابقة، ولكن خالفوها. فإبراهيم ﷺ أرسله الله إلى قومه، وأرسل من نسله إسماعيل وإسحاق. فإسحاق خلَف أباه إبراهيم في مقر إقامته بالشام، فصار نبيًا لأتباع إبراهيم، وهو مرسلٌ برسالةٍ يبلغها إلى أولئك القوم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ [مريم: ٥٤ - ٥٥]. وإسماعيل أرسله الله إلى جرهم الذين لم تبلغهم رسالة قبله، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسول: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤].

стр. 699

والرسول أفضل من النبي، لتميّز الرسول بالرسالة المطلقة، التي هي أفضل من النبوة، لأن النبوة رسالةٌ مقيدة، فمهمة الرسول أعظم وأكبر من مهمة النبي، لأنه غالبًا له كتابٌ مستقل، وفي كلٍّ خيرٌ وفضلٌ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]. وقال الله : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ (٢٥٣)﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وسيد الأنبياء والرسل وأفضلهم محمدٌ ﷺ ، الذي كان أحسن الخلق خَلْقًا وخُلُقًا، وكان خُلُقه القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. والقرآن هو الكتاب الذي أنزله الله عل محمدٍ صلى الله عليه وسلمللناس كافة. قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]. والقرآن آخر الكتب، وهو أعظمها، والمهيمن عليها، والحاكم عليها، والخاتم لها. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. وقد اشتمل القرآن العظيم على جميع ما في الكتب السابقة من حُسن الشرائع، وزاد عليها بما هو أحسن في الشريعة والأخلاق والآداب، ولهذا نسخها الله به، وأغنى به عنها، فهو آخر الكتب وأحسنه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].

стр. 700

• خصائص النبي ﷺ : النبي ﷺ سيد الأنبياء والرسل، وأفضلهم وأكملهم، وقد ميزه الله عن غيره بخصائص كثيرة، تدل على أنه خير خلق الله، وأحبهم إليه، وأعظمهم مقامًا لديه، ومن تلك الخصائص: أولًا: أنه ﷺ سيد الأنبياء والمرسلين في الدنيا والآخرة، فهو سيدهم في الدنيا، لأن الله جمعهم له في بيت المقدس ليلة الإسراء والمعراج، شكل الله أرواحهم في صورة أجسادهم وصلى بهم ﷺ ، ثم عُرج به إلى السماء، إلى مكانٍ لم يبلغه غيره من الأنبياء والرسل، حيث بلغ إلى سدرة المنتهى. وهو ﷺ سيدهم يوم القيامة، حيث يعتذر كبار الأنبياء والرسل من أولي العزم، ثم يقوم ﷺ فيشفع في أهل الموقف، كما قال ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ، لِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي». أخرجه مسلم (١). ثانيًا: أن الله ختم النبوة به، وجمع في دينه ما في الشرائع السابقة للأنبياء والرسل، وزاد على ذلك، فهو خاتمهم، فلا يُبعث بعده رسولٌ ولا نبي. كما قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقال ﷺ : «وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ». أخرجه مسلم (٢). ثالثًا: أنه صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة في أهل الموقف، حين يتأخر عنها أولو العزم، ثم يشفع هو ﷺ ، فيشفعه الله في أهل الموقف.

стр. 701

عن أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ، أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِينَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِينَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الحَدِيثِ - نَفْسِي نَفْسِينَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى.

стр. 702

فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِينَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ. فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ، كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ - أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى -». متفقٌ عليه (١).

стр. 703

رابعًا: أنه ﷺ أول من يستفتح باب الجنة، فيفتح له، وأول من يدخلها، لا يدخلها قبله أحد. خامسًا: أنه صاحب لواء الحمد يوم القيامة، يحمله، ويكون الحامدون تحته كما قال ﷺ : «وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْرَ» أخرجه أحمد (١). سادسًا: أنه صاحب المقام المحمود يوم القيامة حين يشفع في الموقف، فيحمده الناس على ذلك، ويحمده الخالق والمخلوق. سابعًا: أنه صاحب الوسيلة، وهي منزلةٌ عاليةٌ في الجنة، لا تنبغي إلا لعبدٍ واحد كما قال ﷺ : «إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، وَمَنْ سَأَلَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ». أخرجه مسلم (٢). ثامنًا: أنه ﷺ لا يتم إيمان أحدٍ حتى يؤمن برسالته ﷺ كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ [آلعمران: ٨١ - ٨٣].

стр. 704

تاسعًا: أن لكل نبي دعوة مستجابة قد دعا بها، وأخر النبي ﷺ دعوته شفاعةً لأمته يوم القيامة كما قال ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» متفقٌ عليه (١). وقال ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» أخرجه البخاري (٢). عاشرًا: أن الله نادى جميع الأنبياء بأسمائهم فقال: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]. وقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. وقال: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦]. وغيرهم من الأنبياء، ونادى محمدًا ﷺ بوصف الرسالة والنبوة، فقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].

стр. 705

وأول رسولٍ أرسله الله إلى أهل الأرض آدم ﷺ ، أرسله الله بشريعةٍ له ولذريته، ونوحٌ صلى الله عليه وسلمأول رسولٍ أرسله الله إلى قومٍ كافرين بعد ظهور الشرك بعد آدم بعشرة قرون، والقرن الجيل من الناس، لا المائة سنة، وكان متوسط أعمار ذلك الجيل سبعمائة سنة. وكل رسول بعثه الله إلى أمة فهو للإنس والجن من تلك الأمة، فالجن تبعٌ للإنس في خطاب التكليف. وتوالى إرسال الرسل والأنبياء رحمةً من الله بعباده، حتى ختمهم الله بمحمدٍ ﷺ الذي أرسله الله رحمةً للعالمين إلى يوم القيامة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ورسول الله ﷺ رحمةٌ للعالمين، ودلائل ذلك أن الله شهد على صدق النبي ﷺ بقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦]. وشهد سبحانه بفعله، حيث أيد رسوله ﷺ والمؤمنين بالآيات المعجزات، والبراهين القاطعات، ونصرهم على عدوهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وكذلك أقر الله رسوله ﷺ على ما يقوله ويفعله وينسبه إلى ربه، وأمر الأمة بإتباعه في كل ما جاء به، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
следующие страницы →