رابعًا: الكحل، فلا يجوز لها أن تكتحل بالإثمد وهو كحل أسود؛ لأنه يزيد في حسن المرأة، وجمال عيونها، ولها استعمال الأثمد في الليل خاصةً عند الحاجة.
خامسًا: الخروج من المنزل، فيجب عليها أن تعتد وتبيت في المنزل الذي مات زوجها وهي فيه، فإن جاءها الخبر في غير مسكنها رجعت إلى مسكنها فاعتدت فيه، ولا يجوز لها أن تتحول عنه إلا لعذرِ وحاجة، ولها أن تخرج من بيتها لحاجتها نهارًا، وليس لها الخروج ليلًا إلا لضرورة كمراجعة طبيب ونحوها؛ لأن الليل مظنة الفساد.
عن أم حبيبة ﵁ قالت: «كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلَ وَلَا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ». متفق عليه (١).
• ما يجوز للمعتدة فعله:
يحوز للمعتدة أن تكلم من جرت عادتها بتكليمه قبل موت زوجها، ويجوز لها استعمال الهاتف، وإجابة من يطرق الباب، ولها أن تغتسل وتنظف بدنها وثيابها، وتلبس ما شاءت من الثياب، غير ثياب الزينة، ولها أن تسرح شعرها، ويجوز لها أن تخرج إلى فناء منزلها، وحديقة بيتها، وأن تخرج لحاجاتها محتشمة.
عن جابر ابن عبد الله ﵁ قال: «طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: بَلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا». أخرجه مسلم (٢).
стр. 6407
• حكم خروج المحادة من بيتها:
خروج المرأة المحادة من بيتها له ثلاث حالات:
الأولى: خروج ليس له ضرورة ولا حاجة كخروجها إلى النزهة أو لعمرة تطوع ونحو ذلك، فهذا تمنع منه مادامت في العدة.
الثانية: أن يكون خروجها لضرورة كأن تكون مريضة، أو البيت آيل للسقوط، أو تخاف على نفسها فيه ونحو ذلك، فهذه يجوز لها أن تخرج حتى يزول الاضطرار ثم تعود.
الثالثة: أن يكون خروجها لحاجة، كأن تخرج لشراء طعام لها ولأولادها، أو تخرج لكونها موظفة، فهذا يجوز أن تخرج للحاجة ثم تعود.
стр. 6408
أحكام الإستبراء
• الإستبراء تربصٌ يقصد منه العلم ببراءة رحم المرأة من الولد.
• حكمة مشروعية الاستبراء:
يجب الاستبراء في مُلك اليمين، والموطوءة بشبهة ونحوها وذلك منعًا من اختلاط المياه، واشتباه الأنساب، ويحرم وطؤها قبل استبراؤها.
• أنواع الإستبراء:
يحصل العلم ببراءة الرحم بما يلي:
١ - إن كانت الرقيقة حاملًا فبوضع حملها.
٢ - وإن كانت تحيض فاستبراؤها بحيضة واحدة.
٣ - وإن كانت صغيرة أو آيسة فبمضي شهر واحد.
رابعًا: إن كانت موطوءة بشبهة في زواج فاسد فاستبراؤها بحيضة واحدة، وإن كانت صغيرة وآيسة فبمضي شهرِ واحد.
عن ابي سعيد الخضري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «في سَبايا أوطاس لا تَوطَأ حَامِلٌ حتى تَضَعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتَّى تحيضَ حَيْضةً». أخرجه أحمد وأبو داود بسندٍ حسن (١).
стр. 6409
• أسباب الإستبراء:
أولًا: ملك الأمة بسبي أو شراء أو هبة أو إرث أو غير ذلك.
ثانيًا: زوال مُلك الأمة بعتق أو بموت سيدها أو بغيرهما.
ثالثا: الزنا، فإذا زنت المرأة، أو وطئت بشبهة أستبرأت، ليعلم براءة رحمها.
ففي هذه الأحوال وأمثالها تستبرأ المرأة، لتعلم براءة رحمها بحيضة واحدة، وبوضع الحمل للحامل، وبشهر للصغيرة والآيسة ومن لم تحض.
стр. 6410
٩ - الخزانة التاسعة
٩ - كتاب الرضاع
• الرضاع: هو مص إنسان لبنًا تاب عن حمل أو شربه ونحوه.
• حكمة التحريم بالرضاع:
التحريم بالرضاع يكون بسبب تكون أجزاء البنية الإنسانية من اللبن، فلبن المرأة ينبت لحم الرضيع، وينشذ عظمه، ويكبر حجمه، وبه تصبح المرضع أمًا للرضيع؛ لأنه تغذى بلبنها، فصار جزءًا منها حقيقة، فكان النسب له منها.
• شروط الرضاع المحرم:
يشترط في الرضاع الذي تثبت به الحرمة ما يلي:
١ - أن يكون الرضاع في الحولين.
٢ - وأن تكون الرضعات خمسًا فأكثر.
٣ - وأن تكون الرضعات متفرقات
٤ - وأن يكون اللبن بسبب حملٍ من نكاح صحيح.
قال الله تعال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وعن ابن عباس ﵁ قال قال الرسول ﷺ في بنت حمزة: «لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، هِيَ بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ». متفق عليه (١).
стр. 6411
وعن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ، بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ». أخرجه مسلم (١).
• حد الرضعة:
حد الرضعة أن يأخذ الرضيع الثدي، ويمص اللبن منه، ولا يتركه إلا طائعًا من غير عارض يعرض له، فلو مص مصة أو مصتين، فإن ذلك لا يحرم؛ لأنه دون الرضعة، ولا يؤثر في الغذاء، ونبات اللحم.
عن عبد الله ابن الحارث ﵁ أن أم الفضل حدثت أن النبي ﷺ قال: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتَانِ، أَوِ الْمَصَّةُ أَوِ الْمَصَّتَانِ». أخرجه مسلم (٢).
• ما يثبت به الرضاع:
يثبت الرضاع بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، أو بشهادة امرأة واحدة مرضية في دينها، سواء كانت المرضعة أو غيرها.
وإذا شك أحد في وجود الرضاع، أو شك في كمال خمس رضاعات، وليس هناك بينه فلا تحريم؛ لأن الأصل عدم الرضاع.
عن عقبة ابن الحارث ﵁ قال: «تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ لِي: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، وَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، قُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ، قَالَ: كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا، دَعْهَا عَنْكَ». أخرجه البخاري (٣).
стр. 6412
• آثار الرضاع:
إذا ثبت الرضاع ترتب عليه حكمان:
الأول: تحريم النكاح، فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
الثاني: ثبوت المحرمية، في إباحة النظر، وإباحة الخلوة، فهي أمه من الرضاع وزوجها أبوه من الرضاع، ومحارمها محارمه، وأولادها أخوته وهكذا.
أما النفقة والتوارث وولاية النكاح، فلا تثبت بالرضاع.
ولبن البهيمة لا يحرم كلبن المرأة، فلو رضع طفلان من بهيمة من شاة أو بقرة لم ينشر الحرمة بينهما؛ لأن الشرع خصه بالآدمية فقط، ونقل الدم من رجل إلى امرأة وعكسه لا ينشر الحرمة؛ لأنه ليس بلبن، فلا ينشر الحرمة بينهما.
• انتشار حرمة الرضاع:
أولاً: حرمة الرضاع تنتشر على المرتضع وأولاده وإن نزلوا، ولا تنتشر على من في درجته من أخوانه، وأخواته و ولا على من اعلي منه كأبيه وأمه، فلا يحرم على زوج المرضعة نكاح أم الطفل المرتضع من النسب، ولا نكاح أخته أو عمته، كما يجوز للرجل أن يتزوج أخت أخيه من الرضاع.
ثانيًا: جميع أقارب المرأة المرضعة أقارب للمرتضع من الرضاع، فأولادها أخواته، وآباؤها وأمهاتها أجداده، وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته،
стр. 6413
وأعمامها وعماتها أعمامه وعماته، وأخوالها وخالتها أخواله وخالاته، وكل هؤلاء حرام على الرضيع ذكرًا كان أو أنثى.
ثالثًا: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فجميع أولاد المرأة المرضعة من زوجها هذا، ومن غيره، وجميع أولاد زوجها منها ومن غيرها، كلهم إخوة لهذا الرضيع، سواء ولدوا قبل الرضاع أو بعدها، فلو كان للرجل امرأتان أرضعت هذه طفلة، وأرضعت هذه طفلة، كانو اخوين من الرضاعة، فاللقاح واحد وهو ماء الرجل الذي در به اللبن من المرأتين؛ لأن زوج المرضعة أبوه من الرضاعة.
رابعًا: أخوات الرضيع من الرضاع غير رضاع هذه المرأة، المرضعة هم أجانب منها، ومن أقاربها، فيجوز لهم أن يتزوجوا من أولاد المرضعة الأخرى؛ لأن الحرمة لا تنتشر عليهم.
خامسًا: يجوز لأخوة المرتضع من الرضاع أن يتزوجوا أخواته من النسب كما يجوز لإخوته من أبيه أن يتزوجوا أخواته من أمه.
سادسًا: يجوز لأخو الرجل من أبيه أن يتزوج أخته من أمه، ويجوز لأخيه من النسب أن يتزوج أخته من الرضاع، ويجوز للمرتضع أن يتزوج أخوه من الرضاعة بأمه من النسب، وأخته من النسب.
عن عائشة ﵂: «أَنَّ عَمَّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ يُسَمَّى أَفْلَحَ. اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَحَجَبَتْهُ، فَأَخْبَرَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَ لَهَا: لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ». متفق عليه (١).
стр. 6414
وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ قالت: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ؟ قَالَ: «فَأَفْعَلُ مَاذَا».، قَالَتْ: تَنْكِحُهَا، قَالَ: «أُخْتُكِ». قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟».، قَالَتْ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ مُخَلِّيَةً، وَأَحَبُّ مَنْ شَرَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي، قَالَ: «فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي». قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ خُبِّرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: «بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ». قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ». متفق عليه (١).
• حكم إرضاع الكبير:
الرضاع المحرم هو خمس رضعات فأكثر في الحولين، فإن دعت الحاجة إلى إرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله البيت، ويشق على المرأة الاحتجاب عنه، فيجوز لهذه المرأة إرضاعه، فتثبت له المحرمية بخمس رضاعات كما سبق.
عن عائشة ﵂: «أَنَّ سَالِمَ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَأَهْلُهُ فِي بَيْتِهِمْ فَأَتَتِ ابْنَةُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَإِنِّي أَظُنُّ فِي نَفْسِ أبي حُذَيْفَة من ذَلِك شَيْءٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلمأَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ وَيَذْهَبُ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ وَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 6415
• قاعدة الرضاع:
أولاً: الرَضاع ينشر الحرمة على المرتضع وفروعه، وهم أولاده وإن سفلوا، ولا ينتشر على أصول المرتضع، وهم آباؤه وأمهاته وإن علو، ولا على حواشيه وهم إخوته وإخوانه، وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته.
ثانيًا: الرضاع ينشر الحرمة على أصول وفروع وحواشي المرضعة.
فأولاد الزوج والمرضعة أخوة المرتضِع وأخواته، وآباؤها أجداده وجداته وإخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته، وإخوة زوجها وأخواته أعمامه وعماته وهكذا.
• فوائد لبن الأم:
رضاعُ الولد من أمه، أو من المرضعة، له فوائد كبيرة:
أولاً: لبن الأم مُعقم مُجهز خالٍ من الميكروبات.
ثانيًا: لبن الأم خلقه الله ليفي بحاجات الطفل يومًا بعد يوم منذُ ولادته حتى سن الفطام، أما ألبانُ الأغنام والأبقار، فهي عسيرةُ الهضم على معدة الطفل؛ لأنها خلقت لتناسب أولاد تلك الحيوانات، ولهذا تحدث بسببها الأمراض للأطفال.
ثالثًا: نمو الأطفال الذين يرضعون من أمهاتهم أو من النساء المرضِعات أسرعُ وأكملُ من نمو الأطفال الذين يرضعون اللبن المحضَّر من ألبان الحيوانات.
رابعًا: رضاع الطفل من ثدي أمه يزيد الرباط العاطفي والنفسي بين الأم وطفلها، وهذا أمرٌ مطلوب.
стр. 6416
خامسًا: رضاع الطفل من الثدي، وهو أحد العوامل الطبيعية لمنع حمل الأم قبل تمام الرضاعة، والأم أحق بإرضاع ولدها، فإن كانت مريضة أو عاجزة أو مطلقة وأبت الرضاع التمس له أبوه مُرضِعةٌ أخرى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦].
• أنواع حليب الرضاع:
أفضل ما يتناوله الوليد من الحليب ما يلي:
أولًا: رضاعُ الوليد من أمه، وهذه أحسنها وأكملها.
ثانيًا: رضاعُ الوليد من مُرضِعةٍ أخرى من النساء، وهذه تليها.
ثالثًا: رضاعُ الوليد من حليب الأبقار والأغنام ونحوها.
رابعًا: رضاعُ الوليد من الحليب المجفف من الأبقار والأغنام.
خامسًا: رضاعُ الوليد من الحليب الصناعي المضاف إليه مركبات كيمائية، وعناصر غذائية مختلفة.
وأفضل هذه الأنواع بلا ريب الأول والثاني، لما فيهما من الموافقة لطبيعة المولود وسلامتهِ من الأمراض.
стр. 6417
ولما تركت النساء الرضاعة الطبيعية، ولجأت إلى الرضاعة بالحليب الصناعي المركب، حدث بسبب اختلاف نسبة المركبات، واختلاف حاجات الأطفال، أمراضٌ كثيرة للنساء والأطفال.
أما إنشاء بنوك حليب الأمهات فلا يجوز إرضاع المواليد منها، لما يسببه ذلك من اختلاط في الأنساب بين الناس، وقتل عاطفة الأمومة بين المرأة وطفلها: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
стр. 6418
١٠ - الخزانة العاشرة
١٠ - كتاب الحضانة
• الحضانة: هي حفظ صغيرِ أو معتوه عما يضره، والقيام بما يصلحه حتى يستقل بنفسه.
• أقسام الولاية على الطفل:
الولاية على الطفل قسمان:
الأول: ما يقدم فيه الأب على الأم، وهو ولاية المال والنكاح.
الثاني: ما تقدم فيه الأم على الأب، وهو ولاية الحضانة والرضاعة.
• حكم الحضانة:
الحضانة مشروعة، لما فيها من الأجر والثواب، سواءً كانت باجرة أو بدون أجرة: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: 6].
• الأحق بالحضانة:
الحضانة من محاسن الإسلام، وعنايته بالأطفال، والأحق بها من كان مسلمًا تقيًا أميناً قادرًا على التربية، وحسن الرعاية.
والحضانة حقُ للحاضن لا حق عليه، فمن أراد أن يتخلى عنها فله ذلك، وتنتقل إلى من بعده، ويقدم في الحضانة الأقرب مطلقا، وإن تساويا في القرب قُدمت الأنثى، فأم وأب، تقدم الأنثى، وهي الأم، فإذا افترقا الأبوان وبينهما ولد، فالأحق بالحضانة الأم؛ لأنها الأرفق بالصغير، وأصبر
стр. 6419
عليه، وأرحم به، والأعرف بتربيته وحمله وتنويمه، فإن لم توجد أو كان بها مانع من مرض ونحوه فالأحق بالحضانة من بعدها أمهاتها القربى فالقربى، ثم الجدة، ثم الأب، ثم أمهاته القربى القربى، ثم الجد.
فهذه ست جهات كلها مرتبة من جهة الأصول.
ثم الأخت الشقيقة، ثم الأخت لأم، ثم الأخت لأب، ثم الخالة الشقيقة، ثم الخالة لأم، ثم الخالة لأب؛ لأن الخالة بمنزلة الأم.
ثم العمة الشقيقة، ثم العمة لأم، ثم العمة لأب، ثم خالات الأم كذلك، ثم خالات الأب كذلك، ثم عمات الأم كذلك، ثم عمات الأب كذلك، ثم بنات إخوته الأشقاء، ثم لأم، ثم لأب، ثم بنات أخواته كذلك، ثم بنات الأعمام كذلك، ثم بنات عماته كذلك، ثم بنات أعمام أبيه، ثم بنات عمات أبيه كذلك، ثم لباقي العصبة الأقرب فالأقرب، ثم لذوي أرحامه، ثم للحاكم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].
• سقوط الحضانة:
إذا امتنع من له الحضانة، أو كان غير أهل، أو لم تتحقق مصلحة الطفل به، انتقلت إلى من بعده، وإذا تزوجت الأم سقط حقها في الحضانة، وأنتقل إلى من بعدها إلا أن يرضى زوجها بالحضانة.
стр. 6420
• أين يكون المحضون بعد التمييز؟.
أولاً: إذا بلغ الغلام سبع سنين عاقلًا، خير بين أبويه، فكان مع من أختار منهما، ولا يقر محضون بيد من لا يصونه ولا يصلحه، ولا حضانة لكافر على مسلم.
ثانيًا: أب الأنثى أحق بها بعد السبع، فإن لم تتحقق مصلحتها عنده عادت إلى أمها، حتى يتسلمها زوجها؛ لأن الأم أشفق من غيرها، حتى من الأب؛ لأن الأب سيخرج لمصالحه، وتبقى البنتٌ في البيت محرومة من أمها، لكن لا يزوجها إلا أبوها.
ثالثًا: يكون الذكر بعد رشدهِ حيث شاء.
• نفقة الحضانة:
نفقة المحضون على أبيه، فإن كان الأب معسرًا أنفق على المحضون من ماله، فإن لم يكن له مال، فعلى أبيه نفقته، ولا تسقط عنه إلا بأداءٍ أو إبراء.
• حكم التبرع بالحضانة:
إذا تبرع أحد أقرباء الطفل بالحضانة، وكان أهلا للحضانة، وأبت أمه أن تحضنه إلا بأجرة، فإن كان الأب موسرًا وجب عليه دفع الأجرة إلى الأم؛ لأن حضانة الأم أصلح للطفل، والأب قادرُ على الإنفاق عليه.
وإن كان الأب معسرًا ولم يكن للطفل مال ينفق عليه منه، فإنه يعطى للمتبرعة إن كانت أهلًا للحضانة، ولها اجرُ من ربها على حضانتها.
وإن كان الأب معسرًا ولا مال للطفل الرضيع، وأبت أمه أن تحضنه إلا بأجرة، ولم يوجد من يتبرع بحضانته، فإن الأم تجبر على حضانته، ويتحملها الأب، ولا تسقط عنه إلا بأداءٍ أو إبراء كما سبق.
стр. 6421
• انتهاء الحضانة:
تنتهي الحضانة إذا استغنى الطفل أو الطفلة عن خدمة النساء، وبلغ سن التمييز، وهي سبع سنين، وقدر المحضون على القيام بحاجاته بنفسه من أكلِ ولبس ونظافة، وللقاضي رعاية مصلحة المحضون حسب الحال والحاجة والمنفعة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
• شروط الحضانة:
يشترط في المرأة التي تولت تربية المحضون ما يلي:
أولًا: العقل، فلا حضانة لمعتوهِ أو مجنون لعدم أهليته.
ثانيًا: البلوغ؛ لأن الصغير بحاجة إلى من يتولاه ويرعاه.
ثالثًا: القدرة على التربية، فلا حضانة لكفيفة البصر، لعدم قدرتها على الخدمة ولا المريضة مرضًا معديًا، أو مقعدة، ولا الكبيرة التي لا تستطيع الخدمة، ولا لمهملة، لما في ذلك من ضياع الطفل.
رابعًا: الأمانة والخلق؛ لأن الفاسقة غير مأمونة على الصغير.
خامسًا: الإسلام فلا حضانة لكافر على طفل مسلم.
سادسًا: ألا تكون متزوجة، فمن تزوجت سقط حقها في الحضانة لانشغالها بالزوج عنه إلا أن يرضى زوجها بذلك.
عن عبد الله ابن عمرو رضي لله عنهما «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي». أخرجه أحمد وأبو داود بسندٍ حسن (١).
стр. 6422
١١ - كتاب النفقات
• النفقات: هي كفاية من يمونه طعامًا وكسوة وسُكنى، وما يتبع ذلك مما يصلحه.
وأسباب وجوب النفقة ثلاثة:
١ - الزوجية.
٢ - والقرابة.
٣ - والمُلك.
والإنفاق على الأهل أفضل من الإنفاق على من سواهم؛ لأن الأهل قد أوجب الله عليك الإنفاق عليهم، فالنفقة عليهم فرض عين، والنفقة على من سواهم فرض كفاية، وفرض العين أوجب من فرض الكفاية: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
• فضل النفقة:
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ [البقرة: ٢٧٢].
стр. 6423
وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَنْفَقَ المُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ، وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا، كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً». متفق عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ». متفق عليه (٢).
• صفة المال الذي ينفق منه:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧ - ٢٦٨].
• أحوال الإنفاق على الزوجة:
أولًا: نفقة الزوجة واجبةُ على زوجها من مأكلِ ومشرب، وملبس ومسكن، ونحو ذلك بما يصلح لمثلها، وذاك يختلف باختلاف أحوال البلاد والأزمنة وحال الزوجين وعاداتهما.
وإذا حصل بين الزوجين نزاع فالمعتبر في النفقة حال الزوج: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧].
стр. 6424
وعن جابر ابن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ». أخرجه مسلم (١).
ثانيًا: يجب على الزوج نفقة زوجته المطلقة الرجعية وكسوتها وسكناها لكن لا قسم لها.
ثالثًا: الزوجة البائن بفسخِ أو طلاق لها النفقة إن كانت حاملًا، وإن لم تكن حاملًا فلا نفقة لها ولا سكنى.
رابعًا: لا نفقة ولا سكنى للمتوفى عنها زوجها، فإن كانت حاملًا وجب نفقتها من نصيب الحمل من التركة، فإن لم يكن فعلى وارثه.
خامسًا: إذا نشزت المرأة أو حبست عن زوجها، سقطت نفقتها إلا أن تكون حاملاً فتلزمه نفقتها.
стр. 6425
• حقوق زوجة الغائب:
إذا غاب الزوج، ولم ينفق على زوجته، لزمته نفقة ما مضى، وإذا غاب ولم يدع لزوجته نفقة، وتعذر أخذها من ماله، فلها فسخ النكاح إن شاءت بإذن الحاكم، وحقها باق في ذمة زوجها حتى يؤديه لها.
• حكم النفقة على الأصول والفروع والأقارب:
تجب النفقة لأبويه وإن علو، حتى ذوي الأرحام منهم، وتقدم الأم على الأب في البر والنفقة، وتجب لولده وإن سفل، حتى ذوي الأرحام منهم، إن كان المنفق غنيًا، والمنفق عليه فقيرًا، والوالد تجب عليه نفقة ولده كاملة ينفرد بها: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ». متفق عليه (١).
• شروط النفقة على القريب:
تجب النفقة على كل من يرثه المنفق بفرضِ أو تعصيب إن كان محتاجًا، ويشترط لوجوب النفقة على القريب من غير الأصول والفروع ما يلي:
١ - أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه.
٢ - فقر المنفق عليه.
стр. 6426
٣ - غنى المنفق.
٤ - عدم اختلاف الدين.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].
• حق المملوك:
يجب على السيد نفقة رقيقه المملوك، وإن طلب نكاحًا زوجه سيدهُ، أو باعه، وإن طلبته أمته خُير سيدها بين وطئها أو تزويجها أو بيعها.
• حكم النفقة على البهائم:
تجب النفقة على ما يملكه الإنسان من البهائم والطيور ونحوها، فيقوم بإطعامها وسقيها وما يصلحها، ولا يحملها ما تعجز عنه، فإن عجز عن نفقتها أجبر على بيعها أو إجارتها أو ذبحها إن كانت مما تؤكل، ولا يجوز ذبحها للإراحة كالمريضة والكبيرة، وعليه أن يقوم بما يلزمها.
عن عبد الله ابن جعفر ﵁ قال: «أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ فَكَانَ أَحَبَّ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ - يَعْنِي: حَائِطَ نَخْلٍ - فَدَخَلَ حَائِطَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا فِيهِ جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ، جَزِعَ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ قَالَ: فَأَتَاهُ فَمَسَحَ سُرَّتَهُ إِلَى سَنَامِهِ قِرَاهُ وَذِفْرَاهُ فَسَكَنَ فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟». فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَالَ: هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: «أَلَا
стр. 6427
تَتَّقِ اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ تَعَالَى إِيَّاهَا فَإِنَّهُ يَشْكُو إِلَيَّ أَنَّكَ تُدْئِبُهُ وَتُجِيعُهُ». أخرجه أحمد وأبو داود بسندٍ صحيح (١).
• أحوال المنفق:
للمنفق حالتان:
الأولى: إن كان المنفق قليل المال، وجب عليه أن يبدأ بالنفقات الواجبة من الزوجة والأصول والفروع والمماليك، فيبدأ بنفسه أولًا، ثم من تجب نفقتهم مع العسر واليسر، وهم الزوجة والمماليك والبهائم، ثم من تجب نفقتهم ولو لم يرثهم من الأصول كالأم والأب، والفروع كالأولاد، ثم نفقة الحواشي إن كان المنفق يرثهم بفرض أو تعصيب: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧].
الثانية: إن كان المنفق غنيًا فينفق على الجميع، ويعطي كل ذي حق حقه، وله أجر عظيم: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
• حكم الصندوق الخيري:
الصندوق الخيري هو أن يضع مجموعة من الناس صندوقًا يجمعون فيه ما تطيب به نفوسهم من المال، يؤخذ من كل واحد حسب ما يتفقون عليه، أو حسب ما تطيب به نفسهُ، ويكون مال الصندوق الخيري معدًا للحاجة والنكبات والمصائب التي تصيب الواحد منهم، فهذا العمل مشروع، وهو
стр. 6428
من التعاون على البر والتقوى، وفيه مواساة لأهل المصائب، وإعانةُ للمحتاجين: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ، بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ». متفق عليه (١).
• حكم التقصير في النفقة:
يجب على الزوج أن ينفق على زوجته بالمعروف، حسب يسره وعسره، فإن كان الزوج بخيلًا لا يقوم بكفاية زوجته، أو أنه تركها بلا نفقة بغيرِ حق، فلها الحق أن تطلب من القاضي فرض ما يكفيها من نفقة الطعام والكسوة والمسكن.
وإن منع الزوج الواجب عليه من النفقة، فلزوجتهِ أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها بالمعروف.
عن عائشة ﵂: «أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ، بِالْمَعْرُوفِ». متفق عليه (٢).
стр. 6429
• حكم نفقة الأم على أولادها:
عن أم سلمه ﵂ قالت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ فَقَالَ: «أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ». متفق عليه (١).
• حكم رصد النفقة للمستقبل:
يجوز للإنسان أن يحبس لأهلهِ قوت سنة، لسد حاجتهم.
عن عمر ﵁ قال: «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ، وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ». متفق عليه (٢).
• مقدار النفقة:
إنفاق الولد على والده، وإنفاق الوالد على ولده، يكون على قدر الكفاية، وسد الحاجة، لا على قدر الميراث، وكل ما سوى الأصول والفروع تكون النفقة على قدر الميراث من القريب، ومن كان له ابن فقير، وأخ معسر، وعكسه، فينفق على المحتاج كأن الآخر غير موجود، ولا نفقة مع اختلاف دين؛ لأن اختلاف الدين يمنع الإرث ويمنع النفقة.
стр. 6430
• ويستثنى في الإنفاق إثنان:
الأول: المملوك، فتجب نفقته ولو كان كافرًا.
الثاني: الوالدان فينفق على والديه، ولو كانا كافرين؛ لأنه من الإحسان إليهما، والبر بهما: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٥].
وعن أسماء بنت أبي بكر ﵁ قالت: «قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ». متفقُ عليه (١).
стр. 6431
٤١ - خزائن الأطعمة والأشربة
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 6432
٤١ - خزائن الأطعمة والأشربة
١ - الخزانة الأولى
• مراتب الغذاء:
مراتب الغذاء ثلاث:
أحدها: مرحلة الحاجة.
الثانية: مرتبة الكفاية.
الثالثة: مرتبة الفضلة.
فأفضل ما للبدن لقيمات يقمن صلبه؛ لئلا تفسد قوته.
فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه، ويدع الثلث الآخر للماء، والثلث الثالث للنفس.
وهذا القدر من أنفع ما للبدن والقلب، فالبدن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب، فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس، وعرض له الكرب والتعب؛ لثقل الحِمْل، وذلك يسبب فساد القلب، وكسل الجوارح عن الطاعات، وتحركها في الشهوات: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
• أحوال البدن:
للبدن ثلاثة أحوال:
الأولى: حال طبيعية، وبها يكون البدن صحيحًا.
الثانية: حال خارجة عن الطبيعة، وبها يكون البدن مريضًا.
الثالثة: حال متوسطة بين الحالتين.
стр. 6433
وسبب خروج البدن عن طبيعته وعافيته أمران:
الأول: إما من داخله، لأنه مركب من أربعة عناصر:
الحار .. والبارد .. والرطب .. واليابس.
الثاني: وإما من خارج البدن، فإن ما يلقاه قد يكون موافقًا له، وقد يكون غير موافق.
وما يلحق الإنسان من الضرر، قد يكون من سوء المزاج بخروجه عن الاعتدال، وقد يكون من فساد العضو، وقد يكون من ضعف القوى، أو الأرواح الحاملة له.
وذلك يرجع إلى سبعة أمور:
الزيادة .. أو النقص .. أو الجمع .. أو التفريق .. أو الامتلاء .. أو الانقباض .. أو الخروج عن وضعه وشكله.
وأكل الطيبات من الحلال، والاعتدال في الأكل والشرب، وتجنب الإسراف، مع كمال الإيمان والتقوى، هو الغذاء النافع السليم للقلب والبدن والروح: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً». أخرجه البخاري (١).
стр. 6434
• فضل العافية:
الإسلام أكمل نعمة أنعم الله بها على عباده، والصحة والعافية من أجلِّ نعم الله على خلقه، وأجزل عطاياه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فالعافية ترفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه، واليقين يرفع عنه شرور الدنيا، وعقوبات الآخرة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
فيجب حفظ النفوس بالأكل والشرب من الطيبات، واجتناب الخبائث والمضرات: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ». أخرجه البخاري (١).
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «سَلُوا اللهَ المُعَافَاةَ فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْراً مِنَ العَافِيَة». أخرجه أحمد وابن حبان بسند صحيح (٢).
стр. 6435
حكم الأطعمة والأشربة:
أولاً: الأصل في المنافع والطيبات الحل والإباحة، إلا ما ثبت النهي عنه، أو بان فيه مفسدة ظاهرة محققة: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
والأصل في المضار والخبائث الحظر والتحريم.
ثانيًا: كل ما فيه منفعة للبدن والروح من المطعومات والمشروبات فقد أحله الله، ليستعين به العبد على طاعة الله، ويحفظ صحته من الضعف والهلاك.
ثالثًا: كل ما فيه ضرر، أو مضرته أكثر من منفعته، فقد حرمه الله؛ لما فيه من ضرر البدن والروح، وفساد الحال، وخسارة الدنيا والآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].
• مقاصد الأكل والشرب:
الطعام بأنواعه، والشراب بأنواعه من أعظم نعم الله على عباده بعد نعمة الإسلام: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقد أمرنا الله بالأكل من الطيب منه، وشكر الله عليه، وأوجب الإسلام تناول الحد الأدنى من الطعام والشراب للحفاظ على الحياة، ودفع الهلاك عن النفس، وللقيام بالواجبات الدينية من صلاة، وصيام وغيرها، ولامتثال أوامر الله في الأكل والشرب، والتقوي به على طاعة الله .
ويجوز الأكل والشرب ما لم يصل إلى حد الإسراف؛ لأن الإسراف ضار محرم، وقد نهى الله عنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧].
• أثر الطعام على الإنسان:
الطعام يتغذى به الإنسان، وينعكس أثره على أخلاقه وسلوكه، فالأطعمة الطيبة يكون أثرها طيبًا على الإنسان، والأطعمة الخبيثة بضد ذلك، ولذلك أمر الله العباد بالأكل والإنفاق من الطيبات، ونهاهم عن الخبائث: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
стр. 6438
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧].
• حكم سؤال الضيف عن الطعام والشراب:
السنة إذا دخل المسلم على أخيه المسلم، فأطعمه من طعامه، فليأكل ولا يسأله عنه، ويشتغل بحمد الله الذي أباحه له.
وإن سقاه من شرابه، فليشرب من شرابه، ولا يسأله عنه؛ إلا إذا أعجبه، ليشتري مثله.
والمتباريان، وهم المتفاخران في الضيافة؛ رياءً وسمعة وفخرًا، لا يجابان، ولا يؤكل طعامهما.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْمُتَبَارِيَانِ لا يُجَابَانِ، ولا يُؤْكَلُ طعامَهُمَا». أخرجه البيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح (١).
стр. 6439
أنواع الأطعمة والأشربة
الأطعمة والأشربة الأصل فيها الإباحة، وهي ثلاثة أنواع:
نباتات .. وحيوانات .. وسوائل.
القسم الأول: النباتات، سواء كانت حبًا كالأرز، والبر، والقمح، والشعير، والذرة، والدخن، والفول، والعدس، والفاصوليا، واللوبيا وغير ذلك من أنواع الحبوب التي خلقها الله.
أو كانت خضارًا كالقرع، والطماطم، والكوسة، والباذنجان، والسبانخ، والبقدونس، والخس، والجرجير، والخيار، والجزر، والبصل، والفجل وغيرها من أنواع الخضار التي من الله بها على عباده؛ ليشكروه عليها.
أو كانت فاكهة كالموز، والبرتقال، والتفاح، والمانجو، والتمر، والعنب، والرمان، والتين، والزيتون، والخوخ، والكمثرى، والمشمش وغيرها من أنواع الفاكهة.
فهذه الأنواع الثلاثة كلها حلال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ [الأنعام: ١٤١].
стр. 6440
هدي النبي ﷺ في الطعام والشراب:
كان ﷺ يحب اللحم، وأحبه إليه الذراع، ومقدَّم الشاة؛ لخفته على المعدة، وسرعة هضمه، وكثرة نفعه.
وكان ﷺ يحب الحلوى والعسل، وهذه مع اللحم من أفضل الأغذية، وأنفعها للبدن والأعضاء والكبد، وحفظ الصحة والقوة.
وكان ﷺ يأكل الخبز مأدومًا ما وجد له إدام، فتارة يأدمه باللحم، وتارة بالبطيخ، وتارة بالتمر، وتارة بالخل.
وكان ﷺ يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله من اللحم والخبز والفاكهة والتمر وغيره.
وكان ﷺ إذا عافت نفسه الطعام لم يأكله، ولم يحملها إياه على كره، وذلك أصل عظيم في حفظ الصحة مما يضرها.
وكان ﷺ إذا كان في أحد الطعامين كيفية تحتاج إلى كسر كسرها، وعدلها بضدها إن أمكن، كتعديل حرارة الرُّطَب ببرودة البطيخ، وإذا لم يجد تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف.
ولم يكن من عادته ﷺ حبس النفس على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى ما سواه؛ لأن ذلك يضر البدن ويوهنه ويضعفه، بل كان يأكل من كل طيب بلا إسراف متى وجده.
وكان ﷺ يأكل التمر بالسمن، وهو الحَيْس.
وكان ﷺ يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وهو أنفع للمعدة من كل حلو دخلها: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩].
стр. 6441
فالماء البارد إذا خالطه ما يحلِّيه كالعسل، أو الزبيب، أو التمر كان من أنفع ما يدخل البدن، ويحفظ صحته.
وكان ﷺ يشرب اللبن خالصًا، وتارة مشوبًا بالماء، وللبن نفع عظيم في حفظ الصحة، وترطيب البدن.
وكان ﷺ يشرب النبيذ إلى ثلاثة أيام، والنبيذ: هو الماء المحلى بالتمر، وفي شربه نفع عظيم في زيادة القوة، وحفظ الصحة.
والمسلم مأمور باتباع الرسول ﷺ في خمسة أمور:
١ - في نيته وفكره.
٢ - وفي توحيده وإيمانه.
٣ - وفي أقواله الحسنة.
٤ - وفي أعماله الصالحة.
٥ - وفي أخلاقه الكريمة، وسائر أحواله.
فالمسلم يقتدي بالنبي ﷺ في جميع أحواله، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
стр. 6442
الأصل في الأطعمة والأشربة:
أولاً: الأطعمة والأشربة الأصل فيها الحل للمؤمنين دون الكفار.
فيباح كل طعام أو شراب طاهر لا مضرة فيه من لحم، وحب، وثمر، وتمر، وماء، وعسل ونحوها من الطيبات، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
أما الكفار: فالأطعمة والأشربة، وسائر المنافع عليهم حرام، لأن الله خلقها لمن آمن به وأطاعه.
فكل كافر لا يرفع لقمة إلى فمه، ولا يشرب جرعة من ماء، ولا يلبس ثوبًا، ولا يركب مركبًا، ولا يسكن دارًا ونحو ذلك من نعم الله إلا عوقب عليه يوم القيامة: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
ولا يترك الكافر أمرًا واجبًا، ولا يرتكب نهيًا، إلا حوسب عليه يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
ثانياً: ولا يحل نجس كالميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، ولا ما فيه مضرة كالسم، والخمر، والمخدرات، والتبغ، والقات ونحوها من كل محرم وخبيث؛ لأنها خبيثة مضرة بدنيًا، وماليًا، وعقليًا.
وما أباح الله شيئًا إلا يسر الحصول عليه، وبارك فيه، وما نهى عن شيء إلا أغنى عنه بما هو أحسن منه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ
стр. 6443
لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
والطعام هو كل ما يؤكل من نبات ولحم، والشراب هو كل ما يشرب من ماء ولبن وعسل وغير ذلك.
• معرفة أصول أبواب الأحكام:
معرفة أصول أبواب الأحكام من أهم المسائل لطالب العلم، حتى يكون على بصيرة من الحلال والحرام.
فهذه الأصول تسهل على المسلم معرفة المسائل الشرعية وأحكامها.
فإذا عرف الإنسان في كل باب ما هو الأصل فيه، ثم عرف دليل هذا الأصل، ثم عرف ما يستثنى من هذا الأصل، ثم عرف دليل الاستثناء، وأحوال الاستثناء، لم يشكل عليه شيء في الفقه بإذن الله : ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال النبي ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». متفق عليه (١).
فالفقه فقهان، فقه عن الله بما خلق، وفقه عن الله فيما شرع.
стр. 6444
مقدار الحلال والحرام من الأطعمة:
أوسع الأشياء في الطيب والحل هي الحبوب والثمار، وما أحله الله من الطيبات أكثر مما حرم.
وما حرمه الله من الطعام حرمه لسبب عارض، أو لسبب ملازم للمحرم.
فالميتة فيها الضرر والخبث، وهذا الضرر والخبث ملازم للميتة، فهي حرام أبدًا، ولا تحل إلا لمضطر يخاف الهلاك.
والسبب العارض كمنع الأكل في نهار رمضان، وتحريم صيد البر على المُحْرم ونحو ذلك: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥].
• الأصل في الحل والتحريم:
الأصل في الحل الطيب، وعدم الضرر.
والأصل في التحريم الخبث، وحصول الضرر.
فالطيب ما جمع وصفين:
١ - الطهارة والمنفعة. ٢ - وانتفاء الضرر.
فلا يكون الطعام طيبًا حتى يكون طاهرًا، نافعًا، لا ضرر فيه كالتمر، والسمك ونحوهما.
والضرر له حالتان:
الأولى: أن يكون المأكول مضراً لعموم الناس كالسم، فإنه ضار مهلك.
стр. 6445
الثانية: أن يكون الضرر خاصاً بالشخص، مثل بعض الأطعمة التي تضر بعض الناس.
فهذا يجب اتقاؤه؛ منعًا للضرر عن النفس، حتى تعود إلى الجسم عافيته.
فالطعام طيب وحلال، لكن لا يجوز تناوله لصفة متعلقة بهذا الآكل يناله الضرر بسببها؛ حفظًا للصحة: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
• ما يحرم أكله من الأطعمة:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١].
وقال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].
وما قُطع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة لا يجوز أكله.