خامسًا: ظهور الحيض، والحمل، وتفلّك الثديين، ونزول اللبن منهما، وهذا دليل على أنوثته.
• كيفية ميراث الخُنثى المُشكل:
الخُنثى المُشكل له حالتان:
الأولى: إن لم تتضح حال الخُنثى المُشكل، أو مات وهو صغير قبل بلوغه، فهذا يرث نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى، إن ورث بهما متفاضلاً، وإن ورث بكونه ذكراً فقط أُعطي نصف ميراث ذكر، وإن ورث بكونه أنثى فقط أُعطي نصف ميراث أنثى.
الثانية: إن كان الخُنثى المُشكل يرجى اتضاح حاله انتظروا حتى يتبين أمره إن لم يتضرر أحد، فإن لم ينتظروا وطلبوا القسمة عُومل هو ومن معه بالأضر، ووقف الباقي إلى أن تتميز حاله، فتُعمل مسألة على أنه ذكر، ثم تُعمل على أنه أنثى، ويُدفع للخُنثى، وكل وارث، أقل النصيبين، ويوقف الباقي إلى أن تتميز حاله، ثم يقسم الباقي حسب ذلك.
المثال: مات شخص عن ابن، وبنت، وولد خنثى صغير، ومسألة الذكورة من خمسة للابن اثنان، وللبنت واحد، وللخنثى اثنان.
ومسألة الأنوثة من أربعة للابن اثنان، وللبنت واحد، وللخُنثى واحد.
فالأضر بالنسبة للبنت والابن الواضح أن يكون الخُنثى ذكراً فنعطيهما من مسألة الذكورة.
والأضر في حق الخُنثى كونه أنثى فنعطيه من مسألة الأنوثة، ثم يوقف الباقي إلى أن يتبين أمره.
стр. 6617
ميراث المفقود
• المفقود: هو من انقطع خبره، فلا يُعلم أحي هو أم ميت.
• أحكام المفقود:
المفقود له حالتان:
الحياة، أو الموت، ولكل حالة منهما أحكام تخصها:
أحكام بالنسبة لزوجته، وأحكام بالنسبة لإرثه من غيره، وأحكام بالنسبة لإرث غيره منه، وأحكام بالنسبة لإرث غيره معه.
فإذا لم يترجح أحد الاحتمالين على الآخر، فلابد من ضرب مدة يُتأكد فيها من واقعه، وتكون فرصة للبحث عنه.
• مدة انتظار المفقود:
يُرجع في تقدير مدة الانتظار إلى اجتهاد الحاكم، وما يحصل من ضرر عليه وعلى غيره، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال، والأماكن، والأزمان، فيُقدِّر الحاكم مدة للبحث عنه، ثم يحكم بموته بعد انتهائها إن لم يُعثر عليه.
• أحوال المفقود:
المفقود إما أن يكون مورِّثاً، أو يكون وارثاً.
فأولاً: إذا كان المفقود مورثاً، فإذا مضت مدة الانتظار التي ضربها الحاكم، ولم يتبين أمره، فإنه يحكم بموته، ويقسم ماله الخاص، وما وقف له من مال مورثه إن كان، على ورثته الموجودين حين الحكم بموته، دون من مات في مدة الانتظار.
ثانيًا: إذا كان المفقود وارثاً ولا مزاحم له، وقف المال كله له إلى أن يتبين أمره، أو تنقضي مدة الانتظار، وإن كان له مزاحم من الورثة، وطلبوا
стр. 6618
القسمة، فيعامل هو بالنصيب الأكمل احتياطاً، ويعامل الورثة بالأقل، إلى أن يتبين أمره.
فإذا كان حياً أخذ نصيبه المقدر له، وإن زاد منه شيئاً رده على مستحقه، فنقسم المسألة على اعتبار المفقود حياً، ثم نقسمها على اعتباره ميتاً.
فمن كان يرث في المسألتين متفاضلًا أُعطي الأقل، ومن يرث فيهما متساوياً يُعطي نصيبه كاملاً، ومن يرث في إحدى المسألتين فقط لا يُعطي شيئاً، ويوقف الباقي إلى أن يتبين أمر المفقود.
فإذا مات شخص عن زوجة، وجدة، وعم، وابن مفقود، فالمسألة من أربعة وعشرين للزوجة الثمن ثلاثة؛ لأنه الأقل، وللجدة السُدس أربعة؛ لأن المفقود لا ينقصها، ولم نعط العم شيئاً؛ لأن المفقود يحجبه، ونوقف الباقي سبعة عشر إلى أن يتبين الأمر.
فإن كان الابن حياً أخذ الباقي، وإن كان ميتاً بعد موت مورثه قُسِم الباقي على ورثة المفقود، وإن كان ميتاً قبل موت مورثه فلا شيء له، ويُقسم الباقي على بقية الورثة.
فلله الحمد والمنة على عدالة هذه الشريعة، وعلى حُسن أحكامها، وعلى تمام عدلها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ ١٧٦ [النساء: ١٧٦].
стр. 6619
ميراث الغرقى والهدمى ونحوهم
المقصود بهم: كل جماعة متوارثين ماتوا بحادث عام: كغرقٍ، أو حرقٍ، أو قتالٍ، أو هدمٍ، أو حادث سيارات، أو طائرات، أو قطارات، ونحو ذلك.
• أحوال الغرقى والهدمى ونحوهم:
للغرقى والهدمى ونحوهم خمس حالات:
الأولى: أن يُعلم المتأخر منهم بعينه فيرث من المتقدم ولا عكس.
الثانية: أن يُعلم موتهم جميعاً دفعة واحدة فلا توارث بينهم.
الثالثة: أن يُجهل كيف وقع الموت، هل كان مرتباً؟ أو دفعة واحدة؟ فلا توارث بينهم.
الرابعة: أن يعُلم أن موتهم مرتب، ولكن لا نعلم عين المتأخر منهم، فلا توارث بينهم.
الخامسة: أن يُعلم المتأخر ثم يُنسى، فلا توارث بينهم.
ففي هذه المسائل الأربع الأخيرة لا توارث بينهم، وعليه فيكون مال كل واحد منهم لورثته الأحياء فقط دون من مات معه.
المثال: مات أخوان، وأم، في حادث سيارة جميعاً، وترك الأخ الأول زوجة، وبنت، وابن، وترك الأخ الثاني زوجة، وابن، وتركت الأم بنتاً، وبنت ابن، وعم، فيُقسم مال كل واحد على ورثته الأحياء فقط.
فالمسألة الأولى من ثمانية: للزوجة الثُمن واحد، والباقي سبعة للابن، والبنت تعصيباً للذكر مثل حظ الأنثيين.
والمسألة الثانية من ثمانية: للزوجة الثُمن واحد، وللابن الباقي سبعة تعصيباً.
والمسألة الثالثة من ستة: للبنت النصف ثلاثة، وبنت الابن السدس واحد، وللعم الباقي تعصيباً، وهكذا.
стр. 6620
ميراث القاتل
• القاتل: هو من قتل مورثه بلا حق.
• حكم ميراث القاتل:
للقاتل حالتان:
الأولى: إذا انفرد أحد بقتل مورثه، أو شارك فيه مباشرة أو سبباً بلا حق، لم يرثه.
والقتل بغير حق: هو المضمون بقود، أو دية، أو كفارة كالعمد، وشبه العمد، والخطأ وما جرى مجرى الخطأ كالقتل بالسبب، وقتل الصبي، والنائم، والمجنون.
فالقاتل عمداً لا يرث، وسبب عدم إرثه: الاستعجال للميراث، ومن تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه.
وإن كان القتل غير عمد فَمنعه من الإرث سداً للذرائع صيانة للدماء؛ لئلا يكون الطمع سبباً لسفكها.
الثانية: إن كان القتل قصاصاً أو حداً أو دفاعاً عن النفس ونحو ذلك فلا يمنع الإرث.
• ميراث المرتد واللقيط:
• المرتد لا يرث أحداً ولا يورث، فإن مات على ردته فماله لبيت مال المسلمين؛ لأنه كافر.
• واللقيط إن لم يخلف وارثاً فميراثه، وديته لبيت مال المسلمين.
стр. 6621
• التخارج من الميراث:
التخارج: هو أن يتصالح الورثة على إخراج بعضهم من الميراث مقابل شيء معلوم من التركة، أو من غيرها، وهذا التصرف جائز عند التراضي.
• كيفية قسمة التركة عند التخارج:
قسمة التركة عند التخارج لها صور، كما يلي:
الأولى: أن يَخرج أحد الورثة عن نصيبه لآخر مقابل شيء يأخذه من مال الوارث الخاص، فيحل الثاني محل الأول في نصيبه من التركة.
المثال: زوج، وأخوان شقيقان أخرج أحد الشقيقين الزوج من نصيبه بمال دفعه إليه من ماله الخاص، المسألة من أربعة: للزوج النصف اثنان، والباقي للأخوين اثنان، فيُضم نصيب الزوج اثنان إلى نصيب الأخ واحد فيكون له ثلاثة، وهكذا.
الثانية: أن يَخرج أحد الورثة عن نصيبه لبقية الورثة مقابل مال من غير التركة، يدفعونه إليه بنسبة أنصبائهم، فتكون التركة لبقية الورثة، ويُجعل المخرج غير وارث.
الثالثة: أن يَخرج أحد الورثة مقابل مال يدفعه إليه الورثة من غير التركة بالتساوي، فتُقسم الحصة المصالَح عليها بالتساوي.
المثال: زوج، ابن، بنت فإذا أخرج الابن، والبنت الزوج بمبلغ من المال مناصفة، استحقا نصيب الزوج، وهو الربع مناصفة.
الرابعة: أن يَخرج أحد الورثة عن نصيبه لبقية الورثة مقابل مال يدفعونه إليه من التركة، فتُقسم حصة الخارج على الورثة حسب نسبة أنصبائهم، وهكذا.
стр. 6622
ميراث أهل الملل
حكم إرث المسلم من الكافر:
لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم؛ لاختلاف دينهما.
عَنْ أسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلا الكَافِرُ المُسْلِمَ». متفق عليه (١).
• حكم ميراث أهل الملل:
أولاً: الكفار يرث بعضهم بعضاً مع اتفاق أديانهم لا مع اختلافها، والكفار ملل شتى، فاليهود ملة، والنصارى ملة، والمجوس ملة، وهكذا.
ثانيًا: يتوارث اليهود فيما بينهم، والنصارى فيما بينهم، والمجوس فيما بينهم، وبقية الملل فيما بينهم، ولا يرث اليهودي النصراني، وهكذا البقية، ويُقسم المال بينهم كما يُقسم على ورثة المسلمين.
• ميراث من لا يُعلم أبوه:
ابن الزنا، وابن الملاعنة، لا توارث بينهما وبين أبيهما؛ لانتفاء النسب الشرعي بينهما، وإنما يكون التوارث بينهما وبين أمهما فقط وقرابتها؛ لأن النسب من جهة الأب منقطع، ومن جهة الأم ثابت.
الأمثلة:
توفي شخص عن أم، وابن غير شرعي، التركة للأم فرضاً ورداً، ولا شيء للابن.
ثانيًا: توفي ابن زنى عن أمه، وأبيها التركة كلها لأمها، ولا شيء للأب؛ لأنه جد من ذوي الأرحام.
اللهم فقهنا في الدين، واحفظنا من حرمان من يستحق، أو إعطاء من لا يستحق.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
стр. 6623
٤٣ - خزائن القصاص
وتشتمل على ما يلي:
أولاً: الجنايات: وتشمل:
١ - الجناية على النفس
٢ - أقسام القتل، وتشمل:
١ - قتل العمد
٢ - قتل شبه العمد
٣ - قتل الخطأ
ثانيًا: الجناية على ما دون النفس، وتشمل:
١ - الجناية على الأطراف
٢ - الجناية بالجراح
ثالثًا: الديات، وتشمل:
أولًا: دية النفس.
ثانيًا: الدية فيما دون النفس، وتشمل:
١ - دية الأعضاء ومنافعها.
٢ - دية الشجاج والجروح.
٣ - دية العظام.
стр. 6624
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
٤٣ - خزائن القصاص
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 6625
٤٣ - خزائن القصاص
١ - الخزانة الأولى
كتاب القصاص
• الجنايات جمع جناية، والجناية هي كل فعل محرم شرعًا زجر الله عنه بحدٍ أو تعزير.
وأصل الجناية الاعتداء على النفس، أو البدن، أو العرض، أو العقل، أو المال، بما يوجب قصاصًا، أو حدًا، أو مالًا.
وتطلق الجريمة على الجناية، والجناية على الجريمة.
• أسباب الجرائم:
حرَّم الله على الإنسان أن يعتدي على غيره في نفسه، أو بدنه، أو عرضه، أو ماله، فكل مسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه.
ومن رحمة الله أنْ جعل الإيمان بالله يمنع الإنسان من ارتكاب المحرمات والكبائر والصغائر، وكلما زاد الإيمان ازدادت قوة الامتناع عن الجريمة.
ولا يعتدي الإنسان على غيره إلا إذا ضعف عنده الإيمان الذي يدفعه لطاعة الله، ويحجزه عن محارم الله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 6626
فيندفع الإنسان إلى الشر والجريمة، إما بسبب الشيطان الذي يزين له، ويغريه بكل محرم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
أو بسبب نفسه الأمارة بالسوء، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
أو بسبب قرين سوءٍ يحرِّضه على الجريمة، كشياطين الإنس والجن، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١١٩ - ١٢١].
أو بسبب مجتمعٍ فاسد يهيئ له سهولة ارتكاب الجريمة.
أو بسبب الحسد والحقد الذي يدعوه للتشفي، أو بسبب الغضب والسُكر الذي يجعله لا يبالي بمن أمامه، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: - ٩١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]
أو يندفع الإنسان للجريمة بسبب الهموم والغموم التي لا يطيق الصبر عليها، ونحو ذلك من الأسباب التي تبعث على الجريمة، وتستخف بالدين والأخلاق.
стр. 6627
ومن رحمة الله بعباده أن جعل لكل جريمة عقوبة رادعة تقطع دابرها، وتطفئ نارها، وتغسل آثارها: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
ومن أفلت من العقاب في الدنيا فلن يفلت في الآخرة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
• أعظم الذنوب:
أعظم الذنوب ثلاثة:
الشرك .. والقتل .. والزنا.
فأعظم أنواع الشرك أن يجعل العبد لله ندًا.
وأعظم أنواع القتل أن يقتل الإنسان ولده خشية أن يَطْعم معه.
وأعظم أنواع الزنا أن يزني بحليلة جاره.
فهذه أمهات الجرائم على الترتيب.
ففي الشرك فساد الأديان، وفي القتل فساد الأنفس، وفي الزنا فساد الأنساب، فهذه كلها جنايات محرمة؛ لما فيها من الفساد والضرر وتعدي الحدود، ومن اقترف منها شيئًا فقد جنى على نفسه العقوبة، وجنى على غيره الضرر، وتجاوز العدل والإحسان والرحمة إلى الظلم والإساءة والقسوة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ
стр. 6628
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧١].
وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالحَقِّ، وَأكْلُ الرِّبَا، وَأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاتِ». متفقٌ عليه (١).
وَعَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ الله؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لله نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». متفقٌ عليه (٢).
• حفظ الضروريات الخمس:
اعتنى الإسلام أعظم عناية بحفظ الضروريات الخمس التي اتفقت الشرائع السماوية على حفظها، وهي:
١ - حفظ الدين.
٢ - حفظ النفس.
٣ - حفظ العِرض.
٤ - حفظ العقل.
٥ - حفظ المال.
وجعل الإسلام التعدي عليها جناية وجريمة تستلزم عقاباً مناسبًا، وبحفظ هذه الضروريات يسعد المجتمع، ويطمئن كل فردٍ فيه. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 6629
وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
• عقاب المعرضين عن الإسلام:
سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة باتباع شريعة الله؛ لأن الهدى محصور فيها، وغير موجودٍ في غيرها.
وشقاء الإنسان في الدنيا والآخرة بالإعراض عن شريعة الله : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
وكل من أعرض عن شريعة الله من الأمم والأفراد عاقبه الله في الدنيا بنوعين من العقاب:
الأول: عقابٌ يصيب كل من أعرض أو انحرف عن شريعة الله من العصاة.
وأشكال هذا العقاب مختلفة بحسب حجم الجريمة.
فقد يكون بهلاك الأمة، أو بتسلط أعدائها عليها، أو تسلط الظلمة والطغاة على الناس، أو إصابة الناس بالشدة والضيق وغلاء الأسعار، أو النقص في الأموال والأنفس والثمرات، أو الخوف وقلة الأمن، أو انتشار الأمراض، وكل ذلك سُنَّةٌ ماضيةٌ من الله في خلقه إلى يوم القيامة، وهذا النوع من العقوبات إذا نزل بالأمة أصاب الطالح والصالح الذي لم يُنكر: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ
стр. 6630
مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: ٢٥].
وعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، مِثْلُ هَذِهِ، وَعَقَدَ سُفْيَانُ، بِيَدِهِ عَشَرَةً. قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ». متفقٌ عليه (١).
الثاني: عقوباتٌ شرعيةٌ نصت عليها الشريعة، وأمرتْ بتنفيذها في حق كل من ارتكب ما حرمَتْه، أو ترك ما أوجبته كقتل الجاني، وقطع يد السارق، وتعزير الخائن.
وأما العقاب في الآخرة فهو الأصل، ويكون بخلود الكفار في جهنم، وتعذيب عصاة المؤمنين بقدر ذنوبهم، ثم إخراجهم منها: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢].
стр. 6631
وقال الله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾ [ق: ٢٤ - ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨].
• أقسام الجنايات:
تنقسم الجرائم بالنظر إلى نوع عقوبتها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: جرائم القصاص:
وهي جرائم قتل النفس، وجرح البدن، وقطع الأطراف.
وفي عَمْد هذه الجرائم القصاص، وهو أن يُفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه، فإن اختاروا الدية فلهم ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨].
الثاني: جرائم الحدود:
وهي جرائم القذف، والزنا، والسرقة ونحوها من الحدود.
والحد: عقوبةٌ مقدرةٌ شرعًا وجبت لحق الله تعالى؛ صيانة للمجتمع من الفساد: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].
الثالث: جرائم التعزير:
وهي كل جناية ليس فيها حد كالخلوة بالأجنبية، وأكل الربا ونحو ذلك.
والتعزير: هو تأديبٌ على معاصٍ لم تُشرع فيها عقوبات مقدرة ابتداءً، يقدرها القاضي؛ تحصيلًا للمصلحة، ودرءً للمفسدة.
стр. 6632
وتنقسم الجنايات من حيث نوعها إلى قسمين:
الأول: جناية على النفس بالقتل.
الثاني: جناية فيما دون النفس بالجرح أو القطع أو الضرب.
• شروط اعتبار الفعل جريمة:
يكون الفعل جريمة بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون الفعل أو الترك مما نهى الله ورسوله عنه.
الثاني: أن يكون الفعل أو الترك محرمًا من الله ورسوله ﷺ .
الثالث: أن يكون للفعل عقوبة، مقدرة في الشرع كالقصاص والحدود، أو مفوضة إلى القاضي كالتعزير.
وأساس اعتبار الفعل جريمة، هو ما فيه من الأضرار والمفاسد والشرور والظلم، للأفراد والجماعات والأمم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
стр. 6633
٢ - الخزانة الثانية
• حكمة مشروعية العقوبات:
شرع الله العقوبات في الإسلام لما يلي:
رحمة العباد .. وتحقيق المصلحة لهم .. ودرء المفاسد عنهم.
وبذلك يحصل لهم كل خير، ويندفع عنهم كل شر، وتحصل لهم الطمأنينة والسعادة في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
فأحكام الشريعة الإسلامية كلها مبنية على جلب المصالح، ودرء المفاسد في الدنيا والآخرة، وهي عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وكل حادثة أو مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى القسوة، ومن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الإسلام في شيء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
• أصول العقوبات الشرعية:
العقوبات في الإسلام مبنيةٌ على الأصول الآتية:
أولاً: رحمة العباد والإحسان إليهم بكف الشر عنهم.
ثانيًا: المساواة بين الجريمة والعقوبة، فلا ظلم ولا جور.
ثالثًا: المساواة بين الناس، فيعاقب كل مجرم، سواء كان حاكماً أو محكومًا، غنياً أو فقيًرا، شريفًا أو ضيعًا، رجلاً أو امرأة.
стр. 6634
رابعًا: كفاية العقوبة للردع والزجر لقطع دابر الشر.
خامسًا: أن العقوبة لا يؤاخَذ بها إلا من ارتكب مُوجبها.
سادسًا: إذا ثبتت الجريمة وجب على ولي الأمر تنفيذ عقوبتها؛ إقامةً للعدل، ودفعاً للظلم.
سابعًا: أن تكون العقوبة مشروعة من الله ورسوله بحدٍ أو قصاص أو تعزير: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
• أقسام العقوبات الشرعية:
١ - تنقسم العقوبات من حيث النوع إلى قسمين:
الأول: عقوبةٌ أصلية:
وهي العقوبة المقدرة شرعًا لكل جريمة كقتل الجاني، وقطع يد السارق.
الثاني: عقوبةٌ بدلية:
وهي العقوبة التي تكون بدلاًعن العقوبة الأصلية، إذا امتُنع تطبيقها لمانع شرعي كالتعزير.
٢ - وتنقسم العقوبات من حيث تقديرها إلى قسمين:
الأول: عقوباتٌ مقدرة.
كالجلد في الزنا، والقطع في السرقة ونحوهما.
الثاني: عقوباتٌ غير مقدرة.
كعقوبات التعزير التي يقدرها القاضي بحسب الحال.
стр. 6635
٣ - تنقسم العقوبات من حيث المحل الذي تصيبه إلى أربعة أقسام:
الأول: عقوبة بدنية تصيب جسم الجاني كالقتل، والقطع، والجلد.
الثاني: عقوبة مالية تصيب مال الجاني كالديات.
الثالث: عقوبة مقيدة للحرية كالحبس.
الرابع: عقوبة نفسية تسبب له ألمًا نفسيًا كالتوبيخ.
٤ - تنقسم العقوبات من حيث نوع الجرائم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: عقوبات القصاص والديات:
وهي العقوبات المفروضة على جرائم الاعتداء على النفس أو ما دون النفس.
الثاني: عقوبات الحدود:
وهي العقوبات المفروضة على جرائم الحدود كالزنا، والسرقة، والقذف ونحوها.
الثالث: عقوبات التعزير:
وهي العقوبات المفروضة على جرائم التعازير، وهي كل ما سوى جرائم القصاص والحدود، مثل جريمة الخلوة بالأجنبية، وأكل الربا، والغش، والخيانة ونحو ذلك.
٥ - وتنقسم العقوبات من حيث تنفيذها إلى ثلاث:
الأول: عقوبة أصلية:
وهي عقوبة كل جريمة.
الثاني: عقوبة تبعية:
وهي التي تصيب الجاني تبعًا للحكم عليه بالعقوبة، كحرمان القاتل من الميراث.
стр. 6636
الثالث: عقوبة تكميلية:
لتحقيق قوة الردع، كتعليق يد السارق في رقبته، وصلب قاطع الطريق بعد قتله.
فما أجمل أحكام هذه الشريعة المبنية على العدل والإنصاف والإحسان، المشتملة على الرحمة والإحسان، المتميزة بالكمال والتمام: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام/ ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
• حكم إقامة العقوبات الشرعية:
شرع الله العقوبات لتنفذ إذا وجد موجبها؛ حفظًا للأمة، وصيانة لها من الشرور والمفاسد، فإذا ثبتت الجريمة على أحد، وجب على ولي الأمر تنفيذ عقوبتها، ولا يجوز لأحد أن يشفع لمجرم لإسقاط عقوبة الحد عنه، ولا يجوز لولي الأمر أو غيره أن يأخذ من المجرم مالًا لإسقاط الحد عنه، سواء كان المال له، أو لبيت المال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
فتعطيل حدود الله يوجب سخطه، وفساد المجتمع، واضطراب الأمن، وحصول الخوف، وتوالي النقم.
فيجب على ولاة أمور المسلمين أن يقيموا حدود الله في عباده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم؛ طاعة لله ورسوله، ورحمة بالعباد، وإحسانًا إليهم؛ لكف الناس عن المنكرات، وزجرهم عن الفواحش، وتخليصهم من الإثم والظلم.
стр. 6637
ولا يجوز أن يكون قصدهم من إقامتها شفاء غيظ قلوبهم، ولا إرادة العلو والفساد.
إن ولي الأمر بمنزلة الوالد الذي يؤدب ولده رحمة به، وإصلاحًا له لا تعذيبًا له: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ قُرَيْشاً أهَمَّتْهُمُ المَرْأةُ المَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ الله ﷺ ، وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلا أسَامَةُ، حِبُّ رَسُولِ الله ﷺ ، فَكَلَّمَ رَسُولَ الله ﷺ ، فقال: «أتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله». ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، قال: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ الله، لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا». متفقٌ عليه (١).
• الجناية على النفس:
الجناية هي التعدي على البدن خاصة، بما يُوجب قصاصًا، أو مالًا، أو كفارة.
стр. 6638
• حكمة مشروعية القصاص:
خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وكرمه على سائر المخلوقات، وجعله خليفةً في الأرض؛ لأمرٍ عظيم، وهو أن يقوم بعبادة ربه وحده لا شريك له، وجعل سبحانه البشرية كلها من نسله، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب؛ ليقوم الناس بعبادة الله وحده، واجتناب عبادة ما سواه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وقد وعد الله من آمن به، وامتثل ما أمره الله به بالجنة والرضوان، وتوعد من كفر بالله وخالف ما أمر الله به بالنار: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
وفي الناس من لا يستجيب لداعي الإيمان، لضعف في عقيدته، أو يستهين بالحاكم، لضعفٍ في عقله، فيقوى عنده داعي ارتكاب المحظورات، فيحصل منه تعدٍ على الآخرين في أنفسهم أو أعراضهم أو أموالهم.
فَشَرع الله العقوبات في الدنيا؛ لتمنع الناس من اقتراف هذه الجرائم؛ لأن مجرد الأمر والنهي الشرعي لا يكفي عند بعض الناس في الوقوف عند حدود الله.
стр. 6639
ولولا هذه العقوبات الشرعية لاجترأ كثيرٌ من الناس على ارتكاب الجرائم والمحرمات، والتساهل في المأمورات.
وفي إقامة القصاص والحدود حفظ حياة ومصلحة البشرية، وزجر النفوس الباغية، وردع القلوب القاسية الخالية من الرحمة والشفقة.
وإن في تنفيذ القصاص كفًا للقتل، وزجرًا عن العدوان، وصيانةً للمجتمع، وحياةً للأمة، وحقنًا للدماء، وشفاءً لما في صدور أولياء المقتول، وتحقيقًا للعدل والأمن، وحفظًا للأمة من وحشيٍ يقتل الأبرياء، ويُبث الرعب في البلد، ويتسبب في ترميل النساء، وتيتيم الأطفال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
• أقسام الحقوق:
الحقوق في الإسلام تنقسم إلى قسمين:
الأول: حقوقٌ بين العبد وربه، وأعظمها بعد التوحيد والإيمان الصلاة.
الثاني: حقوقٌ بين العبد وغيره من الخلق، وأعظمها الدماء التي حرم الله سفكها بغير حق.
وأول ما يُحاسب العبد عليه يوم القيامة من حقوق ربه الصلاة، وأول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء.
عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، أَوْ قَالَ: وَشَهَادَةُ الزُّورِ». متفقٌ عليه (١).
وَعنْ ابنِ مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وأَنِّي رسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 6640
والناس متساوون في الحقوق والواجبات، والمؤمنون تتكافأ دماؤهم، فهم متساوون في الدية والقصاص، فليس أحدٌ أفضل من أحد لا في النسب، ولا في اللون، ولا في الجنس، ولا في اللغة، وإنما يحصل التفاضل بين الناس بالإيمان والتقوى فقط: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
стр. 6641
٣ - الخزانة الثالثة
• حكم القصاص:
القصاص أن يُعمل بالجاني كما فعل بالمجني عليه.
وقد خير الله هذه الأمة في باب الجنايات بين ثلاثة أمور:
١ - القصاص.
٢ - أخذ الدية.
٣ - العفو.
والأفضل ما يحقق المصلحة، ويدرأ المفسدة، فإن كانت المصلحة تقتضي القصاص فالقصاص أفضل، وإن كانت المصلحة تقتضي أخذ الدية فأخذ الدية أفضل، وإن كانت المصلحة تقتضي العفو فالعفو أفضل.
فلكل حالةٍ حكم يُحقق المصلحة العامة والخاصة، ويدفع الشرور والفتن عن الأمة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وليس العفو أفضل مطلقًا، بل الأفضل ما يُحقق المصلحة، ولسنا أحق بالعفو من الله الذي أوجب القصاص والحدود؛ لقمع الشر، وإطفاء الفتن التي قد تحصل بين أفراد الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ
стр. 6642
تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
• حكم الجاهلية:
كثيرٌ من الدول الكافرة جعلت عقوبة القاتل عمدًا السجن تمدنًا ورحمةً به، ولم ترحم المقتول الذي فقد حياته، وتألم بالقتل، ولم ترحم أهله وأولاده الذين فقدوا راعيهم وعمدتهم، ولم ترحم البشرية التي أضحت خائفة على دمائها، وأعراضها، وأموالها، من هؤلاء المجرمين، فزاد الشر، وكثر القتل، وتنوعت الجرائم، ولا صلاح للبشرية إلا بحكم الله الخبير بعباده: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام: ١١٤ - ١١٦].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
стр. 6643
أقسام القتل
ينقسم القتل إلى ثلاثة أقسام:
١ - قتل العمد.
٢ - قتل شبه العمد.
٣ - قتل الخطأ.
القسم الأول: قتل العمد:
قتل العمد: هو أن يقصد الجاني من يعلمه آدميًا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به.
• صور قتل العمد:
قتل العمد له صورٌ كثيرة منها:
أولًا: أن يجرح الجاني أحدًا بمالَهُ نفوذ في البدن كسكينٍ، وبندقية، فيموت بسبب ذلك.
ثانيًا: أن يدهسه بسيارة، أو يلقي عليه حائطًا، أو يضربه بحجرٍ كبير، أو عصًا غليظة، فيموت بسبب ذلك.
ثالثًا: أن يلقيه بما لا يمكنه التخلص منه كأن يلقيه في ماء فيغرق، أو نارٍ فيحترق، أو يسجنه ويمنعه الطعام والشراب، فيموت بسبب ذلك.
رابعًا: أن يلقيه بزبية أسد، أو يُنهشه حية، أو يُمسكه لكلبٍ عقور، فيموت بسبب ذلك.
خامسًا: أن يسقيه سمًا لا يعلم به شاربه، فيموت.
سادسًا: أن يخنقه أو يشنقه بحبلٍ أو غيره، أو يسد فمه، فيموت.
سابعًا: أن يلقيه من شاهق كرأس جبل، أو حائط عالٍ، فيموت.
стр. 6644
ثامنًا: أن يصعقه بالكهرباء، فيموت بسبب ذلك.
تاسعًا: أن يقتله بسحر يقتل غالبًا، أو يكرر فعلًا يؤدي إلى الوفاة.
عاشرًا: أن يشهد رجلان على أحدٍ بما يوجب قتله فيُقتل، ثم يقولان: عمدنا قتله فيُقتص منهما.
ونحو ذلك من الصور التي يكون فيها قتل العمد جليًا.
• أركان القتل العمد:
أركان قتل العمد ثلاثة:
الأول: أن يكون القتيل آدميًا حيًا معصوم الدم.
الثاني: أن يموت بسبب فعل الجاني.
الثالث: أن يقصد الجاني موت المجني عليه.
• الآثار المترتبة على قتل العمد:
القتل العمد يوجب أمورًا ثلاثة:
الأول: الإثم العظيم الموجب لغضب الله ولعنته.
الثاني: القود، أو العفو إلى الدية، أو العفو مطلقًا، وهو الأفضل إن تحققت به المصلحة.
الثالث: الحرمان من الميراث والوصية.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)
حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالحَقِّ، وَأكْلُ الرِّبَا، وَأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاتِ». متفقٌ عليه (١).
وَعَنْ عَبْدِ الله ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وأَنِّي رسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ». متفقٌ عليه (٢).
وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «أكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ بِالله، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، أوْ قال: وَشَهَادَةُ الزُّورِ». متفق عليه (٣).
• شروط القصاص في النفس:
يشترط للقصاص في النفس ثلاثة شروط:
الأول: عصمة المقتول، والمعصمون أربعة:
المسلم .. والذمي .. والمُعاهد .. والمستأمن.
فلو قتل المسلم حربيًا، أو مرتدًا، او زانيًا محصنًا، فلا قصاص عليه ولا دية، لكن يُعزر بما يُحقق المصلحة، ويدفع المفسدة؛ لإفتياته على الحاكم.
الثاني: أن يكون القاتل بالغًا، عاقلًا، متعمدًا.
فلا قصاص على صغيرٍ، ومجنونٍ، ومخطئ، وإنما تجب عليهم الدية.
الثالث: أن يكون المقتول مكافئًا للقاتل حال الجناية، وهي أن يساويه في الدين، فلا يُقتل مسلمٌ بكافر، ويُقتل الكافر بالمسلم، سواءً كان كافرٌ ذميًا أو مُعاهدًا، أو مستأمنًا، أو حربيًا، أو مرتدًا.
стр. 6647
ويُقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر.
وإذا اختل شرطٌ من الشروط السابقة سقط القصاص، وتعينت الدية المُغلظة.
عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. متفقٌ عليه (١).
• القتل العمد:
• شروط استيفاء القصاص:
يشترط لاستيفاء القصاص ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون ولي الدم بالغًا عاقلًا، وإن كان صغيرًا أو غائبًا حُبس الجاني حتى يبلغ الصغير، ويقدم الغائب، ثم إن شاء اقتص، أو أخذ الدية، أو عفا، وهو الأفضل إن حقق المصلحة.
أما المجنون فلا يُنتظر، ولا حق له في المطالبة، ولا يمكنه ذلك.
الثاني: اتفاق جميع أولياء الدم على استيفاء القصاص، فليس لبعضهم استيفاءه دون بعض، وإذا عفا أحد الأولياء سقط القصاص، وتعينت الدية مُغلظة.
الثالث: أن يؤمن في الاستيفاء التعدي إلى غير القاتل، فإذا وجب القصاص على امرأةٍ حامل، لم يقتص منها حتى تضع ولدها، وتسقيه اللبأ، فإن وجد من يرضعه وإلا أُمهلت حتى تفطمه.
стр. 6648
فإذا تحققت هذه الشروط، جاز استيفاء القصاص، وإن لم تتحقق فلا قصاص ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
• حكم الصغير أو المجنون إذا قتل:
إذا قتل الصغير أو المجنون آدميًا، فلا قصاص عليهما، وتجب الكفارة في مالهما، والدية على عاقلتهما.
ومن أمر صغيرًا أو مجنونًا بقتل شخصٍ فقتله، فالقصاص على الآمر وحده؛ لأن المأمور آلةٌ للآمر، وغير مكلف.
• حكم الاشتراك في القتل:
إذا أمسك إنسانٌ آخر فقتله ثالث عمدًا، فيُقتل القاتل، أما المُمسك فإن علم أن الجاني سيقتل الممسوك، قتلاً جميعًا، وإن لم يعلم أنه سيقتله، فيُعاقب المُمسك بما يراه الحاكم رادعًا له ولغيره.
• حكم من أكره على القتل:
من أكره أحدًا على قتل معصومٍ فقتله، فالقصاص عليهما معًا؛ صيانة للدماء، وقطعًا لدابر الشر: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
стр. 6649
٤ - الخزانة الرابعة
• ثبوت القصاص:
يثبت القصاص بواحد مما يلي:
أولًا: اعتراف القاتل بالقتل.
الثاني: شهادة عدلين على القتل، أو القسامة وستأتي إن شاء الله.
• كيفية تنفيذ القصاص:
إقامة القصاص إذا ثبت واجبة على الإمام أو نائبه إذا طلب أولياء القتيل ذلك من الإمام.
ولا يُستوفى القصاص إلا بحضرة السلطان أو نائبه، ولا يُستوفى إلا بآلةٍ ماضية من سيفٍ ونحوه، يُضرب به عنقه، أو يُقتل بمثل ما قتل به، إلا أن يقتله بمحرم كأن يسقيه سمًا، أو يقتله بسحر فلا يُقتل به.
أما الأخذ بالتقنية الحديثة في تنفيذ القصاص، فلا يخلو من محاذير، فالقتل بالكرسي الكهربائي، والرمي بالرصاص، والشنق، فيه حيفٌ وزيادة تعذيب، وفي الخنق بالغاز والحقنة المميتة استخدامٌ للمخدر، وهو محرم، ولا يجوز تطبيق الشرع بأمرٍ محرم، ولا يُشفى الأولياء من هذا القصاص، ولا ينزجر المفسدون: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦].
стр. 6650
وَعَنْ شَدّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: «ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: «إنّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ، فَإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذّبْحَ، وَلْيُحِدّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». أخرجه مسلم (١).
• ما يُفعل بالجاني عند القصاص:
إذا وجب القصاص فإنه يُقتص من الجاني في النفس أو ما دون النفس، ولا يجوز أن يُخدر الجاني في القصاص؛ من أجل ألا يتألم؛ لأننا إذا خدرناه بالمخدر لن يتم القصاص بالعدل؛ لأنه قتل، أو قطع، أو جرح، بدون مخدر، فيُقتص منه بدون مخدر؛ ليذوق وبال أمره، ويتألم كما تألم المجني عليه، وتتحقق المساواة والعدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وكذلك كل محدودٍ من الجناة شرعًا، فإنه لا يخدر؛ ليحصل الزجر، والألم، والبُعد عن الجريمة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
• أولياء الدم:
ولي الدم الذي له أن يقتص أو يعفو، هم ورثة المقتول جميعًا من الرجال والنساء، كبارهم وصغارهم، فإذا اختاروا القصاص جميعًا وجب القصاص، وإن عفوا جميعًا، أو عفا أحدهم سقط القصاص أيضاً، ولو لم يعف الباقون؛ لأن القصاص لا يتجزأ.
стр. 6651
فإن كثر التحايل لإسقاط القصاص، وخيف اختلال الأمن بكثرة العفو، اختص العفو بالعصبة من الرجال دون النساء؛ لأن درء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح.
• مقدار دية القتل العمد:
الدية التي يأخذها أولياء القتيل في قتل العمد، ليست الدية الواجبة بالقتل الخطأ، وإنما هي بدلٌ عن القصاص، وللأولياء أن يتصالحوا عليها أو أكثر منها، أو أقل، والعفو أفضل إن تحققت به المصلحة.
والمعمول به في دية الرجل المسلم بالأوراق النقدية في بلاد الحرمين الآن أربعمائة ألف ريال سعودي في دية القتل العمد، لمن عفا عن القصاص، ونصفها للأنثى، ولأولياء الدم أن يطلبوا أقل أو أكثر، أو يعفون؛ لأن الحق لهم، ولكن الزيادة لا تكون فاحشة بحيث ترهق من سيدفعها وتحمله الديون.
وإذا عفا ولي الدم عن القصاص إلى الدية، وجبت الدية مُغلظة في مال الجاني، وهي مائة من الإبل؛ لقوله ﷺ : «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ الْعَقْلِ». أخرجه الترمذي وابن ماجة بسندٍ حسن (١).
• أحكام قتل العمد:
أولاً: تُقتل الجماعة بالواحد، وإن سقط القود أدوا ديةً واحدة.
стр. 6652
وإن أمر أحدٌ بالقتل غير مكلف أو مكلفًا يجهل تحريمه فقتل، فالقود أو الدية على الآمر.
وإن قتل المأمور أو المكلف عالمًا بتحريم القتل، فالضمان عليه دون الآمر.
ثانياً: وإذا اشترك اثنان في قتلٍ لا يجب القصاص على أحدهما لو انفرد كمجنونٍ ومكلف، أو مسلم وكافر في قتل كافر، وجب القصاص على شريك المجنون، وعلى الكافر، ويُعزر الآخران، فإن عدل ولي الدم إلى الدية فعلى كل واحدٍ منهما نصف الدية.
ثالثًا: إذا قتل القاتل بغير حق من يرثه سقط حقه من الميراث.
• حكم من قتل نفسه متعمدًا:
يحرم أن يقتل الإنسان نفسه بأي وسيلة، ومن قتل نفسه متعمدًا فعقوبته الخلود في النار.
قال النبي ﷺ : «إِذَا التَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النار». متفق عليه (١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمّاً فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا». متفقٌ عليه (٢).
стр. 6653
وًعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِصلى الله عليه وسلم يقول: «إذا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّارِ، قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ هذا الْقَاتِلُ فما بَالُ الْمَقْتُولِ قال: «إنه كان حَرِيصًا على قَتْلِ صَاحِبِهِ». متفقٌ عليه (١).
وَعَنْ جُنْدَب بن عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قال اللهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». متفقٌ عليه (٢).
• حكم قتل الغِيْلة:
قتل الغيلة: هو ما كان عمدًا وعدوانًا على وجه الحيلة والخداع، أو على وجهٍ يأمن معه المقتول من غائلة القاتل، كمن يخدع إنسانًا ويأخذه إلى مكانٍ لا يراه فيه أحد، ثم يقتله، فهذا القتل غيلة من كبائر الذنوب، يُقتل فيه القاتل حدًا لا قصاصًا، مسلماً كان القاتل أو كافرًا، ولا يصح فيه العفو من أحد، ولا خيرة فيه لأولياء الدم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣].
وَعَنْ أنَسٍ ﵁: «أنَّ يَهُودِيًا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، قِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ، أفُلانٌ؟ أفُلانٌ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأوْمَأتْ بِرَأْسِهَا، فَأخِذَ اليَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ». متفقٌ عليه (٣).
стр. 6654
• حكم قتل الصائل:
الصائل: هو من يعتدي على نفس الغير، أو عرضه، أو ماله.
ويجوز للمصول عليه أن يدافع عن نفسه بما يرد شره عنه بالأسهل فالأسهل.
• ويُشترط لدفع الصائل بقتله:
أولًا: أن يعتدي الصائل في وقت لا يجد فيه المصول عليه فرصة لإبلاغ الجهات الأمنية التي تقوم بحمايته، ودفع الصائل عنه.
ثانيًا: أن يدفعه بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع فله قتله إن رآه جازماً على قتله، ويجب على الإنسان أن يدفع عن أخيه أي اعتداء، إزالة للمنكر، ونصرةً للمظلوم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: يَارَسُولَ الله! أرَأيْتَ إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أخْذَ مَالِي؟ قال: «فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ». قال: أرَأيْتَ إنْ قَاتَلَنِي؟ قال: «قَاتِلْهُ». قال: أرَأيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قال: «فَأنْتَ شَهِيدٌ». قال: أرَأيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ». أخرجه مسلم (١).
وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 6655
وَعَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «انْصُرْ أخَاكَ ظَالِمًا أوْ مَظْلُومًا». قالوا: يَا رَسُولَ الله، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِماً؟ قال: «تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ». أخرجه البخاري (١).
• كيفية دفع الصائل:
يجب على المصول عليه أن يدفع الصائل بأيسر ما يندفع به؛ لأن الإذن له بالدفاع عن نفسه إنما أبيح للضرورة، فيقدر بقدرها الأسهل فالأسهل.
فيدفعه أولاً بالكلام اللين، والتخويف بالله، ثم بالاستعانة بغيره إن أمكن، ثم إذا لم يندفع ضربه بيده أو أمسكه، فإن لم يندفع جرحه في بدنه، فإن لم يندفع إلا بالقتل قتله، فإن قتله الصائل، وهو يدافعه، فهو شهيد.