← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

عن أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ، أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِينَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِينَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الحَدِيثِ - نَفْسِي نَفْسِينَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى.

стр. 702

فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِينَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ. فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ، كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ - أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى -». متفقٌ عليه (١).

стр. 703

رابعًا: أنه ﷺ أول من يستفتح باب الجنة، فيفتح له، وأول من يدخلها، لا يدخلها قبله أحد. خامسًا: أنه صاحب لواء الحمد يوم القيامة، يحمله، ويكون الحامدون تحته كما قال ﷺ : «وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْرَ» أخرجه أحمد (١). سادسًا: أنه صاحب المقام المحمود يوم القيامة حين يشفع في الموقف، فيحمده الناس على ذلك، ويحمده الخالق والمخلوق. سابعًا: أنه صاحب الوسيلة، وهي منزلةٌ عاليةٌ في الجنة، لا تنبغي إلا لعبدٍ واحد كما قال ﷺ : «إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا لِيَ الوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، وَمَنْ سَأَلَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ». أخرجه مسلم (٢). ثامنًا: أنه ﷺ لا يتم إيمان أحدٍ حتى يؤمن برسالته ﷺ كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ [آلعمران: ٨١ - ٨٣].

стр. 704

تاسعًا: أن لكل نبي دعوة مستجابة قد دعا بها، وأخر النبي ﷺ دعوته شفاعةً لأمته يوم القيامة كما قال ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» متفقٌ عليه (١). وقال ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» أخرجه البخاري (٢). عاشرًا: أن الله نادى جميع الأنبياء بأسمائهم فقال: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]. وقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. وقال: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦]. وغيرهم من الأنبياء، ونادى محمدًا ﷺ بوصف الرسالة والنبوة، فقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].

стр. 705

وأول رسولٍ أرسله الله إلى أهل الأرض آدم ﷺ ، أرسله الله بشريعةٍ له ولذريته، ونوحٌ صلى الله عليه وسلمأول رسولٍ أرسله الله إلى قومٍ كافرين بعد ظهور الشرك بعد آدم بعشرة قرون، والقرن الجيل من الناس، لا المائة سنة، وكان متوسط أعمار ذلك الجيل سبعمائة سنة. وكل رسول بعثه الله إلى أمة فهو للإنس والجن من تلك الأمة، فالجن تبعٌ للإنس في خطاب التكليف. وتوالى إرسال الرسل والأنبياء رحمةً من الله بعباده، حتى ختمهم الله بمحمدٍ ﷺ الذي أرسله الله رحمةً للعالمين إلى يوم القيامة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ورسول الله ﷺ رحمةٌ للعالمين، ودلائل ذلك أن الله شهد على صدق النبي ﷺ بقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦]. وشهد سبحانه بفعله، حيث أيد رسوله ﷺ والمؤمنين بالآيات المعجزات، والبراهين القاطعات، ونصرهم على عدوهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وكذلك أقر الله رسوله ﷺ على ما يقوله ويفعله وينسبه إلى ربه، وأمر الأمة بإتباعه في كل ما جاء به، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].

стр. 706

ولو كان كاذبًا وحاشاه ﷺ لعاقبه كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]. • حقوق النبي ﷺ : حقوق النبي ﷺ على أمته كثيرة: الأول: الإيمان بنبوته ورسالته، وأن رسالته ناسخةً لجميع الرسالات قبله، وذلك يقتضي تصديقه ﷺ فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨]. الثاني: محبته ﷺ ، وتقديم محبته على النفس، والمال، والولد، وكافة الخلق، لما له من عظيم الفضل على الأمة، كما قال ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَأَهْلِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِين» أخرجه مسلم (١). الثالث: الاعتقاد الجازم بأنه ﷺ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ودل الأمة على كل خير، وحذرها من كل شر، ثم توفاه الله بعد أن بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه، وأكمل الدين

стр. 707

الذي أرسل به، كما قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقال ﷺ في حجة الوداع: «لِتَأْخُذْ أُمَّتِي مَنَاسِكَهَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي أَنْ لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا». متفقٌ عليه (١). الرابع: الإقرار بما خصه الله به من الفضائل العظيمة، والخصائص السامية من عموم الرسالة، وختم النبوة، والشفاعة العظمى، وما أنزل عليه من أعظم الكتب، والمقام المحمود يوم القيامة، وأنه أول من يدخل الجنة، وأنه في أعلى منزلةٍ في الجنة، وذلك دليل على عظمة محبة الله له. الخامس: تعظيم النبي ﷺ وإجلاله وتعزيره وتوقيره، من غير غلوٍ فيه وإطراءٍ له، وحسن الثناء عليه، والصلاة عليه عند ذكره، ومحبته وحسن الذكر له ولأهل بيته وأزواجه وأصحابه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. السادس: إتباع سنته، والاستقامة على شريعته، وحسن خلافته في أمته بإبلاغ رسالته، وبيان أحكام شريعته، والتعبد لله بما جاء به، والتخلق بأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. السابع: تجنب الغلو فيه ﷺ ، وعدم مجاوزة الحد المشروع في مدحه وتعظيمه، وعدم الغلو في إطرائه، لأن ذلك من أعظم الأذية له، فهو بشر، إلا أن الله شرفه بالنبوة والرسالة، وليس له من خصائص الربوبية والألوهية

стр. 708

شيء، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله للنبي ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وقال ﷺ : «لَا تُطْرُونِي كَمَا تُطْرِي النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَلَكِنْ قُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ» أخرجه الدارمي (١). • ما خص الله به النبي ﷺ من بين الأنبياء: خص الله الأنبياء والرسل بأحسن الصفات، وأحسن الأخلاق، وأفضل الكرامات، وخص نبيه ﷺ من بين الأنبياء والرسل بخصائص كثيرة جدًا، ومن هذه الخصائص: أولًا: عموم رسالته ﷺ لجميع الثقلين، الإنس والجن إلى يوم القيامة. كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ثانيًا: أن الله أنزل عليه أعظم الكتب الإلهية، وهو القرآن العظيم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر/ ٨٧]. وحفظ الله هذا الكتاب من التبديل، والتغيير، والنسخ إلى يوم القيامة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١].

стр. 709

ثالثًا: ختم النبوة والرسالة به ﷺ ، فلا رسول ولا نبي بعده، كما قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقال ﷺ : «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» أخرجه مسلم (١). رابعًا: أن أمته خير أمة أخرجت للناس كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. خامسًا: أن أمته ﷺ خير الأمم يوم القيامة، وأكثر أهل الجنة. كما قال ﷺ : «أَلَا إِنَّكُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً. أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ». أخرجه أحمد (٢). وقال ﷺ : «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» أخرجه مسلم (٣) وأهل الجنة من أتباعه صلى الله عليه وسلمأكثر من الثلثين. سادسًا: أنه صلى الله عليه وسلمسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة كما قال ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» أخرجه مسلم (٤).

стр. 710

ويقول ﷺ : «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». أخرجه مسلم (١). سابعًا: أنه ﷺ صاحب الشفاعة العظمى في أهل الموقف يوم القيامة ليقُضى بينهم، وذلك حين يتأخر عن الشفاعة في الموقف آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فيقول النبي ﷺ : «فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا» أخرجه مسلم (٢) فيشفع في أهل الموقف، ويقضي الله بينهم. ثامنًا: أنه صاحب لواء الحمد يوم القيامة، يحمله ويكون الناس تبعًا له، كما قال ﷺ : «أَنَاسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْرَ». أخرجه الترمذي (٣) تاسعًا: أنه ﷺ أول من يستفتح باب الجنة، وأول من يدخل الجنة. عاشرًا: أنه صاحب الوسيلة، وهي منزلة في الجنة لا تكون إلا لعبدٍ واحد، ويقول النبي ﷺ : «فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» أخرجه أبي داود (٤).

стр. 711

الحادي عشر: أنه أوفر الناس حظًا من الشفاعة لأهل الكبائر من أمته صلى الله عليه وسلمكما قال ﷺ : «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» أخرجه الترمذي (١). الثاني عشر: ما خصه الله به شريعته من تيسير الأحكام، ورفع الآصار والأغلال، ويسر العبادات، ومضاعفة الحسنات، ورفعة الدرجات، وتوسيع الحلال، وتضييق الحرام، وإعطاء الأجور العظيمة على العمل القليل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]. الثالث عشر: حل الغنائم له ولأمته، وجعل الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورا. وغير ذلك من الخصائص الكثيرة التي لا يتسع المقام لذكرها. فصلوات الله وسلامه عليه. • فضائل سيد الأنبياء والرسل. خصال الشرف والحسن، والجلال والجمال والكمال، وفقها الله في جميع الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم الله، ورباهم، وأرسلهم لهداية عباده، ليعبدوا الله وحده لا شريك له، ثم جمع الله هذه الصفات والمكارم والمحاسن في سيد الأنبياء والرسل محمدٍ ﷺ كما قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].

стр. 712

فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة والملك والسلطان: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]. وأيوب ﷺ كان من أصحاب الصبر على البلاء: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤٤]. ويوسف ﷺ كان مستجمعًا لهاتين الحالتين، فقد تعرض للبلاء في السجن، ثم آتاه الله الملك. وموسى كان صاحب الشريعة القوية القاهرة، والمعجزات الظاهرة. وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كانوا أصحاب الزهد، وإسماعيل كان صاحب الصدق، ويونس صاحب التضرع. وإبراهيم ﷺ كان صاحب الوجاهة في الدنيا والآخرة. وكل واحد من هؤلاء تميز بخصلةٍ أو أكثر من خصال المدح والشرف. ثم أمر الله محمدًا ﷺ أن يقتدي بهؤلاء الكُمّل من الأنبياء والرسل في صدق الإيمان، وحسن الأخلاق. قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٧].

стр. 713

ثم قال بعد ذلك: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٨٩ - ٩٠]. وأفضل عباد الله هو سيد الأنبياء والرسل محمد ﵊، فهو أفضل الخلق عبودية، وهو أفضلهم دعوة، وهو أفضلهم تعليمًا، فصلوات الله وسلامه عليه، كما قام بواجب العبودية لله حقًا، وكان عبدًا لله حقًا، وعبد الله بما أنزل في كتابه العظيم. فاستحق أن يرفعه ربه للسماء، لأنه كان عبدًا بحق ﷺ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]. وما كان صلى الله عليه وسلمعبدًا بحق إلا بمنهجٍ يعبد ربه بموجبه، فلهذا استحق التكريم بالإسراء والمعراج بعد أن أكرمه الله بنزول الكتاب أولًا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف/ ١]. فلما أخلص في العبودية استحق تكريم الربوبية بالإسراء والمعراج إليه، لأنه التفت إلى ربه وتوجه إليه بحقيقة العبودية، لفتةً أراد أن يلفت بها سواه من الخلق، فكان من جزائه ﷺ أن عُرج به إلى السماء. وأعطاه ربه الصلاة ليرفع بها أتباعه إلى المقام الذي وصل إليه بجسده، فالصلاة صلة بين العبد وربه، ومعراج المؤمن إلى ربه. والله أثنى على نبيه بوصف العبودية في مقاماتٍ كثيرة، فقال سبحانه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ [النجم: ١٠].

стр. 714

وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ [العلق: ٩ - ١٠]. وأثنى على أمته ﷺ بوصف العبودية، فقال سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. وقال الله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. والله أعطى هذه الأمة ما أعطى نبيه ﷺ من المكارم، فقد جمع الله في محمدٍ ﷺ أحسن الأخلاق التي جمعها في الأنبياء، ثم فرقها في أمة سيد الأنبياء وهي هذه الأمة، التي قال الله عنها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].

стр. 715

٥ - الخزانة الخامسة • وظائف الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. الأنبياء والرسل سفراء الله إلى عباده، ورسله إلى خلقه، اصطفاهم الله للقيام بوظائف، فهم حملة وحيه إلى عباده، وقدوة للناس فيما جاءوا به من عند الله، ومن أعظم وظائفهم: الأول: إبلاغ الناس ما أنزل إليهم من ربهم من الدين: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. والبلاغ يحتاج إلى الشجاعة، وعدم الخوف من الناس، والصبر على الأذى والتكذيب، ولهذا مدح الله الرسل بقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩]. وهم يبلغون رسالات الله إلى عباده كما سمعوها بلا زيادة ولا نقص: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (١٩)﴾ [الأنعام: ١٩]. وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ (٤٥)﴾ [الأنبياء: ٤٥]. الثانية: الدعوة إلى الله بين أقوامهم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. الثالثة: التبشير والإنذار، كما قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥].

стр. 716

الرابعة: تقويم كل من انحرف عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، كما قال سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣]. الخامسة: تدبير شئون الأمة بدين الله كما قال سبحانه: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. وقال الله لمحمدٍ ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. والله أرسل رسله إلى عباده في أنحاء الأرض، وأماكن النبوات ثلاث: نبوة موسى .. ونبوة عيسى .. ونبوة محمدٍ ﷺ . وقد ذكرها الله بقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ١ - ٣]. التين والزيتون ينبت في الشام، وفلسطين مكان ولادة ومبعث عيسى ﷺ : ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ [التين: ١].

стр. 717

وطور سينين هو الجبل الذي كلم الله عليه موساصلى الله عليه وسلم: ﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾ [التين: ٢]. والبلد الأمين هي مكة المكرمة التي ولد وبعث فيها النبي محمد ﷺ : ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ٣]. فهذا القسم العظيم بأماكن النبوات الثلاث بعده قال : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٤ - ٨]. وفي هذا إشارةٌ إلى النبوات الثلاث، وأماكن ظهورها، حيث أقسم الله بمهد المسيح في الشام، ثم بجبل موسى، ثم آخرها مكة التي بعث الله فيها نبيه محمدٍ ﷺ . والأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد، وأمهاتهم شتى، فدينهم واحد، وشرائعهم مختلفة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] فالأنبياء كلهم إخوة جاءوا بدينٍ واحد، وهو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، وفي تأخير البلد الأمين إشارة إلى ختم النبوات بنبوة محمدٍ ﷺ ، وتأكيد معنى الوراثة، وراثة النبي ﷺ للأنبياء كلهم في التوحيد والإيمان والأخلاق، ناسخًا لما قبله من الشرائع، خَاتمًا لجميع النبوات والرسالات، فلا يدخله تبديلٌ ولا تحريفٌ ولا نسخ. وفي هذه الأماكن الثلاثة التي أقسم الله بها ترابط، فأرض الشام أرض المحشر والمنشر، وأرض الميعاد، وأرض المجاهدين في سبيل الله الذين يقاتل آخرهم المسيح الدجال، ثم يقتله عيسى ابن مريم عند باب لد في

стр. 718

فلسطين، وفي مكة خاتمة الرسالات وأكملها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. • خصائص الأنبياء والرسل: الرسل والأنبياء الذين بعثهم الله إلى خلقه لهم صفات كمالٍ خصهم الله بها، ومن ذلك: أولًا: أن الأنبياء والرسل بعثهم الله من البشر. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. ثانيًا: أن الله بعث الأنبياء والرسل من الذكور. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾ [الأنبياء: ٧ - ٩]. ثالثًا: أنهم خير الناس نسبًا، فجميع الرسل والأنبياء بعد نوح من ذريته، وجميع الأنبياء والرسل بعد إبراهيم من ذريته. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾ [الحديد: ٢٦]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَأَنَا

стр. 719

سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ، وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ». أخرجه البخاري (١). رابعًا: أن الأنبياء والرسل أحرارٌ لا أرقّاء، لأن الرق نقصٌ لا يليق بمقام النبوة والرسالة، والناس غالبًا يأنفون ويستنكفون من إتباع من اتصف بالرق أن يكون إمامًا وقدوةً لهم. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وفي قراءة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفَسكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. يعني من أعلاكم نسبًا وشرفاً. خامسًا: أن الله أعطى الأنبياء والرسل العقول الراجحة، والذكاء الفذ، واللسان المبين، والبديهة الحاضرة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (٤)﴾ [إبراهيم: ٤]. وقال الله : ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام: ٨٣]. سادسًاّ: كمال الأخلاق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فنعم الراكب، ونعم المركوب، الراكب هو محمدٌ ﷺ والمركوب الأخلاق العالية. وبهذه الكمالات والمحاسن التي حبا الله بها الأنبياء والرسل انقاد لهم الناس، وأطاعوهم، وآمنوا بهم، لأن الناس لا ينقادون عن رضا وطواعية

стр. 720

لمن قلت فضائله، وكثرت نقائصه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. خصهم الله بالوحي، والعصمة في تحمل الرسالة، وتبليغها كاملة، والعصمة من الكبائر قبل الرسالة وبعدها، ومن قبائح العيوب، فالحمد لله رب العالمين أن أرسل إلينا أفضل رسله، وأنزل علينا أحسن كتبه، وجعلنا خير أمةٍ أُخرجت للناس. • فضائل سيد الأنبياء والرسل محمدٌ ﷺ . أثنى الله على رسوله محمدً ﷺ في القرآن الكريم في مقاماتٍ كثيرةٍ: فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].

стр. 721

وقال الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١ - ١١]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ١ - ٤]. وقال : ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [الكوثر: ١ - ٣]. فصلوات الله وسلامه عليه. والله اختار من القبائل العرب، واختار مُضَر من العرب، واختار من مضر قريشًا، واختار من قريش بني هاشم، واختار محمدًا ﷺ من بني هاشم. فهو ﷺ خيارٌ من خيارٍ: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨]. وقال الله : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]. فهو سيد الأولين والآخرين، وسيد الأنبياء والمرسلين، وربه الذي اختاره ورباه وأرسله رحمة للعالمين، وكلما اتهمه قومه دافع الله عنه. قال كفار قريش عنه: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦].

стр. 722

فقال له: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ [القلم: ١ - ٧]. فكل نبي يدافع عن نفسه كما قال قوم نوح ﷺ له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)﴾ [الأعراف: ٦٦]. فقال نوح ﷺ : ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧)﴾ [الأعراف: ٦٧]. وكذا سائر الأنبياء. وكفار قريش وصفوا النبي ﷺ بأنه ساحر، وكاهن، وشاعر، ومحبون، وكذاب: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ [الصافات: ٣٦]. فقال لهم من أرسله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٣]. وقال كفار مكة كما قال سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا (٤٣)﴾ [الرعد: ٤٣]. فقال الله لهم: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾ [يس: ١ - ٤]. وقال : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥]. أرسل الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلمرحمةً للعالمين، ففتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، وجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والحق منطقه، والعدل

стр. 723

سيرته والإحسان دأبه، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، فهو أحمد الناس لربه، وأحمد الخلق عند ربه، وأحمد الناس بين خلقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. هدى الله به الخلق بعد الضلالة، وبصّر به بعد العماية، وكثّر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيْلة، وأعزّ به بعد الذلة، هو الذي أتاه الله لواء الحمد يوم القيامة، وأعطاه مفاتيح الجنة، وجعله سيد الأنبياء والرسل، وأرسله رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. هو ﷺ أول من تنشق عنه الأرض، وأول من يدخل الجنة، وأول شافع وأول مشفع، وكما يجب علينا عرفة من نعبده كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. كذلك يجب علينا معرفة رسوله الذي دعانا إلى عبادة الله ، ومعرفة سيرته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وكلما أكثرنا من ذكر رسول الله ﷺ وسيرته، أحببناه وأطعناه، وكلما صلينا عليه صلى الله علينا عشرًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقال النبي ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا». أخرجه مسلم (١).

стр. 724

هو ﷺ أجمل الناس، وأحسن الناس، وأكرم الناس، وأفصح الناس، وأرحم الناس، وأعبد الناس، وأرأف الناس كما قال : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. هو أحسن الناس أسماءً، وأحسنهم صفات، فهو أحمد ومحمد، وهو الماحي الذي يمحو الله به الكفر، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه يوم القيامة، والعاقب الذي هو آخر الأنبياء والرسل، والخاتم، والسراج المنير، والمزمل، والمدثر، والرسول، والنبي، والرؤوف، والرحيم. ربنا رءوفٌ رحيم، ونبينا رءوفٌ رحيم، فيجب على المؤمن أن يكون بالخَلق رؤوفًا رحيمًا. هو ﷺ وسيمٌ، قسيمٌ، جميلٌ، حسن، فالوسيم من لم تشبع منه العين، إذا رأيته أحببته، والقسيم من أحاط الحسن والجمال بجميع جوانبه، والجميل أشرف الناس نسبًا، والحسن يتعلق بالجسد، ووجهه وجوارحه أحسن شيء، كأن وجهه قطعة قمر، وكأن الشمس تجري في جبينه. هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب، فصلوات الله وسلامه عليه. هو أجمل الناس خلقاً، وأعلاهم شرفاً، وأطهرهم نسبًا، فهو خيارٌ من خيار: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].

стр. 725

• أصول حياة الأنبياء والرسل. حياة الأنبياء والرسل تقوم على أربعة أركان: الأول: التضحية بكل شيء من أجل الدين، من أجل إعلاء كلمة الله ونشر دينه بين خلق الله، وهذه التضحية تكون بترك الأدنى من أجل الأعلى، والخروج من مزاج النفس إلى مزاج الدين، وتقديم محبوبات الرب على محبوبات النفس، وتقديم الوحي على العقل، ومن ضحى بشيء من أجل الله، وهبه الله له فورًا كما حصل لإبراهيم ﷺ ، وتلك حقيقة المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فإبراهيم ﷺ ضحى بالنفس وبالحياة، فوهب الله له الحياة فورًا: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩]. وضحى بالبلد في العراق، فالله أعطاه أحسن بلد، وبنى البيت العتيق في مكة المكرمة، وضحى بالولد إسماعيل فالله أحيا الولد، وأخرج من نسله أفضل ولد، وهو محمد ﷺ سيد الأنبياء والرسل، وضحى بأم الولد هاجر، وتركها بواد غير ذي زرع، فالله جعلها أمًا للعرب وجعل خطواتها نسكًا يتعبد به لله في الحج والعمرة إلى يوم القيامة. الثاني: الاستقامة على الدعوة، فالدعوة أمر الله، كالصلاة أمر الله، والذي يريد الاستقامة لابد له من التوبة، ولا يستقيم على جهد الدعوة إلا من تيقن أن فلاح البشرية كلها بهذا العمل، ويلزم بيئة الإيمان، ليزيد إيمانه، ويحسن الظن بربه وبالناس، ويصبر على الأذى والمشقة، ويتحلى بمكارم الأخلاق: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].

стр. 726

الثالث: المسابقة في كل ميادين طاعة الله ورسوله حتى الممات، في الدعوة، والتعليم، والعبادة، والإنفاق، وكل فضيلة: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. والصحابة ﵃ قدم كل واحدٍ منهم ما يملك وما يستطيع إلى آخر يومٍ في حياته من أجل إعلاء كلمة الله، ولهذا ﵃ وقربهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. الرابع: الدعاء والاستغاثة بالله وحده، لأنه قاضي الحاجات كلها، والقرآن كله يبين دعوة الأنبياء والرسل، ودعاء الأنبياء والرسل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]. وقال الله عن يونس ﷺ : ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]. فالأنبياء يفزعون إلى الله في جميع حاجاتهم، لأن الله بيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء.

стр. 727

فمن قام بهذه الاصول حصل له كمال الإيمان والتقوى، والفلاح في الدنيا والآخرة، ومقصود الدعاء إحياء أمر الله بطلب الحوائج من الله وحده، ليس الاستجابة، لأن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. فالله سبحانه أمر بالدعاء، ووعد بالإجابة، والله لا يخلف الميعاد. ومن نقض أو نقص من هذه الأصول العظيمة واحدًا، حُرم من الثمرة بقدر النقص، ومن سنة الله أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، والذين قاموا على هذا العمل العظيم بإخلاص ماتوا في هذا العمل بأحسن حال، في الصلاة، في الزيارات، في الشورى، في التعليم في البيان، في الدعوة وغير ذلك من أعمال الدين وجهوده. واعلم أن الدعوة إلى الله فرض عينٍ على كل أحد، في مكة لا توجد فريضة تزاحم فريضة الدعوة بعد الإيمان بالله . والنبي ﷺ بدأ مع الأمة بالأعلى، وهو تعلم جهد الدعوة، والصبر على الناس، وتحمل الشدائد من أجل الدعوة إلى الله، ثم جاء تعلم أحكام الدين من صلاةٍ وزكاةٍ وغيرها في المدينة بعد الهجرة. والنزول من الأعلى وهو الدعوة إلى ما دونه، وهو تعلم الأحكام، أسهل من الصعود من الأسفل إلى الأعلى، لهذا من فهم مقصد حياة النبي ﷺ وهو الدعوة إلى الله، فورًا يصعد إليه، ثم يسهل عليه القيام بأعمال الدين كلها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].

стр. 728

والذي لم يفهم مقصد حياة النبي ﷺ وهو الدعوة إلى الله يصعب عليه القيام بأوامر الله، ثم الصعود إلى الأعلى وهي الدعوة، لأن الدعوة هي أعظم عبادة، وهي أم العبادات كلها، فهي التي تأتي بالمسلمين والمؤمنين والمصلين والمتقين وغيرهم. واعلم أن تربية جميع الأنبياء بشيئين: ١ - الدعوة إلى الله. ٢ - والهجرة في سبيل الله. لأن الهداية تأتي بعد الهجرة، كما قال ابراهيم ﷺ : ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩]. والله ربى هذه الأمة بالدعوة والهجرة، لأن الدين ينتشر بالدعوة والهجرة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].

стр. 729

٦ - الخزانة السادسة أركان الإيمان بالرسل: الإيمان بالرسل له ثلاثة أركان: الأول: الإيمان بالمُرسِل، وهو الله سبحانه. الثاني: الإيمان بالمُرسَل، وهو الرسول الذي أرسله الله إلى الخلق. الثالث: الإيمان بالمُرسَل به، وهو الوحي الذي جاء به الرسول من ربه. وقال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. والناس في السمع والطاعة للرسل ثلاثة أقسام: الأول: من يسمع ويطيع، وهؤلاء هم المؤمنون، كما قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. الثاني: من لا يسمع ولا يطيع، وهؤلاء هم المعرضون عن الحق: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. الثالث: من يسمع ولا يطيع، وهؤلاء هم المستكبرون الذين اتخذوا آيات الله هزوا كما قال سبحانه عن الكافر: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٧].

стр. 730

وقال عن الكفار: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]. وهؤلاء أعظم جرمًا ممن قبلهم، لأنهم عرفوا الحق وتركوه. والذي أنكر النبوة والرسالة إما أن يقول: إن الله تعالى لم يكلف أحدًا من خلقه. أو يقول: إنه سبحانه كلف الخلق. والأول باطل؛ لأنه يقتضي ترك الناس هملًا بلا شريعة يسيرون عليها، فثبت أن الله كلف خلقه بالأوامر والنواهي، وذلك لابد له من مُبلِّغٍ ومبينٍ، وما ذاك إلا نبيٌ أو رسول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. ومن أنكر النبوة والرسالة فقد وصف الله بالعجز، وعدم القدرة، ومن قال ذلك فما قدر الله حق قدره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ [الأنعام: ٩١] ومن أنكر النبوة والرسالة فقط طعن في كون الله ملكًا مطاعًا. فإن كل ملك له أوامر على عبيده، وله وعدٌ على الطاعة، وله وعيدٌ على المعصية، فمن قال: ما أنزل الله على بشرر من شيء فما قدر الله حق قدره فلا إله إلا الله، ما أجهل الخلق بربهم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. والإيمان بالرسل لابد له من أربعة أمور: الأول: أن يعلم العبد كون الرسل معصومين من الذنوب، وفيما يبلغون عن الله .

стр. 731

الثاني: أن يعلم العبد أن الأنبياء والرسل هم أفضل الخلق. الثالث: أن يعلم العبد أن بعضهم أفضل من بعض. الرابع: أن يعلم العبد أنهم بشرٌ يبلغون وحي الله إلى خلقه، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وقد أرسل الله إلى كل أمةٍ أو قومٍ رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأرسل محمدًا صلى الله عليه وسلمرحمةً للبشرية كافة إلى يوم القيامة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. • نسل الأنبياء والرسل: آباء البشرية ثلاثة: آدم ﷺ .. ثم نوح ﷺ .. ثم إبراهيم ﷺ . وقد بشر الله إبراهيم صلى الله عليه وسلمبغلامٍ عليم هو إسحاق، وبشره بغلامٍ حليم هو إسماعيل، فإسماعيل أبو العرب، وأمه هاجر، وإسحاق أبو بني إسرائيل، وأمه سارة، فإسحاق أمه سارة وإسماعيل أمه هاجر، وإسماعيل ولد قبل إسحاق، وجميع الأنبياء بعد إبراهيم من نسل إسحاق، إلا محمدًا ﷺ ، فإنه من نسل إسماعيل. خلق الله آدم ﷺ ، ثم أنزله إلى الأرض، وتابع الله إرسال الرسل من ذريته، فبعث الله الرسل من البشر للبشر، ولو بعث الله إلى البشر رسولًا ملكيًا لكان على هيئة رجل، ليمكنهم مخاطبته، والانتفاع بالأخذ عنه؛ ولأن الناس لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من شدة النور، ولو كان

стр. 732

كذلك لالتبس عليهم الأمر، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ [الأنعام: ٩]. ولو كان في الأرض ملائكة، لأنزل الله عليهم ملائكة من السماء، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء: ٩٥]. فالرسل إلى البشر من البشر كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]. والرسل والأنبياء هم أرحم الخلق بالخلق، فالله أرحم بعباده من كل أحد، والأنبياء والرسل أرحم الناس بالخلق، لكمال معرفتهم بربهم وما يريد منهم، فإن الله هو الرحمن الرحيم، وأمر أنبياءه ورسله أن يكونوا أرحم الخلق بالخلق، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال إبراهيم ﷺ : ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٦]. وقال عيسى ﷺ : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة/ ١١٨]. فهذا من رحمة الرسل لأممهم، أما نوح وموسى عليهم الصلاة والسلام فدعيا على قومهما بعد أن علما من الله أن قومهما لا يؤمنون أبدًا، وأنهم أشقياء في علم الله، كما قال الله لنوح: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [هود: ٣٦]. فماذا قال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧].

стр. 733

ودعا موسى بقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]. فالرسل إلى البشر من البشر، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]. والأنبياء والرسل سواءً من جهة النبوة والرسالة التي هي خصلةٌ واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفاضل بين الأنبياء والرسل في زيادة الأحوال، والخصائص، والكرامات، والمعجزات، والألطاف، ولهذا منهم رسل، ومنهم أُلو عزم، ومنهم من اتخذه الله خليلًا، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات، ونحو ذلك من الفضائل. وأفضلهم في ذلك كله سيد ولد آدم محمدٌ صلى الله عليه وسلمالذي كان أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فالتفاضل بين الأنبياء في تلك الأمور: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء: ٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥]. ميراث الأنبياء والرسل: الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فالأنبياء لا يورث عنهم المال، وإنما يورث عنهم العلم والدين، كما قال : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ

стр. 734

وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [النمل: ١٦]. وقال عن زكريا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٥ - ٦]. وقال النبي ﷺ : «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ». متفقٌ عليه (١). • المعارضون للرسل. لتكمل صفات الأنبياء والرسل، وتظهر عبوديتهم لله في حال السراء والضراء، جعل الله لهم أعداء من شياطين الإنس والجن: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]. وأكثر المعارضين للرسل هم الأكابر والوجهاء المترفون خوفًا على سقوط جاههم، وتقييد شهواتهم، والملوك والأمراء خوفًا على زوال ملكهم، وذهاب رياستهم، والكل يخدع الناس بالاقتداء بآبائهم، كما قال الله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ [الزخرف: ٢٢].

стр. 735

وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣] • قتال الرسل: الرسل قسمان: أحدهما: قسمٌ أمروا بالقتال في سبيل الله. الثاني: وقسمٌ أمروا بالصبر، والكف عن الناس. فالذين أُمروا بالصبر، والكف عن القتال في سبيل الله، هم الذين قُتلوا في غير معركةٍ ظلمًا وعدوانًا، ليزيد الله رفع درجاتهم، كما قال سبحانه عن اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة/ ٨٧]. وقال عن أهل الكتاب: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣)﴾ [آل عمران ١٨٣]. والذين أُمروا بالقتال في سبيل الله، وعدهم الله بالنصر والغلبة، فمن جاهد وقاتل وعده الله بالنصر والغلبة كما قال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. وأكثر الأنبياء لم يؤمروا بالقتال، وهؤلاء منهم من قُتل ظلمًا وعدوانًا لزيادة رفع درجاتهم، ومنهم من أهلك الله أعداءهم بآيةٍ كونية من غرقٍ أو ريحٍ أو

стр. 736

خسف: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥]. وقال الله في المعارضة للرسل الأمم السابقة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. ومن أُمر بالقتال نصره الله، وأهلك أعداءه بالسيف، ومنهم محمدٌ ﷺ وداود، كما قال الله عن محمد ﷺ : ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾ [النساء: ٨٤]. وقال عن داود: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]. والله أمرنا بالإيمان بجميع الرسل، فيجب علينا أن نؤمن بجميع الأنبياء والرسل، ويجب علينا أن نتبع خاتمهم وأفضلهم وسيدهم محمدًا ﷺ ، لأنه هو الذي فرض الله علينا إتباعه في كل شيء: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 737

فنتبع الرسول ﷺ في خمسة أمور: في نيته وفكره .. وفي توحيده وإيمانه .. وفي أقواله الحسنة .. وفي أعماله الصالحة .. وفي أخلاقه الكريمة. أما ما سوى النبي ﷺ من الرسل فإننا نتبعهم في التوحيد والإيمان والأخلاق، ونتبعهم في الأحكام إذا ورد شرعنا بالأمر بإتباعهم به، قال النبي ﷺ : «إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ، صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ، صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا». متفقٌ عليه (١). وشرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يرد شرعنا بخلافه، فإن الله لما ذكر الأنبياء والرسل قال لنبيه ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].

стр. 738

٩ - الخزانة السابعة • عصمة الأنبياء والرسل: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام معصومون من أربعة وجوه: ما يقع في باب الاعتقاد .. وما يقع في باب الأحكام. وما يقع في باب التبليغ .. وما يقع في سيرتهم وأفعالهم. ولو جاء الأنبياء والرسل بالمعصية، لوجب على الأمة الاقتداء بهم، وذلك يفضي إلى الجمع بين الحرمة، والوجوب، فطاعتهم واجبة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. فالمعاصي محرمة، وطاعة الأنبياء والرسل واجبة؛ ولأن الأنبياء لو فعلوا المعصية، لكانوا مستحقين للعذاب كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن: ٢٣]. ولاستحقوا اللعن كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨]. وذلك محال، بلالأنبياء والرسل لم يصدر منهم إلا كل خير، وهو فعل ما ينبغي فعله، وترك ما ينبغي تركه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].

стр. 739

وهم خيارٌ في كل الأمور، وذلك ينافي صدور الذنب منهم: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧]. وما يصدر من الرسل أحياناً إنما هو ترك الأحسن، وفعل الحسن. والرسول أفضل من الملك، فوجب ألا يصدر الذنب من الرسول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣]. والملائكة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. والله سبحانه جعل الأنبياء أئمةً للناس، فلو صدر منهم الذنب لوجب على أممهم أن يأتموا بهم في الذنب، وهذا غير جائز، كما قال الله لإبراهيم: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة/ ١٢٤]. والأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله، فلو لم يطيعوه لكانوا عصاه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤]. والله سبحانه قسم الخلق إلى قسمين: احدهما: حزب الله. الثاني: حزب الشيطان.

стр. 740

وحزب الشيطان هو الذي أطاع الشيطان. فلو صدرت المعصية من الرسول لصدق عليه أنه من الخاسرين، ومن حزب الشيطان وحاشاه ذلك: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ [المجادلة: ١٩]. لهذا أمرنا الله بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلمطاعةً مطلقة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. • الإيمان بالأنبياء والرسل. الله سبحانه له ما في السماوات والأرض وما فيهن: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠]. والله سبحانه رسلٌ تدبر أوامره الكونية القدرية في العالم العلوي والعالم السفلي، وهم الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]. وهم المقسمات أمراً بإذن ربهم : ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤]. ولله رسلٌ من البشر، أوحى إليهم بواسطة جبريل منهجًا ينظم حياة الناس، ويعرفهم بربهم، وبالطريق الموصل إليه، وما لهم بعد القدوم عليه، ليسعدوا به في الدنيا والآخرة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
следующие страницы →