٤٤ - خزائن الحدود
١ - الخزانة الأولى
• أحكام الحدود:
الحدود: جمع حد، والحد: عقوبة مقدرة شرعًا على معصية لأجل حق الله تعالى؛ لتمنع من الوقوع في مثلها.
• أقسام الذنوب من حيث الكفارة وعدمها:
الذنوب ثلاثة أقسام:
الأول: قسم فيه الحد فقط بلا كفارة:
فهذا لم تُشرع فيه الكفارة اكتفاءً بالحد الشرعي، وهي الحدود كحد الزنا، وحد السرقة وحد القتل ونحو ذلك.
الثاني: قسم فيه الكفارة ولا حد فيه.
كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام، وقتل الخطأ، والحنث في اليمين ونحو ذلك.
الثالث: قسم لم يرتب عليه حد ولا كفارة، وهو نوعان:
أحدهما: ما كان الوازع عنه طبيعيًا كأكل العذرة، وشرب البول ونحو ذلك مما تعافه النفس.
الثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رُتب عليه الحد كالنظرة، والقبلة، واللمس، والمحادثة المُريبة للمرأة الأجنبية ونحو ذلك، فهذا فيه التعزير.
стр. 6722
• أنواع الكفارات:
شرع الله الكفارات في ثلاثة أنواع:
الأول: ما كان مباح الأصل، ثم فُرض تحريمه بسبب، فَفَعله في الحالة التي عَرَض فيها التحريم كالوطء في الإحرام والصيام، والوطء حال الحيض والنفاس، ففي ذلك الكفارة.
الثاني: ما عقد لله من نذر، أو بالله من يمين، أو حرمه الله ثم أراد حله، فشرع الله حله بالكفارة، وسماها تَحِلّة، كما قال سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾ [التحريم: ٢ - ٣].
الثالث: ما تكون فيه الكفارة جابرة لما فات ككفارة قتل الخطأ، وإن لم يكن هناك إثم، وكفارة قتل الصيد.
فالأول من باب الزواجر، والثالث من باب الجوابر، والأوسط من باب التحِلَّة لما منعه العقد.
ولا يجتمع الحد والتعزير في معصية، بل إن كان فيها حد اكتفي به، وإلا اكتفي بالتعزير.
ولا يجتمع الحد والكفارة في معصية، بل كل معصية فيها حد، فلا كفارة فيها، وما فيه كفارة لا حد فيه.
• أقسام العقوبات:
تنقسم العقوبات على الذنوب إلى قسمين:
القسم الأول: عقوبات قدرية.
القسم الثاني: عقوبات شرعية.
стр. 6723
أولًا: العقوبات القدرية: هي الآثار المذمومة والمؤلمة التي تحصل للعبد بسبب انتهاك حرمات الله، وارتكاب معاصيه.
والعقوبات القدرية نوعان:
الأول: عقوبات على القلوب والنفوس، كظلمة القلب، وضعفه، وضيقه، وحزنه، وزوال أنسه بالله، والوحشة منه، والطبع والرَّيْن على قلبه، وحرمان حلاوة الطاعة، وبغض وكره الله وملائكته وعباده له، والغفلة عن الله والآخرة ونحو ذلك، وهذا أشد العقوبات، كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٦ - ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥].
الثاني: عقوبات على الأبدان والأموال، كنقصان الرزق، وارتفاع النعم، وحلول النقم، وحدوث الآفات والأمراض في الأبدان والثمار، وتسلط الطغاة والظلمة على الناس ونحو ذلك.
وهذه العقوبات تصيب العاصي وحده إذا لم يجاهر بها.
فإذا جاهر المذنبون بمعاصيهم، ولم ينكر المسلمون المتقون عليهم، عمت العقوبة العاصي وغيره: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
стр. 6724
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥].
وعقوبة القلب أشد العقوبتين، وهي أصل عقوبة الأبدان.
وترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق على النار، والغرق على الماء، وفساد البدن على السموم.
والعقوبة قد تقارن الذنب، وقد تتأخر عنه إما يسيرًا أو مدة، كما يتأخر المرض عن سببه أو يقارنه.
ثانيًا: العقوبات الشرعية، وهي نوعان:
عقوبات مقدرة: وهي القصاص، والديات، والحدود، والكفارات التي نص عليها الشرع.
ثانيًا: عقوبات غير مقدرة: وهي التعازير التي يقدرها القاضي في كل جناية لا قصاص فيها ولا حد: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨].
• أنواع الحدود:
حدود الله نوعان:
الأول: حدود تمنع من كان فيها من الخروج عنها بالزيادة عليها، أو النقص منها، أو إتباع غيرها؛ وهذه هي الواجبات والأحكام التي أمر الله بها، وهي التي يقول الله عنها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
стр. 6725
الثاني: حدود تمنع من كان خارجها من الدخول فيها؛ وهذه هي الكبائر والمحرمات التي يقول الله عنها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧].
وهذه الحدود هي المقصودة هنا.
• عدد الحدود:
الحدود في الإسلام خمسة وهي:
١ - حد الزنا.
٢ - حد القذف.
٣ - حد السرقة.
٤ - حد قطاع الطريق.
٥ - حد أهل البغي.
ولكل جريمة من هذه الجرائم عقوبة محددة شرعًا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧].
• حكمة مشروعية الحدود:
أمر الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله، وفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، وحدّ حدودًا لمصالح عباده، ووعد على الالتزام بشرعه الجنة، وعلى مخالفته النار.
فإذا جمحت نفس الإنسان، وقارفت الذنب، فتح الله لها باب التوبة والاستغفار ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
стр. 6726
لكنها إذا أصرت على معصية الله، وأبت إلا أن تغشى حماه، وتتجاوز حدوده بالتعدي على أموال الناس وأعراضهم، فلا بد من كبح جماحها بإقامة حدود الله تعالى؛ ليتحقق للأمة الأمن والطمأنينة.
والحدود كلها رحمة من الله تعالى بعباده، ونعمة على الجميع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
• حفظ الضرورات الخمس:
حياة الإنسان قوامها حفظ الضرورات الخمس، وإقامة الحدود تحمي تلك الضرورات، وتحافظ عليها.
فبالقصاص تصان الأنفس، وبإقامة حد السرقة تُصان الأموال، وبإقامة حد الزنا والقذف تُصان الأعراض، وبإقامة حد الحرابة يُصان الأمن والمال، والأنفس والأعراض، وبجلد السكران تُصان العقول، وبإقامة الحدود والتعزيرات يُصان الدين كله، والحياة كلها، والنفوس كلها: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
• فقه الحدود:
الحدود الشرعية: عقوبات مقدرة شرعًا على معصية معينة.
وليس هناك عقوبة في الشرع على غير معصية، فلا حد على ترك واجب أو مباح.
стр. 6727
وترك الواجب يتضمن فعل المحرم، لكن ليس فيه عقوبة إلا إذا كانت ردة ففيه القتل، والقتل بالردة، والقصاص بقتل العمد، ليسا من الحدود؛ لأن الحد حق الله لا بد من تنفيذه، ولا يمكن أن يسقط حتى لو تاب صاحبه.
وأما القصاص فيسقط بالعفو؛ لأنه حق آدمي، فله أن يسقطه.
والردة يسقط القتل فيها بالتوبة، والرجوع إلى الإسلام: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾: [المائدة: ٣٩].
• فقه إقامة الحدود:
الحدود زواجر عن المعاصي، وجوابر لمن أقيمت عليه، تطهره من دنس الجريمة وإثمها، وتردع غيره عن الوقوع فيما وقع فيه، وتحفظ الأمة من شر محقق: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
• حدود الله الشرعية:
حدود الله هي محارمه التي منع من ارتكابها وانتهاكها كالزنا، والسرقة ونحوهما، ومن حدوده ما حدَّه وقدَّره كالمواريث وغيرها من الواجبات.
والحدود المقدرة الرادعة عن محارم الله كحد الزنا، وحد القذف ونحوهما مما حده الشرع وقدّره كالمواريث ونحوها من الأحكام لا تجوز فيها الزيادة ولا النقصان: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
والحدود كلها رحمة من الله ، ونعمة على الجميع.
стр. 6728
فالحدود الشرعية على الكبائر والمعاصي، هي للمحدود طُهرة من إثم المعصية، وكفارة عن عقابها الأخروي، وهي له ولغيره رادعة عن الوقوع في المعاصي، وهي ضمان وأمان للأمة على دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، وبإقامتها يصلح الكون، ويسود الأمن والعدل، وتحصل الطمأنينة: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٧].
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ، أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا وَلَا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا، فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ». متفق عليه (١).
• أنواع حدود الله:
حدود الله ثلاثة أنواع:
الأول: حدود الله التي نهى عن تعديها.
وهي كل ما أذن الله تعالى بفعله على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة.
والاعتداء فيها يكون بتجاوزها ومخالفتها، وهي التي أشار الله إليها بقوله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩].
стр. 6729
الثاني: المحارم التي نهى الله عنها، وهي المحرمات التي نهى الله عن فعلها كالزنا والسرقة، وهي التي أشار الله إليها بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧].
الثالث: الحدود المقدرة الرادعة عن محارم الله كعقوبة الرجم، والجلد، والقطع في السرقة ونحو ذلك.
فهذه يجب الوقوف عند ما قُدّر فيها بلا زيادة ولا نقصان، وهي المقصودة هنا.
• الفرق بين القصاص والحدود:
أولاً: جرائم القصاص الحق فيها لأولياء القتيل، أو المجني عليه إن كان حياً؛ وذلك من حيث استيفاء القصاص، والحاكم منفذ لطلبهم.
أما الحدود فأمرها إلى الحاكم، فلا يجوز إسقاطها بعد أن تصل إليه.
ثانيًا: جرائم القصاص قد يُعفى عنها إلى بدل كالدية، أو يعفى عنها بلا مقابل؛ لأنها حق آدمي له أن يسقطه.
أما الحدود فلا يجوز العفو عنها، ولا الشفاعة فيها مطلقاً، بعوض أو بدون عوض؛ لأنها حق لله تعالى يجب تنفيذها.
• الفرق بين الحدود والتعازير:
أولاً: عقوبات جرائم القصاص والحدود مقدرة ابتداءً في الشرع.
أما عقوبات التعزير فيقدرها القاضي بما يحقق المصلحة، حسب حجم الجريمة ونوعها.
ثانيًا: يجب على الإمام تنفيذ الحدود، والقصاص إذا لم يكن عفو من ولي الدم.
стр. 6730
أما التعزير فإن كان حقاً لله تعالى وجب تنفيذه، ويجوز العفو والشفاعة إن رُئي في ذلك مصلحة، وإن كان حقاً للأفراد فلصاحب الحق أن يتركه بعفو أو غيره.
ثالثًا: عقوبة القصاص والحدود محددة معينة، أما التعزير فيختلف بحسب اختلاف الجريمة، واختلاف الجاني، والمجني عليه.
• أهداف العقوبة في الإسلام:
العقوبات على الجرائم في الإسلام شرعت لتحقق المصالح الآتية:
أولاً: زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها.
ثانيًا: صيانة المجتمع من الفساد، ومنع وقوع الجريمة أو تكرارها.
ثالثًا: زجر المتهم عن الوقوع في الجريمة مرة أخرى.
رابعًا: إصلاح الجاني وتهذيبه لا تعذيبه.
خامسًا: قطع دابر الجريمة، وعدم إشاعة الفاحشة.
سادسًا: منع عادة الأخذ بالثأر التي تُوسِّع رقعة انتشار الجريمة بين الناس.
سابعًا: إطفاء نار الحقد والغيظ المضطرمة لدى المعتدى عليه أو أقاربه.
ثامنًا: حصول الأمن، وتحقيق العدل في شعب الحياة كلها: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
стр. 6731
٢ - الخزانة الثانية
• أصول العقاب في الإسلام:
اشتملت الشريعة الإسلامية على أحسن المبادئ والعقوبات التي تكفل سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وهي:
١ - رحمة الجاني، ورحمة المجتمع الذي يعيش فيه.
٢ - والعدل بين الناس، حتى لا تضطرب الأمور.
٣ - وحماية الكرامة الإنسانية.
٤ - ورعاية المصالح العامة والخاصة حفظًا للأمن.
٥ - والمساواة بين الجريمة والعقوبة.
٦ - ولا يعاقب أحد بجرم لم يصدر منه.
٧ - وعدم الحرص على إيقاع العقوبة؛ ليتمكن المخطئ من إصلاح عيوب نفسه.
٨ - والستر على المخطئ غير المجاهر ونصحه.
٩ - وتجوز الشفاعة في الحدود قبل بلوغها الحاكم، وتحرم الشفاعة وقبولها بعد بلوغها الحاكم.
١٠ - ولا تُوْقع عقوبة إلا بعد انتفاء الشبهات.
١١ - ولصاحب الحق الخاص كالقصاص العفو عن القاتل أو المخطئ.
١٢ - والعفو يكون بالاختيار والرضا لا بالإكراه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤].
стр. 6732
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)(٤١)﴾ [الشورى: ٤٠]
ومقاصد الإسلام الكبرى محصورة في خمسة أمور هي:
١ - حفظ الدين.
٢ - وحفظ النفوس.
٣ - وحفظ النسل.
٤ - وحفظ المال.
٥ - وحفظ العقل.
فإذا حُفظت هذه الأصول العظيمة سَعِدَ الناس في الدنيا والآخرة، وإذا ضيعت هذه الأصول شقيت الأمة في الدنيا والآخرة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
فحفظ الضرورات الخمس هي مقومات سعادة البشرية في الدنيا والآخرة.
أولاً: حفظ الدين هو عماد صلاح أمر الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
стр. 6733
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
والدين مبني على أمرين عظيمين:
فعل الأوامر .. اجتناب المناهي.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
ثانيًا: حفظ النفوس:
وحفظ النفس أمر مقصود لذاته؛ لأن الله خلق الإنسان لعبادته سبحانه، فيجب المحافظة على هذه النفس التي تعبد الله وحده، وتقوم بالخلافة في الأرض.
ثالثًا: حفظ النسل:
وحفظ النسل من أعظم أسباب البقاء، ومن أسباب عمارة الأرض، وحفظ النسل يتم بأمرين:
الأول: وجودي: وذلك بالترغيب بما يحصل به استمرار النسل وبقاؤه، وهو النكاح الشرعي.
الثاني: عدمي: وذلك بتحريم الزنا، والمعاقبة عليه، وتحريم مقدماته من النظر والخلوة، وتحريم القذف بالزنا أو فاحشة اللواط، والمعاقبة على ذلك، وتحريم السفور والتبرج، وعدم سفر المرأة بلا محرم، وعدم اختلاطها بالرجال الأجانب، والأمر للرجال والنساء بغض البصر صيانة للعرض: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
стр. 6734
رابعًا: حفظ العقل:
والعقل من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، فلولا العقل لصار الإنسان كالبهيمة.
والعقل مناط التكليف؛ لأن الإنسان يميز به بين المصالح والمفاسد، لذلك كله حرم الله كل ما يفسد العقل أو يضره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
ومفسدات العقل نوعان:
الأول: مفسدات حسية: كالخمور، والحشيش، والمخدرات التي هي مفتاح كل شر وبلاء وفساد.
الثاني: مفسدات معنوية: كالأفكار، والتصورات، والمبادئ الفاسدة التي تجر الإنسان إلى المعاصي، والردة، والكفر، والشك.
خامسًا: حفظ المال:
المال من الضروريات التي لا تتم مصالح الناس إلا بها، فقد جعله الله سبباً لحصول المنافع للعباد.
وحفظ المال في الإسلام بأمرين:
الأول: وجودي: وذلك بالحث على الكسب الحلال، والإنفاق في الوجه الحلال.
الثاني: عدمي: وذلك بتحريم الاعتداء على المال أو إضاعته، ومعاقبة سارقه، وتحريم الغش والظلم والخيانة في كل معاملة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
стр. 6735
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤].
• فقه اجتناب المعاصي والمحرمات:
الكف عن المحرمات، واجتناب قربها، ينشأ من أمور هي:
١ - علم العبد بأن الله يراه، وأنه يعلم نيته وأفعاله.
٢ - علم العبد بقبح المحرمات، وأن الله حرمها صيانة للعبد من الرذائل، والعلم بعقوبتها القاسية في الدنيا والآخرة.
٣ - الحياء ممن تتقلب في نعمه، وتسكن في ملكه.
٤ - الخوف من العزيز الجبار الذي لا يعجزه شيء، الذي يسمع كل شيء، ويرى كل شيء، ويعلم بكل شيء.
٥ - محبة الله، فالمحب يصبِّر نفسه على مراد محبوبه ونحو ذلك مما يحمل العاقل على تركها ولو لم يَرِد على فعلها وعيد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
стр. 6736
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
• فضل الستر على النفس والغير:
يستحب لمن أتى ذنباً، أو اقترف إثماً، أن يستر نفسه، ويتوب إلى الله، فالله ستّير يحب الستر على النفس وعلى الغير.
ويستحب لمن علم به أن يستر عليه ما لم يعلن بفجوره، حتى لا تشيع الفاحشة في الأمة، وعليه أن ينصحه، ويرغبه في التوبة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق: ٥].
وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلانُ، عَمِلتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ». متفق عليه (١).
وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 6737
• حكم التثبت في الأمور:
يجب على الإنسان أن يحسن الظن بإخوانه، ولا يصدق بكل ما يسمع حتى يثبت؛ لئلا يضر نفسه، ويضر غيره، ويتعرض لسخط الله من إشاعة الفاحشة والكذب والظلم: ﴿﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات: ٦٧ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢].
• ما يفعله المؤمن عند سماع الشائعات:
يجب على المسلم أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين، ويستر زلاتهم، ويقيل عثراتهم، فإذا رُميت أمامه عفيفة بالزنا، أو أمين بالسرقة، أو تقي بفجور، أو عالم بمسبة، أو عادل بمظلمة، ونحو ذلك من قالة السوء.
فإذا سمع بذلك أحسن الظن بإخوانه، وستر عليهم: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [النور: ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩].
стр. 6738
• حكم من آوى مُحدثًا:
من آوى قاتلاً أو سارقاً أو محارباً أو غيرهم ممن وجب عليه حد أو حق لله تعالى أو لآدمي، ومَنَعه أن يستوفى منه الواجب، فهو شريكه في الجرم والإثم، وقد لعنه الله ورسوله، وللإمام عقوبته بما يردعه.
أما لو كان الإنسان أو المال مطلوباً بباطل، فإنه لا يجوز الإعلام به.
بل يجب الدفاع عنه، ونصره على من ظلمه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وعَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَىَ مُحْدِثاً، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيّرَ مَنَارَ الأَرْضِ». أخرجه مسلم (١).
وَعَنْ أنَسٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : «انْصُرْ أخَاكَ ظَالِمًا أوْ مَظْلُومًا». فقال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، أنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أفَرَأيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أنْصُرُهُ؟ قال: «تَحْجُزُهُ، أوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ». أخرجه البخاري (٢).
• حكم لعن الإنسان:
لا يجوز للمسلم لعن أحد بعينه، مسلماً كان أو كافراً أو دابة، إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر كفرعون، أو بموته عليه كإبليس.
أما اللعن بالوصف فجائز، كلعن آكل الربا، والمصورين، والظالمين، والكافرين ونحو ذلك.
стр. 6739
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّاناً». أخرجه مسلم (١).
• حكم التحايل على حدود الله:
يحرم التحايل على حدود الله، كما يحرم انتهاك حدود الله، والتحايل أعظم، فإن بني إسرائيل لما فعلوا الحرام لم يقع عليهم المسخ، وإنما أصابتهم العقوبات الحسية والمعنوية، كما قال سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠].
ولما وقع منهم التحايل على صيد السمك يوم السبت مسخهم الجبار ﷻ قردة وخنازير، كما قال سبحانه في عقوبة احتيالهم على ما حرم الله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: ١٦٦].
• حكم إقامة الحدود:
يجب إقامة الحد الشرعي إذا ثبت على من اقترفه؛ صيانة للأمن، ودفعاً للفساد، وحماية للحقوق، وزجراً للمجرمين: ﴿﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ
стр. 6740
يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣].
• شروط من يقام عليه الحد:
يقام الحد إذا ثبت على كل بالغ، عاقل، متعمد، ذاكر، عالم بالتحريم، ملتزم لأحكام الإسلام، من مسلم وذمّي.
عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثلَاثةٍ، عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ». أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح (١).
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤].، قال: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُل قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قُولُوا سَمِعْنَا وَأطَعْنَا وَسَلَّمْنَا». قال، فَألقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قال: قَدْ فَعَلتُ». ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. «قال: قَدْ فَعَلتُ». ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. «قال: قَدْ فَعَلتُ». أخرجه مسلم (٢).
• من يتولى إقامة الحدود:
يتولى إقامة الحد إمام المسلمين، أو من ينيبه، بحضرة طائفة من المؤمنين، فلا يجوز لفرد أن يتولى إقامة الحد بنفسه، إلا السيد فيجوز له أن يقيم حد الجلد على مملوكه.
٣ - الخزانة الثالثة
• آداب إقامة الحدود:
ينوي الإمام بإقامة الحد ثلاثة أمور هي:
أولاً: امتثال أمر الله في إقامة الحدود، لا التشفي والانتقام.
ثانيًا: دفع الفساد عن الخلق.
ثالثًا: إصلاح الخلق.
وبذلك يحصل على الأجر بقدر هذه النيات.
عن عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى». متفق عليه (١).
• أين تقام الحدود:
يجوز إقامة الحد في أي مكان إلا المسجد؛ لئلا يتقذر.
فيقام حسب المصلحة في مكان عام، أو في مكان العمل ونحو ذلك، بشرط أن يحضره طائفة من المؤمنين، ويقام في بلده، سواء كانت مكة أو غيرها.
ولكن الأفضل والأولى أن تقام الحدود في الأماكن العامة التي يأتي إليها كل أحد، ليحضرها أكبر عدد من المؤمنين، وبذلك يحصل الردع للجاني وغيره من الناس: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].
стр. 6743
• أنواع الجلد في الحدود:
أكثر الجلد في الحدود:
جلد الزنا، ثم جلد القذف، ثم جلد السكر، ثم التعزير.
• صفة الجلد في الحدود:
أولاً: يُضرب الرجل في الحد قائماً بسوط لا جديد ولا خَلِق، ولا يمد على الأرض، ولا يربط على جدار أو عامود، ولا يجرد من ثيابه، ويفرَّق الضرب على بدنه كالظهر والأليتين والفخذين والساقين، ولا يبالغ في الضرب بحيث يشق الجلد.
ويتقي أثناء الجلد أربعة أشياء: الرأس، والوجه، والفرج، والمقاتل.
ثانيًا: المرأة كالرجل في الجلد، إلا أنها تُضرب جالسة، وتشد عليها ثيابها، وتُمسَك يدها عند الحاجة؛ لئلا تنكشف.
• حكم من اجتمعت عليه حدود:
إذا اجتمعت على الجاني حدود لله تعالى، فلها ثلاث حالات:
الأول: إذا اجتمعت عليه حدود من جنس واحد، بأن زنا مراراً، أو سرق مراراً ونحوهما، فهذه تتداخل، فلا يُحدّ إلا مرة واحدة.
الثانية: إن وجبت عليه حدود لله من أجناس مختلفة كبكر زنا وسرق وشرب الخمر، فلا تتداخل، فتقام عليه كلها، يُبدأ بالأخف، فيُجلد للشرب، ثم يُجلد للزنا، ثم يُقطع للسرقة.
الثالثة: إن وجبت عليه حدود لله، وحدود خالصة للآدمي كما لو قذف وسرق وقتل.
فهذه تستوفى كلها، ويُبدأ بالأخف فالأخف، فيُجلد للقذف، ثم يُقطع، ثم يُقتل؛ لأنها حقوق لله وللآدميين، فلابد من استيفائها كلها: ﴿وَمَا آتَاكُمُ
стр. 6744
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
• حكم تأخير إقامة الحدود:
يجوز تأخير إقامة الحدود لعارض يترتب عليه مصلحة الإسلام كما في الغزو، أو لعارض يترتب عليه مصلحة المحدود ذاته كما في شدة حر أو برد أو مرض، أو لمصلحةِ مَنْ تعلَّق به كالحمل والرضاع ونحوهما.
عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: «جَاءَتِ الغَامِدِيّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهّرْنِي، وَإِنّهُ رَدّهَا، فَلَمّا كَانَ الغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله لِمَ تَرُدَّنِي؟ لَعَلّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزاً، فَوَالله إِنّي لَحُبْلَى، قَالَ: «إِمّا لَا، فَاذْهَبِي حَتّى تَلِدِي». فَلَمّا وَلَدَتْه أَتَتْهُ بِالصّبِيّ فِي خِرْقَةٍ، قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدَتْ، قَالَ: «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتّى تَفْطِميهِ». فَلَمّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصّبِيّ وفي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ هَذَا، يَا نَبِيّ الله قَدْ فَطَمْتُهُ، وأَكَلَ الطّعَامَ. فَدَفَعَ الصّبِيّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النّاسَ فَرَجَمُوهَا». أخرجه مسلم (١).
• حكم الشفاعة في الحدود:
يجب على الحاكم إقامة الحد على من وجب عليه، سواء كان رجلًا أو امرأة، وسواء كان شريفًا أو وضيعًا، وسواء كان قريبًا أو بعيدًا.
وإذا بلغت الحدود الحاكم حَرُم أن يشفع في إسقاطها أحد، أو يعمل على تعطيلها.
стр. 6745
ويحرم على الحاكم قبول الشفاعة إذا بلغه الحد، ولا يجوز له أخذ المال من الجاني، ليُسقط عنه الحد.
ومن أخذ المال من الزاني أو السارق أو شارب الخمر ونحوهم، ليعطل حدود الله، فقد جمع بين فسادين عظيمين:
أكل السحت، وتعطيل الحد، وترك الواجب، وفعل المحرم.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أنَّ قُرَيْشًا أهَمَّتْهُمُ المَرْأةُ المَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ الله ﷺ ، وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلا أسَامَةُ، حِبُّ رَسُولِ الله ﷺ ، فَكَلَّمَ رَسُولَ الله ﷺ ، فقال: «أتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله». ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، قال: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ الله، لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا». متفق عليه (١).
• حكم توبة الجاني:
إذا تاب الجاني قبل القدرة عليه، وقبل بلوغ الحاكم الأمر، سقط عنه الحد الواجب لله، ولزمه الحق الواجب للآدمي من قصاص أو مال مسروق، أو قذف، أو دية ونحو ذلك؛ لأن التوبة تَجُبّ ما قبلها من حقوق واجبة لله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤].
стр. 6746
وعَنْ عَمْرو بْنِ العَاصِ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لهُ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا؟ وَأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟». أخرجه مسلم (١).
• حكم الصلاة على المقتول:
المقتول قصاصاً، أو حداً، أو تعزيرًا إن كان مسلمًا يغسَّل، ويكفَّن، ويُصلى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه مسلم، وإقامة الحد كفارة لذنبه.
وإن كان المقتول كافرًا كالمرتد والذمي فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، بل يلف بثيابه، ويحفر له حفرة في الأرض ويوارى فيها؛ لأنه كافر.
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ «أَنّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيّ الله ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزّنَا فَقَالَتْ: يَا نَبِيّ الله أَصَبْتُ حَدّاً فَأَقِمْهُ عَلَيّ. فَدَعَا نَبِيّ الله ﷺ وَلِيّهَا، وَقَالَ: «أَحْسِنْ إلَيْهَا. فَإذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بِهَا». فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيّ الله ﷺ فَشُكّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمّ صَلّىَ عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلّي عَلَيْهَا يَا نَبِيّ الله وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَل وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّه تَعَالَىَ؟». أخرجه مسلم (٢).
• حكم من مات في الحد:
من مات في حد الجلد أو القطع ونحوهما فالحق قتله؛ لأن كل ما ترتب على الحق المأذون فيه فليس بمضمون، لكن بشرط عدم التعدي في إقامة الحد على الجاني بزيادة في الكم أو الكيف.
стр. 6747
• الفرق بين حق الله وحق الآدمي:
أولاً: حق الله: هو كل ما ليس للعبد إسقاطه كحد الزنا والسرقة ونحوها من الحدود.
وحق العبد: هو كل ما للعبد إسقاطه كالقصاص والدية.
ثانيًا: حق الله: أمره ونهيه، وحق العبد مصالحه وتكاليفه.
وما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى.
والحقوق ثلاثة أنواع:
الأول: حق الله تعالى فقط كالإيمان والتوحيد والعبادة.
الثاني: حق العباد فقط كالديون وأثمان الأشياء ونحو ذلك.
الثالث: حق مشترك لله وللعبد كحد القذف.
• من يتولى إقامة الحدود:
يتولى إقامة الحدود الشرعية إمام المسلمين، أو من ينيبه، بحضرة طائفة من المؤمنين في مجامع الناس العامة كساحات الأسواق، والميادين الواسعة.
ولا تقام الحدود في المساجد؛ لأنها لم تُبنى لهذا وإنما بُنيت لعبادة الله، والصلاة، وتلاوة القرآن: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
• حكم إقامة الحدود في مكة:
تجوز إقامة الحدود والقصاص في مكة، فالحرم لا يعيذ جانيًا، ولا مجرمًا، ولا فاسقًا، فمن وجب عليه قصاص أو حد من حدود الله تعالى سواء كان جلدًا أو حبسًا أو قتلاً أُقيم عليه الحد في الحرم وغيره: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨].
стр. 6748
• حكم من أقرّ بالحد عند الإمام:
من أقر بحد عند الإمام ولم يبينه، فالسنة أن يستر عليه، ولا يسأله عنه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤].
وعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أصَبْتُ حَدّاً، فَأقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْألْهُ عَنْهُ، قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أصَبْتُ حَدّاً، فَأقِمْ فِيَّ كتاب الله. قَالَ: «ألَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟». قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنَّ الله قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أوْ قَالَ: حَدَّكَ». متفق عليه (١).
• حكم إقامة الحدود على غير المسلمين:
تجب إقامة الحدود التي شرعها الله ورسوله ﷺ ؛ لما في ذلك من تحصيل المصالح، ودفع المفاسد، فالجرائم لا يحسمها، ويقي المجتمع من شرها، إلا بإقامة الحدود الشرعية على مرتكبيها، من كانوا، وحيث كانوا.
والأنفس المعصومة أربع:
المسلم .. والذمي .. والمستأمن .. والمعاهد.
أما الملتزمون لأحكام الإسلام فصنفان:
١ - المسلم.
٢ - والذمي.
فالذمي ملتزم لأحكام الإسلام، لكنه لا يطالب بالعبادات، ولا يقام عليه الحد إلا فيما يعتقد تحريمه كالزنا.
стр. 6749
فالزنا محرم في كل شريعة، فإذا زنى بامرأة مثله أقمنا عليه الحد؛ لأن الزنا فيه علتان: المنع من الوقوع في مثلها، وتكفير الذنب، فإذا كان ليس أهلاً للتكفير لأنه كافر، أقمنا عليه الحد للعلة الثانية، وهي المنع من الوقوع في مثلها.
عن ابن عمر ﵄ «أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ». متفق عليه (١).
• الجهل الذي يمنع من إقامة الحد:
الجهل بما يترتب على الفعل المحرم ليس بعذر، أما الجهل بالفعل هل هو حرام أو ليس بحرام فهذا عذر، فمن يعلم أن الزنا حرام، ولا يعلم أن حده الرجم أو الجلد، فهذا لا يعذر بجهله، بل يقام عليه الحد وهكذا.
ومن يجهل أن الزنا حرام كحديث عهد بإسلام، فهذا يعذر بجهله، لأن الأحكام لا تجب إلا بعد العلم بها، والتمكن من فعلها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
стр. 6750
أقسام الحدود:
القسم الأول: حد الزنا:
والزنا: هو فعل الفاحشة في قُبل امرأة لا تحل له.
• حكم الزنا:
الزنا محرم، وهو من أعظم الجرائم، وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق.
والزنا يتفاوت في الشناعة والقبح بحسب حال الزاني، وبحسب حال المزني بها، فالزنا بذات زوج، والزنا بذات محرم، والزنا بحليلة الجار، من أعظم أنواعه وأشنعها.
وزنا الثيّب أعظم من زنا البِكر: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
وعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ
стр. 6751
وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». متفق عليه (١).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أنْ لَا إله إلاّ الله وأَنِّي رَسُولُ الله إلاّ بإحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّاني، وَالنَّفْسُ بالنّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِيِنِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَماعَةِ». متفق عليه (٢).
• أضرار الزنا:
مفاسد وأضرار الزنا من أعظم المفاسد، وأشدّها وأخطرها على الزاني وغيره، فالزنا مناقض لصلاح العالم في حفظ الأنساب والأعراض والفروج.
والزنا يجمع خلال الشر كلها، ويفتح على العبد أبواب المعاصي كلها، من ظلم الخلق، وانتهاك الأعراض، وإضاعة أهله وأمواله، وقطيعة الأرحام، وكسب الحرام، ويولِّد الأمراض النفسية والقلبية، ويورث الفقر والمسكنة.
والزنا يولِّد سيماء السواد والفساد في وجه فاعله، ويورث نفرة الناس ووحشتهم منه، وسقوطه من أعينهم. والزنا يسبب ظلمة القلب، ويولد رائحة كريهة بغيضة في البدن.
• عقوبات الزنا:
للزنا عقوبات شديدة:
أما في الدنيا فبالرجم للمحصن، والجلد لغير المحصن، مع العار والفضيحة للزاني والزانية.
٤ - الخزانة الرابعة
• حد الزنا:
• أقسام الزناة والزواني:
الزنا أنواع كثيرة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الكَلَامُ، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطَا، وَالقَلبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». متفق عليه (١).
والزاني إما أن يكون محصَناً، أو غير محصَن.
والمحصن: من وطئ امرأته المسلمة أو الكتابية في نكاح صحيح، وهما بالغان، عاقلان، حران، مختاران.
وغير المحصن: من فقد أحد هذه الشروط الستة.
• خصائص حد الزنا:
خص الله سبحانه حد الزنا من بين الحدود بثلاث خصائص:
الأولى: القتل فيه بأبشع القتلات، وهي الرجم بالحجارة للمحصن.
وحيث خففه كما في حد غير المحصن جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة، وذلك لشناعته.
الثانية: نهي المؤمنين أن تأخذهم رأفة بالزناة تمنعهم من إقامة الحد عليهم؛ لأن الله أرحم بعباده حيث شرع لهم هذه العقوبة.
стр. 6756
الثالثة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، ليحصل الردع والزجر للكل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].
• الشبهات التي تُدرأ بها الحدود:
الشبهة التي يُدرأ بها حد الزنا ثلاثة أنواع:
الأولى: شبهة في الفاعل: كأن يطأ مطلقته ثلاثاً ما دامت في العدة ظانًا بقاء حلها، وكأن يطأ المطلقة البائن على مال، أو المختلعة ما دامت في العدة ظانًا حلها.
الثاني: شبهة في الموطوءة: كوطء الشركاء الجارية المشتركة.
الثالث: شبهة في السبب المبيح للوطء: كالنكاح بلا ولي، ونكاح الأخت في عدة أختها البائن، ونكاح الخامسة في عدة المرأة الرابعة البائن.
• حكم من أقر بالحد ولم يبينه:
من أقر بحد عند الإمام ولم يبينه، فالسنة للإمام أن يستر عليه ولا يسأله عنه، وإن صرح به عرَّض له بما يدرؤه عنه.
عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فقال: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أصَبْتُ حَدّاً، فَأقِمْهُ عَلَيَّ، قال: وَلَمْ يَسْألهُ عَنْهُ، قال: وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فقال: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أصَبْتُ حَدّاً، فَأقِمْ فِيَّ كتاب الله، قال: «ألَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا». قال: نَعَمْ، قال: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أوْ قال: حَدَّكَ». متفق عليه (١).
стр. 6757
وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤].
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ ﷺ قال لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلتَ، أوْ غَمَزْتَ، أوْ نَظَرْتَ». قال: لا يَا رَسُولَ الله، قال: «أنِكْتَهَا». لا يَكْنِي، قال: فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِرَجْمِهِ». متفق عليه (١).
• عقوبة الزاني:
أولاً: عقوبة الزاني في الدنيا:
الزاني إما أن يكون محصنًا، أو غير محصن.
والمحصن: هو الثيّب، وهو من وطئ زوجته في قبلها في نكاح صحيح وهما حُرّان مكلَّفان، والبكر: من ليس كذلك.
عقوبة الزاني المحصن: هي أن يُرجم بالحجارة حتى يموت، رجلًا كان أو امرأة، مسلمًا كان أو كافرًا.
ثانيًا: عقوبة الزاني غير المحصن: هي أن يُجلد الحر مائة جلدة، ويغرَّب سنة، رجلاً كان أو امرأة.
والرقيق يُجلد خمسين جلدة، رجلاً كان أو امرأة.
وإذا حملت امرأة لا زوج لها ولا سيّد، فإنها تُحَد إن لم تدَّعي شبهةً أو إكراهًا.
ومن استكره امرأة على الزنا فعليه الحد دونها، لأنها معذورة، ولها مهر مثلها: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].
стр. 6758
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ «أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ». أخرجه البخاري (١).
ولا يُجمع بالزاني المحصن بين الجلد والرجم؛ لأنه منسوخ، فلا يُجمع على الزاني المحصن بين الجلد مع الرجم؛ لأن الجلد مع الرجم منسوخ، والباقي هو الرجم فقط.
ثانياً: عقوبة الزاني في الآخرة:
للزنا عقوبة شديدة، فعقوبته في الدنيا الحد الصارم بالرجم للمحصن، والجلد والتغريب لغير المحصن.
وعقوبته في الآخرة إن لم يتب: الوعيد الشديد، حيث يُجمع الزناة والزواني عراة في تنور في نار جهنم، ويضاعف لهم العذاب، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
أما الرقيق: فحده أن يُجلد خمسين جلدة، رجلاً كان أو امرأة، ويُغرَّب نصف سنة.
والمرأة إذا زنت فلا تُغرَّب إلا إذا وجد لها محرم متبرع للسفر معها، فإذا لم يوجد حُبِست سنة في مكان آمن في بلدها: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ
стр. 6759
الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥].
وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أتَى رَجُلٌ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَنَادَاهُ فقال: يَا رَسُولَ الله إِنِّي زَنَيْتُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فقال: «أبِكَ جُنُونٌ». قال: لا، قال: «فَهَلْ أحْصَنْتَ». قال: نَعَمْ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ». متفق عليه (١).
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «خُذُوا عَنّي، خُذُوا عَنّي، قَدْ جَعَلَ الله لَهُنّ سَبِيلاً، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثّيِّبُ بِالثّيِّبِ، جَلدُ مِائَةٍ وَالرّجْمُ». أخرجه ابن ماجة (٢).
• شروط ثبوت حد الزنا:
يُشترط لثبوت حد الزنا ما يلي:
الأول: أن يكون الزاني بالمرأة بالغًا، عاقلًا، حرًا، مختارًا، عالمًا بالتحريم، مع انتفاء الشبهة.
الثاني: تغييب حشفته الأصلية كلها في قبل امرأة حية لا تحل له.
الثالث: انتفاء الشبهة، فلا حد على من وطئ امرأة ظنها زوجته.
стр. 6760
الرابع: ثبوت الزنا، ويثبت الزنا بما يلي:
أولاً: الإقرار: بأن يقر بالزنا من عُرف بالعقل مرة واحدة، ويقرّ به أربع مرات مَنْ كان متَّهماً في ضعف عقله، وفي كليهما يصرح بحقيقة الوطء، ويستمر في إقراره إلى إقامة الحد عليه.
ثانيًا: الشهادة: بأن يشهد عليه بالزنا أربعة رجال مسلمين عدول.
ثالثًا: الحمل: بأن تحمل من لا زوج لها ولا سيد.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: قالَ عُمَرُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كتاب الله، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَهَا اللهُ، ألا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أوْ كَانَ الحَبَلُ أوِ الاعْتِرَافُ ألا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ. متفق عليه (١).
وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أنَّ رَجُلا مِنْ أسْلَمَ جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أبِكَ جُنُونٌ». قال: لا، قال: «أأحْصَنْتَ». قال: نَعَمْ، فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ فَرَّ، فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ. فقال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْراً، وَصَلَّى عَلَيْهِ». أخرجه البخاري (٢).
ولا يثبت الزنا بالفحص الطبي، ولا بالتصوير، ولا بالتسجيل، ولا غيره؛ لأن تلك الوسائل محتملة لا يقينية، وقد يعتريها الخطأ أو الهوى.
والإسلام قد جعل مبدأ درء الحدود بالشبهات، لكن للقاضي أن يجعلها قرينة يستعين بها، ويبني على ذلك تعزير المتهم بالزنا بما يراه مناسبًا.