الثالثة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، ليحصل الردع والزجر للكل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].
• الشبهات التي تُدرأ بها الحدود:
الشبهة التي يُدرأ بها حد الزنا ثلاثة أنواع:
الأولى: شبهة في الفاعل: كأن يطأ مطلقته ثلاثاً ما دامت في العدة ظانًا بقاء حلها، وكأن يطأ المطلقة البائن على مال، أو المختلعة ما دامت في العدة ظانًا حلها.
الثاني: شبهة في الموطوءة: كوطء الشركاء الجارية المشتركة.
الثالث: شبهة في السبب المبيح للوطء: كالنكاح بلا ولي، ونكاح الأخت في عدة أختها البائن، ونكاح الخامسة في عدة المرأة الرابعة البائن.
• حكم من أقر بالحد ولم يبينه:
من أقر بحد عند الإمام ولم يبينه، فالسنة للإمام أن يستر عليه ولا يسأله عنه، وإن صرح به عرَّض له بما يدرؤه عنه.
عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فقال: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أصَبْتُ حَدّاً، فَأقِمْهُ عَلَيَّ، قال: وَلَمْ يَسْألهُ عَنْهُ، قال: وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فقال: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أصَبْتُ حَدّاً، فَأقِمْ فِيَّ كتاب الله، قال: «ألَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا». قال: نَعَمْ، قال: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أوْ قال: حَدَّكَ». متفق عليه (١).
стр. 6757
وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤].
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ ﷺ قال لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلتَ، أوْ غَمَزْتَ، أوْ نَظَرْتَ». قال: لا يَا رَسُولَ الله، قال: «أنِكْتَهَا». لا يَكْنِي، قال: فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِرَجْمِهِ». متفق عليه (١).
• عقوبة الزاني:
أولاً: عقوبة الزاني في الدنيا:
الزاني إما أن يكون محصنًا، أو غير محصن.
والمحصن: هو الثيّب، وهو من وطئ زوجته في قبلها في نكاح صحيح وهما حُرّان مكلَّفان، والبكر: من ليس كذلك.
عقوبة الزاني المحصن: هي أن يُرجم بالحجارة حتى يموت، رجلًا كان أو امرأة، مسلمًا كان أو كافرًا.
ثانيًا: عقوبة الزاني غير المحصن: هي أن يُجلد الحر مائة جلدة، ويغرَّب سنة، رجلاً كان أو امرأة.
والرقيق يُجلد خمسين جلدة، رجلاً كان أو امرأة.
وإذا حملت امرأة لا زوج لها ولا سيّد، فإنها تُحَد إن لم تدَّعي شبهةً أو إكراهًا.
ومن استكره امرأة على الزنا فعليه الحد دونها، لأنها معذورة، ولها مهر مثلها: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].
стр. 6758
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ «أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ». أخرجه البخاري (١).
ولا يُجمع بالزاني المحصن بين الجلد والرجم؛ لأنه منسوخ، فلا يُجمع على الزاني المحصن بين الجلد مع الرجم؛ لأن الجلد مع الرجم منسوخ، والباقي هو الرجم فقط.
ثانياً: عقوبة الزاني في الآخرة:
للزنا عقوبة شديدة، فعقوبته في الدنيا الحد الصارم بالرجم للمحصن، والجلد والتغريب لغير المحصن.
وعقوبته في الآخرة إن لم يتب: الوعيد الشديد، حيث يُجمع الزناة والزواني عراة في تنور في نار جهنم، ويضاعف لهم العذاب، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
أما الرقيق: فحده أن يُجلد خمسين جلدة، رجلاً كان أو امرأة، ويُغرَّب نصف سنة.
والمرأة إذا زنت فلا تُغرَّب إلا إذا وجد لها محرم متبرع للسفر معها، فإذا لم يوجد حُبِست سنة في مكان آمن في بلدها: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ
стр. 6759
الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥].
وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أتَى رَجُلٌ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَنَادَاهُ فقال: يَا رَسُولَ الله إِنِّي زَنَيْتُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فقال: «أبِكَ جُنُونٌ». قال: لا، قال: «فَهَلْ أحْصَنْتَ». قال: نَعَمْ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ». متفق عليه (١).
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «خُذُوا عَنّي، خُذُوا عَنّي، قَدْ جَعَلَ الله لَهُنّ سَبِيلاً، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثّيِّبُ بِالثّيِّبِ، جَلدُ مِائَةٍ وَالرّجْمُ». أخرجه ابن ماجة (٢).
• شروط ثبوت حد الزنا:
يُشترط لثبوت حد الزنا ما يلي:
الأول: أن يكون الزاني بالمرأة بالغًا، عاقلًا، حرًا، مختارًا، عالمًا بالتحريم، مع انتفاء الشبهة.
الثاني: تغييب حشفته الأصلية كلها في قبل امرأة حية لا تحل له.
الثالث: انتفاء الشبهة، فلا حد على من وطئ امرأة ظنها زوجته.
стр. 6760
الرابع: ثبوت الزنا، ويثبت الزنا بما يلي:
أولاً: الإقرار: بأن يقر بالزنا من عُرف بالعقل مرة واحدة، ويقرّ به أربع مرات مَنْ كان متَّهماً في ضعف عقله، وفي كليهما يصرح بحقيقة الوطء، ويستمر في إقراره إلى إقامة الحد عليه.
ثانيًا: الشهادة: بأن يشهد عليه بالزنا أربعة رجال مسلمين عدول.
ثالثًا: الحمل: بأن تحمل من لا زوج لها ولا سيد.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قالَ: قالَ عُمَرُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كتاب الله، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَهَا اللهُ، ألا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أوْ كَانَ الحَبَلُ أوِ الاعْتِرَافُ ألا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ. متفق عليه (١).
وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أنَّ رَجُلا مِنْ أسْلَمَ جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أبِكَ جُنُونٌ». قال: لا، قال: «أأحْصَنْتَ». قال: نَعَمْ، فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ فَرَّ، فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ. فقال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْراً، وَصَلَّى عَلَيْهِ». أخرجه البخاري (٢).
ولا يثبت الزنا بالفحص الطبي، ولا بالتصوير، ولا بالتسجيل، ولا غيره؛ لأن تلك الوسائل محتملة لا يقينية، وقد يعتريها الخطأ أو الهوى.
والإسلام قد جعل مبدأ درء الحدود بالشبهات، لكن للقاضي أن يجعلها قرينة يستعين بها، ويبني على ذلك تعزير المتهم بالزنا بما يراه مناسبًا.
стр. 6761
• من يقام عليه حد الزنا:
يقام حد الزنا على الزاني مسلمًا كان أو كافرًا؛ لأنه حد ترتب على الزنا، فوجب على الكافر كوجوب القود في القتل، والقطع في السرقة.
ثانيًا: إذا زنى المحصن بغير المحصنة، فلكلٍّ حده من رجم، أو جلد وتغريب.
ثالثًا: إذا زنى الحر بأمة وعكسه بأن زنت حرة بعبد، فلكل واحد حكمه في الحد.
رابعًا: يقام الحد على الزاني إذا كان مكلفاً، مختاراً، عالماً بالتحريم، بعد ثبوته عند الحاكم بإقرار أو شهادة، مع انتفاء الشبهة.
ولا يُحفر للمرجوم في الزنا رجلاً كان أو امرأة، لكن المرأة تُشدُّ عليها ثيابها؛ لئلا تنكشف.
وأيما امرأة حبلت من الزنا، أو اعترفت به، فالإمام أول من يرجم، ثم الناس، فإن ثبت حد الزنا بشهادة أربعة شهود، فهم أول من يرجم، ثم الإمام، ثم الناس.
• حكم الزوجية بعد الزنا:
إذا زنا رجل وهو متزوج فلا تَحرُم عليه زوجته، وكذا إذا زنت امرأة متزوجة فلا تَحرُم على زوجها، لكنهما ارتكبا إثماً عظيماً، فعليهما التوبة والاستغفار: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
وقال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
стр. 6762
• حكم ابن الزنا:
ولد الزنا يُنسب إلى أمه لا إلى الزاني، ويُنسب إليها نسبة شرعية تثبُت بها الأحكام من ثبوت المحرمية، ويرثها وترثه.
وولد الزنا ليس بينه وبين أبيه من الزنا نسب ولا توارث؛ لأن نسبه من جهة الأب منقطع، والولد من الزنا لا يُنسَب إلى الزاني، ولو تزوج بأمه التي زنى بها، ولا يكون محرمًا لبنات الزاني من غير أمه، لكن يحرم عليه أن يتزوج بواحدة منهن، ويحرم على الزاني أن يتزوج ابنته من الزنا؛ لأنها من مائه، كما يحرم على ولد الزنا أن يتزوج من أمه الزانية.
والحمل من سفاح ليس عذرًا لإباحة الإجهاض، وفعل ذلك يؤدي إلى حصول جريمتين عظيمتين:
أولهما: الزنا.
والثانية: القتل.
قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩].
• حكم الرجوع عن الإقرار بالزنا:
إذا اعترف الزاني بالزنا عند القاضي، ثم رجع عن إقراره بعد الحكم بالحد، أو بعد إقامة بعض الحد، أو هرب، فإنه يسقط عنه الحد؛ لأن الرجوع شبهة، والحدود تُدرأ بالشبهات.
стр. 6763
• أشد أنواع الزنا:
مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف ما انتهكه الزاني من الحق.
فالزنا بالمرأة التي لها زوج أعظم إثماً وعقوبة من التي لا زوج لها؛ لما فيه من انتهاك حرمة الزوج، وإفساد فراشه، وتعليق نسبٍ إليه لم يكن منه.
فإن كان زوجها جاراً له فذلك أشد وأعظم البوائق.
فإن كان الجار أخاً أو قريباً من أقاربه اجتمع مع ذلك قطيعة الرحم، فيتضاعف الإثم عليه.
فإن كان الجار غائباً في طاعة الله كطلب العلم، أو الحج، أو الدعوة، أو الجهاد، تضاعف عليه الإثم.
فإن اتفق أن تكون المرأة رحماً منه، انضاف إلى ذلك قطيعة رحمها.
فإن كانت خالته أو عمته، أو أخته أو بنته، فذلك أشد وأعظم وأقبح، نسأل الله السلامة والعافية من الذنوب ما ظهر منها وما بطن.
فإن اتفق أن يكون الزاني محصناً كان الإثم والعقوبة أعظم.
فإن كان الزاني شيخاً كبيراً كان أعظم إثماً.
فإن اقترن بذلك أن يكون الزنا في شهر حرام، أو بلد حرام، أو وقت حرام كالصيام والحج، أو وقت معظم كأوقات الصلوات الخمس والجمعة تضاعف الإثم.
ولهذه المفاسد الكبرى وأمثالها حرَّم الله الزنا، وأغلق جميع الأبواب الموصلة إليه، ونفى كمال الإيمان عمن فعله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣].
٥ - الخزانة الخامسة
• حد الزنا:
• حكم من زنى بذات محرم:
من زنا بذات محرم كأخته، أو بنته أو عمته، أو امرأة أبيه ونحوهن، وهو عالم بتحريم ذلك، وجب قتله لشناعة جُرمه، ويحسن ستر أمره وعقوبته عن الناس، لشناعة العار، نسأل الله السلامة والعافية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢].
وعن البراء ﵁ قالَ: أَصَبْتُ عَمِّي وَمَعَهُ رَايةٌ فَقُلتُ أينَ تُريدُ؟ فقالَ: بَعثني رسُولُ اللهِ ﷺ إلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وآخُذَ مَالَهُ. أخرجه الترمذي والنسائي بسند صحيح (١).
• حكم من أُكره على الزنا:
من أَكره امرأة على الزنا فزنا بها، وجب عليه الحد، والمرأة ليس عليها حد؛ لأنها مكرهة.
ومن أَكره رجلاً على الزنا بامرأة فزنا بها فلا حد عليه؛ لأنه مكره، لكن يعزَّر من أكرهه ولا يُحد؛ لأنه لم يزني.
• صفة إقامة حد الرجم على الزاني:
يقيم حد الرجم على الزاني الإمام أو نائبه في أي مكان عام إلا المسجد، بحضور طائفة من المؤمنين.
стр. 6766
أما الحفر للمرجوم فهو راجع إلى الإمام، إن شاء حفر له، وإن شاء ترك، والأولى الترك، لكن المرأة تشد عليها ثيابها؛ لئلا تنكشف، ومن وجب عليه حد الرجم فلا جلد عليه.
ويرجم الرجل قائماً، وترجم المرأة قاعدة، المسلم والكافر في ذلك سواء.
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ قالَ: إِنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ أنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأةً زَنَيَا، فقال لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ». فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، قال عَبْدُ الله ابْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فقال لَهُ عَبْدُ الله بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، قَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ الله ﷺ فَرُجِمَا، فَرَأيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى المَرْأةِ، يَقِيهَا الحِجَارَةَ». متفق عليه (١).
وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵄ قَالا: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فقال: أنْشُدُكَ اللهَ إِلا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله، فَقَامَ خَصْمُهُ، وَكَانَ أفْقَهَ مِنْهُ، فقال: صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله، وَأْذَنْ لِي يَا رَسُولَ الله، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قُلْ». فقال: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا فِي أهْلِ هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأتِهِ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ، وَإِنِّي سَألتُ رِجَالاً مِنْ أهْلِ العِلمِ، فَأخْبَرُونِي أنَّ عَلَى ابْنِي جَلدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأنَّ عَلَى امْرَأةِ هَذَا الرَّجْمَ، فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله، المِائَةُ وَالخَادِمُ رَدٌّ
стр. 6767
عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَيَا أنَيْسُ اغْدُ عَلَى امْرَأةِ هَذَا فَسَلهَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا». متفق عليه (١).
• ما يُرجم به الزاني:
يقام حد الرجم على الزاني المحصن بالضرب بالحجارة المعتدلة بملء الكف، لا بحصيات خفيفة؛ لئلا يطول تعذيبه، ولا بصخرات كبيرة تقضي عليه بسرعة؛ لئلا يفوت التنكيل المقصود.
عَنْ شَدّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ الله؟، قَالَ: «إنّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ، فَإذَا قَتَلتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذّبْحَ، وَليُحِدّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَليُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». أخرجه مسلم (٢).
• ما يُفعل بالمرجوم إذا مات:
إذا مات المرجوم بعد الرجم: فإن كان مسلماً يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين؛ لأنه مسلم.
وإن كان كافراً يلف في ثيابه، ويوارى بالتراب في مكان من الأرض.
عَنْ جَابِرٍ ﵁ أنَّ رَجُلا مِنْ أسْلَمَ، جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «أبِكَ جُنُونٌ».، قال: لا، قال: «أُحْصَنْتَ».، قال: نَعَمْ، فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ فَرَّ، فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فقال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ». متفق عليه (٣).
стр. 6768
• حكم تشبه الرجال بالنساء وعكسه:
المخنثون من الرجال هم الذين يتشبهون بالنساء في حركاتهم ومشيهم، ولباسهم وكلامهم ونحو ذلك. والمترجلات من النساء هن المتشبهات بالرجال في كلامهن وحركاتهن ولباسهن ونحو ذلك.
وقد برزت هذه الظاهرة من مزاحمة النساء للرجال في المكاتب والشركات ونحوهما.
وهذا التشبه من المحرمات، ومن كبائر الذنوب؛ لأن اللعنة لا تلحق إلا صاحب كبيرة.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ». أخرجه البخاري (١).
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ». أخرجه البخاري (٢).
• حكم الاستمناء:
الاستمناء باليد ونحوها حرام، لما فيه من الاعتداء، وفي الصوم وقاية منه.
قال الله تعالى مبيناً ما يباح للإنسان: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قَالَ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». متفق عليه (٣).
стр. 6769
• حكم عمل قوم لوط:
عمل قوم لوط: هو فعل الفاحشة في الدبر، والاستغناء بالرجال عن النساء.
وعمل قوم لوط من أكبر الجرائم الشنيعة المفسدة للخُلُق والفطرة، وعقوبته أغلظ من عقوبة الزنا؛ لغلظ حرمته، وشناعته، وقبحه.
وهو شذوذ جنسي خطير، حرمه الإسلام، لما يسببه من الأمراض والأضرار النفسية والبدنية الخطيرة.
وقد خسف الله بمن فعله، وهم قوم لوط، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، وطمس أعينهم، ولهم النار يوم القيامة: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨١].
وقال الله تعالى عنهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود: ٨٢ - ٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧)﴾ [القمر: ٣٧].
• عقوبة عمل قوم لوط:
عمل قوم لوط من كبائر الذنوب.
وعقوبته: أن يُقتل الفاعل والمفعول به، محصناً كان أو غير محصن، مسلماً كان أو كافراً، إذا كان بالغاً، عاقلاً، مختاراً، عالماً بالتحريم.
فيقتله الإمام بما يراه رادعاً له ولغيره من قتلٍ بالسيف، أو رجم بالحجارة، بمحضر من المؤمنين.
стр. 6770
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بهِ». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (١).
• مفاسد فاحشة عمل قوم لوط:
فاحشة عمل قوم لوط لها آثار سيئة على الأمة كلها.
فهو من أكبر أسباب زوال النعم، وحلول النقم.
وهو موجب للعنة الله ومقته وعقوبته، وجناية شنيعة على المفعول به وأسرته، بل على المجتمع كله.
وهو يُحدث الهم، والغم وسواد الوجه في الفاعل والمفعول به، ومُذهب للغيرة والحياء، ومولِّد للنفرة والبغض الشديد بين الفاعل والمفعول به، ومسبب لنفرة الناس منهما.
وعمل قوم لوط يحيل الطباع عما ركبها الله، إلى طبع منكوس لا يشتهيه حتى الحيوان، وإذا انتكس الطبع انتكس القلب، فاستطاب كل شر وخبيث.
وهذا الفعل الشنيع يورث من المهانة والحقارة والسفال ما لا يورثه غيره، ويكسو العبد حلة المقت والبغضاء، واحتقار الناس له.
وهذا الفعل القبيح يفسد حال الفاعل والمفعول به، ويَذهب بمحاسنهما ومودتهما، ويبدلهما تباغضاً وتلاعناً.
وعمل قوم لوط يسبب الإصابة بالأمراض الخطيرة كالإيدز المهلك، ويقطع النسل، ويفوِّت حق المرأة في الوطء الحلال.
وإذا كان الله قد حرم الوطء في الفرج من أجل الحيض العارض، فكيف بالحش الذي هو محل الأذى والقذر اللازم.
فالدبر محل الأذى والقذر والنجو، فكيف يشتهيه الإنسان، مع نفرة الحيوان منه.
стр. 6771
فليس من المعاصي أعظم من هذه المفسدة التي تلي مفسدة الكفر.
ولم يسبق قوم لوط في فعلها أحد من العالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨١].
• حكم السحاق:
السحاق هو إتيان المرأة المرأة.
وحكم السحاق محرم ولا حد فيه، وإنما فيه التعزير بما يقطع دابره.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ». أخرجه مسلم (١).
• حكم إتيان البهيمة:
إتيان البهيمة: هو فعل الفاحشة في فرج البهيمة.
ووطء البهيمة محرم، وهو جناية قبيحة؛ لأن الطبع السليم يأبى هذا الوطء، وينفر منه.
وعقوبة هذا الوطء أن يعزَّر فاعله بما يراه الإمام رادعًا من ضربٍ، أو قتلٍ، أو سجن ونحوها.
وأما البهيمة الموطوءة فتذبح ولا تؤكل، وإن كانت لغيره ضمن قيمتها لصاحبها.
نسأل الله السلامة من الذنوب والمعاصي ظاهرها وباطنها.
стр. 6772
٦ - الخزانة السادسة
القسم الثاني: حد القذف
• القذف: هو الرمي بزنا أو لواط، أو نفي نسب، موجب للحد فيهما.
• أنواع القذف:
القذف نوعان:
الأول: قذف يُحد عليه القاذف، وهو رمي المحصن بالزنا أو اللواط، أو نفي نسبه.
الثاني: قذف يعاقب عليه بالتعزير، وهو الرمي بما ليس صريحاً في ذلك.
• حكم القذف:
القذف محرم، وهو من الكبائر الموبقة الموجبة للعقوبة في الدنيا والآخرة.
فيحرم القذف إن كان القاذف كاذباً.
ويجب القذف إذا رأى امرأته تزني في طهر لم يجامعها فيه، ثم تلد ما يمكن أن يكون من الزنا، فيجب قذفها، ونفي ولدها.
والقذف مباح إذا رأى زوجته تزني، ولم تلد ما يلزمه نفيه، فهذا مخير بين فراقها وقذفها، وفراقها أولى من قذفها؛ لأنه أستر لها: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٤ - ٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣].
стр. 6773
وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ». قالوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالحَقِّ، وَأكْلُ الرِّبَا، وَأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاتِ». متفق عليه (١).
• مقدار حد القذف:
مقدار حد القذف ثمانون جلدة، سواء كان القاذف حرًا أو عبدًا، وسواء كان رجلًا أو امرأة، وسواء كان مسلمًا أو كافرًا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤].
• حكمة مشروعية حد القذف:
حث الإسلام على حفظ الأعراض عما يدنِّسها ويَشِينها، وأمر بالكف عن أعراض الأبرياء، وحرَّم الوقوع في أعراضهم بغير حق؛ وذلك صيانة للأعراض من الدنس، وحماية لها من التلوث.
وبعض النفوس تُقْدم على ما حرم الله من قذفٍ وتدنيسٍ لأعراض المسلمين لنوايا مختلفة، ولما كانت النوايا من الأمور الخفية كُلِّف القاذف أن يأتي بما يثبت قوله بأربعة شهداء، فإن لم يفعل أقيم عليه حد القذف ثمانين جلدة.
• ألفاظ القذف.
تنقسم ألفاظ القذف إلى قسمين:
الأول: القذف الصريح، وهو كل لفظ لا يحتمل غير معناه كأن يقول لغيره يا زاني، يا لوطي ونحوهما، أو يصرح بنفي نسبه.
стр. 6774
الثاني: القذف بلفظ الكناية بما يحتمل هذا وهذا، القذف وغيره، كأن يقول يا قَحْبة، يا فاجرة، يا خبيثة ونحو ذلك.
فإن قصد الرمي بالزنا حُدّ للقذف، وإن لم يأت ببينة.
وإن لم يقصده لم يُحدّ، وعُزِّر بما يراه القاضي.
وكذلك التعريض كأن يقول له عند المنازعة: لست بزان ولا أمي زانية ونحو ذلك.
• شروط وجوب حد القذف.
يشترط لوجوب حد القذف ما يلي:
أولاً: شروط القاذف:
أن يكون القاذف بالغاً، عاقلاً، مختاراً، عالماً بالتحريم، ملتزماً بأحكام الإسلام، ولم يثبت قذفه.
ثانيًا: شروط المقذوف:
أن يكون المقذوف محصنًا، وأن يكون معلومًا، وأن يطالب بالحد.
والمحصن هنا: هو الحر، المسلم، العاقل، العفيف، الذي يجامع مثله، ولا يشترط بلوغه.
ثالثاً: شروط القذف:
أن يقذفه بالزنا أو اللواط، أو بنفي نسبه.
• ثبوت حد القذف:
يثبت حد القذف بواحد مما يلي:
١ - إذا أقر القاذف على نفسه بالقذف.
٢ - أو شهد عليه رجلان عدلان بالقذف.
стр. 6775
• الآثار المترتبة على حد القذف:
إذا ثبت حد القذف ترتب عليه ما يلي:
أولاً: جلد القاذف ثمانين جلدة.
ثانيًا: عدم قبول شهادته بعد جلده حتى يتوب.
ثالثًا: الحكم عليه بأنه فاسق إلا إذا تاب:: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٤ - ٥].
• حكم من قذف غيره بغير الزنا أو اللواط:
إذا قذف الإنسان غيره بغير الزنا أو اللواط وهو كاذب فقد ارتكب محرمًا، ويعزر بما يراه الحاكم رادعًا له ولغيره، ولا يُحد حد القذف، كأن يرمي شخص أحداً بالكفر أو النفاق أو السرقة أو السكر أو الخيانة ونحو ذلك من الأوصاف القبيحة السيئة.
• من يملك حد القذف:
حد القذف حق للعبيد، وفيه حق لله تعالى؛ لأن القذف جناية على عِرض المقذوف، وعِرضه حقه، وعقوبة القذف يملكها المقذوف كالقصاص.
وكذلك القذف جريمة تمس الأعراض، وفي إقامة الحد على القاذف تصان مصالح العباد، ويُدفع عنهم الفساد.
إلا أن حق المقذوف أقوى، فيجوز للمقذوف ولو بعد رفع الأمر إلى الحاكم إسقاط الحد، والعفو عن القاذف، والصلح بعوض أو بدون عوض؛ لأنه حقه، فيملك التصرف فيه، فيجب على المسلم حفظ لسانه عما يضره: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
стр. 6776
• حكم قذف الواحد للجماعة:
إذا قذف الإنسان جماعة من الناس: فإن قذفهم بكلمة واحدة كأن يقول: يا زناة، فيُحد للقذف مرة واحدة.
وإن قذف كل واحد بكلمة، كأن يقول لكل واحد: يا زاني، فهذا عليه حد لكل واحد منهم بعدد ما قذف؛ لأن الحد يتعدد بتعدد القذف، ومن أسقط حقه منهم سقط.
• حكم تكرار القذف:
إذا قذف الإنسان أحداً أكثر من مرة، فعليه حد واحد إذا لم يُحد لواحد منها، فإن كان قد حُدّ وعاد إلى القذف حُدّ مرة ثانية؛ لأن الحد يتعدد بتعدد القذف.
• حكم تحليف القاذف:
إذا لم يأت المقذوف ببينة على القذف، وطلب المقذوف من القاضي أن يستحلف القاذف أنه لم يقذفه، فللقاضي أن يُحلفه، ولا ترد اليمين إذا نكل على المقذوف.
• ما يفعله القاضي لإثبات القذف:
إذا رُفعت دعوى القذف إلى القاضي، فإما أن ينكر القاذف أو يقر، فإن أقر القاذف، أو أقام المقذوف البينة على صدور القذف منه، أقام القاضي حد القذف على القاذف.
وإن أنكر القاذف طلب من المقذوف أن يُحضر البينة على صحة القذف وصدوره منه، ويمهله ثلاثة أيام، فإن أحضرها أقام حد القذف على القاذف، وإن لم يأت ببينة سقط الحد عن القاذف.
стр. 6777
• ما يُسقط حد القذف:
يَسقط حد القذف بأحد أربعة أمور:
الأول: إثبات الزنا على المقذوف بالبينة أو بإقراره به.
الثاني: عفو المقذوف عن القاذف.
الثالث: اللعان بين الزوجين.
الرابع: تصديق المقذوف للقاذف فيما رماه به.
• صفة توبة القاذف:
من قذف غيره بالزنا أو اللواط كذباً، وأقيم عليه حد القذف.
فهذا القذف يتعلق به حقان:
الأول: حق الله، وتوبته منه باستغفاره من ذنبه، وندمه على ما فعل، وعزمه على ألا يعود الله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
الثاني: حق العبد، وتوبته منه أن يكذِّب نفسه فيما رمى به غيره.
فإن تاب من هذا وهذا، قُبلت شهادته وتوبته: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٤ - ٥].
• ثبوت حد القذف:
حد القذف ثمانون جلدة للحُر، وأربعون جلدة للعبد.
ويثبت حد القذف إذا أقر القاذف على نفسه، أو شهد عليه رجلان عدلان بالقذف.
стр. 6778
• عقوبة القذف:
تختلف عقوبة القذف باختلاف القاذف، واختلاف المقذوف.
والقاذف صنفان:
الأول: إذا كان القاذف حرًا أو عبدًا، والمقذوف محصنًا، فحده ثمانون جلدة.
الثاني: إذا قذف غير المحصن، فلا حد عليه، لكنه يعزر بما يردعه ويردع غيره.
والمحصن هنا: هو المسلم الحر المكلف العفيف الملتزم الذي يجامع مثله.
وحد القذف حق للمقذوف، ويترتب على ذلك ما يلي:
١ - أن حد القذف يسقط بعفوه ..
٢ - ولا يقام الحد حتى يطالب به المقذوف.
٣ - وأن العبد يحد كاملًا ثمانين جلدة
وإذا ثبت حد القذف ترتب عليه ما يلي:
١ - جلد القاذف ثمانين جلدة ..
٢ - عدم قبول شهادة القاذف إلا بعد التوبة.
٣ - الحكم عليه بالفسق حتى يتوب
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٤ - ٥].
стр. 6779
القسم الثالث: حد السرقة
السرقة: هي أخذ مال محترم لغيره، لا شبهة فيه، من موضع مخصوص، بقدر مخصوص، على وجه الخفية.
• أنواع الاعتداء على الأموال:
الاعتداء على الأموال له حالات هي:
السرقة، أو الغصب، أو الاختلاس، أو النهب، أو الطَّر، أو الخيانة، أو الجحد.
فالسرقة: أخذ مال لغيره خفية من حرزه.
والغصب: أخذ المال علانية قهراً بغير حق.
والاختلاس: أخذ المال بصفة لا يشعر بها المسروق منه.
والنهب: أخذ المال مغالبة، والناس ينظرون.
والطَّرَّار: هو النَّشَّال الذي يسرق من جيب الإنسان أو كمه.
والنَّبَّاش: هو من ينبش القبر لأخذ ما فيه.
والخائن: هو الغادر الجاحد للمال.
والجاحد: هو المنكِر ما عنده لغيره.
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨].
وَعَنْ جَابرٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (١).
стр. 6780
• أنواع السرقة:
السرقة نوعان هما:
الأول: ما يوجب الحد: وهي السرقة التي توفرت لها شروط إقامة الحد.
الثاني: ما يوجب التعزير: وهي كل سرقة لم تكتمل فيها شروط إقامة الحد.
والسرقة التي عقوبتها الحد نوعان:
الأول: سرقة كبرى: وهي أخذ المال على سبيل المغالبة، وتسمى الحِرَابة، ويجب فيها قطع اليد والرجل من خِلَاف.
الثاني: سرقة صغرى: وهي السرقة التي يجب فيها قطع اليد، وهذه هي المقصودة في هذا الباب.
• صفة العمل مع المتهمين في السرقة:
المتهمون في السرقة أو غيرها ثلاثة أصناف:
الأول: معروف بالدين والورع، وليس من أهل التهم، فهذا يخلَّى سبيله.
الثاني: مجهول الحال، فهذا يحبس حتى ينكشف أمره.
الثالث: معروف بالفجور والفسق، فهذا يُمتحن بالضرب حتى يقر بالجناية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
• حكم السرقة:
السرقة محرمة، وهي من كبائر الذنوب؛ لأنها أكل لأموال الناس بالباطل، واعتداء على أموالهم بغير حق: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨].
стр. 6781
وَعَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ وَأعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا». متفق عليه (١).
وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ». متفق عليه (٢).
• حكمة مشروعية حد السرقة:
صان الله الأموال بإيجاب قطع يد السارق، فإن اليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره ليسلم الجسم.
وفي قطع يد السارق التي من شأنها أن تباشر السرقة عبرة لمن تحدثه نفسه بسرقة أموال الناس، وتطهير للسارق من ذنبه، وحفظ لأموال الأمة، وإرساء لقواعد الأمن والطمأنينة في المجتمع.
وقطع يد السارق كفيل بقطع دابر السرقة وتقليلها، وحفظ للسارق أن ينال كسبه من السحت الحرام، ورسالة مكشوفة تردع الصائل، وتكف الباغي.
والسارق هو الذي جلب الشر لنفسه، فقُطع لمصلحة نفسه، ومصلحة غيره: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨].
стр. 6782
• عقوبة السارق:
إذا ثبتت السرقة على أحد قُطعت يده اليمنى من مفصل الكف، فإن سرق ثانية قُطعت رجله اليسرى.
فإن سرق بعد ذلك فلا قطع، بل يكون التعزير والنكال بما يراه الحاكم رادعاً لعدوانه من حبسٍ، أو جلدٍ، أو بهما معاً.
والسارق آخذ مال غيره بغير حق، ولهذا لعنه الله، وتوعده بالنار يوم القيامة إن لم يتب، ويردّ ما أخذ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾: [المائدة: ٣٨ - ٣٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: -١٤].
وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ». متفق عليه (١).
• شروط إقامة حد السرقة:
يجب القطع في حد السرقة إذا توافرت الشروط الآتية:
الأول: أن يكون السارق بالغًا عاقلًا مختارًا مسلمًا كان أو كافرًا.
الثاني: أن يكون المسروق مالًا محترمًا، فلا قطع بسرقة آلة لهو أو خمر ونحوهما.
الثالث: أن يبلغ المال المسروق النصاب، وهو ربع دينار من الذهب فصاعدًا.
стр. 6783
الرابع: أن يأخذ المال على وجه الخفية، فإن لم يكن كذلك فلا قطع، كالاغتصاب والاختلاس والانتهاب ونحوها، وإنما فيها التعزير بما يراه الحاكم.
الخامس: أن يأخذ المال من حرزه كالدكان والدار ونحوهما.
السادس: انتفاء الشبهة، فلا قطع على الأب والأم والابن والبنت، ولا على من وجبت عليه نفقته، ولا على من سرق في المجاعة.
السابع: ثبوت السرقة، وتثبت السرقة بأحد أمرين:
الأول: الإقرار، بأن يقر السارق على نفسه بالسرقة.
الثاني: الشهادة، بأن يشهد عليه رجلان عدلان بأنه سرق ولا تقبل شهادة النساء في الحدود.
فإذا تمت هذه الشروط وجب القطع، وإن اختل شرط منها سقط القطع وللإمام التعزير بما يراه مناسبًا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨].
• من لا قطع عليه في السرقة:
الذين لا قطع عليهم في السرقة أصناف:
الأول: الأصول كالأب والأم، والفروع كالابن والبنت، لشبهة الإنفاق والتبسط.
الثاني: لا يقطع أحد الزوجين بسرقة من مال الآخر، لشبهة النفقة والتبسط.
الثالث: سرقة العبد من مال سيده، والسيد من مال مالكه، لشبهة النفقة والتبسط.
الرابع: السرقة من بيت المال، لشبهة حقه في بيت المال.
الخامس: الفقير إذا سرق من غلة وقف على الفقراء، لشبهة استحقاقه منها.
стр. 6784
السادس: السرقة من مال له فيه شراكة، لأن له نصيب فيه.
وللإمام أن يعزر من شاء بما يكف شر هذه الجريمة، ويردع السارق وغيره.
• مقدار نصاب السرقة:
نصاب السرقة الذي تقطع فيه اليد أقله ربع دينار من الذهب فصاعدًا أو عرض يساويه.
والدينار يساوي مثقال، والمثقال يساوي أربعة غرامات تقريبًا، فيكون ربع الدينار يساوي غرامًا واحدًا.
عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «تقطُّعُ اليدُ في ربعِ دينارٍ فصاعدًا». متفق عليه (١).
• حرز الأموال والأشياء:
حرز المال هو المكان الذي يحفظ فيه عادًة بقفل ونحوه.
والحرز يختلف باختلاف الأموال، والأشياء، والبلدان، وعدل السلطان وجوره، وقوته وضعفه.
وحرز الأموال والجواهر عادة في المصارف والدكاكين، والبيوت والصناديق ونحو ذلك مما جرى به العرف.
وحرز الأقمشة والأواني والآلات في الدكاكين والمستودعات والبيوت وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة.
وحرز ما يباع في السوق من الفواكه والخضار ونحوها وراء الشبك أو القماش إذا كان في السوق حارس.
وحرز الخشب والحطب في الحظائر والمستودعات.
стр. 6785
وحرز البهائم والمواشي والطيور في أماكن تربيتها في البيوت أو المشاريع، وحرزها في المرعى بالراعي المكلف بالنظر إليها غالبًا ونحو ذلك مما جرت به عادة الناس.
فمن سرق من هذه الحروز قطع، ومن سرق من غير حرز لم يقطع، ويعزر ويرد ما أخذ أو قيمته أو بدله.
• صفة حد السرقة:
حد السرقة حق خالص لله تعالى، فإذا ثبت الحد عند الحاكم فلا يجوز العفو عنه، ولا الإبراء منه، ولا الشفاعة فيه، لأنه حق لله، فيجب تنفيذه على من سرق: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾: [المائدة: ٣٨ - ٣٩].
وعن صفوان بن أمية ﵁ قال: كنتُ نائمًا في المسجدِ على خميصةٌ لي ثمنُها ثلاثينَ درْهمًا فجاءَ رجلٌ فاختلسَها منِّي، فأُخِذَ الرَّجلُ فأُتِيَ بِهِ الرسول ﷺ فأمرَ بِهِ ليُقطَعَ، فأتيتُهُ فقلتُ: أتقطعُهُ من أجلِ ثلاثينَ درْهمًا أنا أبيعُهُ وأنسئُهُ ثمنَها، قالَ: فَهلَّا كانَ قبلَ أن تأتيَني بِه». أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح (١).
• مكان القطع في حد السرقة:
مكان القطع في حد السرقة في اليد اليمنى إن وجدت، من مفصل الكف، من الكوع الذي يلي إبهام اليد، لأنها آلة الأخذ غالبًا.
وإن تكررت منه السرقة قُطع من مفصل القدم اليسرى، من مفصل العقب، ويبقى العقب، وهو العرقوب مؤخر القدم الذي تحت الكعب.
ولا يجوز أن يخدر مكان القطع، لأن تأديبه وإيلامه مطلوب.
стр. 6786
فإذا تم القطع وجب حسم مكان القطع، لئلا ينزف الدم فيموت، ويكون الحسم بما يوقف الدم بغمسه بزيت يغلي، أو جراحة، أو كيه بنار، ونحو ذلك مما يوقف نزيف الدم، ويجوز للإمام أن يعلق يده على صدره أو على خشبة تعزيرًا، حسب حجم السرقة وجناية السارق، وردعًا لغيره.
• ما يترتب على ثبوت السرقة:
يترتب على ثبوت السرقة ما يلي:
أولًا: رد المسروق إن وُجد، أو مثله إن فُقد، أو قيمته إن كان تالفًا.
ثانيًا: قطع اليد اليمنى من مفصل الكف وحسمها.
ثالثًا: إذا عاد السارق مرة أخرى قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم.
رابعًا: إن عاد مرة ثالثة حُبس وعزر ولا يقطع.
• حكم إعادة العضو المقطوع:
أولاً: يجوز إعادة العضو المقطوع في حدٍ أو قصاص بسبب خطأ في الحكم أو التنفيذ.
ثانيًا: لا يجوز شرعًا إعادة العضو المقطوع حدًا، لأن في بقايا أثر الحد تحقيقًا للعقوبة المقررة، وزجرًا عن الجريمة، وحذرًا من مصادمة حكم الشرع في الظاهر.
• حكم المال المسروق.
إذا كان المال المسروق موجودًا رده السارق لصاحبه، وإن كان تالفًا ضمن بدله، فإن لم يوجد ضمن قيمته فإن كان مُعسرًا فنظرة إلى ميسرة. وقطع اليد لا يمنع ضمان رد المسروق، لأن الضمان حق الآدمي، والقطع يجب لحق الله، فلا يمنع أحدهما الآخر كالدية والكفارة، وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه.
стр. 6787
٧ - الخزانة السابعة
• حد السرقة.
• ما يترتب على ثبوت السرقة:
يترتب على ثبوت السرقة ما يلي:
أولًا: السارق عليه حقان، حق خاص وهو رد المسروق إن وجد أو مثله أو قيمته إن كان تالفًا، وعليه حق عام، وهو حق الله تعالى، وهو قطع يده إن تمت الشروط، أو تعزيره إن لم تكتمل الشروط.
وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف، وحسمت بغمسها بزيت مغلي، أو بما يقطع الدم من الوسائل الطبية، ولا يجوز إعادة ما قطع من الأعضاء بحد أو قصاص، لأن النكال لا يتم إلا برؤية العضو المقطوع، ليحصل الردع والزجر له ولغيره مادام حيًا.
وتحرم الشفاعة في حد السرقة بعد بلوغ الحاكم، وإذا عاد السارق مرة أخرى قطعت رجله اليسرى من منتصف ظهر القدم، فإن عاد حُبس وعزر بما يراه الإمام رادعًا حتى يتوب، ولا يُقطع.
وتقطع يد الطرار، وهو الذي يبط الجيب أو غيره، ويأخذ منه المال خفية، إن بلغ ما أخذه نصابًا، لأنه سارق من حرز.
• حكم درء الحدود بالشبهات.
إذا اعترف السارق بالسرقة، ولم توجد معه فللقاضي التعريض له بالرجوع عن إقراره، فإن أصر ولم يرجع عن إقراره قطع، وإذا اعترف السارق بالسرقة ثم رجع فلا قطع؛ لأن الحدود تدرء بالشبهات والمقصود الردع لا القطع فقط.
стр. 6788
• حكم من سرق من بيت المال:
بيت مال المسلمين فيه حق لعموم المسلمين، والسرقة منه أعظم إثمًا من غيره، والسارق من بيت المال يعزر بما يراه الإمام، ويغرم غرامة مثلية، ولا يُقطع، لأنه له نصيبه منه، ومثله في الحكم من سرق من الغنيمة أو الخمس.
• حكم أخذ الثمر من ملك الغير:
أخذ الثمر من ملك الغير له ثلاث حالات:
الأولى: أن يمر الإنسان المحتاج بالثمر على رؤوس النخل، أو الثمر في الشجر أو ماشية فيها لبن، هذا له أن يأكل ويشرب بقدر حاجته فقط، بعد أن يستأذن صاحب المال، فإن لم يجده وأكل حاجته من غير أن يحمل شيئاً، فلا حرج عليه.
الثانية: أن يأخذ من ذلك، ويذهب به معه من دون، إذن فهذا محرم، لأنه أخذ مال غيره بدون إذن، فعليه غرامة بالمثل أو القيمة، وعليه التعزير بدون قطع، لأنه لم يأخذ مالًا من حرزه.
الثالثة: أن يأخذ الطعام من الجرين أو البيدر أو مستودع الطعام، فهذا إن بلغ ما أخذ نصابًا فعليه حد القطع، لأنه أخذ المال من حرزه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾: [المائدة: ٣٨].
• حكم الاشتراك في السرقة:
إذا اشترك جماعة في سرقة، فإن بلغ كل واحد منهم نصاب السرقة، فعلى كل واحد منهم القطع، وإن كان المسروق كله نصابًا، واشترك جماعة في سرقته فلا يقطع كل واحد منهم، لكن يعزرهم الحاكم، لأن كل واحد منهم لم يسرق نصابًا يوجب القطع.
стр. 6789
فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان ﷺ يقطُّعُ السارقِ في ربعِ دينارٍ فصاعدًا». متفق عليه (١).
• حكم السرقة من آلات الصرف الآلي.
مكان آلات الصرف الآلي التي وضعت لمصلحة الناس، وهى معدة لحفظ المال وصرفه، ومن سرق منها قطعت يده، سواء كانت داخل البنك أو في الميادين العامة، وذلك إذا اكتملت شروط القطع الأخرى، وكذا حكم من سرق من الحسابات المصرفية عن طريق الحاسب الآلي وتحويلها إلى حساب آخر، وإذا لم تتوافر شروط القطع عزره الإمام ردعًا له، وزجرًا لغيره.
• حكم السرقة من غير حرز:
السرقة من غير حرز سواء كانت مالًا أو عينًا لا قطع فيها، وإنما يعزر السارق، وتضاعف عليه القيمة، وما زاد على المسروق فلبيت المال.
عن عبد الله وعمرو بن العاص ﵁ عن الرسول ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: من أصاب بفِيه من ذِي حاجة غير مُتَّخِذٍ خُبْنَة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثلية والعقوبة، ومن سرقَ منهُ شيئًا بعد أن يُؤوِيهِ الجرينُ فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثله أو العقوبة». أخرجه أبو داود والنسائي بسند حسن (٢).
• حكم المال المسروق:
من تمام توبة السارق ضمان المسروق لربه إذا كان تالفاً، فإن كان موسراً دفعه لصاحبه، وإن كان معسراً فنظِرة إلى ميسرة، وإن كانت العين المسروقة
стр. 6790
موجودة بعينها فَرَدُّها لصاحبها شرط لصحة توبته، فإن على اليد ما أخَذَت حتى تؤديه.
• حكم من تاب قبل القدرة عليه:
من وجب عليه حد سرقة أو زنا أو غيرهما فتاب منه قبل ثبوته عند حاكم سقط عنه الحد، ولا يشرع له كشف نفسه بعد أن ستره الله، لكن عليه رد ما أخذ من مال لصاحبه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾: [المائدة: ٣٨ - ٣٩].
ولتوبة السارق ثلاث حالات:
الأولى: أن يتوب من عليه حد السرقة وغيرها قبل القدرة عليه، فهذا يسقط عنه الحد، ولا يشرع له كشف نفسه بعد أن ستره الله، لكن يجب عليه رد ما أخذ من مال، وضمانه إن كان تالفًا.
الثاني: أن يتوب بعد القدرة عليه، فهذا لا يسقط عنه الحد بالتوبة لأن الحد تجب إقامته بعد بلوغه الإمام.
الثالثة: أن يتوب بعد إقامة حد القطع عليه، فهذا من شرط صحة توبته رد ما سرق إن كان موجودًا، وضمانه لربه إن كان تالفًا، والله يقبل التوبة النصوح، لكن لا بد من إقامة الحدود إذا بلغت الحاكم، ورد ما أخذه لمالكه.
• حكم جاحد العارية:
العارية أن تعطي أحدًا شيئًا لينتفع به لمدة شهر أو سنة مثلًا، ثم يرده لك، والوديعة أن تعطي أحدًا مالًا ليحفظه لك مدة معلومة، وليست الخيانة في العارية كالخيانة في الوديعة، فيقطع جاحد العارية، لأنه قبضها لمصلحة
стр. 6791
نفسه، ولا يقطع جاحد الوديعة، لأنه قبضها لمصلحة مالكها، وإذا قطع جاحد العارية امتنع الناس من جحدها، وإذا لم تقطع تجرأ الناس على جحدها، وفي هذا سد لباب المعروف بين الناس.
عن عائشة ﵂ «أنَّ قريشًا أهمَّهم شأنُ المرأةِ المخزوميَّةِ التي سرقت، فقالوا: من يُكلِّمُ فيها رسولَ اللهِ ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئُ عليه إلا أسامةُ حِبُّ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ فكلَّمه أسامةُ. فقال رسول الله ﷺ : أتشفعُ في حدٍّ من حدودِ اللهِ؟ ثم قام فاختطب فقال: أيها الناس إنما أهلك الذين مَنْ قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفُ، تركوه. وإذا سرق فيهم الضعيفُ، أقاموا عليه الحدَّ. وأيم الله! لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت لقطعتُ يدَها». متفق عليه (١).
وعن عائشة ﵁ قالت: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا». أخرجه مسلم (٢).
• ما يسقط به حد السرقة بعد وجوبه:
يسقط حد السرقة بعد وجوبه بواحد مما يلي:
تكذيب المسروق منه السارق، تكذيب المسروق منه من شهد معه، رجوع السارق عن الإقرار بالسرقة، لأن الرجوع عن الإقرار يُقبل في الحدود، ولا يُقبل في المال، لأن الحد يسقط بالشبهة.
стр. 6792
القسم الرابع: حد قطاع الطريق
• قطاع الطريق هم الذين يعرضون للناس بالسلاح، ويقطعون الطريق عليهم جهرًا بنهب أو قتل.
وقطاع الطريق يُسمون محاربين، لأنهم محاربين للناس والدين، وقطاع الطريق هم كل من أشهر السلاح وأخاف الطريق وله قوة بنفسه أو بغيره.
وقطاع الطريق عصابات مختلفة، كعصابة القتل، وعصابة خطف الطائرات، وعصابة اللصوص التي تسطو على البيوت والمصارف والمتاجر والبنوك، وعصابة خطف البنات للفجور بهن، وعصابة خطف الأطفال لبيعهم أو فعل فاحشة بهم، وعصابة قتل الدواب والمواشي أو أخذها، وعصابة خطف الوجهاء والأغنياء.
فهؤلاء وأمثالهم يسمون قطاع الطريق، لإخافتهم الناس في طرقهم جهارًا بالسلاح، ويدخل في هؤلاء عصابة خطف الطائرات ونحوها.
والحرابة: هي التعرض للناس بالسلاح في الصحراء أو البنيان في البيوت أو وسائل النقل، لسفك دمائهم وانتهاك أعراضهم، وغصب أموالهم، ونحو ذلك من قطع الطريق.
ويدخل في حكم الحرابة كل ما يقع من ذلك في الطرق والمنازل والسيارات والقطارات والسفن والطائرات، سواء كانت تهديدًا بالسلاح، أو زرعًا لمتفجرات، أو نسفًا لمباني، أو حرقًا بالنار، أو أخذًا لرهائن ونحو ذلك.
والحرابة من أعظم الجرائم، ولذلك كانت عقوبتها من أقسى العقوبات التي تقطع دابرها، فقطاع الطريق هم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو البنيان، فيغصبونهم المال قهرًا مجاهرة لا سرقة ويسمون محاربين.
стр. 6793
• صفة قطاع الطريق:
أولًا: قطاع الطريق يشبهون البغاة، وقطاع الطريق محاربون بغير تأويل، والبغاة محاربون بتأويل.
ثانيًا: قاطع الطريق يشبه السارق، فقطع الطريق يشبه السرقة، فقطع الطريق أخذ المال جهرًا من الناس سرًا عن الإمام، ويسمى سرقة كبرى، لأن فيه ضرر على أصحاب الأموال والناس ولهذا فيه الحد الزاجر.
والسرقة أخذ المال خفية، وتسمى سرقة صغرى، لأن ضررها يخص أهل الأموال، ولهذا كانت عقوبتها أخف.
وقطع الطريق أخذ المال أو غيره جهرًا بتهديد، والسرقة أخذ المال خفية بلا تهديد.
• حكم قطع الطريق:
الحرابة هي التعرض للناس، وتهديدهم بالسلاح في الصحراء أو البنيان، في البيوت أو وسائل النقل، من أجل سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، أو غصب أموالهم ونحو ذلك.
ويدخل في حكم الحرابة كل ما يقع من ذلك في الطرق والمنازل، والسيارات والقطارات، والسفن والطائرات، سواء كان تهديدًا بالسلاح، أو زرعًا للمتفجرات، أو نسفًا للمباني، أو حرقًا بالنار، أو أخذًا لرهائن، كل ذلك محرم، ومن أعظم الجرائم، لما فيه من ترويع الناس، والاعتداء على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم بغير حق؛ ولهذا كانت عقوبة قطاع الطريق من أقسى العقوبات وهي: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ
стр. 6794
وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣].
وعن أنس ﵁ قال: قدِم على النبيِّ ﷺ نفَرٌ من عُكَلٍ، فأسلَموا، فاجتَوَوُا المدينةَ، فأمرَهم أن يأتوا إبلَ الصدقةِ، فيشرَبوا من أبوالِها وألبانِها، ففعَلوا فصَحُّوا، فارتَدُّوا وقتَلوا رُعاتَها، واستاقوا الإبلَ، فبعَث في آثارِهم، فأُتِي بهم، فقَطَّع أيديَهم وأرجلَهم، وسمَل أعينَهم، ثم لم يَحسِمْهم حتى ماتوا». متفق عليه (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من حَمَل علينا السّلاح فليس منَّا». متفق عليه (٢).
• شروط وجوب الحد على قطاع الطريقة:
يشترط لوجوب الحد على قطاع الطريق ما يلي:
أولًا: أن يكون قاطع الطريق بالغًا عاقلاً، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، ذكرًا أو أنثى.
ثانيًا: أن يكون المال المأخوذ محترمًا مملوكًا لغيره.
ثالثًا: أن يأخذ المال من حرز، قليلاً كان أو كثيرًا.
رابعًا: ثبوت قطع الطريق بإقرار أو شهادة رجلين عادلين.
خامسًا: انتفاء الشبهة كما ذكر في السرقة.
سادسًا: التهديد بالسلاح جهرًا في الصحراء أو العمران.
فإذا تمت هذه الشروط أقيم عليه حد الحرابة وإن اختل شرط منها عزره الإمام بما شاء مما يحقق المصلحة، ويدفع شرهم عن الناس.
стр. 6795
٨ - الخزانة الثامنة
• حد قطاع الطريق:
• عقوبة قطاع الطريق:
عقوبة قطاع الطريق لها أربع حالات:
الأولى: إذا قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا.
الثانية: إذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يُصلبوا.
الثالثة: إذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطع من كل واحد يده اليمنى من مفصل الكف، ورجله اليسرى من نصف ظهر القدم.
الرابعة: إذا لم يقتلوا ولم يأخذوا المال لكن أخافوا السبيل، فهؤلاء ينفون من الأرض، وللإمام أن يجتهد في شأنهم بما يراه رادعًا لهم ولغيرهم، قطعًا لدابر الشر والفساد عن المسلمين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤].
وعن أنس ﵁ قال: قدِم على النبيِّ ﷺ نفَرٌ من عُكَلٍ، فأسلَموا، فاجتَوَوُا المدينةَ، فأمرَهم أن يأتوا إبلَ الصدقةِ، فيشرَبوا من أبوالِها وألبانِها، ففعَلوا فصَحُّوا، فارتَدُّوا وقتَلوا رُعاتَها، واستاقوا الإبلَ، فبعَث في آثارِهم، فأُتِي بهم، فقَطَّع أيديَهم وأرجلَهم، وسمَل أعينَهم، ثم لم يَحسِمْهم حتى ماتوا». متفق عليه (١).