← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

نفسه، ولا يقطع جاحد الوديعة، لأنه قبضها لمصلحة مالكها، وإذا قطع جاحد العارية امتنع الناس من جحدها، وإذا لم تقطع تجرأ الناس على جحدها، وفي هذا سد لباب المعروف بين الناس. عن عائشة ﵂ «أنَّ قريشًا أهمَّهم شأنُ المرأةِ المخزوميَّةِ التي سرقت، فقالوا: من يُكلِّمُ فيها رسولَ اللهِ ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئُ عليه إلا أسامةُ حِبُّ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ فكلَّمه أسامةُ. فقال رسول الله ﷺ : أتشفعُ في حدٍّ من حدودِ اللهِ؟ ثم قام فاختطب فقال: أيها الناس إنما أهلك الذين مَنْ قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفُ، تركوه. وإذا سرق فيهم الضعيفُ، أقاموا عليه الحدَّ. وأيم الله! لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت لقطعتُ يدَها». متفق عليه (١). وعن عائشة ﵁ قالت: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا». أخرجه مسلم (٢). • ما يسقط به حد السرقة بعد وجوبه: يسقط حد السرقة بعد وجوبه بواحد مما يلي: تكذيب المسروق منه السارق، تكذيب المسروق منه من شهد معه، رجوع السارق عن الإقرار بالسرقة، لأن الرجوع عن الإقرار يُقبل في الحدود، ولا يُقبل في المال، لأن الحد يسقط بالشبهة.

стр. 6792

القسم الرابع: حد قطاع الطريق • قطاع الطريق هم الذين يعرضون للناس بالسلاح، ويقطعون الطريق عليهم جهرًا بنهب أو قتل. وقطاع الطريق يُسمون محاربين، لأنهم محاربين للناس والدين، وقطاع الطريق هم كل من أشهر السلاح وأخاف الطريق وله قوة بنفسه أو بغيره. وقطاع الطريق عصابات مختلفة، كعصابة القتل، وعصابة خطف الطائرات، وعصابة اللصوص التي تسطو على البيوت والمصارف والمتاجر والبنوك، وعصابة خطف البنات للفجور بهن، وعصابة خطف الأطفال لبيعهم أو فعل فاحشة بهم، وعصابة قتل الدواب والمواشي أو أخذها، وعصابة خطف الوجهاء والأغنياء. فهؤلاء وأمثالهم يسمون قطاع الطريق، لإخافتهم الناس في طرقهم جهارًا بالسلاح، ويدخل في هؤلاء عصابة خطف الطائرات ونحوها. والحرابة: هي التعرض للناس بالسلاح في الصحراء أو البنيان في البيوت أو وسائل النقل، لسفك دمائهم وانتهاك أعراضهم، وغصب أموالهم، ونحو ذلك من قطع الطريق. ويدخل في حكم الحرابة كل ما يقع من ذلك في الطرق والمنازل والسيارات والقطارات والسفن والطائرات، سواء كانت تهديدًا بالسلاح، أو زرعًا لمتفجرات، أو نسفًا لمباني، أو حرقًا بالنار، أو أخذًا لرهائن ونحو ذلك. والحرابة من أعظم الجرائم، ولذلك كانت عقوبتها من أقسى العقوبات التي تقطع دابرها، فقطاع الطريق هم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو البنيان، فيغصبونهم المال قهرًا مجاهرة لا سرقة ويسمون محاربين.

стр. 6793

• صفة قطاع الطريق: أولًا: قطاع الطريق يشبهون البغاة، وقطاع الطريق محاربون بغير تأويل، والبغاة محاربون بتأويل. ثانيًا: قاطع الطريق يشبه السارق، فقطع الطريق يشبه السرقة، فقطع الطريق أخذ المال جهرًا من الناس سرًا عن الإمام، ويسمى سرقة كبرى، لأن فيه ضرر على أصحاب الأموال والناس ولهذا فيه الحد الزاجر. والسرقة أخذ المال خفية، وتسمى سرقة صغرى، لأن ضررها يخص أهل الأموال، ولهذا كانت عقوبتها أخف. وقطع الطريق أخذ المال أو غيره جهرًا بتهديد، والسرقة أخذ المال خفية بلا تهديد. • حكم قطع الطريق: الحرابة هي التعرض للناس، وتهديدهم بالسلاح في الصحراء أو البنيان، في البيوت أو وسائل النقل، من أجل سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، أو غصب أموالهم ونحو ذلك. ويدخل في حكم الحرابة كل ما يقع من ذلك في الطرق والمنازل، والسيارات والقطارات، والسفن والطائرات، سواء كان تهديدًا بالسلاح، أو زرعًا للمتفجرات، أو نسفًا للمباني، أو حرقًا بالنار، أو أخذًا لرهائن، كل ذلك محرم، ومن أعظم الجرائم، لما فيه من ترويع الناس، والاعتداء على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم بغير حق؛ ولهذا كانت عقوبة قطاع الطريق من أقسى العقوبات وهي: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ

стр. 6794

وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣]. وعن أنس ﵁ قال: قدِم على النبيِّ ﷺ نفَرٌ من عُكَلٍ، فأسلَموا، فاجتَوَوُا المدينةَ، فأمرَهم أن يأتوا إبلَ الصدقةِ، فيشرَبوا من أبوالِها وألبانِها، ففعَلوا فصَحُّوا، فارتَدُّوا وقتَلوا رُعاتَها، واستاقوا الإبلَ، فبعَث في آثارِهم، فأُتِي بهم، فقَطَّع أيديَهم وأرجلَهم، وسمَل أعينَهم، ثم لم يَحسِمْهم حتى ماتوا». متفق عليه (١). وعن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من حَمَل علينا السّلاح فليس منَّا». متفق عليه (٢). • شروط وجوب الحد على قطاع الطريقة: يشترط لوجوب الحد على قطاع الطريق ما يلي: أولًا: أن يكون قاطع الطريق بالغًا عاقلاً، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، ذكرًا أو أنثى. ثانيًا: أن يكون المال المأخوذ محترمًا مملوكًا لغيره. ثالثًا: أن يأخذ المال من حرز، قليلاً كان أو كثيرًا. رابعًا: ثبوت قطع الطريق بإقرار أو شهادة رجلين عادلين. خامسًا: انتفاء الشبهة كما ذكر في السرقة. سادسًا: التهديد بالسلاح جهرًا في الصحراء أو العمران. فإذا تمت هذه الشروط أقيم عليه حد الحرابة وإن اختل شرط منها عزره الإمام بما شاء مما يحقق المصلحة، ويدفع شرهم عن الناس.

стр. 6795

٨ - الخزانة الثامنة • حد قطاع الطريق: • عقوبة قطاع الطريق: عقوبة قطاع الطريق لها أربع حالات: الأولى: إذا قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا. الثانية: إذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يُصلبوا. الثالثة: إذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطع من كل واحد يده اليمنى من مفصل الكف، ورجله اليسرى من نصف ظهر القدم. الرابعة: إذا لم يقتلوا ولم يأخذوا المال لكن أخافوا السبيل، فهؤلاء ينفون من الأرض، وللإمام أن يجتهد في شأنهم بما يراه رادعًا لهم ولغيرهم، قطعًا لدابر الشر والفساد عن المسلمين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. وعن أنس ﵁ قال: قدِم على النبيِّ ﷺ نفَرٌ من عُكَلٍ، فأسلَموا، فاجتَوَوُا المدينةَ، فأمرَهم أن يأتوا إبلَ الصدقةِ، فيشرَبوا من أبوالِها وألبانِها، ففعَلوا فصَحُّوا، فارتَدُّوا وقتَلوا رُعاتَها، واستاقوا الإبلَ، فبعَث في آثارِهم، فأُتِي بهم، فقَطَّع أيديَهم وأرجلَهم، وسمَل أعينَهم، ثم لم يَحسِمْهم حتى ماتوا». متفق عليه (١).

стр. 6796

• ما يُفعل بقطاع الطريق بعد القتل: إذا جمع قطاع الطريق بين القتل وأخذ المال قُتلوا ثم صُلبوا على جدار أو عمود، وللإمام إن رأى المصلحة صلب وقطع قاطع الطريق، ثم قتله، وهو مصلوب. وكيفية الصلب أن يُعلق الجاني، وتُربط يديه بالعمود من أعلى، ويترك بقدر ما يشتهر أمره، والقتل يكون بالسيف ونحوه مما يُسرع في إزهاق الروح. وقطاع الطريق إذا قتلوا يُغسلون ويكفنون ويصلى عليهم ويدفنون مع المسلمين لأنهم مسلمين، أما الكافر فلا يُغسل ولا يصلى عليه فيوارى بثيابه في حفرة من الأرض. • كيفية نفي قطاع الطريق. قطاع الطريق إذا أخافوا الناس ولم يقتلوا ولم يأخذوا المال فإنهم ينفون من الأرض اتقاءً لشرهم حتى تظهر توبتهم، فإن لم يندفع شرهم حبسهم الإمام، لأن هذا أقرب إلى دفع شرهم، لأن الحبس هو سجن الدنيا والمسجون ليس في الدنيا مع الناس، وليس في الآخرة مع الأموات، فهو منفي من الأرض. • حكم حد قطاع الطريق. حد قطاع الطريق من حقوق الله الخالصة له، فإذا بلغ الحاكم أمرهم وجب تنفيذ الحد فيهم، ولا يجوز العفو عنهم ولا الإبراء ولا الصلح ولا الشفاعة لإسقاط الحد عنهم، وما أخذوه من المال إن كان موجودًا رد إلى مالكه، وإن كان مفقودًا رد مثله، فإن لم يوجد مثله رد قيمته إن كان موسرًا، فإن كان معسرًا فنظرة إلى ميسرة؛ لأن الحد والغرم حقان واجبان؛ الحد لله، والغرم

стр. 6797

للآدمي، فيجب أداؤهما معًا كالصيد المملوك في الحرم، يجب فيه الجزاء للفقراء، والقيمة لمالكه. • حكم توبة قطاع الطريق. أولاً: التوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، فمن تاب من قطاع الطريق قبل القدرة عليه فإن الله يغفر له ما قد سلف، ويسقط عنه ما وجب لله من نفي وقطع وصلب وتحتم مثل، ويؤخذ بما للآدميين من قتل نفس أو قطع طرف أو أخذ مال إلا أن يُعفى له عنها، لأن هذا من باب القصاص لا من باب الحرابة، وللمجني عليه حق في القصاص أو الدية أو العفو. ثانيًا: إن قُبض على قطاع الطريق قبل التوبة أُقيم عليهم حد قطاع الطريق، ووجب عليهم رد ما أخذوه لمالكه، لئلا تتخذ التوبة ذريعة لتعطيل حدود الله، ولأن توبتهم بعد القدرة عليهم خوفًا من النكال والعقوبة، فلهذا لا تُقبل توبتهم. ثالثًا: فأما الكافر فتُقبل توبته وإسلامه ولو بعد القدرة عليه، فيرفع عنه القتل ويلزمه رد ما أخذه من غيره من مال. رابعًا: جميع الحدود إذا تاب الإنسان منها قبل القدرة عليه سقطت عنه، لأن جميع حقوق الله مبنية على العفو والمسامحة فتسقط بالتوبة ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. فإن طالب الجاني بإقامتها عليه، فللإمام أن يُقيمها عليه، وإن رجع عن طلب الإقامة بالقول أو الفعل ارتفعت عنه العقوبة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ

стр. 6798

خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾: [الأنفال: ٣٨]. وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: بعثنا رسولُ اللهِ ﷺ إلى الحُرَقَةِ فصبَّحْنا القومَ فهزَمْناهم ولَحِقْتُ أنا ورجلٌ مِنْ الأنصارِ رجلًا منهم. فلما غَشِيناه قال: لا إله إلا الله، فكفَّ الأنصاريُّ عنه، فطَعَنْتُه برُمحي حتى قتَلْتُه، فلما قَدِمنا بلغَ ذلك النبيَّ ﷺ ، فقال: يا أسامةُ، أَقتَلْتَه بعدَ ما قال: لا إله إلا الله! قلتُ كان مُتَعَوِّذًا. فما زالَ يُكرِّرُها، حتى تمنَّيتُ أني لم أكنْ أسلَمتُ قبلَ ذلك اليومِ». متفق عليه (١). • صفة توبة قطاع الطريق: تقوم توبة قطاع الطريق على أمرين: الأول: أن يتوبوا توبة نصوحًا فيما بينهم وبين الله ، بأن تكون توبتهم خالصة لله تعالى، وأن يندم الواحد منهم على ما فعل، ويقلع عن الذنب بتركه، ورد ما أخذ لصاحبه واستحلاله، والعزم على ألا يعود إلى ذلك الذنب، وأن تكون التوبة قبل حلول الأجل، وقبل طلوع الشمس من مغربها. هذه الخمسة شروط هي شروط التوبة النصوح. ثانيًا: أن يُلقي قطاع الطريق السلاح، ويجيئوا إلى الإمام تائبين نادمين، إما جميعًا أو يرسلوا رسولاً منهم معه تعهد منهم بتوبتهم وندمهم على ما فعلوا: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ

стр. 6799

لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٧ - ١٨]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. • ما يسقط به حد قطاع الطريق: يسقط حد قطاع الطريق بعد وجوبه بواحد مما يلي: الأول: تكذيب المقطوع عليه القاطع بإقراره. ثانيًا: رجوع القاطع عن إقراره. ثالثًا: تكذيب المقطوع عليه البينة. رابعًا: توبة القاطع قبل القدرة عليه. • ما يترتب على سقوط الحد: إذا سقط حد قطاع الطريق بتوبة أو فوات شرط، فإن كان ما أخذوه من مال موجودًا وجب رده إلى صاحبه، وإن كان تالفًا وجب ضمانه، وإن قتلوا أحدًا بسلاح وجب القصاص إلا أن يعفو أولياء القتيل أو يأخذوا الدية، وإن جرحوا وجب القصاص في الطرف إلا أن يعفو المجني عليه، أو يأخذ الدية. • حكم توبة الزنديق: الزنديق هو من يُظهر الإسلام، ويُبطن الكفر، والزنديق محارب لله ورسوله ودينه، ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه، فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان، وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان، لأنه منافق.

стр. 6800

فإذا تاب الزنديق قبل القدرة عليه فتقبل توبته، ويحقن دمه، وأما بعد القدرة عليه فلا تقبل توبته، بل يُقتل حدًا من غير استتابة إلا إن علمنا صدق توبته، فتقبل توبته ولا نقتله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦]. • حكم الصائل: الصائل: هو من وثب على غيره واستطال عليه بغير حق في نفسه أو عرضه أو ماله، والصائل معتد على غيره بغير حق، والاعتداء على الغير بغير حق محرم، فيجب دفع الصائل حفظًا للنفوس من الهلاك، والأعراض من الانتهاك، والأموال من التلف: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. • كيفية دفع الصائل: من صال على نفسه أو أهله أو ماله آدمي أو بهيمة دفعه بأسهل ما يغلب على الظن اندفاعه به، فإن كان يندفع بالتهديد هدده، وإن لم يندفع إلا بالضرب باليد فليضربه، وإن لم يندفع إلا بالضرب بالعصا فليضربه بالعصا، يضربه بالأسهل فالأسهل، وإن لم يندفع إلا بالقتل فليقتله، ولا ضمان عليه، فإنه عدو له بذلك.

стр. 6801

وكل ما ترتب على المأذون فليس بمضمون وإن كان يمكنه دفعه بلا قتل فقتله فإنه يضمنه، لأنه دفعه بأكثر مما يجب، وكذلك يجب دفع الصائل على غيره مع ظن السلامة. عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ . فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ! أرأيتَ إن جاءَ رجلٌ يريدُ أخذَ مالي؟ قالَ: فلا تُعطِهِ مالَكَ قالَ: أرأيتَ إن قاتَلَني قالَ: قاتِلهُ قالَ: أرأيتَ إن قتَلَني قالَ: فأنتَ شهيدٌ قالَ: أرأيتَ إن قَتلتُهُ؟ قالَ: هوَ في النَّارِ». أخرجه مسلم (١). وعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ». أخرجه البخاري (٢). • حكم قتل الصائل: إذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل فللمجني عليه قتله، فإن طالب أولياء المقتول بالقصاص نظرنا في الأمر. فإن كان المقتول معروفًا بالشر والفساد والقاتل معروف بالخير والصلاح، فالقول قول القاتل، ولا ضمان عليه، ولكن لا بد أن يحلف، لأن اليمين تكون بجانب أقوى المدعين، ولا يصلح أمر الناس إلا بهذا الأمر، لأن إقامة البينة متعسر بل متعذر. وأما إذا كان المصول عليه غير معروف بالصلاح فقتله فعليه القصاص إن لم تكن بينه على أن المقتول صال عليه.

стр. 6802

أما البهيمة كجمل أو أسد أو ذئب فإذا صال عليه ولم يندفع إلا بالقتل فله القتل، ولا ضمان عليه؛ لأن الصائل المؤذي لا حرمة له. والمؤذي إن كانت طبيعته الأذى قُتل وإن لم يصل كالحية والأسد، وإن لم تكن طبيعته الأذى قُتل حال أذيته كالجمل والفرس ونحوهما ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. ومن صال على نفسه أو أهله أو مال آدمي أو بهيمة دفعه بالأسهل مما يغلب على ظنه، فإن لم يندفع فلا يخلو الصائل من إحدى ثلاث حالات: الأولى: أن يريد الصائل المال، فهذا يجوز أن يعطيه المال ولا يقاتله، وله أن يقاتله ولا يعطيه المال. الثانية: أن يريد الصائل انتهاك الحرمة كالزنا، فهذا لا يجوز تمكينه، بل يجب دفعه بما يمكن ولو بالقتل. الثالثة: أن يريد الصائل قتل النفس، فيجب على المعتدى عليه الدفاع عن نفسه إلا في الفتنة فيجوز ألا يدافع. عن سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فهوَ شَهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهلِهِ فهوَ شَهيدٌ». أخرجه أبو داود والترمذي بسند صحيح (١).

стр. 6803

القسم الخامس: حد أهل البغي البغاة هم قومٌ لهم شوكة، ومنعة، يخرجون على إمام المسلمين، بتأويل سائغ، ويشقون عصا الطاعة له. • أصناف البغاة. البغاة هم كل طائفة منعت الحق الذي عليها، أو تميزت عن إمام المسلمين بحال أو مكان، أو خلعت الطاعة، أو خرجت عليه تريد خلعه، ولهم شوكةٌ، ومنعة، فهؤلاء وأمثالهم بغاة ظلمة. والخارجون عن طاعة إمام المسلمين ثلاثة أصناف: ١ - إما أن يكونوا قطاع طريق. ٢ - أو يكونوا بغاة. ٣ - أو يكونوا خوارج. فهؤلاء من مات منهم فحكمه حكم عصاة الموحدين. • صفة الخوارج: الخوارج: قومٌ خرجوا على الإمام علي ﵁، واستحلوا دمه، ودماء المسلمين، وأموالهم، وسبي نسائهم، وكفروا أصحاب رسول الله ﷺ ، وهؤلاء يُكفرون مرتكبي الكبيرة، ويرون أنه مخلدٌ في النار، ويُسموْن الحرورية، وقد ظهروا بالعراق، وكانوا متشددين في الدين، فقاتلهم الإمام علي ﵁. عن عَلِيٌّ ﵁ قال: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَقُولَ عَلَيّه مَا لَمْ يَقُلْ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ».

стр. 6804

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ». متفقٌ عليه (١). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ أنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي القِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الفُوقِ». متفقٌ عليه (٢). • حكم الخروج على إمام المسلمين: نصب الإمام من أعظم واجبات الدين، وبوجوده يتحقق الأمن، وتأمن السُبل، ويطمئن الناس على أنفسهم، وعلى أموالهم، وعلى أعراضهم، وتحرم معصيته، والخروج عليه ولو جار، ما لم يرتكب كفرًا فيه برهان، سواءً ثبتت إمامته بإجماع المسلمين أو بعهد من الإمام الذي قبله، أو باجتهاد أهل الحل والعقد، أو بقهره للناس حتى أذعنوا له، ودعوه إماماً، ولا يُعزل بفسقه حتى يرتكب كفرًا بواحًا عندنا من الله فيه برهان، ومن خرج عليه فيجب قتاله.

стр. 6805

عن عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ». أخرجه مسلم (١). • ما يجب على إمام المسلمين: إمام المسلمين يجب أن يكون رجلًا مسلمًا، ويلزم الإمام الحكم بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وحفظ الدين، وتنفيذ أحكام الله، وإقامة الحدود، وجباية الصدقات، والحكم بالعدل، وحماية بلاد الإسلام، وتحصين الثغور، وجهاد الأعداء، وتعليم أحكام الإسلام، والدعوة إلى الله، ونشر الإسلام، والنُصح للرعية، والرفق بهم، وعدم غشهم: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. وعن معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». متفقٌ عليه (٢). وعن معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ». متفقٌ عليه (٣). • ما يجب على الأمة: يجب على الأمة أن تطيع إمام المسلمين في غير معصية الله، ولا تنزع يدًا من طاعة، وتناصحه بالمعروف، وتصبر على جوره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 6806

أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وعن بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». متفقٌ عليه (١). وعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا لِمَنْ؟، قال: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (٢). • موانع التكفير: لا يجوز لأحدٍ أن يكفر أحدًا قام به مانعٌ من موانع التكفير. وموانع التكفير أربعة وهي: أولاً: الجهل كحديث عهدٍ بالإسلام، أو كان في مكان يُعذر فيه كبعض الأماكن النائية في البر والبحر. ثانيًا: الخطأ، كمن حكم بغير ما أنزل الله وهو لا يدري، أو فعل شيئاً من الشرك أو المحرمات يظنه جائزًا، فهذا مُخطئ لا يُكفر حتى تُقام عليه الحُجة، ويصر على فعله. ثالثاً: التأويل المعتبر، وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى ما يخالفه بدليلٍ منفصل عنه، وهو كل ما كان مبنيًا على شبهة، وخلصت نية صاحبه لله . رابعًا: الإكراه، فمن أُكره على الكفر بأن ضُرب، وعُذب؛ ليرتد عن الإسلام أو يسب الإسلام، فهذا لا يكفر إذا فعل ذلك؛ لأنه مكره: ﴿رَبَّنَا لَا

стр. 6807

تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].، فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ». أخرجه مسلم (١). وقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]. • كيفية معاملة البغاة: أولًا: إذا لم يكن للبغاة منعة، فللإمام أن يأخذهم ويحبسهم حتى يتوبوا. ثانيًا: إن تأهب البغاة للقتال، وكان لهم شوكة ومنعة، فعلى الإمام أن يراسلهم ويسألهم ما ينقمون منه، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن إدعوا شبهةً كشفها، وإن طالبوا بحقٍ أعطاهم إياه. ثالثًا: ثم يدعوهم إلى التزام الطاعة، ولزوم جماعة المسلمين، فإن رجعوا وتابوا فقد انتهى الأمر. رابعًا: إن لم يرجعوا وعظهم وخوفهم القتال، فإن أصروا استعان بالله وقاتلهم، وعلى الرعية أن يعينوا الإمام عليهم، حتى يندفع شرهم، وتطفأ فتنتهم بين المسلمين. خامسًا: إذا قاتلهم الإمام فلا يقتلهم بما يعم كالقذائف المدمرة، والقنابل المحرقة، ولا يجوز قتل مدبرهم وذريتهم، ومن ترك القتال منهم، ولا الإجهاز على جريحهم، ومن أُسر منهم حُبسَ حتى تخمد الفتنة، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، لأنهم مسلمون. سادسًا: بعد انقضاء القتال، وخمود الفتنة، ما تلف من أموالهم حال الحرب فهو هدر، ومن قتل منهم فهو غير مضمون، وهم لا يضمنون أنفسًا

стр. 6808

ولا أموالًا تلفت حال الحرب: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ [الأعراف: ١٥٣]. • ما يجب فعله عند اقتتال طائفتين من المؤمنين: إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين لعصبية أو رئاسة فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى. ولا تكفران بهذا القتال؛ لأن قتال المؤمن أو قتله ليس كفرًا مخرجًا من الملة، ويجب الإصلاح بينهم؛ حقنًا لدمائهم، وحفظًا لأموالهم وذريتهم، مع مراعاة العدل والإحسان في الصلح. فإن لم يستجيبوا قاتل الإمام الباغية منهم حتى تفيء إلى أمر الله؛ قطعاً لدابر الشر، وإخمادًا لنار الفتنة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩]. وَعَنْ عَرْفَجَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ، عَلَىَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ». أخرجه مسلم (١). • الحكم إذا لم يستجب الإمام لمطالب البغاة: للبغاة مع الإمام ثلاث حالات: الأولى: أن يكف البغاة عن القتال إذا بيَّن لهم الإمام الأمر، فنكف عنهم. الثانية: أن يستمروا في القتال والخروج بعد بيان الأمر لهم. فهؤلاء يجب قتالهم؛ لإخماد فتنتهم. الثالثة: إذا لم يكشف لهم الإمام الشبهة، ولم يُزل المظلمة، فليس لهم الخروج عليه، ولا يجوز لهم قتاله، وعليهم أن يصبروا.

стр. 6809

عن حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمَانِ ﵁ قالَ: «قُلتُ: يَا رَسُولَ الله إِنّا كُنّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الخَيْر شَرّ؟ قَالَ: نَعَمْ" قُلتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشّرّ خَيْرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الخَيْرِ شَرّ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: يَكُونُ بَعْدِي أَئِمّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنّونَ بِسُنّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إنْسٍ قَالَ قُلتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطعْ». أخرجه مسلم (١). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أمِيرِهِ شَيْئًا فَليَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». متفق عليه (٢). • الفرق بين البغاة والمحاربين: أولًا: المحارب أو قاطع الطريق يخرج فسقًا وعصيانًا على غير تأويل، بل فسادًا في الأرض. أما الباغي فهو الذي يحارب على تأويل، فيَقتل ويأخذ المال. ثانيًا: إذا أُخذ قاطع الطريق ولم يتب، فإنه يقام عليه حد الحرابة، ويَرد ما أَخذ من مال. أما الباغي إذا أُخذ ولم يتب، فلا يقام عليه حد الحرابة، ولا يؤخذ منه ما أَخذ من مال إلا إن كان موجودًا بعينه فيرده إلى صاحبه. ثالثًا: البغاة جماعة لهم شوكة ومنعة، وأما قطاع الطريق فليس لهم شوكة فقد يكونوا واحدًا أو أكثر.

стр. 6810

• الفرق بين قتال البغاة وقتال المشركين: أن يقصد الإمام بقتال البغاة ردعهم لا قتلهم، ويكف عن مُدْبرهم، ولا يُجْهز على جريحهم، ولا يقتل أسراهم، ولا يَغْنم أموالهم، ولا تُسْبى ذراريهم، ولا يُقذفون بما يهلكهم، ولا تُحرق بيوتهم ومزارعهم إلا إن فعلوا ذلك بالمسلمين. أما المشركين فللإمام أن يقاتلهم بمثل ما قاتلوه به؛ لأن البغاة مسلمون بخلاف الكفار: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. • حكم الصلاة على مَنْ قُتِلَ من البغاة: البغاة من المسلمين خرجوا على الإمام بتأويل سائغ، فمن قُتل منهم فهو مسلم، يغسّل، ويكفّن، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين. • توبة من ارتكب جريمة توجب حدًا: من ارتكب جرمًا يوجب حدًا، ثم تاب بعد القدرة عليه، فهذه التوبة لا تُسقط الحد عنه. وإن كانت توبة مرتكب الجريمة الحدِّيَّة قبل القدرة عليه، فتُقبل توبته، وتُسْقِط عنه الحد، رحمة من رب العالمين برفع العقاب عن المذنبين التائبين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ [الأعراف: ١٥٣].

стр. 6811

٩ - الخزانة التاسعة التعزير التعزير هو عقوبة غير مقدرة على معاصٍ لا حد فيها ولا قصاص ولا كفارة. • أقسام العقوبات: العقوبات على المعاصي ثلاثة أنواع: الأول: ما فيه حدٌ مقدر كالزنا، والسرقة، والقتل عمدًا، هذا لا كفارة فيه ولا تعزير؛ بل فيه الحد أو القصاص. الثاني: ما فيه كفارة ولا حد فيه كالجماع في نهار رمضان، وقتل الخطأ وشبه العمد، فهذا فيه الكفارة والدية. الثالث: ما ليس فيه حد ولا كفارة كالخمر والمخدرات ونحوها من المعاصي والمنكرات، هذا فيه التعزير بما يراه الحاكم رادعًا للمجرم وغيره، وقاطعًا لدابر الشر والفساد عن الأمة. • حكمة مشروعية التعزير: شرع الله عقوبات مقدرة لا يزاد عليها ولا ينقص منها على الجرائم المخلة بمقومات الأمة من حفظ الدين، والنفس، والمال، والعرض، والعقل، وشرع لذلك حدودًا زاجرة، وهي من أعظم أسباب الأمن، ولا يمكن للأمة أن تعيش إلا بالمحافظة عليها بإقامة الحدود. ولهذه الحدود شروط وضوابط، قد لا يثبت بعضها، فتتحول العقوبة من عقوبة محددة إلى عقوبة غير محددة يراها الإمام بما يحقق المصلحة ويدفع المفسدة، وهي التعزير.

стр. 6812

• حكم التعزير: التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، سواء كانت فعلًا للمحرمات كاستمتاع لا حد فيه، أو سرقة لا قطع فيها، أو جناية لا قود فيها، وإتيان المرأة للمرأة، والقذف بغير الزنا ونحوها. أو كانت المعصية تركًا للواجبات مع قدرته عليها كقضاء الديون، وأداء الأمانات والودائع، ورد المغصوب والمظالم ونحو ذلك، كالتهاون في أداء الصلاة والصوم ونحوها من الواجبات الشرعية: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ [الأعراف: ١٥٣]. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مُرُوا أولادَكم بالصلاة وهم أَبناءُ سبع، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشْر، وفرِّقُوا بينهم في المضاجع». أخرجه أبو داود وأحمد بسندٍ صحيح (١). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ضَالَّةُ الْإِبِلِ الْمَكْتُومَةُ غَرَامَتُهَا وَمِثْلُهَا مَعَهَا». أخرجه أبو داود بسندٍ صحيح (٢). وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، «أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ

стр. 6813

يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤] .. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذَا؟ قَالَ: لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِم». متفقٌ عليه (١). ومن ارتكب معصية لا حد فيها، ثم جاء تائبًا نادمًا فإنه يستر عليه ولا يعزر: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾: [المائدة: ٣٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾ [هود: ١١٥ - ١١٤]. • أقسام التعزير: ينقسم التعزير إلى قسمين: الأول: تعزير من أجل التأديب والتربية كتأديب الوالد لولده، والزوج لزوجته، والسيد لخادمه، في غير معصية، وهذا مشروعٌ لما فيه من المصالح، فهذا لا يجوز أن يزيد فيه على عشرة أسواط لقول النبي ﷺ : «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ». أخرجه البخاري (٢). الثاني: التعزير على المعاصي، فهذا تجوز فيه الزيادة للحاكم بحسب المصلحة والحاجة، وحجم المعصية، وكثرتها وقلتها، وليس لها حد معين، لكن إن كانت المعصية في عقوبتها مقدرة من الشارع كالزنا والسرقة ونحوها، فلا يبلغ بالتعزير الحد المقدر له.

стр. 6814

• أنواع التعزير: التعزير مجموعة من العقوبات تبدأ بالنصح والوعظ، والهجر، والتوبيخ، والتهديد، والإنذار، والعزل عن الولاية ونحو ذلك، وتنتهي بأشد العقوبات كالحبس والجلد، وقد تصل إلى القتل تعزيرًا إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك كقتل الجاسوس، والمبتدع، وصاحب الجرائم الخطيرة كمروج المخدرات وغيره. وقد يكون التعزير بالتشهير، أو الغرامة المالية، أو النفي ونحو ذلك مما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة. • مقدار عقوبة التعزير: عقوبة التعزير غير مقدرة، وللحاكم اختيار العقوبة التي تلاءم الجاني، وتحمي الأمة من شره، بشرط ألّا تخرج عما أمر الله به، أو نهى الله عنه، وذلك يختلف باختلاف الأماكن، والأزمان، والأشخاص، والمعاصي، والأحوال، والجرائم: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. • شروط وجوب التعزير: من ارتكب جناية ليس لها حد مقدر في الشرع فيعزر، ويشترط العقل فقط لوجوب التعزير، فيعزر كل إنسان عاقل ذكرًا كان أو أنثى، مسلمًا كان أو كافرًا، بالغًا أو صبيًا عاقلًا، لأن هؤلاء غير الصبي من أهل العقوبة، أما الصبي فيعزر تأديبًا لا عقوبةً بما يصلحه. فكل من ارتكب منكرًا أو أذى غيره بغير حق بقول أو فعل أو إشارة، فللإمام تعزيره بما يصلحه، ويردع غيره.

стр. 6815

• صفة التعزير: التعزير حقٌ واجب لله تعالى إذا رآه الإمام، لأنه زجرٌ عن المعاصي، فإن تعلق به حق لآدمي وجب على الإمام إقامته، لأن حقوق العباد ليس للحاكم إسقاطها إلا عند العفو. وإن كان حقًا لله تعالى فهو موكولٌ إلى اجتهاد الإمام، إن ظهرت له المصلحة أقامه، وإن ظهر له عدم المصلحة تركه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وعن أنس ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ: وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ. قَالَ: هَلْ حَضَرْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ غُفِر لَك». تفقٌ عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ». متفقٌ عليه (٢). • أنواع العقوبات التعزيرية: التعزير عقوبة تختلف باختلاف الناس، واختلاف المعصية، واختلاف الزمان، واختلاف المكان.

стр. 6816

والعقوبات التعزيرية أنواع منها: الأول: ما يتعلق بالجاه كالتوبيخ، والتشهير، والعزل عن المنصب. الثاني: ما يتعلق بتقييد الإرادة كالحبس والنفي. الثالث: ما يتعلق بالأموال كالإتلاف والغرامة ومنع التصرف. الرابع: ما يتعلق بالأبدان كالقيد والجلد والقتل. الخامس: ما يتعلق بالأبدان والأموال كجلد السارق من غير حرز، مع إضعاف الغُرْم عليه. والتعزير يكون بحسب المصلحة، وعلى قدر الجريمة، ولكل شخص تعزير يؤدبه ويردعه. ويجوز التعزير بالقتل إذا لم تندفع المفسدة إلا به، مثل قَتْل المفرِّق لجماعة المسلمين، والداعي إلى غير الكتاب والسنة، والداعي للبدعة، والجاسوس مسلمًا كان أو كافرًا. عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ ﵁ قالَ: أتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقال النَّبِيُّصلى الله عليه وسلم: اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ. فَقَتَلَهُ فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ». أخرجه البخاري (١). • اختيار العقوبة التعزيرية: التعزير مجموعة من العقوبات تختلف باختلاف الأشخاص، وجنس المعصية، وحجمها، وتكرارها، وشناعتها. وهي على وجه العموم تبدأ بالنصح، والوعظ، والهجر، والتوبيخ، والتهديد، والإنذار، والعزل عن العمل، والتشهير، والغرامة، والنفي ونحو ذلك.

стр. 6817

وتنتهي بأشد العقوبات كالحبس والجلد، وقد تصل إلى حد القتل إذا رأى الإمام ذلك كأصحاب الجرائم الكبرى. • أسباب التعزير: أسباب التعزير كثيرة، يجمعها فِعل كل معصية لا حد فيها ولا قصاص ولا كفارة. وأسباب التعزير نوعان: الأول: أسباب التعزير على فعل المحرمات. كالجناية التي لا قود فيها، والسرقة التي لا قطع فيها، واستمتاع محرم لا حد فيه، والغصب، والانتهاب، والاختلاس، وبيع المحرمات كالخمور والمخدرات ونحوهما، والرشوة، وشهادة الزور، وتزوير الأوراق والصكوك والوثائق والتوقيعات ونحوها، وإتيان المرأة المرأة، والقذف بغير الزنا واللواط كقوله: يا حمار يا كلب ونحوهما، ولعب الميسر والقمار، ومشاهدة وتداول الأشرطة والأفلام الخبيثة ونحو ذلك من منكرات الأقوال والأفعال والأخلاق. الثاني: أسباب التعزير على ترك الواجبات. كالإخلال بالواجبات الشرعية، والتهاون في أداء الصلاة، وتأخير الصلاة المفروضة عن وقتها، وعدم سداد الغني الدَّين، وترك الأمر بالمعروف، وترك النهي عن المنكر، وحلق اللحى، وعدم طاعة الوالدين، وعدم طاعة الزوجة لزوجها ونحو ذلك.

стр. 6818

• مقدار عقوبة التعزير: عقوبة التعزير غير مقدرة، وللحاكم أن يختار العقوبة التي تناسب الجاني وحجم الجناية، بشرط ألا تخرج عما أمر الله به، ونهى الله عنه، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والجرائم، والأماكن والأزمان. ولا حد لأقل التعزير ولا لأكثر التعزير، بل هو مفوض إلى رأي الحاكم حسب المصلحة، وحسب الجريمة، وحسب ما يقطع دابر الفساد. لكن ما ورد به النص من التعزير يجب تنفيذه، ولا خيار للحاكم فيه كتحريق رحل الغال، وكتم الضالة ونحوهما. • من يملك حق التعزير: التعزير كالحدود والقصاص منوط بالإمام أو نائبه، وليس لأحد حق التعزير إلا لمن له ولاية التأديب المطلقة كالأب، والزوج، والسيد، والحاكم، والمعلم. فالأب له تأديب ولده الصغير، وتعزيره للتعلم والتخلق بأحسن الأخلاق، وزجره عن سيئها، وأمره بالصلاة، وضربه عند الحاجة، والأم كالأب في أثناء الحضانة. وللزوج تأديب زوجته وتعزيرها في أمر النشوز، وأداء حق الله تعالى كإقامة الصلاة، وأداء الصيام، والبعد عن المحرمات، أداءً لواجب القوامة عليها، ونصحًا لها. والسيد يعزر رقيقه في حق نفسه، وفي حق الله تعالى مِنْ تركِ واجب، أو فِعل محرم. والمعلم يؤدب تلاميذه بما يصلح أحوالهم، ويحسِّن أخلاقهم: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ

стр. 6819

فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤]. وَعَنِ عَبْدَ الله بن عُمَرَ ﵄ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه. قال: وَحَسِبْتُ أنْ قَدْ قال: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أبِيه وَمَسْئولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه». متفق عليه (١). • الفرق بين الحد والتعزير: أولاً: الحد يختص بما يلي: ١ - أنه مقدر شرعاً. ٢ - والناس فيه سواء. ٣ - وإقامته واجبة. ٤ - وتنفيذه مختص بالإمام. ٥ - ولا تجوز الشفاعة فيه بعد بلوغ الإمام. ثانيًا: التعزير يختص بما يلي: ١ - أنه غير مقدر. ٢ - ويختلف باختلاف الفاعل. ٣ - ويقام مع وجود الشبهة.

стр. 6820

٤ - ومقداره ونوعه حسب اجتهاد الإمام. ٥ - ويقيمه الإمام أو غيره ممن له حق التأديب كالوالد والزوج والمعلم. ٦ - وتجوز الشفاعة فيه ولو بلغ الإمام. وكلٌّ من الحد والتعزير عقوبة على معصية أو جناية. • حكم الخمر: الخمر اسم لكل ما خامر العقل وغطاه، من أي نوع من الأشربة وغيرها، وكل شراب أسكر كثيره فقليله حرام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]. وعن عائشة ﵂ قالت: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِتْعِ؟ وهو شراب العسل، فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». متفق عليه (١). • حكمة تحريم الخمر: الخمر أم الخبائث، ويحرم تعاطيها بأي صورة كانت شربًا أو بيعًا أو شراءً أو تصنيعًا أو أي خدمة تؤدي إلى شربها وترويجها بين الناس. والخمر تغطي عقل شاربها، فيتصرف تصرفات تضر البدن والروح، وتفسد المال والولد، والعرض والشرف، والفرد والمجتمع، وهي تزيد في ضغط الدم، وتسبب له ولأولاده البله والجنون والشلل، والميل إلى الإجرام والفساد والفقر، وإضاعة الأوقات في المحرمات، وترك الواجبات. والسُكر لذة ونشوة يغيب معها العقل الذي يحصل به التمييز، فلا يعلم صاحبه ما يقول؛ ومن أجل ذلك حرمها الإسلام، وشرع عقوبة تعزيرية رادعة لمتعاطيها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ

стр. 6821

عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. وعن أبي هريرة ﵁: أن الرسول ﷺ قال: «لا يَزْنِي الزانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ الناسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ». متفق عليه (١). • ثبوت شرب الخمر: يثبت شرب الخمر بأحد أمرين: الأول: إقرار شاربها بأنه شرب الخمر. الثاني: شهادة شاهدين عدلين. والفحوص الطبية قرينة قوية على الشراب المُسكر، وهي أولى وأقوى من اعتبار الرائحة أو القيء، خاصةً في الأمور الكبيرة التي يحصل بها ضرر من موت أو إصابات بالغة. • عقوبة شارب الخمر: جميع الحدود التي على الجرائم لا يُزاد فيها ولا يُنقص، وهي: حد الزنا، وحد القذف، وحد السرقة، وحد قطاع الطريق، وحد البغاة. وعقوبة شارب الخمر تعزيرٌ لا حد؛ لأنه لم يرد ذكر حده في القرآن ولا في السنة، وكان الصحابة ﵃ إذا جيء بشارب الخمر، ضربوه بالجريد والنعال ونحوها، ولو كان له حدٌ لوجب ضبطه كغيره من الحدود.

стр. 6822

وجلد شارب الخمر في عهد النبي ﷺ نحو أربعين، وكانت في عهد أبي بكر ﵁ كذلك، ولما أكثر الناس من شربه جَلدَ عمر ﵁ شاربه ثمانين، وألحقه بعد مشاورة الصحابة بأخف الحدود وهو القذف. ولو كان للخمر حدٌ، ما استطاع عمر ﵁ ولا غيره تجاوزه؛ لأن الحدود لا تُغيَّر، وتبيَّن بهذا أن عقوبة شارب الخمر تعزيرٌ لا حد كما يلي: أولًا: إذا شرب الإنسان الخمر مختارًا عالمًا أن كثيره يُسكِر، جُلِدّ أربعين جلدة تعزيرًا، وللإمام أن يبلغ به الثمانين تعزيرًا إن رأى إنهماك الناس في الشراب. ثانيًا: من شرب الخمر في المرة الأولى جُلد أربعين، فإن شرب ثانية جُلد، فإن شرب ثالثة جُلد، فإن شرب رابعة فللإمام حبسه أو قتله تعزيرًا؛ صيانةً للعباد، وقمعًا للفساد والمفسدين. ثالثًا: من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب لم يشربها في الآخرة وإن دخل الجنة. ومن شربها وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، وإن مات ولم يتب دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، ومن كرر شربها سقاه الله يوم القيامة من عصارة أهل النار. ويجوز للإمام التعزير بكسر أواني الخمر، وتحريق أمكنة الخمَّارين، بحسب المصلحة فيما يراه رادعًا وزاجرًا عن شربها وترويجها. عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنّ رَجُلاً قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ-وَجَيْشَانُ مِنَ اليَمَنِ- فَسَأَلَ النّبِيّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذّرَةِ يُقَالُ لَهُ المِزْرُ؟ فَقَالَ النّبِيّ ﷺ : "أَوَ مُسْكِرٌ هُوَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : كُلّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنّ عَلَى الله عَهْداً لِمَنْ يَشْرَبُ المُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبَال، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله

стр. 6823

وَمَا طِينَةُ الخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النّارِ». أخرجه مسلم (١). وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ». متفق عليه (٢). • حكم المخدرات: المخدرات مواد تفسد الجسم، وتورث الخدر والفتور في البدن، والخلل في العقل. والمخدرات داء عضال تسبب الشرور والأمراض والجرائم، وتفسد العقول والأبدان. فيحرم تصنيع المخدرات، وتعاطيها، وتهريبها، وتروجيها، والتجارة فيها، وللإمام عقوبة من فعل ذلك بما يحقق المصلحة من قتل، أو جلد، أو سجن، أو غرامة؛ قطعًا لدابر الشر والفساد عن البلاد، وحفظًا للأنفس والأموال والأعراض والعقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠].

стр. 6824

• عقوبة أهل المخدرات: لخطر المخدرات العظيم، وضررها المهلك أفتى كثير من كبار العلماء بما يلي: أولًا: مهرب المخدرات عقوبته القتل؛ لعظيم ضرره وشره. ثانيًا: مروِّج المخدرات بالبيع و الشراء، أو التصنيع، أو الاستيراد، أو الإهداء: في المرة الأولى يعزر تعزيرًا بليغًا بالحبس، أو الجلد، أو المال، أو بها كلها حسب رأي الحاكم الذي يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة. وإن تكرر منه ذلك فيعزر بما يقطع شره عن الأمة، حتى ولو كان ذلك بالقتل؛ لأنه بفعله هذا من المفسدين في الأرض: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. • حكم المفتِّرات: المفترات هي كل ما يورث الفتور في البدن، والخدر في الأطراف. والمفترات التي تسبب الفتور والخدر في البدن كالدخان والجراك والقات ونحوها مما لا يصل إلى حد الإسكار، ولا يغيب العقل، وهي محرمة لا يجوز تعاطيها لضررها الديني والصحي والبدني والمالي والعقلي والاجتماعي؛ فلا ضرر ولا ضرار. وعقوبة تعاطي المفترات عقوبة تعزيرية، يقدرها الحاكم حسب ما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة، ويحفظ الأوقات والأموال والأبدان:

стр. 6825

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. • حكم استعمال الكحول في الطب: الكحول مادة مطهرة للجروح، وخلط بعض الأدوية بشيء يسير من الكحول، واستعمال ذلك الدواء في الطب للتعقيم، وإزالة الألم، جائز للمصلحة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]. • حكم التزوير: التزوير هو محاكاة الأصل بقصد الغش مما يترتب عليه ضرر وظلم وكذب كتزوير الأوراق الرسمية، أو الأوراق النقدية، أو البطاقات الشخصية، أو الجوازات، أو الأختام، أو التوقيع ونحو ذلك. والتزوير بأنواعه جريمة محرمة، وذلك لما يترتب على هذا التزوير من إبطال حق، وإثبات باطل، وأكل المال الحرام، وكل ذلك محرم: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ [الحج: ٣٠]. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيسَ منَّا». أخرجه مسلم (١). • الأحوال التي يشرع فيها الحبس: الحبس من العقوبات التي يُعاقب بها بعض أهل الجرائم؛ تحقيقًا للمصلحة، ودفعًا للمفسدة.

стр. 6826

ويُشرع الحبس فيما يلي: الأول: حبس الجاني لغَيْبة المجني عليه، حفظًا لمحل القصاص. الثاني: حبس الممتنع عن دفع الحق إلجاءً إليه. ثالثًا: حبس الآبق سَنَة رجاء أن يُعرف صاحبه. رابعًا: حبس من أشكل أمره في العسر واليسر ليتبين أمره. خامسًا: حسب الجاني تعزيرًا وردعًا عن المعاصي. سادسًا: حبس من أقر بمجهول حتى يعيِّنه. سابعًا: حبس من امتنع من التصرف الواجب في حقوق العباد كحبس من أسلم وتحته أختان، أو امرأة وابنتها، وامتنع من تعيين واحدة، ونحو ذلك من الحالات التي فيها حفظ الحقوق، ودفع الشرور. عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَه». أخرجه أبو داود والنسائي بسند حسن (١). وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِه أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلاً فِي تُهْمَةٍ ثمَّ خَلَّى عَنْهُ». أخرجه الترمذي والنسائي بسند حسن (٢). • أقسام العقوبات المالية: تنقسم العقوبات المالية إلى ثلاثة أقسام وهي: ١ - الإتلاف. ٢ - والتغيير. ٣ - والتمليك.

стр. 6827

الأول: الإتلاف: كإتلاف محل المنكرات، كتكسير الأصنام وتحريقها، وتحطيم آلات اللهو، وتكسير وإحراق وإراقة أوعية الخمر، وإتلاف البضاعة المغشوشة من أي نوع. وهذا التعزير يقوم به الإمام أو نائبه؛ لأنه يحتاج إلى قوة وسلطة. الثاني: التغيير: ويكون بتغيير صورة الشيء المحرم كقطع رأس التمثال حتى يكون كالشجرة، وقطع الستر الذي فيه صورة، ليكون وسائد توطأ، وفك آلات اللهو، وما يستعمل في محرم لاستعماله في مباح بعد تغيير صورته. وهذا التعزير يقوم به الإمام أو نائبه. الثالث: التمليك: كمن سرق من التمر المعلق، عليه جلدات نكال، وغُرْمه مرتين، ومن سرق من الماشية قبل أن تأوي إلى المراح، عليه جلدات نكال، وغُرْمه مرتين، ومصادرة الأموال المأخوذة من كسب غير مشروع، ويصرفها الإمام فيما فيه مصلحة. وهذا التعزير يقوم به الإمام أو نائبه. عَنْ عَبْدِ الله بن عمر ﵄ قالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، وَحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وَثَلاثُ مِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ [سبأ: ٤٩].». أخرجه البخاري (١). وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوّنَ وَجْهُهُ وَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَشَدّ

стр. 6828

النّاسِ عَذَاباً عِنْد الله يَوْمَ القيَامَةِ، الّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلقِ الله، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ». متفق عليه (١). • طرق إثبات جرائم التعزير: تثبت الجريمة الموجبة للتعزير بواحد مما يلي: ١ - الإقرار. ٢ - أو البينة. فالإقرار أن يقر على نفسه بالجناية والمعصية. والبينة أن يشهد عليه رجلان عدلان، وتُقبل فيه شهادة النساء مع الرجال. • حكم من مات في التعزير: إذا عزر الإمام أحدًا أو حَدَّه فمات بسبب التعزير أو الحد فلا ضمان عليه؛ لأن التعزير عقوبة مشروعة للردع والزجر والتأديب فلم يضمن مَنْ تلف بها كالحد، ولأن الإمام مأذون له في التعزير، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون، لكن بشرط عدم التعدي. • صفة الجلد في التعزير: أشد الجلد جلد التعزير، ثم يليه جلد الزنا، ثم يليه جلد السكر، ثم يليه جلد القذف. فالتعزير أشد الضرب؛ لأنه جرى فيه التخفيف من حيث العدد، فلا يخفف من حيث الوصف، وذلك لئلا يؤدي إلى فوات المقصود منه، وهو التأديب والردع والزجر.

стр. 6829

١٠ - الخزانة العاشرة الرِدَّة • الردة: هي الرجوع من الإسلام إلى الكفر: والمرتد هو من كفر بعد إسلامه طوعًا. • أقسام الردة: الردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام. وتنقسم الردة إلى أربعة أقسام هي: ردة بالاعتقاد .. ردة بالشك .. ردة بالقول .. ردة بالفعل. أولًا: الردة بالاعتقاد: كأن يعتقد الإنسان وجود شريك مع الله في ربوبيته أو إلوهيته، أو يجحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفةً من صفاته أو يعتقد تكذيب رسل الله، أو جحد كتب الله المُنَزلة، أو ينكر البعث، أو الجنة أو النار، أو يبغض شيئًا من الدين ولو عمل به، أو يعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، أو يعتقد أن الربا أو الزنا ونحوهما من محرمات الدين الظاهرة حلال، أو يعتقد أن الصلاة أو الزكاة ونحوهما من واجبات الدين الظاهرة غير واجبة، ونحو ذلك مما ثبت وجوبه أو حلُّه أو حرمته قطعيًا، ومثله لا يجهله، فإن جهله فلا يكفر، وإن كان يجهله وعرفناه حكمه وأصر على اعتقاده كفر.

стр. 6830

ثانيًا: الردة بالشك. وتكون بالشك فيما سبق، كمن شكَّ في تحريم الكفر والشرك، أو شكَّ في تحريم الربا أو الزنا، أو شكَّ في حِلّ الماء والخبز، أو شكَّ في الرسل أو الكتب أو دين الإسلام ونحو ذلك. ثالثًا: الردة بالقول. كأن يسب الله أو رسله أو ملائكته أو كتبه المنزلة، وكأن يدعي النبوة، أو يدعو مع الله غيره، أو قال: إن لله زوجة وولدًا، وكأن ينكر تحريم شيء من المحرمات الظاهرة كالزنا وشرب الخمر ونحوهما، وكأن ينكر وجوب الصلاة أو الزكاة ونحوهما من الواجبات الظاهرة، أو يستهزئ بالدين أو شيء منه كوعد الله ووعيده، والجنة والنار، أو يسب الصحابة ﵃، أو أحدًا منهم أو من أهل دينهم، أو قذف أم المؤمنين عائشة ﵂، لأنه كذب بصريح القرآن. رابعًا: الردة بالفعل. كأن يسجد لصنم أو شجر أو حجر، أو يسجد لغير الله، أو يسجد على القبور، أو يذبح لأهلها، أو يُعرض عن دين الإسلام لا يتعلمه ولا يُعلمه ولا يعمل به، أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يتعلم السحر ويعلمه، أو يظاهر المشركين ويعاونهم على المسلمين ونحو ذلك: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
следующие страницы →