ويُشرع الحبس فيما يلي:
الأول: حبس الجاني لغَيْبة المجني عليه، حفظًا لمحل القصاص.
الثاني: حبس الممتنع عن دفع الحق إلجاءً إليه.
ثالثًا: حبس الآبق سَنَة رجاء أن يُعرف صاحبه.
رابعًا: حبس من أشكل أمره في العسر واليسر ليتبين أمره.
خامسًا: حسب الجاني تعزيرًا وردعًا عن المعاصي.
سادسًا: حبس من أقر بمجهول حتى يعيِّنه.
سابعًا: حبس من امتنع من التصرف الواجب في حقوق العباد كحبس من أسلم وتحته أختان، أو امرأة وابنتها، وامتنع من تعيين واحدة، ونحو ذلك من الحالات التي فيها حفظ الحقوق، ودفع الشرور.
عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَه». أخرجه أبو داود والنسائي بسند حسن (١).
وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِه أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلاً فِي تُهْمَةٍ ثمَّ خَلَّى عَنْهُ». أخرجه الترمذي والنسائي بسند حسن (٢).
• أقسام العقوبات المالية:
تنقسم العقوبات المالية إلى ثلاثة أقسام وهي:
١ - الإتلاف.
٢ - والتغيير.
٣ - والتمليك.
стр. 6827
الأول: الإتلاف: كإتلاف محل المنكرات، كتكسير الأصنام وتحريقها، وتحطيم آلات اللهو، وتكسير وإحراق وإراقة أوعية الخمر، وإتلاف البضاعة المغشوشة من أي نوع.
وهذا التعزير يقوم به الإمام أو نائبه؛ لأنه يحتاج إلى قوة وسلطة.
الثاني: التغيير: ويكون بتغيير صورة الشيء المحرم كقطع رأس التمثال حتى يكون كالشجرة، وقطع الستر الذي فيه صورة، ليكون وسائد توطأ، وفك آلات اللهو، وما يستعمل في محرم لاستعماله في مباح بعد تغيير صورته.
وهذا التعزير يقوم به الإمام أو نائبه.
الثالث: التمليك: كمن سرق من التمر المعلق، عليه جلدات نكال، وغُرْمه مرتين، ومن سرق من الماشية قبل أن تأوي إلى المراح، عليه جلدات نكال، وغُرْمه مرتين، ومصادرة الأموال المأخوذة من كسب غير مشروع، ويصرفها الإمام فيما فيه مصلحة.
وهذا التعزير يقوم به الإمام أو نائبه.
عَنْ عَبْدِ الله بن عمر ﵄ قالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، وَحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وَثَلاثُ مِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ [سبأ: ٤٩].». أخرجه البخاري (١).
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوّنَ وَجْهُهُ وَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَشَدّ
стр. 6828
النّاسِ عَذَاباً عِنْد الله يَوْمَ القيَامَةِ، الّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلقِ الله، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ». متفق عليه (١).
• طرق إثبات جرائم التعزير:
تثبت الجريمة الموجبة للتعزير بواحد مما يلي:
١ - الإقرار.
٢ - أو البينة.
فالإقرار أن يقر على نفسه بالجناية والمعصية.
والبينة أن يشهد عليه رجلان عدلان، وتُقبل فيه شهادة النساء مع الرجال.
• حكم من مات في التعزير:
إذا عزر الإمام أحدًا أو حَدَّه فمات بسبب التعزير أو الحد فلا ضمان عليه؛ لأن التعزير عقوبة مشروعة للردع والزجر والتأديب فلم يضمن مَنْ تلف بها كالحد، ولأن الإمام مأذون له في التعزير، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون، لكن بشرط عدم التعدي.
• صفة الجلد في التعزير:
أشد الجلد جلد التعزير، ثم يليه جلد الزنا، ثم يليه جلد السكر، ثم يليه جلد القذف.
فالتعزير أشد الضرب؛ لأنه جرى فيه التخفيف من حيث العدد، فلا يخفف من حيث الوصف، وذلك لئلا يؤدي إلى فوات المقصود منه، وهو التأديب والردع والزجر.
стр. 6829
١٠ - الخزانة العاشرة
الرِدَّة
• الردة: هي الرجوع من الإسلام إلى الكفر:
والمرتد هو من كفر بعد إسلامه طوعًا.
• أقسام الردة:
الردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام.
وتنقسم الردة إلى أربعة أقسام هي:
ردة بالاعتقاد .. ردة بالشك .. ردة بالقول .. ردة بالفعل.
أولًا: الردة بالاعتقاد:
كأن يعتقد الإنسان وجود شريك مع الله في ربوبيته أو إلوهيته، أو يجحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفةً من صفاته أو يعتقد تكذيب رسل الله، أو جحد كتب الله المُنَزلة، أو ينكر البعث، أو الجنة أو النار، أو يبغض شيئًا من الدين ولو عمل به، أو يعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، أو يعتقد أن الربا أو الزنا ونحوهما من محرمات الدين الظاهرة حلال، أو يعتقد أن الصلاة أو الزكاة ونحوهما من واجبات الدين الظاهرة غير واجبة، ونحو ذلك مما ثبت وجوبه أو حلُّه أو حرمته قطعيًا، ومثله لا يجهله، فإن جهله فلا يكفر، وإن كان يجهله وعرفناه حكمه وأصر على اعتقاده كفر.
стр. 6830
ثانيًا: الردة بالشك.
وتكون بالشك فيما سبق، كمن شكَّ في تحريم الكفر والشرك، أو شكَّ في تحريم الربا أو الزنا، أو شكَّ في حِلّ الماء والخبز، أو شكَّ في الرسل أو الكتب أو دين الإسلام ونحو ذلك.
ثالثًا: الردة بالقول.
كأن يسب الله أو رسله أو ملائكته أو كتبه المنزلة، وكأن يدعي النبوة، أو يدعو مع الله غيره، أو قال: إن لله زوجة وولدًا، وكأن ينكر تحريم شيء من المحرمات الظاهرة كالزنا وشرب الخمر ونحوهما، وكأن ينكر وجوب الصلاة أو الزكاة ونحوهما من الواجبات الظاهرة، أو يستهزئ بالدين أو شيء منه كوعد الله ووعيده، والجنة والنار، أو يسب الصحابة ﵃، أو أحدًا منهم أو من أهل دينهم، أو قذف أم المؤمنين عائشة ﵂، لأنه كذب بصريح القرآن.
رابعًا: الردة بالفعل.
كأن يسجد لصنم أو شجر أو حجر، أو يسجد لغير الله، أو يسجد على القبور، أو يذبح لأهلها، أو يُعرض عن دين الإسلام لا يتعلمه ولا يُعلمه ولا يعمل به، أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يتعلم السحر ويعلمه، أو يظاهر المشركين ويعاونهم على المسلمين ونحو ذلك: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
стр. 6831
فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].
• أسباب الردة:
يمكن حصر أسباب الردة في ثلاثة أمور:
الأول: الكفر بالله والتحلل من الإسلام بسب الله، أو بسب نبي، أو سب كتب الله، أو سب الدين، أو الاستهزاء بشيء من ذلك.
الثاني: إنكار حكمٍ مجمع عليه في الإسلام كإنكار وجوب الصلاة والزكاة، والصوم والحج ونحو ذلك، أو إنكار تحريم الربا والزنا والخمر ونحوهما.
الثالث: فعل بعض أفعال الكفر، كإلقاء المصحف في القاذورات، والسجود لصنم ونحو ذلك.
• حكم المرتد:
الردة كفر مخرج من الإسلام، وموجب للخلود في النار إن مات ولم يتب منه.
والمرتد أغلظ كفرًا من الكافر الأصلي؛ لأن الكافر لم يعرف الحق، والمرتد عرف الحق، وخرج عنه إلى الباطل.
وإذا قُتل المرتد أو مات قبل أن يتوب فهو كافر، لا يُغسَّل ولا يُكفَّن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، فالردة أفحش الكفر، وأغلظه حكمًا، ومحبطة للعمل إن مات ولم يتب منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ
стр. 6832
وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧].
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه». أخرجه البخاري (١).
• حكمة مشروعية قتل المرتد:
الإسلام هو الدين الكامل، والنظام الشامل لكل ما يحتاجه البشر، موافق للفطرة والعقل، قائم على الدليل والبرهان، وعلى العدل والإحسان، والإسلام من أكبر نعم الله على خلقه، وبه تتحقق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.
ومن دخل فيه ثم ارتد عنه فقد انحط إلى أسفل الدركات، ورد ما رضيه الله لنا من الدين، وخان الله ورسوله، فهذا يجب قتله، لأنه أنكر الحق الذي لا تستقيم الدنيا والآخرة إلا به، وصرف غيره عن الدخول فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
стр. 6833
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: -٥٠].
• ما يفعل بالمرتد:
من ارتد عن الإسلام، وهو بالغ عاقل مختار، دعاه الإمام إلى الإسلام، ورغبه فيه، وعرض عليه التوبة لعله يتوب، فإن تاب فهو مسلم، وإن لم يتب وأصر على ردته قتل بالسيف كفرًا لا حدًا، ولا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه كافر.
ومن ارتد ثم تاب فله أجر ما سبق من عمل صالح قبل ردته، ويبدل الله سيئاته حسنات كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
وعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ، ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: مَا لِهَذَا؟، قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ». أخرجه البخاري (١).
стр. 6834
• أحكام المرتد:
أولًا: المرتد عن الإسلام يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب قُبل منه، وإن أبى وجب على إمام المسلمين قتله.
ثانيًا: يمنع المرتد من التصرف في ماله في مدة استتابته، فإن أسلم فهو له، وإن أصر على ردته فماله فيء لبيت مال المسلمين.
ثالثًا: يفرق بين المرتد وزوجته المسلمة؛ لأنها لا تحل لكافر.
رابعًا: المرتد كافر لا يرث أقاربه المسلمين ولا يرثونه.
خامسًا: المرتد كافر، إذا مات لا يُغسَّل ولا يُكفَّن ولا يُصلَّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، فيوارى في التراب في أي مكان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٨].
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه». أخرجه البخاري (١).
• حكم توبة من سبَّ الله ورسوله ﷺ :
من سب الله بأن طعن في حكمته، أو في صفة من صفاته، أو في شرعه، أو قال: إن الله مفتقر للزوجة والولد ونحو ذلك من النقائص التي ينزَّه الله عنها فهو مرتد يجب قتله إن لم يتب، فإن تاب قُبلت توبته، وحكمنا بإسلامه.
стр. 6835
ومن سب رسول الله محمدًا ﷺ بأن وصفه بما هو نقص في حقه بأن قال: إنه كاذب، أو ساحر، أو يخدع الناس ونحو ذلك، فهو مرتد يجب قتله إن لم يتب، فإن تاب قُبلت توبته، وحكمنا بإسلامه.
وكذا من سب الصحابة أو أحدًا منهم طاعنًا في إيمانهم، فإنه يجب قتله إن لم يتب، فإن تاب قُبلت توبته، وحكمنا بإسلامه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قالَ: قالَ النَّبِيّ ﷺ : «لا تَسُبُّوا أصْحَابِي، فَلَوْ أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ». متفق عليه (١).
• حكم من تكررت ردته:
من تكررت ردته إذا علمنا صدق توبته قبلناها ولو تكررت؛ لأن الله يقبل التوبة من كل تائب مهما عظم ذنبه أو تكرر منه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا
стр. 6836
عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْباً، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ ﵎: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْباً فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبّاً يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ اعْمَل مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ». متفق عليه (١).
• حكم ردة الزوج أو الزوجة:
إذا ارتد الزوج فلا تحل له زوجته، وله مراجعتها بعد التوبة مادامت في العدة، فإن خرجت من العدة ولم يراجعها مَلَكت نفسها، فلم تحل إلا برضاها بعقدٍ ومهرٍ جديدين.
وإذا ارتدت الزوجة، حَرُمت على زوجها، وله مراجعتها إن تابت مادامت في العدة، وإن تابت بعد الخروج من العدة لم تحل له إلا بعقدٍ ومهرٍ جديدين كغيره: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١].
стр. 6837
• صفة توبة المرتد:
توبة المرتد وكل كافر هي أن يسلم، والإسلام أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، نطقًا باللسان، واعترافًا بالقلب، وعملًا بالجوارح، ومن كان كفره بجحد فرض ونحوه فتوبته مع الشهادتين إقراره بالمجحود به.
فالكافر الأصلي إسلامه يكون بالشهادتين.
والمرتد إسلامه بالشهادتين، وأن يتوب مما كان سبباً في الحكم عليه بالردة، سواء كان جحد فرض، أو جحد محرم مجمع على تحريمه، أو جحد مُحَلَّل مجمع على حله ونحو ذلك.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ [التوبة: ١١].
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: «أُمِرْتُ أنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ إلا بِحَقِّ الإسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله». متفق عليه (١).
стр. 6838
• حكم السحر:
السحر: عُقد ورقى يُتوصل بها إلى إيقاع الضرر بالمسحور.
ويحرم تعلم السحر، وتعليمه، وفعله، والدلالة عليه.
والسحر من الكبائر، ولا يمكن أن يحصل إلا بمعونة الشياطين، فإن الساحر يطيعهم في الكفر، فيقضون حاجته، والساحر كافر مرتد، فيستتاب، فإن تاب وإلا قُتل مرتدًا؛ قطعًا لدابر الشر والمشعوذين والدجالين: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
стр. 6839
٤٥ - خزائن القضاء
ويشتمل على ما يلي:
١ - أحكام القضاء والقضاة
٢ - فضل القضاء
٣ - خطر القضاء
٤ - آداب القاضي
٥ - صفة الحكم
٦ - الدعاوى والبينات
٧ - كيفية إثبات الدعوى: وتشمل:
١ - الإقرار ٢ - الشهادة ٣ - اليمين
٨ - أحكام السجن
стр. 6840
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
٤٥ - خزائن القضاء
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
стр. 6841
٤٥ - خزائن القضاء
١ - أحكام القضاء والقضاة
١ - الخزانة الأولى
• القضاء: هو تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات.
• حكمة مشروعية القضاء:
شرع الله القضاء والحكم بما أنزل الله لحفظ الحقوق، وإقامة العدل، وحفظ البلاد والعباد، وصيانة الأنفس والأموال والأعراض.
والله خلق الناس وجعل بعضهم محتاجاً لبعض في القيام بالأعمال كالبيع والشراء، وسائر الحِرَف، وأمور النكاح، والطلاق، والإجارة، والنفقات ونحوها من ضروريات الحياة.
ووضع الشرع لذلك قواعد وشروطاً تحكم التعامل بين الناس؛ ليسود العدل والأمن بين الناس، ولكن قد تحدث بعض المخالفات لتلك الشروط والقواعد إما عمداً، أو جهلاً، فتحدث المشاكل، ويحصل النزاع والشقاق، وتبدأ العداوة والبغضاء، وقد تصل الحال إلى نهب الأموال، وإزهاق الأرواح، وتخريب الديار، وهجر القريب والبعيد.
فشرع الله العليم بمصالح عباده القضاء بشرع الله؛ لإزالة تلك الخصومات، وحل المشكلات، والقضاء بين العباد بالحق والعدل، لتصل الحقوق إلى أهلها، ويزول الظلم عن المظلوم: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ
стр. 6842
أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨].
• حكم القضاء:
القضاء فرض كفاية، ويجب على الإمام أن يَنْصب للناس قاضياً أو أكثر في كل إقليم أو بلد حسب الحاجة؛ لفصل الخصومات، وإقامة الحدود، والحكم بالحق والعدل، ورد الحقوق، وإنصاف المظلوم، والنظر في مصالح المسلمين ونحو ذلك.
والحكم بين الناس فرض كفاية، وفرض الكفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين؛ لأن المقصود الفعل دون الفاعل كالأذان، وإن كان المقصود الفعل والفاعل فهو فرض عين كالصلاة، وصوم رمضان ونحوهما: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
стр. 6843
• شروط القاضي:
يشترط فيمن يتولى القضاء ما يلي:
١ - أن يكون القاضي قوياً في علمه، أميناً على القيام بعمله.
٢ - أن يكون مسلماً؛ لأن القاضي يجب أن يحكم بما أنزل الله.
٣ - أن يكون بالغاً عاقلاً؛ لأن الصغير والمجنون قاصر التصرف.
٤ - أن يكون عدلاً؛ لأن الفاسق لا يؤمَن أن يحيف لفسقه.
٥ - أن يكون سميعاً؛ لأن الأصم لا يستطيع سماع كلام الخصوم.
٦ - أن يكون متكلماً؛ ليستطيع الكلام مع الخصوم.
٧ - أن يكون مجتهداً عارفاً بالأحكام؛ لأن المقلد والعامي لا يصلح أن يتولى القضاء.
٨ - أن يكون ذكراً؛ لأن المرأة ناقصة العقل، سريعة العاطفة، ولهذا تُخدع كثيراً.
وهذه الشروط تُعتبر حسب الإمكان، ويُفضَّل البصيرعلى الأعمى، وتجب تولية الأمثل فالأمثل، حسب القدرة والحاجة.
• اختيار القاضي:
الذي يعيِّن القضاة إمام المسلمين.
ويجب على إمام المسلمين أن يختار للقضاء بين الناس أفضلهم علماً وورعاً، وأقواهم ذكاء، وأجودهم فراسة؛ لأن الناس منهم المُحِق والمُبْطل، ولئلا يضيع الحق، أويخدعه الفاجر.
стр. 6844
ويختار أشدهم ورعاً؛ لأن الوَرِ ع لا يأكل الحرام، ولا يحابي أحداً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
ويختار الأتقى؛ لأن في التقوى تسهيل الأمور، وتيسيركل عسير، ومعرفة الحق ومحبته، والحكم به، والعون عليه.
ويختار القوي في علمه، الأمين في عمله، الصادق الفقيه، الرؤوف الرحيم بالخلق.
قال الله تعالى في شأن موسى ﷺ : ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص/ ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران/ ١٥٩].
• كمال الشريعة الإسلامية:
الحكم بين الناس بالعدل عبادة من أعظم العبادات، فيجب على جميع الحكام والقضاة أن يحكموا بما أنزل الله من الحق والهدى.
ومن رحمة الله أن أنزل إلينا الدين الكامل الذي فيه حل جميع مسائل البشرية، فأنزل الله القرآن الذي فصَّل فيه الأحكام والشرائع .. وأنزل الميزان وهو العدل الذي يمثِّل القوة القضائية وأنزل الحديد الذي يمثِّل القوة التنفيذية للأحكام الشرعية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
стр. 6845
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد/ ٢٥].
• خطر الحكم بغير ما أنزل الله:
يجب على القاضي أن يحكم بين الناس بما أنزل الله، ولا يجوز لأحد أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله مهما كانت الأحوال، فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، بل هو الكفر بعينه، والظلم بعينه، والفسق بعينه؛ لما فيه من تجاوز حدود الله، والإعراض عن شرع الله.
ولما كانت الشريعة الإسلامية كفيلة بإصلاح أحوال البشرية في جميع المجالات، فيجب على القاضي النظر في كل ما يَرِد إليه من القضايا مهما كانت، والحكم فيها بما أنزل الله، فدين الله كامل كافٍ شافٍ لكل حالة، وتبيان لكل شيء وهدىً ورحمة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة/ ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة/ ٤٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ
стр. 6846
حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
• حكم الرشوة:
الرشوة: هي ما يُعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل.
ويحرم على الإنسان أخذ الرشوة وإعطاؤها؛ لما يلي:
أن في الرشوة فساد المعاملات بين الخلق .. وأكل لأموال الناس بالباطل .. وضياع الأمانات؛ لأن صاحب الحق يصبح غيرآمن، وهذا فساد عظيم .. وفيها ظلم للناس .. وسبب لتغيير حكم الله ورسوله، فإذا أخذ القاضي رشوة حَكَم بغير ما أنزل الله، وحَكَم لدافع الرشوة بما ليس له، فظلم نفسه، وظلم غيره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء/ ٢٩].
وعن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ الرَّاشِي وَالمُرْتَشي. أخرجه أبو داود والترمذي (١).
• ما يجتنبه القاضي:
يحرم على القاضي كغيره قبول رشوة، ولا يقبل هدية إلا ممن كان يهاديه قبل ولايته، والأَوْلى عدم قبولها؛ لقوله ﷺ : «هَدَايَا العُمَّالِ غُلُولٌ». أخرجه أحمد (٢).
стр. 6847
٢ - الخزانة الثانية
٢ - فضل القضاء:
القضاء بين الناس وظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥].
القضاء بين الناس فيه فضل عظيم لمن قوي عليه، وأَمِنَ على نفسه من الظلم والحيف.
والقضاء من أفضل القربات إذا كان خالصاً لله ؛ لما فيه من الإصلاح بين الناس، وإقامة العدل، وإنصاف المظلوم، ورد الظالم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، ورد الحقوق إلى أهلها، وهو وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء/ ١١٤].
وحسن القضاء نعمة من الله، وله فضل عظيم لمن قوي عليه، وأمن على نفسه من الظلم والحَيف والميول، والقضاء عبادة لله ، وهو من أفضل القربات؛ لما فيه من الإصلاح بين الناس، وإنصاف المظلوم، وردع الظالم، وإقامة الحدود، وأداء الحقوق إلى أهلها، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحكم بالقسط والعدل.
стр. 6848
فلهذه الأمور العظيمة جعل الله فيه أجرًا مع الخطأ، وأسقط إثم الخطأ إذا وقع باجتهاد، فإذا أصاب القاضي فله أجران:
أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، وهو أجر الاجتهاد، ولا إثم عليه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢].
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ الله مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتاهُ الله حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». متفق عليه (١).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ الله عَلى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وَأَهْليهِمْ وَمَا وَلُوا». أخرجه مسلم (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله تَعَالى في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ في عِبَادَةِ الله، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا في الله، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». متفق عليه (٣).
وعن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ
стр. 6849
أَجْرٌ». متفق عليه (١).
والقضاء بين الناس، والحكم بينهم بالعدل، منصب شريف، ومقام رفيع؛ لما فيه من النفع العام والخاص، والإحسان إلى الخلق، وإقامة الحق والعدل.
ولهذا تولاه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
وأول من تولاه في الإسلام رسولنا محمد ﷺ ، وخلفاؤه الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين.
• القضاء من أعظم القربات لمن حسُنت نيته:
قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥].
стр. 6850
٣ - خطر القضاء:
أولاً: القضاء موضوعه الحكم بين الناس بالحق والعدل، فلذلك خطره عظيم جدًا؛ لأنه يُخشى حصول ميل من القاضي على أحد الخصمين، فيحكم له بغير الحق، إما لكونه قريبًا له، أو صديقًا له، أو صاحب جاهٍ تُرجى منفعته، أو صاحب رئاسة تُخاف سلطته ونحو ذلك، فيجور في الحكم متأثرًا بما سبق.
ثانيًا: القاضي يبذل جهدًا كبيرًا في معرفة الحكم الشرعي، والبحث في الأدلة، وهذا الجهد ينهك بدنه، ويرهقه، ويضعفه.
ثالثًا: القاضي بشر يضعف إيمانه فيجور، إما لهوى، أو لعصبية، أو لعداوة، أو لمحبة، أو لانتقام، أو لطمع.
والله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وَكَلَه إلى نفسه، وعذبه في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٥ - - ١٠٨].
وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ جُعِلَ قَاضِياً بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبحَ بغَيْرِ سِكِّينٍ». أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح (١).
стр. 6851
• أقسام القضاة:
القضاة ثلاثة أصناف:
الأول: قاض عرف الحق، والحكم الشرعي، فقضى به، فهذا من أهل الجنة.
الثاني: قاض عرف الحق، ولهواه حكم بغير الحق، فهذا في النار.
الثالث: قاض لم يعرف الحق، ولم يفهم الحكم الشرعي، فقضى بجهل، فهذا في النار، سواء أصاب في حكمه أو أخطأ.
عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أنَّ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «القُضَاةُ ثلَاثةٌ، اثنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ، رَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ فَقَضَى بهِ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ». أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح (١).
• حكم طلب القضاء:
طلب الولايات من قضاء وغيره له حالتان:
الأولى: أن يطلب القضاء أو الولاية لأنها متعينة عليه، لكونه لا يوجد من هو أهل لها غيره، وإذا تركها تولاها من لا يحسن القيام بها، فيطلبها بهذه النية الحسنة، وفيه قوة وأمانة، كما طلبها يوسف ﷺ ، فهذا مثاب مأجور معان عليها: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٥].
стр. 6852
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قالَ: قالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لا تَسْألِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وائْتِ الذي هوَ خَير». متفق عليه (١).
الثانية: أن يقصد من الحصول عليها الجاه، أو الرئاسة أو المال، أو يكون ضعيفًا لا يستطيع أن يقوم بحقها، أو ليس أهلًا لها، فهذا طلبه لها مذموم، ويجب منعه منها.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ». أخرجه البخاري (٢).
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ الله أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: «فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَر إنّكَ ضَعِيفٌ، وَإنّهَا أَمَانَةٌ، وَإنّهَا يَوْمَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إلاّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدّى الّذِي عَلَيْهِ فِيهَا». أخرجه مسلم (٣).
وَعَنْ أَبي مُوسَى ﵁ قالَ: دَخَلتُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِى عَمِّى، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ الله أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلاَّكَ اللهُ ، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّا وَالله لَا نُوَلِّى عَلَى هَذَا العَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ». متفق عليه (٤).
стр. 6853
• حكم قبول القضاء:
إذا اختار إمام المسلمين أحدًا للقضاء، ولم يكن في البلد أحد يصلح غيره، لزمه قبوله، فإن امتنع فهو عاص، وللحاكم إجباره؛ لأن الناس مضطرون إلى علمه وحكمه ونظره.
وإن وُجد في البلد عدد يصلح للقضاء، فمن وجد في نفسه القدرة فالقبول أفضل، ومن يعرف من نفسه عدم القدرة فالترك أفضل؛ لما في القضاء من الخطورة.
ويستحب قبول وطلب القضاء لعالم يرجو به نشر علمه بين الناس، ولمن يرجو بعمله إحقاق الحق، ومنع ضياع الحقوق، وتدارك جور بعض القضاة، وعجزهم عن إيصال الحقوق لأهلها، ولمن يريد جزيل الثواب؛ لأن القضاء عبادة لمن حكم بالعدل: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
ويكره قبول القضاء لمن يخاف العجز عنه، أو لا يأمن على نفسه الحيف فيه، حتى لا يعرِّض نفسه للعقوبة.
عَنْ عَبْد الله بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إنّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ الله عَلَىَ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا». أخرجه مسلم (١).
стр. 6854
• من يتولى القضاء بين الناس:
القضاء بين الناس من أعظم المناصب في الإسلام، وهو عبادة من أعظم العبادات، وأعظم المسئوليات، فلا يتولاه إلا المسلم البارّ، الفقيه، التقيّ، النقي، ولا يجوز توليته أهل البدع؛ لانتفاء الشروط اللازمة عنهم.
وأهل البدع قسمان:
الأول: أهل بدع مكفرة، فهؤلاء انتفى عنهم شرط الإسلام.
الثاني: أهل بدع مفسقة، فهؤلاء انتفى عنهم شرط العدالة.
فلا يولى القضاء لا هؤلاء، ولا هؤلاء، ولو على جنسهم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
стр. 6855
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - آداب القاضي
• آداب القاضي:
١ - فينبغي أن يكون القاضي قويًا من غير عنف؛ لئلا يطمع فيه الظالم، ليّنًا من غير ضعف؛ لئلا يهابه صاحب الحق.
٢ - وينبغي للقاضي أن يكون حليمًا؛ لئلا يغضب من كلام الخصم، فتأخذه العجلة والتسرع وعدم التثبت، وتأخذه العجلة بالإثم، فيجور انتقامًا لنفسه.
٣ - وأن يكون القاضي ذا أناة؛ لئلا تؤدي عجلته إلى ما لا ينبغي، وأن يكون ذا فطنة؛ لئلا يخدعه بعض الخصوم بزخرف القول.
٤ - وأن يكون القاضي عفيفًا نزيهًا في نفسه وماله عن الحرام؛ لئلا تُحجب عنه إصابة الحق، وأن يكون القاضي أمينًا مخلصًا في عمله لله ، يبتغي بذلك الأجر والصواب، ولا يخاف في الله لومة لائم.
٥ - وأن يكون القاضي بصيرًا بأحكام القضاة قبله؛ ليسهل عليه الحكم بما بين يديه.
٦ - وينبغي للقاضي أن يحضر مجلسه الفقهاء والعلماء، وأن يشاورهم فيما يشكل عليه.
٧ - ويجب على القاضي أن يسوِّي بين الخصمين في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والإقبال عليهما، والاستماع لهما، والحكم بينهما بما أنزل الله.
стр. 6856
٨ - ولا ينبغي للقاضي أن يقضي وهو غضبان، أو حاقن، أو في شدة جوع أو عطش، أو هم، أو ملل، أو كسل، أو نعاس، فإن خالف وأصاب الحق نفذ.
٩ - ويسن للقاضي أن يتخذ كاتبًا مسلمًا، مكلفًا، عدلًا، يكتب له الوقائع والقضايا والوثائق والصكوك ونحو ذلك.
١٠ - ويحرم على القاضي كغيره قبول رشوة، كما لا يقبل هدية من أحد الخصوم؛ لأن هدايا العمال غلول: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وَعَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ». متفق عليه (١).
• شروط القاضي:
يُشترط فيمن يتولى القضاء ما يلي:
أولاً: أن يكون القاضي قويًا أمينًا، فالقاضي لابد أن يكون قويًا في علمه، أمينًا على القيام بعمله.
ثانيًا: أن يكون مسلمًا؛ لأن القاضي يجب أن يحكم بما أنزل الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
ثالثًا: أن يكون بالغًا عاقلاً؛ لأن الصغير والمجنون قاصر التصرف.
стр. 6857
رابعًا: أن يكون عدلاً؛ لأن الفاسق لا يؤمَن أن يحيف لفسقه.
خامسًا: أن يكون سميعاً؛ لأن الأصم لا يستطيع سماع كلام الخصوم.
سادسًا: أن يكون متكلماً؛ ليستطيع الكلام مع الخصوم.
سابعًا: أن يكون مجتهداً عارفاً بالأحكام؛ لأن المقلد والعامي لا يصلح أن يتولى القضاء لقصر علمه وفقهه.
ثامنًا: أن يكون ذكراً؛ لأن المرأة ناقصة العقل، سريعة العاطفة، ولهذا تُخدع كثيراً.
وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، ويفضل البصير على الأعمى، وتجب ولاية الأمثل فالأمثل، حسب القدرة والحاجة والمصلحة.
• اختيار القضاة:
الذي يعين القضاة إمام المسلمين.
ويجب على إمام المسلمين أن يختار للقضاء بين الناس أفضلهم علماً وورعاً، وأحسنهم ذكاء وفراسة؛ لأن الناس منهم المحق والمبطل، ولئلا يضيع الحق، ويخدعه الفاجر.
ويختار أشدهم ورعاً؛ لأن الوَرِع لا يأكل الحرام، ولا يحابي أحداً.
ويختار الأتقى؛ لأن في التقوى تسهيل الأمور، وتيسير كل عسير، ومعرفة الحق، ومحبته، والحكم به، والعون عليه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
ويختار القوي في علمه، الأمين في عمله، الصادق الفقيه، الرءوف الرحيم بالخلق.
стр. 6858
قال الله تعالى في شأن موسى ﷺ : ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والحكم بين الناس بالعدل عبادة من أعظم العبادات، فيجب على جميع الحكام والقضاة أن يحكموا بما أنزل الله من الحق والهدى؛ إرضاء لربهم، وامتثالاً لأمره، وتحقيقًا للعدل والإحسان بين الناس: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
ومن رحمة الله أن أنزل إلينا الدين الكامل الذي فيه حل جميع مسائل البشرية إلى يوم القيامة.
أنزل الله القرآن الذي فصّل فيه الأحكام والشرائع، وأنزل الميزان والعدل الذي يُمثّل القوة القضائية، وأنزل الحديد الذي يُمثّل القوة التأمينية للأحكام الشرعية: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
ويجتنب القاضي كغيره قبول رشوة، ولا يقبل هدية إلا ممن كان يهاديه قبل ولايته، والأَوْلى عدم قبولها؛ لقوله ﷺ : «هَدَايَا العُمَّالِ غُلُولٌ». أخرجه أحمد بسند صحيح (١).
стр. 6859
• ما يجب على القاضي معرفته:
القاضي يحتاج عند الحكم إلى معرفة ثلاثة أمور:
١ - معرفة الأدلة.
٢ - معرفة الأسباب.
٣ - معرفة البينات.
فالأدلة: معرفة الحكم الشرعي من القرآن والسنة.
والأسباب: معرفة ثبوته في هذا المحل أو انتفاؤه عنه.
والبينات: معرفة طريق الحكم عند التنازع.
فمن أخطأ واحدًا من هذه الثلاثة أخطأ في الحكم: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
• الفرق بين القاضي والمفتي:
القاضي له ثلاث صفات:
١ - فهو من جهة الإثبات شاهد.
٢ - ومن جهة بيان الحكم مفت.
٣ - ومن جهة الإلزام بالحكم ذو سلطان.
والفرق بين القاضي والمفتي:
أن القاضي يبين الحكم الشرعي، ويُلزم به، والمفتي يبين الحكم الشرعي فقط، وكلاهما منصب عظيم، وتوقيع عن رب العالمين، فليتّق الله من ابتُلي بهما: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
стр. 6860
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٧ - ١١٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
• صفة حكم القاضي:
قضاء القاضي يَنْفذ ظاهرًا لا باطنًا، فحكم القاضي لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالًا، فمن كسب القضية بباطل كشهادة زور، لحقه الإثم والتبعة، وإن حكم له القاضي.
والقاضي مجتهد في حكمه، إن أصاب الحق فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ الحق الذي هو مراد الله تعالى، فهو مجتهد مخطئ، وله أجر واحد، لاجتهاده في معرفة الحق وحرصه عليه، ولا إثم عليه، فله أجر اجتهاده؛ لأن الاجتهاد في طلب الحق عبادة، وفاته أجر الإصابة.
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: قد فعلت: أخرجه مسلم (١).
وعَنْ أُمّ سَلَمَةَ ﵂ «أَنّ رَسُولَ الله ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: «إنّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإنّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقّ مُسْلِمٍ فَإنّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النّارِ، فَليَحْمِلهَا أَوْ يَذَرْهَا». متفق عليه (٢).
стр. 6861
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أصَابَ فَلَهُ أجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ». متفق عليه (١).
• صلاحيات القاضي:
القاضي ينظر في جميع الأمور، والأحوال، والقضايا، والمسائل.
فيفصل بين المتخاصمين إما بصلح، أو حكم نافذ، وقمع الظالمين والمعتدين، ونصرة المظلومين، وإيصال الحقوق إلى أهلها، والنظر في الدماء والجراح، والأوقاف والوصايا، والمواريث، والأموال، وينظر في إقامة الحدود، والقيام بحقوق الله تعالى، وعقود النكاح والفسوخ والطلاق ونحوها، والنظر في مصالح المسلمين العامة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وإذا ازدحمت الدعاوي، وكثرت المشاكل، فلا مانع من التخصص، فيكون لكل قاض نوع من القضايا كالحدود، وأمور النكاح، والمواريث، والأموال، والمشاكل الأُسرية ونحو ذلك.
• واجبات القضاة:
أولًا: القضاء في كل حادثة بما يثبت عنده أنه حكم الله تعالى، إما بدليل قطعي من القرآن والسنة، أو بدليل ظاهر موجب للعمل منهما، أو بإجماع، أو قياس، فإن لم يجد الحكم فيما سبق من المصادر اجتهد وعمل بما أدى إليه اجتهاده، وإن لم يكن مجتهداً اختار قول الأفقه والأورع من الأئمة المجتهدين.
стр. 6862
ثانياً: يجب على القاضي أن يحكم بما ثبت عنده بطرق الإثبات الشرعية، وهي: الإقرار، والبينة، واليمين.
ثالثًا: يجب على القاضي نحو المقضي له ألا يكون ممن لا تجوز شهادته لهم كالأبوين، وأولاده، وزوجته، وشريكه في المال؛ لوجود التهمة.
رابعًا: يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لَحْظه ولفظه ومجلسه والدخول عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
• محل القضاء:
القضاء يكون في جميع الحقوق والواجبات، سواء كانت حقوقًا لله كالحدود والفرائض الواجبة لله، أو كانت حقوقاً للبشر كالقصاص، والمعاملات كالبيع والإجارة والنكاح ونحو ذلك مما يجري بين الناس.
فالإسلام دين كامل شامل، وفيه وحده حل جميع المشاكل والمسائل في الدنيا والآخرة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥].
стр. 6863
• هل يقضي القاضي بعلمه؟.
يجب على القاضي أن يحكم حسب الأمور الحسية الظاهرة، ولا يحكم بعلمه ولو كان متيقناً لئلا يُتهم، لكن لو تحاكم إليه خصمان يعلم علم اليقين أن الحق مع أحدهما، حوّل القضية إلى قاض آخر، وصار شاهداً بالحق الذي يعلمه.
لا يقضي القاضي بعلمه؛ لأن ذلك يفضي إلى تهمته، بل يقضي على نحو ما يسمع.
ويجوزله أن يقضي بعلمه إذا لم يخف الظنون والتهمة، أو يكون الأمرقد تواتر عنده، وتظافرت به الأخبار، بحيث اشترك في العلم به هو وغيره، أو بما عَلِمه في مجلس الحكم كموت أحد ونحوه.
• فضل الإصلاح بين الناس ورحمتهم:
يستحب للقاضي أن يصلح بين المتخاصمين، ويرغبهم في العفو والتسامح، وفي الإصلاح أجر عظيم، وزوال الضغينة من القلوب ما لم يتضح الحكم الشرعي فيحكم به: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَرْحَمُ الله مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ». متفق عليه (١).
стр. 6864
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - صفة الحكم
• إذا حضر عند القاضي خصمان قال: أيكما المدعي؟
وله أن يسكت حتى يَبدأ أحدهما، فمَنْ سبق بالدعوى قدَّمه، فإن أقر له خصمه حكم له عليه.
وإنْ أنكر الخصم قال القاضي للمدعي: إنْ كان لك بينة فأحضِرها، فإنْ أحضرها سمعها وحَكم بموجبها، ولا يحكم بعلمه إلا في حالات خاصة كما سبق.
وإن قال المدعي ليس لي بينة، أَعْلَمه القاضي أن له اليمين على خصمه، فإن طلب المدعي إحلاف خصمه أحلفه القاضي، وخلَّى سبيله.
وإن نكل المدعى عليه عن اليمين، وأبى أن يحلف، قضى عليه بالنكول وهو السكوت؛ لأنه قرينة ظاهرة على صدق المدعي.
وللقاضي أن يرد اليمين على المدعي إذا امتنع عنها المدعى عليه، لا سيما إذا قوي جانب المدعي، فإذا حلف قضى له.
وإن حلف المنكِر، وخلَّى القاضي سبيله، ثم أحضر المدعي بينة حَكَم بها؛ لأن يمين المنكِر مزيلة للخصومة لا مزيلة للحق.
ولا يُنقض حكم القاضي إلا إذا خالف الكتاب أو السنة، أو إجماعاً قطعياً.
والأصل في المسلمين العدالة، ما لم تظهر على المسلم الريبة.
فإذا ظهرت عليه الريبة فلا بد من تحقق العدالة ظاهراً وباطناً؛ لأنه لا يجوز استباحة دماء الناس وأموالهم إلا بمن عُرف بالعدالة ظاهراً وباطناً؛ لئلا يقع القاضي فيما حرم الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا
стр. 6865
قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
• حكم وعظ الخصوم قبل الحكم:
يستحب للقاضي موعظة الخصوم قبل الحكم بينهم.
عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلا يَأْخُذْهُ، فَإنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». متفق عليه (١).
ولا ينفذ حكم القاضي لنفسه، ولا لمن لا تقبل شهادته له كعمودي نسبه، والزوجية ونحوهما، وإذا حَكَّم اثنان فأكثر بينهما شخصًا صالحًا للقضاء في أمر من الأمور نفذ حكمه بينهما.
• حكم القضاء بين الكفار:
القاضي يحكم بين الناس بشرع الله .
وإذا تحاكم الكفار إلى قضاة المسلمين جاز للقاضي أن يحكم بينهم بما أنزل الله، وبما يقضي به بين المسلمين.
قال الله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢].
• حكم تولي المرأة القضاء:
الولايات العامة والقضاء من مناصب الرجال دون النساء، فالرجال قوامون على النساء بالرعاية والحماية، والولاية والكفاية، والرجال أقدر على الكسب والتحمل والتصرف في الأمور، ولكمال استعداد الرجال في