← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أصَابَ فَلَهُ أجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ». متفق عليه (١). • صلاحيات القاضي: القاضي ينظر في جميع الأمور، والأحوال، والقضايا، والمسائل. فيفصل بين المتخاصمين إما بصلح، أو حكم نافذ، وقمع الظالمين والمعتدين، ونصرة المظلومين، وإيصال الحقوق إلى أهلها، والنظر في الدماء والجراح، والأوقاف والوصايا، والمواريث، والأموال، وينظر في إقامة الحدود، والقيام بحقوق الله تعالى، وعقود النكاح والفسوخ والطلاق ونحوها، والنظر في مصالح المسلمين العامة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وإذا ازدحمت الدعاوي، وكثرت المشاكل، فلا مانع من التخصص، فيكون لكل قاض نوع من القضايا كالحدود، وأمور النكاح، والمواريث، والأموال، والمشاكل الأُسرية ونحو ذلك. • واجبات القضاة: أولًا: القضاء في كل حادثة بما يثبت عنده أنه حكم الله تعالى، إما بدليل قطعي من القرآن والسنة، أو بدليل ظاهر موجب للعمل منهما، أو بإجماع، أو قياس، فإن لم يجد الحكم فيما سبق من المصادر اجتهد وعمل بما أدى إليه اجتهاده، وإن لم يكن مجتهداً اختار قول الأفقه والأورع من الأئمة المجتهدين.

стр. 6862

ثانياً: يجب على القاضي أن يحكم بما ثبت عنده بطرق الإثبات الشرعية، وهي: الإقرار، والبينة، واليمين. ثالثًا: يجب على القاضي نحو المقضي له ألا يكون ممن لا تجوز شهادته لهم كالأبوين، وأولاده، وزوجته، وشريكه في المال؛ لوجود التهمة. رابعًا: يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لَحْظه ولفظه ومجلسه والدخول عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. • محل القضاء: القضاء يكون في جميع الحقوق والواجبات، سواء كانت حقوقًا لله كالحدود والفرائض الواجبة لله، أو كانت حقوقاً للبشر كالقصاص، والمعاملات كالبيع والإجارة والنكاح ونحو ذلك مما يجري بين الناس. فالإسلام دين كامل شامل، وفيه وحده حل جميع المشاكل والمسائل في الدنيا والآخرة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥].

стр. 6863

• هل يقضي القاضي بعلمه؟. يجب على القاضي أن يحكم حسب الأمور الحسية الظاهرة، ولا يحكم بعلمه ولو كان متيقناً لئلا يُتهم، لكن لو تحاكم إليه خصمان يعلم علم اليقين أن الحق مع أحدهما، حوّل القضية إلى قاض آخر، وصار شاهداً بالحق الذي يعلمه. لا يقضي القاضي بعلمه؛ لأن ذلك يفضي إلى تهمته، بل يقضي على نحو ما يسمع. ويجوزله أن يقضي بعلمه إذا لم يخف الظنون والتهمة، أو يكون الأمرقد تواتر عنده، وتظافرت به الأخبار، بحيث اشترك في العلم به هو وغيره، أو بما عَلِمه في مجلس الحكم كموت أحد ونحوه. • فضل الإصلاح بين الناس ورحمتهم: يستحب للقاضي أن يصلح بين المتخاصمين، ويرغبهم في العفو والتسامح، وفي الإصلاح أجر عظيم، وزوال الضغينة من القلوب ما لم يتضح الحكم الشرعي فيحكم به: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَرْحَمُ الله مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ». متفق عليه (١).

стр. 6864

٤ - الخزانة الرابعة ٥ - صفة الحكم • إذا حضر عند القاضي خصمان قال: أيكما المدعي؟ وله أن يسكت حتى يَبدأ أحدهما، فمَنْ سبق بالدعوى قدَّمه، فإن أقر له خصمه حكم له عليه. وإنْ أنكر الخصم قال القاضي للمدعي: إنْ كان لك بينة فأحضِرها، فإنْ أحضرها سمعها وحَكم بموجبها، ولا يحكم بعلمه إلا في حالات خاصة كما سبق. وإن قال المدعي ليس لي بينة، أَعْلَمه القاضي أن له اليمين على خصمه، فإن طلب المدعي إحلاف خصمه أحلفه القاضي، وخلَّى سبيله. وإن نكل المدعى عليه عن اليمين، وأبى أن يحلف، قضى عليه بالنكول وهو السكوت؛ لأنه قرينة ظاهرة على صدق المدعي. وللقاضي أن يرد اليمين على المدعي إذا امتنع عنها المدعى عليه، لا سيما إذا قوي جانب المدعي، فإذا حلف قضى له. وإن حلف المنكِر، وخلَّى القاضي سبيله، ثم أحضر المدعي بينة حَكَم بها؛ لأن يمين المنكِر مزيلة للخصومة لا مزيلة للحق. ولا يُنقض حكم القاضي إلا إذا خالف الكتاب أو السنة، أو إجماعاً قطعياً. والأصل في المسلمين العدالة، ما لم تظهر على المسلم الريبة. فإذا ظهرت عليه الريبة فلا بد من تحقق العدالة ظاهراً وباطناً؛ لأنه لا يجوز استباحة دماء الناس وأموالهم إلا بمن عُرف بالعدالة ظاهراً وباطناً؛ لئلا يقع القاضي فيما حرم الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا

стр. 6865

قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦]. • حكم وعظ الخصوم قبل الحكم: يستحب للقاضي موعظة الخصوم قبل الحكم بينهم. عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلا يَأْخُذْهُ، فَإنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». متفق عليه (١). ولا ينفذ حكم القاضي لنفسه، ولا لمن لا تقبل شهادته له كعمودي نسبه، والزوجية ونحوهما، وإذا حَكَّم اثنان فأكثر بينهما شخصًا صالحًا للقضاء في أمر من الأمور نفذ حكمه بينهما. • حكم القضاء بين الكفار: القاضي يحكم بين الناس بشرع الله . وإذا تحاكم الكفار إلى قضاة المسلمين جاز للقاضي أن يحكم بينهم بما أنزل الله، وبما يقضي به بين المسلمين. قال الله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢]. • حكم تولي المرأة القضاء: الولايات العامة والقضاء من مناصب الرجال دون النساء، فالرجال قوامون على النساء بالرعاية والحماية، والولاية والكفاية، والرجال أقدر على الكسب والتحمل والتصرف في الأمور، ولكمال استعداد الرجال في

стр. 6866

الخَلْق والفطرة كانت فيهم النبوة والإمامة الكبرى والصغرى، وإقامة الشعائر كالأذان، والخطبة، وإمامة الصلاة وغيرها، فلا تصح ولاية المرأة في هذه الأمور. والأمة التي توليها لن تفلح في دينها ولا دنياها ولا أخراها؛ لمصادمتها الفطرة، ولظلمها للمرأة، ولكن للمرأة من الحقوق مثل ما للرجل، وعليها من الواجبات مثل ما عليه، كل بحسبه وطاقته في وظيفته. قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. وَعَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ أيَّامَ الجَمَلِ، بَعْدَ مَا كِدْتُ أنْ ألحَقَ بِأصْحَابِ الجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ، قال: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ الله ﷺ أنَّ أهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى، قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأةً». أخرجه البخاري (١).

стр. 6867

حكم الشفاعة: الشفاعة قسمان: الأولى: الشفاعة الحسنة: وهي الشفاعة والتوسط للناس ابتغاء مرضاة الله في جلب نفع لهم، أو دفع ضر عنهم، في غير معصية الله، ولا حد من حدود الله، ولا إبطال حق، ولا إحقاق باطل. فهذه الشفاعة حسنة محمودة مندوب إليها، وفيها أجر عظيم. ومن أمثلة الشفاعة الحسنة: التوسط لقضاء حاجات الناس، وتفريج كربات المحتاجين، وقضاء حاجات الضعفاء والعاجزين، والتوسط في تخفيف الدين عن المدينين أو إسقاطه أو قضائه، والتوسط في فعل الخير: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥]. وقال الله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ ، إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ: «اشْفَعُوا فَلتُؤْجَرُوا، وَليَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ». متفق عليه (١).

стр. 6868

الثانية: الشفاعة السيئة: وهي محرمة كالشفاعة مقابل رشوة، أو السعي في إسقاط حد، أو السعي في الإثم والعدوان، أو السعي في إحقاق باطل، أو إبطال حق، أو تقديم من لا يستحق التقديم، أو الوساطة التي تؤدي إلى تأخير مستحق، أو حرمانه ونحو ذلك مما يضر بمصلحة المسلمين: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] • حكم شفاعة القاضي: يستحب للقاضي أن يشفع الشفاعة الحسنة، فيطلب من المتخاصمين أن يصطلحوا، أو يتنازل أحدهم عن بعض حقه. ويُسن أن يرغِّبهم في الصلح والعفو والتسامح؛ لتدوم المحبة والمودة بين الخصوم، وتصفو النفوس من الغل، وتسلم من التقاطع والتدابر: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]. وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمَا، حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: يَا كَعْبُ.، قالَ:

стр. 6869

لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله، قال: ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا.، وَأوْمَأ إلَيْهِ: أيِ الشَّطْرَ، قال: لَقَدْ فَعَلتُ يَا رَسُولَ الله، قال: قُمْ فَاقْضِهِ». متفق عليه (١). • وقت انتهاء ولاية القاضي: كل ما تنتهي به الوكالة تنتهي به ولاية القضاء كالعزل، والموت، والجنون، وكل ما تزول به الأهلية. ولا ينعزل القاضي بموت إمام المسلمين، أو ترك منصبه، وللقاضي أن يعزل نفسه؛ لأنه كالوكيل عن الإمام. • من يعزل القاضي: يجوز لإمام المسلمين عزل القاضي فيما يلي: إذا أخل القاضي بواجبه، أو كثرت الشكاوي عليه أو منه، أو وجد من هو أفضل منه، أو كان في عزله مصلحة للمسلمين ونحو ذلك من الأسباب التي تتحقق بها المصالح، وتندفع المفاسد. فإن لم يكن شيء مما سبق حرم عزله؛ لأنه عبث منهي عنه. وينعزل القاضي بنفسه بأحد ثلاثة أسباب: الأول: الردة بخروجه عن الإسلام؛ لأنه يكون كافراً، والقضاء لا يتولاه إلا مسلم. الثاني: الفسق وهو من يخل بأحكام الشريعة، والآداب العامة. الثالث: زوال الأهلية بجنون أو إغماء أو تخريف ونحو ذلك.

стр. 6870

• حكم الحِيَل: الحيل: هي التحول من حال إلى حال بطرق خفية. • والحيل تنقسم إلى قسمين: الأول: حيل محمودة: وهي ما استُعمل للوصول إلى غرض محمود، أو النجاة من الهلاك، كمن احتال لصيد الطير، أو النجاة من العدو، أو احتال لدفع مفسدة عظيمة، أو احتال لتحصيل مصلحة جائزة ونحو ذلك. الثاني: حيل مذمومة: وهي ما استُعمل للوصول إلى غرض ممنوع شرعاً، كالحيل لإفساد البيع، أو إسقاط الميراث، أو إسقاط الحدود، أو إسقاط الحقوق، أو إسقاط الزكاة، أو تحليل ما حرم الله ونحو ذلك. وهذه الحيل كلها محرمة، بل هي من كبائر الذنوب: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. • حكم التورية: التورية: أن يأتي الإنسان بكلام يحتمل معنيين، ويقصد المعنى الخفي. والتورية جائزة للمصلحة والحاجة كأن يسألك العدو: من أين أنت؟ فتقول: من ماء، وتقصد أنك مخلوق من ماء، وهو يظن أنك من موضع يقال له ماء ونحو ذلك. ولا ينبغي الإكثار منها؛ لئلا يظن الناس به الكذب والاحتيال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].

стр. 6871

٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الدعاوى والبيِّنات • الدعوى: هي طلب المدعي من القاضي حقًا عند غيره بقول أو كتابة. الدعوى: هي إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره. المدَّعي: هو الطالب للحق، وإذا سكت تُرك. المدَّعى عليه: هو المطالَبُ بالحق، وإذا سكت لم يُترك. • أركان الدعوى: أركان الدعوى ثلاثة: الأول: المدعي: وهو الذي يطالِب بالحق. الثاني: المدعى عليه: وهو المطالَب بالحق. الثالث: المدعى به: وهو الشيء أو الحق المطالَب به. فالمدعي إذا سكت عن المطالبة بالحق تُرك، والمدعى عليه إذا سكت لم يُترك. والمدعي هو الذي يُكلَّف بإقامة الدليل والبينة على صدق دعواه؛ لأن الأصل في المدعى عليه براءة ذمته. • صفة الدعوى: الدعوى: هي أن يضيف الإنسان لنفسه شيئاً على غيره، سواء كان هذا الشيء عيناً، أو منفعة، أو حقاً، أو دَيناً، والإضافة ثلاثة أقسام: الأول: أن يضيف الإنسان لنفسه شيئاً على غيره، وهذه دعوى كأن يقول: لي على فلان كذا.

стр. 6872

الثاني: أن يضيف الإنسان شيئاً لغيره على نفسه، وهذا إقراركأن يقول: لفلان عليَّ كذا. الثالث: أن يضيف الإنسان شيئاً لغيره على غيره، وهذه شهادة كأن يقول: أشهد أن لصالح على خالد كذا. • البينة: هي كل ما يُبِيْن الحق من شهود، أو يمين، أو قرائن الأحوال ونحوها. • صفة البينة: البينة: هي ما أبان الشيء وأظهره، سواء كانت حجة شرعية يجب قبولها كالشهادة، أم قرينة يباح الأخذ بها، وسمي الشهود بينةلأنهم يبينون مَنْ له الحق، ومَنْ عليه الحق. وأعظم البينات كتاب الله : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل/ ٨٩]. • حكم المحامات: المحاماة: هي وكالة عن الغير لتحصيل حقه، أو دفع مضرة عنه. وتجوز المحامات، بل تشرع إذا كانت للدفاع عن الحق، ونصرالمظلوم، ورد المظالم، سواء كانت بأجرة أو بدونها: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة/ ٢]. وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً». متفق عليه (١).

стр. 6873

• أحوال البينة: ١ - البينة تارة تكون بشاهدين من الرجال، وتارة برجل وامرأتين، وتارة بأربعة شهداء، وتارة بثلاثة شهداء، وتارة بشاهد ويمين المدعي كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ٢ - يشترط في الشهادة عدالة البينة، ويحكم بها القاضي، فإن علم خلاف ما شهدت به لم يجزله الحكم بها، ومن جُهلت عدالته سأل عنه. وإن جَرح الخصم الشهود كُلِّف من جاء بهم بالتزكية، وأُنظر ثلاثاً، فإن لم يفعل حكم عليه. وإذا علم القاضي عدالة البينة حكم بها ولم يحتج إلى التزكية، وإن علم عدم عدالتها لم يحكم بها، وإن جهل حال البينة طلب من المدعي تزكيتهم بشاهدين عدلين. ولا يُقبل في التزكية والجرح والرسالة والترجمة إلا قول عدلين؛ حفظاً للحقوق والأموال، فإن النفوس ضعيفة يؤثر فيها الطمع فتقول غير الحق. قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص/ ٢٦]. • شروط صحة الدعوى: يشترط لصحة الدعوى ما يلي: أولًا: أن يكون كلٌّ من المدعي والمدعى عليه جائز التصرف، وهو الحر البالغ العاقل الرشيد؛ لأن الدعوى يترتب عليها حكم شرعي، فلم تصح من غير جائز التصرف.

стр. 6874

ثانيًا: أن يبيِّن المدعي دعواه بالتفصيل أمام القاضي، ويحررها ذاكراً جنسها وقَدْرها وصنفها وكل ما يميزها؛ لأن الحكم مرتَّب عليها. ثالثًا: أن تكون معلومة المدعى به، وأن يصرح المدعي بطلب الحق أو العين. رابعًا: أن يكون المدعى به حالاًّ إن كان ديناً. خامسًا: أن يكون المدعى عليه معلوماً، حاضراً، أو غائباً، أو ميتاً. • إقامة الدعوى: تقام الدعوى في بلد المدعى عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته. فإذا ماطل المدعى عليه، أو هرب، أو تأخر عن الحضور، من غير عذر، ألزمه القاضي بالحضور وأدبه. • إثبات الدعوى: لا تثبت دعوى أحد على غيره إلا بدليل يستبين به الحق ويظهر، ويحرم على الإنسان أن يدعي ما ليس له. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنّ اليَمِينَ عَلَى المُدّعَى عَلَيْهِ». متفق عليه (١). وَعَنِ الأَشْعَث بْن قَيْسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أرْضٌ بِاليَمَنِ، فَخَاصَمْتُهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟».، فَقُلتُ: لا، قال: «فَيَمِينُهُ».، قُلتُ: إذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، عِنْدَ ذَلِكَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ

стр. 6875

غَضْبَانُ».، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]. متفق عليه (١). • حكم المال المختصَم فيه (أحوال المدعى به): إذا ادعى المدعي والمدعى عليه عيناً فلا تخلو من ست حالات: الأولى: إن كانت العين في يد أحدهما فهي له مع يمينه إن لم يكن للخصم بينة، فإن أقام كلٌّ منهما بينة فهي لمن هي في يده مع يمينه. الثانية: أن تكون العين في يديهما ولا بينة، فيتحالفان وتقسم بينهما. الثالثة: أن تكون العين بيد غيرهما ولا بينة لهما، فيقترعان عليها، فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها. الرابعة: ألا تكون العين بيد أحد، ولا بينة لأحدهما، فيتحالفان ويتناصفاها. الخامسة: أن يكون لكل واحد بينة، وليست في يد واحد منهما، فهي بينهما على السوية. السادسة: إذا تنازعا دابة أو سيارة، وأحدهما راكب عليها، والآخر آخذ بزمامها، فهي للراكب بيمينه إن لم تكن بينة. • صفة الدعوى: الدعوى أن يضيف الإنسان لنفسه شيئًا على غيره، سواء كان هذا الشيء عينًا، أو منفعة، أو حقًا، أو دَينًا.

стр. 6876

والإضافة ثلاثة أقسام: الأول: أن يضيف الإنسان لنفسه شيئًا على غيره، وهذه دعوى كأن يقول: لي على فلان كذا. الثاني: أن يضيف الإنسان شيئًا لغيره على نفسه، وهذا إقرار كأن يقول لفلان: عليّ كذا. الثالث: أن يضيف الإنسان شيئًا لغيره على غيره، وهذه شهادة كأن يقول: أشهد أن لصالح على خالد كذا. • أقسام الناس في التُهَم: الناس في التهم ثلاثة أصناف: الأول: صنف معروف عند الناس بالدين والورع، وأنه ليس من أهل التهم. فهذا لا يحبس ولا يضرب، ويؤدب من يتهمه. الثاني: أن يكون المتَّهَم مجهول الحال لا يُعرف ببر ولا فجور. فهذا يُحبس حتى يُكشف عن حاله، حفظاً للحقوق. الثالث: أن يكون المتَّهَم معروفاً بالفجور والإجرام، ومثله يقع في الاتهام وهذا أشدّ من القسم الثاني. فهذا يُمتحن بالضرب والحبس حتى يقر؛ حفظاً لحقوق العباد. • صفة الحكم على الغائب: يجوز الحكم على الغائب إذا ثبت عليه الحق بالبينة؛ حفظًا لحقوق العباد، وكان في حقوق الآدميين لا في حق الله ، وكان الغائب بعيدًا مسافة قصر فأكثر، وتعذَّر حضوره عند القاضي، فإن حضر الغائب فهو على حجته. وتقام الدعوى في بلد المدعى عليه.

стр. 6877

لأن الأصل براءة ذمته، فإن هرب، أو ماطل، أو تأخر عن الحضور من غير عذر لزم تأديبه بما يردعه ويحفظ حق غيره. • حكم كتاب القاضي إلى القاضي: يُقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق لآدمي كالبيع، والإجارة، والوصية، والنكاح، والطلاق، والجناية، والقصاص ونحوها، وفي كل حق لله كالزكاة والواجبات والكفّارة. ولا ينبغي أن يكتب القاضي إلى القاضي في حدود الله كالزنا، والقذف ونحوهما؛ لأنها مبنية على الستر، والدرء بالشبهات. وفائدة الكتابة إلى قاض آخر: راحة الخصوم من عناء السفر والتردد، أو يكون القاضي المكتوب إليه أكثر عملاً، فيحررها بشهودها من هو أقل عملاً، ثم يدفعها للقاضي الثاني ليحكم بها ونحو ذلك من المصالح: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢]. • خطر اليمين الكاذبة: يحرم على الإنسان أن يحلف يميناً كاذبة، ليقتطع بها مال أخيه بغير حق، وهي اليمين الفاجرة، وذلك ظلم موجب لغضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة.

стр. 6878

عَنْ أبِي أمَامَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ الله؟ قال: وَإنْ قَضِيبًا مِنْ أرَاكٍ». أخرجه مسلم (١). • حكم قسمة الأملاك: لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر أو رد عوض إلا برضا الشركاء، وما لا ضرر فيه ولا رد عوض في قسمته، فإذا طلب الشريك قسمتها أُجبر الآخر عليها، وللشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم، أو بقاسم يختارونه، أو يسألون الحاكم نصبه وأجرته على قدر الأملاك، فإذا اقتسموا أو اقترعوا لزمت القسمة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] • حكم التناقض: ينقسم التناقض إلى قسمين: الأول: تناقض الشهود: فإذا أدى الشهود الشهادة ثم رجعوا عنها، أو تناقضوا فيها: فإن كان ذلك قبل حكم القاضي تكون شهادتهم لاغية ويعزرون، وإن رجعوا عن الشهادة بعد الحكم، فلا يُنقض الحكم، ويضمن الشهود ما يترتب على الحكم من ضرر؛ لأن شهادتهم شهادة زور. ثانيًا: تناقض المدعي: إذا سبق من المدعي كلام مناقض لدعواه بطلت الدعوى، كأن يقر بمال لغيره، ثم يدعي أنه له، فهذا الادعاء مبطل لدعواه، ومانع من قبولها.

стр. 6879

• حكم نقض بينة المدعي: يحق للمدعى عليه أن يقدِّم بينة يُثبت بها براءة ذمته، ويَدفع بها دعوى المدعي. فإن لم تكن له بينة جاز له أن يقدِّم بينة تشهد بالطعن في عدالة الشهود، وتجرح بينة المدعي. • حكم الإكراه: الإكراه: هو حمل الغير على ما يكره بالقوة والتهديد. وينقسم الإكراه إلى قسمين: الأول: إكراه على الكلام: وهذا الإكراه لا يجب به شيء؛ لأن المكرَه غير مكلف، فإذا نطق بكلمة الكفر فإنه لا يؤاخذ، وإذا أقر بشيء فإنه لا يؤخذ بإقراره، وإذا عقَد عَقْد بيع أو زواج أو طلّق فإنه لا ينعقد: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]. الثاني: إكراه على الفعل: والإكراه على الفعل ينقسم إلى قسمين: أحدهما: إكراه تبيحه الضرورة: كالإكراه على أكل الميتة، أو شرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير ونحو ذلك كالإكراه على الإفطار في رمضان، أو السجود لصنم، أو أكل مال الغير. فهذا إذا لم يكن له خلاص إلا به، ولا ضرر فيه على أحد، فله فعله ولا إثم عليه مادام مكرهاً عليه، وهو كاره له: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 6880

وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: قد فعلت: أخرجه مسلم (١). ثانيًا: إكراه لا تبيحه الضرورة: كالإكراه على القتل، والضرب، وإفساد المال، والزنا ونحو ذلك. فهذا لا يجوز له الإقدام على قتل غيره ولا انتهاك حرمته، ويصبر على البلاء، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].

стр. 6881

٦ - الخزانة السادسة ٧ - كيفية إثبات الدعوى • طرق إثبات الدعوى: تثبت الدعوى بواحد مما يلي: ١ - الإقرار. ٢ - الشهادة. ٣ - اليمين. أولًا: الإقرار: الإقرار: هو إظهار مكلف مختار ما وجب عليه. والإقرار سيد الأدلة، ويسمى بالشهادة على النفس. وهو حجة مطلقة؛ لأن الإنسان غير متهم بالإقرار على نفسه كاذبًا، وهو من أقوى الأدلة لإثبات دعوى المدعي عليه. • حكم الإقرار: ١ - الإقرار واجب إذا كان في ذمة الإنسان حق للهِ كالزكاة ونحوها، أو حق لآدمي كالدين ونحوه. ٢ - يجوز الإقرار إذا كان على المكلف حد من حدود الله تعالى كالزنى، والستر على نفسه والتوبة من ذلك أولى. ٣ - إذا صح الإقرار وثبت، فإن كان متعلقاً بحق من حقوق الآدميين فلا يجوز الرجوع عنه، ولا يُقبل منه الرجوع.

стр. 6882

وإن كان متعلقاً بحق من حقوق الله كحد الزنى، أو القذف، أو السرقة ونحوها، فيجوز الرجوع عنه؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهات، وحقوق الله مبنية على العفو والمسامحة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل/ ٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥]. وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أنَّ رَجُلاً مِنْ أسْلَمَ أتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لِشِقِّهِ الَّذِي أعْرَضَ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: «هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟ هَلْ أحْصَنْتَ».، قال: نَعَمْ، فَأمَرَ بِهِ أنْ يُرْجَمَ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أُدْرِكَ بِالحَرَّةِ فَقُتِلَ». متفق عليه (١). • شروط صحة الإقرار: يصح الإقرار من كل بالغ، عاقل، مختار، جائز التصرف. فلا يصح إقرار الصغير، والمجنون، والمكره، والمحجور عليه، ولا يصح الإقرار بما يحيله العقل أو العادة؛ لأنه كذب، ولا يحل الحكم بالكذب.

стр. 6883

• أحوال الإقرار: إقرار الإنسان على نفسه له حالتان: إقرار واجب: وهو إذا كان في ذمة الإنسان حق لله كالزكاة ونحوها، أو حق لآدمي كالدَّين ونحوه. ثانيًا: إقرار جائز: وهو إذا كان على المكلف حد من حدود الله تعالى كالزنا والسرقة ونحوهما، والستر على نفسه والتوبة من ذلك أولى. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إنّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحّىَ تِلقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله إنّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرّاتٍ، فَلَمّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟». قَالَ: لَا، قَالَ: «هَلْ أَحْصَنْتَ؟». قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ». متفق عليه (١). • حكم الرجوع عن الإقرار: إذا صح الإقرار وثبت: فإن كان متعلقاً بحق من حقوق الآدميين فلا يجوز الرجوع عنه، ولا يُقبل منه، وإن كان متعلقاً بحق من حقوق الله كحد الزنا، أو الخمر، أو السرقة ونحوها، فإنه يجوز الرجوع عنه؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهات، وحقوق الله مبنية على التسامح والعفو: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].

стр. 6884

• حكم الإقرار بالدَّين: إذا أقر الإنسان لأحد ورثته بدين، فإن كان في مرض موته فلا يصح الإقرار إلا إذا صدَّقه باقي الورثة؛ لاحتمال حرمان باقي الورثة، وإن كان الإقرار في حال الصحة جاز. وإذا أقر الإنسان في مرض موته لأجنبي فإقراره صحيح، سواء أقر بدين أو عين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].

стр. 6885

٢ - الشهادة • الشهادة: هي الإخبار بما عَلِمه بلفظ: أشهد، أو رأيت، أو سمعت ونحو ذلك. وقد شرع الله الشهادة بالحق لإثبات الحقوق، ودفع الظلم عن غيره: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق/ ٢]. • حكم الشهادة: الشهادة مشروعة لإثبات الحقوق وحفظها. وتحمُّلها وأداؤها عبادة يؤجر عليها الشاهد؛ لما يتضمن من بيان الحق، وحفظ الحقوق: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيّ ﵁ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشّهَدَاءِ؛ الّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا». أخرجه مسلم (١).

стр. 6886

• حكم أداء الشهادة: ١ - تَحمُّل الشهادة فرض كفاية إذا كانت في حقوق الآدميين، وأداؤها فرض عين على مَنْ تَحَمَّلها إن كانت في حقوق الآدميين: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة/ ٢٨٣]. ٢ - أداء الشهادة في حق الله تعالى مباح كمن شهد بحد من حدود الله كالزنى ونحوه، وتركها أولى؛ لوجوب ستر المسلم، إلا إن كان مجاهراً معروفاً بالفساد فأداؤها أفضل؛ لقطع دابر الفساد والمفسدين. ٣ - لا يحل لأحد أن يشهد إلا بعلم، والعلم يحصل بالرؤية، أو السماع، أو الاستفاضة - وهي الشهرة - كزواج أحد، أو موته ونحوهما: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء/ ٣٦]. • شروط وجوب أداء الشهادة: يشترط لأداء الشهادة ما يلي: أن يُدعى الإنسان للشهادة، وأن يقدر على ذلك، وألّا يترتب على أدائه لها ضرر يلحقه في بدنه، أو عرضه، أو ماله، أو أهله، ومن شهد لإثبات حق، أو إبطال باطل فله أجر عظيم: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة/ ٢٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء/ ١١٤].

стр. 6887

• شروط من تُقبل شهادته: يشترط فيمن تُقبل شهادته ما يلي: أولًا: أن يكون بالغاً عاقلاً، فلا تقبل شهادة الصبيان إلا فيما بينهم. ثانيًا: الكلام، فلا تقبل شهادة الأخرس إلا إذا أداها بخطه. ثالثًا: الإسلام، فلا تجوز شهادة الكافر على المسلم إلا في الوصية أثناء السفر إذا لم يوجد مسلم. رابعًا: الحفظ، فلا تقبل الشهادة من مغفل. خامسًا: عدم التهمة، فلا تقبل شهادة من يجلب إلى المشهود له نفعًا، أو يدفع عنه ضررًا، أو يجلب تهمة من زوج، أو والد، أو ولد، أو شريك. سادسًا: العدالة، والعدالة في كل زمان ومكان بحسبها، ويُعتبر لها شرطان: الأول: الصلاح في الدين، وهو أداء الفرائض، واجتناب الكبائر. والثاني: المروءة، وهي فعل ما يجمِّله كالكرم وحسن الخلق ونحوهما، واجتناب ما يدنِّسه من الرذائل والشعوذة ونحوهما: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ

стр. 6888

الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. • موانع الشهادة: الموانع التي تمنع من قبول الشهادة هي: الأول: قرابة الولادة: وهم الآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا، فلا تُقبل شهادة بعضهم لبعض؛ للتهمة بقوة القرابة، وتُقبل عليهم. وأما بقية القرابة كالإخوة والأعمام ونحوهما فتُقبل لهم وعليهم. الثاني: الزوجية: فلا تُقبل شهادة الزوج لزوجته، ولا الزوجة لزوجها، وتُقبل عليهم. الثالث: مَنْ يجر إلى نفسه نفعاً كشهادته لشريكه، أو رقيقه، أو خادمه ونحوهم. الرابع: مَنْ يدفع عن نفسه ضرراً بتلك الشهادة. الخامس: العداوة الدنيوية، فمن سره مساءة شخص، أو غمه فرحه، فهو عدوه. السادس: مَنْ شهد عند حاكم ثم رُدَّت شهادته لخيانة ونحوها. السابع: العصبية، فلا تُقبل شهادة من عُرف بالتعصب لقومه، أو قبيلته، أو بلده. الثامن: إذا كان المشهود له مالكاً للشاهد، أو خادماً عنده. التاسع: القذف إلا أن يتوب القاذف.

стр. 6889

• أقسام الشهود: ينقسم الشهود بالنسبة للمشهود به إلى قسمين: الأول: الشهادة في حقوق الله تعالى، وهي ثلاثة أقسام: أولًا: ما لا يُقبل فيه أقل من أربعة شهود عدول من الرجال، وهو الزنا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤] ثانيًا: ما يُقبل فيه اثنان من الرجال العدول، وهو كل ما سوى الزنا من الحدود. ثالثًا: ما يُقبل فيه شاهد واحد، وهو هلال دخول رمضان أو غيره. عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «تَرَاءَى النَّاسُ الهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بصِيَامِهِ». أخرجه أبو داود بسند صحيح (١). الثاني: الشهادة في حقوق الآدميين، وهي أربعة أقسام: الأول: إذا ادعى من عُرف بالغنى أنه فقير ليأخذ من الزكاة. فهذا لابد أن يأتي بثلاثة رجال عدول يشهدون بِصِدقه ليعطى. عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الهِلالِيِّ ﵁ قالَ: «تَحَمَّلتُ حَمَالَةً، فَأتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ أسْألُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا».، قال: ثُمَّ قال: «يَا قَبِيصَةُ! إِنَّ المَسْألَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ قال سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ قال

стр. 6890

سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْألَةِ، يَا قَبِيصَةُ! سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا». أخرجه مسلم (١). الثاني: ما لا يُقبل فيه إلا شهادة رجلين عدلين، وهو كل ما لا يُقصد منه المال، ويطلع عليه الرجال غالباً، كالقصاص والتعزير ونحوهما. الثالث: ما يقبل فيه شهادة رجلين عدلين، أو رجل وامرأتان، أو شاهد ويمين المدعي، وهو كل ما كان القصد منه المال كالبيع، والإجارة، والرهن ونحو ذلك، والحقوق كالنكاح، والطلاق، والرجعة ونحو ذلك من كل ما سوى القصاص والحدود. ويقبل في الأموال خاصة رجل ويمين المدعي إذا تعذر إتمام الشهود: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢]. وَعَنِ الأشْعَثِ بْنِ قَيسٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: «شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ». متفق عليه (٢). وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ «أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ». أخرجه مسلم (٣). الرابع: ما يقبل فيه شهادة رجلين عدلين، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة، ويجوز مع اليمين من رجل عدل أو امرأة عدل، وهو كل ما لا يطلع عليه الرجال غالباً كالحيض، والرضاع، والولادة ونحو ذلك.

стр. 6891

• حكم الرجوع عن الشهادة: الرجوع عن الشهادة أن يقول الشاهد: رجعت عما شهدت به. ولا يصح الرجوع إلا في مجلس القضاء؛ لأنه فَسْخ للشهادة، وإثبات الشهادة وفسخها لا يكون إلا في المحكمة. ولا يصح الرجوع عن الشهادة بعد صدور الحكم من القاضي، وإذا رجعوا لم ينتقض الحكم، ويلزمهم ضمان المال أو التلف الذي تسببوا في إلحاقه بالمشهود عليه من مال، أو دية، أو قذف، ويعزرهم القاضي بما يؤدبهم. وإن رجع الشهود عن الشهادة قبل الحكم ألغي، فلا حكم ولا ضمان، لكن إن رجعوا عن شهادة في زنا حُدُّوا حد القذف. • حكم شهادة غير المسلمين: شهادة غير المسلمين لها حالتان: الأولى: شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض. فتقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. الثانية: شهادة غير المسلمين على المسلمين. فهذه لا تقبل فيها شهادة الكفار على المسلمين إلا عند الضرورة، إذا لم يوجد غيرهم، حضراً وسفراً: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ [المائدة: ١٠٦].

стр. 6892

• حكم شهادة الزور: شهادة الزور من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب. فهي سبب في أكل أموال الناس بالباطل، وسبب لإضاعة الحقوق، وسبب لإضلال الحكام والقضاة ليحكموا بغير الحق، فيجب اجتنابها: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١]. وَعَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ألا أنَبِّئُكُمْ بِأكْبَرِ الكَبَائِرِ».، ثَلاثًا، قالوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قالَ: «الإِشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقال: ألا وَقَوْلُ الزُّورِ».، قال: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ». متفق عليه (١). • عقوبة شاهد الزور: إذا أقر الإنسان أنه شهد زوراً عند القاضي فهو فاسق ترد شهادته. وللإمام تعزيره بما يردعه بالضرب، أو الحبس، أو التوبيخ، أو يشهِّر به في الأسواق أو بين قومه، ليعرفه الناس ويحذروه. يفعل القاضي ما يحقق المصلحة، ويدفع المفسدة، بحسب الناس، وحجم القضية. وشاهد الزور إذا مات ولم يتب فيعذب في النار بقدر جرمه وكذبه. عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقاً، وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّاباً». متفق عليه (٢).

стр. 6893

• حكم الرشوة: الرشوة: هي ما يعطيه الإنسان لحاكم أو غيره ليحكم له، أو يقدمه على غيره، أو يعطيه حق غيره. والرشوة حرام، سواء كانت للحاكم، أو المسئول، أو العامل، أو غيرهم. وهي حرام على المعطي والآخذ والوسيط، فكل هؤلاء آثمون، وعليهم العقاب في الدنيا والآخرة. فالرشوة تفسد القلوب، وتسبب الشحناء بين الناس، وتزيد الظلم والجور، وتطمس معالم العدالة والحق: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]. وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السّاعِدِيّ ﵁ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ الله ﷺ رَجُلاً مِنْ الأَسْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيّةِ عَلَى الصّدَقَةِ، فَلَمّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا لِي أُهْدِيَ لِي، قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، فَحَمِد الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمّهِ حَتّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا، وَالّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئاً إلاّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ». متفق عليه (١). وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي». أخرجه أبو داود والترمذي (٢).

стр. 6894

٣ - اليمين • اليمين: هي الحلف بالله، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته. • ما تُشرع فيه اليمين: تُشرع اليمين في دعوى حقوق الآدميين خاصة، فهي التي يُستحلف فيها حفظاً للحقوق. أما حقوق الله كالعبادات والحدود فلا يُستحلف فيها، فلا يُستحلف إذا قال دفعت زكاة مالي، ولايُستحلف المنكِر لموجب حد من حدود الله كالزنى والسرقة؛ لأنه يستحب سترها، والتعريض بالرجوع عنها. • حكم اليمين في الدعوى: إذا عجز المدعي بحق على آخر عن البينة، وأنكر المدعى عليه، فليس له إلا يمين المدعى عليه، وهذا خاص بالأموال ونحوها، ولا يجوز في دعوى القصاص والحدود. واليمين تقطع الخصومة، ولا تُسقط الحق، والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر، هذا هو الأصل. فإذا أحضر المدعي البينة حَكَم القاضي بموجبها، وإذا لم يُحضرها طُلب من المدعى عليه الذي أنكر أن يحلف، فإذا لم يحلف رد اليمين على المدعي؛ لأنه لما نكل المدعى عليه قوي جانب المدعي، فيرد عليه اليمين ليتأكد، ويقوِّي دعواه بيمينه. وللقاضي أن يقضي على المدعى عليه بالنكول، ولا يحلِّف المدعي. ويجوز للقاضي أن يُحَلِّف المدعي، أو يُحَلِّف المدعى عليه حسب ما يراه.

стр. 6895

واليمين مشروعة في أقوى الجانبين؛ لأن الأصل براءة الذمة إلا ببينة، فإذا لم توجد اكتفى منه باليمين التي تؤكد دعواه. ١ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ». متفق عليه (١). ٢ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «البَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلى المُدَّعَى عَلَيهِ». أخرجه الترمذي (٢). • حكم تغليظ اليمين: يجوز للقاضي تغليظ اليمين فيما له خطر كجناية لا توجب قوداً، ومالٍ كثير ونحوهما إذا طلبها من توجهت له اليمين. والتغليظ في الزمان بعد العصر، وفي المكان في المسجد عند المنبر. وإن رأى القاضي ترك التغليظ كان مصيباً، ومن أبى التغليظ لم يكن ناكلاً عن اليمين، ومن حُلف له بالله فليرض: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ [المائدة/ ١٠٦].

стр. 6896

• حقيقة اليمين: النية في اليمين لها حالتان: الأولى: اليمين الموجهة من القاضي لفصل الخصومة والنزاع تكون على نية المستحلِف وهو القاضي، فلا يصح فيها التورية أو الاستثناء. الثانية: إذا حلف الإنسان باختياره، أو طلبها شخص منه دون أن يكون له عليه حق اليمين، فهذه تكون على نية الحالف في كل الأحوال، ويجوز للحالف التورية في يمينه، وله نيته. عَنْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (١). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ». أخرجه مسلم (٢). • صيغة اليمين: صيغة اليمين أن يقول الحالف: والله، أو وبالله، أو تالله، أو ورب العالمين، أو والحي الذي لا يموت، أو والذي له ملك السماوات والأرض ونحو ذلك من أسماء الله أو صفاته، وهي التي يُحلف بها غالبًا. أو يحلف بصفة من صفات الله فيقول الحالف: وعظمة الله، أو وعزة الله، أو ورحمة الله، أو وقدرة الله، أو وكبريائه، أو وكلامه، أو ومشيئته ونحو ذلك. أو يحلف بكتاب الله، أو القرآن، أو المصحف، أو يحلف بالتوراة والإنجيل والزبور؛ لأنها كلام الله ، وكلامه سبحانه صفة من صفاته.

стр. 6897

• شروط اليمين: يشترط في اليمين في مجلس القضاء ما يلي: أولًا: أن يكون الحالف بالغاً عاقلاً مختاراً. ثانيًا: أن يكون المدعى عليه منكراً حق المدعي. ثالثًا: أن يطلب الخصم اليمين من القاضي، فيطلبها القاضي من الخصم. رابعًا: ألا تكون في الحقوق الخالصة لله كالعبادات والحدود. خامسًا: أن تكون في الحقوق التي يجوز الإقرار بها. سادسًا: أن يعجز المدعي عن إحضار البينة. • صفة اليمين: اليمين تقطع الخصومة، ولا تُسقط الحق، فمن حكم له القاضي بحق غيره فلا يحل له، وهو عليه حرام. والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر. ويجوز للقاضي أن يُحَلِّف المدعى عليه، أو يُحَلِّف المدعي، حسب ما يراه. واليمين مشروعة في أقوى الجانبين؛ لأن الأصل براءة الذمة إلا ببينة، فإذا لم تكن اكتفى منه باليمين. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ أَنّ النّبِيّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنّ اليَمِينَ عَلَى المُدّعَى عَلَيْهِ». متفق عليه (١). • أنواع اليمين: تنقسم اليمين في مجلس القضاء إلى ثلاثة أنواع: الأول: يمين الشاهد:

стр. 6898

وهي اليمين التي يحلفها الشاهد قبل أداء الشهادة للاطمئنان إلى صدقه، ويلجأ إليها القاضي أحياناً بدلاً من تزكية الشاهد عند ضعف الوازع الديني. الثاني: يمين المدعى عليه: وهي التي يحلفها المدعى عليه بطلب المدعي؛ لتأكيد جوابه عن الدعوى. الثالث: يمين المدعي: وهي التي يحلفها المدعي لدفع التهمة عنه، أو لإثبات حقه، أو لرد اليمين عليه. وهي ثلاثة أنواع: أولًا: اليمين الجالبة: وهي التي يحلفها المدعي لإثبات حقه إما مع شهادة شاهد واحد، وهي اليمين مع الشاهد، وإما بسبب نكول المدعى عليه عن اليمين الأصلية، وردها القاضي إلى المدعي ليحلف، وهي اليمين المردودة. وإما لإثبات الجناية على القاتل، وهي أيمان القسامة، وإما لنفي حد القذف عنه، وهي أيمان اللعان، وإما لتأكيد نفي الأمانة، فالقول قول الأمين مع يمينه كالوديع والوكيل ونحوهما. ثانيًا: يمين التهمة: وهي اليمين التي تُطلب من المدعي بقصد رد دعوى غير محقَّقة على المدعى عليه.

стр. 6899

ثالثًا: يمين التوثق والاستظهار: وهي التي يحلفها المدعي بطلب القاضي مع الأدلة لدفع التهمة عنه، يلجأ إليها القاضي عادة إذا كانت الدعوى بحق على ميت أو غائب، لاحتمال أنه قد استوفى الدَّين أو أبرأه منه. فيحلف المدعي، ويأخذ ما ادعاه بالبينة واليمين، لوجود الشك. الآثار المترتبة على اليمين: اليمين إما أن تكون من المدعي، أو المدعى عليه. فإذا أدى المدعي اليمين مع الشاهد ثبت للمدعي الحق المحلوف عليه. ويترتب على حلف اليمين من المدعى عليه سقوط الدعوى، وانتهاء النزاع بين المتداعيين، وعدم المطالبة في الحال. فإن تمكن المدعي من إحضار بينة فيما بعد حَكَم له القاضي بعد ثبوت دعواه؛ لأن اليمين تزيل الخصومة، ولا تزيل الحق. • مشروعية اليمين: تشرع اليمين في حق كل مدَّعَى عليه، سواء كان مسلماً، أو من أهل الكتاب، فيحلف بالله إن لم تكن للمدعي بينة. • أنواع الحقوق التي تجوز فيها اليمين: أولاً: يجوز الحلف نفياً أو إثباتاً، في الأموال، وما يؤول إلى الأموال، وفي الحقوق التي بين العباد كالجنايات ونحوها. ثانيًا: لا يجوز الحلف في حقوق الله المختصة، سواء كانت حداً كالزنا والسرقة ونحوهما، أو كانت عبادة كالصلاة والصوم ونحوهما؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، والعبادات علاقة بين العبد وربه، فلا يتدخل فيها أحد.

стр. 6900

• حكم القضاء بالنكول: إذا امتنع المدعى عليه من اليمين، فإنه لا يُقضى عليه بالنكول، ولكن تُردّ اليمين على المدعي في جميع الحقوق إلا الجنايات والحدود، فيحلف المدعي، ويقضي له القاضي بما ادعاه، فإن امتناع المدعى عليه عن اليمين أو سكوته قرينة على عدم صدقه، ودليل على صدق المدعي، وردها إلى المدعي أقوى في إثبات الحق؛ لأنها تشرع في أقوى الجانبين. • حكم القضاء بشاهد ويمين: أولاً: إذا قدَّم المدعي شاهدين على دعواه، وقُبلت شهادتهما، حكم له القاضي بما ادعاه. وإذا عجز المدعي عن البينة، وطلب تحليف المدعى عليه: فإن حلف المدعى عليه رُفضت دعوى المدعي. ثانيًا: إن نكل المدعى عليه أو سكت، فلا يقضى عليه بالنكول، ولكن ترد اليمين على المدعي فيحلف ثم يأخذ حقه. ثالثًا: إذا أقام المدعي شاهداً، وعجز عن تقديم شاهد آخر، فله أن يحلف مع الشاهد في الأموال، وما يؤول إلى الأموال، ما عدا القصاص والحدود. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ «أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ». أخرجه مسلم (١). • خطر اليمين الكاذبة: يحرم على الإنسان أن يحلف يميناً كاذبة، ليقتطع بها مال أخيه بغير حق، وهي اليمين الفاجرة، وذلك ظلم موجب لغضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة.
следующие страницы →