← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

خسف: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥]. وقال الله في المعارضة للرسل الأمم السابقة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. ومن أُمر بالقتال نصره الله، وأهلك أعداءه بالسيف، ومنهم محمدٌ ﷺ وداود، كما قال الله عن محمد ﷺ : ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾ [النساء: ٨٤]. وقال عن داود: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]. والله أمرنا بالإيمان بجميع الرسل، فيجب علينا أن نؤمن بجميع الأنبياء والرسل، ويجب علينا أن نتبع خاتمهم وأفضلهم وسيدهم محمدًا ﷺ ، لأنه هو الذي فرض الله علينا إتباعه في كل شيء: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 737

فنتبع الرسول ﷺ في خمسة أمور: في نيته وفكره .. وفي توحيده وإيمانه .. وفي أقواله الحسنة .. وفي أعماله الصالحة .. وفي أخلاقه الكريمة. أما ما سوى النبي ﷺ من الرسل فإننا نتبعهم في التوحيد والإيمان والأخلاق، ونتبعهم في الأحكام إذا ورد شرعنا بالأمر بإتباعهم به، قال النبي ﷺ : «إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ، صِيَامُ دَاوُدَ، وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ، صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا». متفقٌ عليه (١). وشرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يرد شرعنا بخلافه، فإن الله لما ذكر الأنبياء والرسل قال لنبيه ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].

стр. 738

٩ - الخزانة السابعة • عصمة الأنبياء والرسل: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام معصومون من أربعة وجوه: ما يقع في باب الاعتقاد .. وما يقع في باب الأحكام. وما يقع في باب التبليغ .. وما يقع في سيرتهم وأفعالهم. ولو جاء الأنبياء والرسل بالمعصية، لوجب على الأمة الاقتداء بهم، وذلك يفضي إلى الجمع بين الحرمة، والوجوب، فطاعتهم واجبة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. فالمعاصي محرمة، وطاعة الأنبياء والرسل واجبة؛ ولأن الأنبياء لو فعلوا المعصية، لكانوا مستحقين للعذاب كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن: ٢٣]. ولاستحقوا اللعن كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨]. وذلك محال، بلالأنبياء والرسل لم يصدر منهم إلا كل خير، وهو فعل ما ينبغي فعله، وترك ما ينبغي تركه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].

стр. 739

وهم خيارٌ في كل الأمور، وذلك ينافي صدور الذنب منهم: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧]. وما يصدر من الرسل أحياناً إنما هو ترك الأحسن، وفعل الحسن. والرسول أفضل من الملك، فوجب ألا يصدر الذنب من الرسول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣]. والملائكة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. والله سبحانه جعل الأنبياء أئمةً للناس، فلو صدر منهم الذنب لوجب على أممهم أن يأتموا بهم في الذنب، وهذا غير جائز، كما قال الله لإبراهيم: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة/ ١٢٤]. والأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله، فلو لم يطيعوه لكانوا عصاه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤]. والله سبحانه قسم الخلق إلى قسمين: احدهما: حزب الله. الثاني: حزب الشيطان.

стр. 740

وحزب الشيطان هو الذي أطاع الشيطان. فلو صدرت المعصية من الرسول لصدق عليه أنه من الخاسرين، ومن حزب الشيطان وحاشاه ذلك: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ [المجادلة: ١٩]. لهذا أمرنا الله بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلمطاعةً مطلقة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. • الإيمان بالأنبياء والرسل. الله سبحانه له ما في السماوات والأرض وما فيهن: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠]. والله سبحانه رسلٌ تدبر أوامره الكونية القدرية في العالم العلوي والعالم السفلي، وهم الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]. وهم المقسمات أمراً بإذن ربهم : ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤]. ولله رسلٌ من البشر، أوحى إليهم بواسطة جبريل منهجًا ينظم حياة الناس، ويعرفهم بربهم، وبالطريق الموصل إليه، وما لهم بعد القدوم عليه، ليسعدوا به في الدنيا والآخرة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].

стр. 741

وكل واحد من رسل الله وأنبيائه معصوم، لأن الله اجتباه ورباه، وملأ قلبه بنور الإيمان، فهو دائم الاتصال بالله ربه، وجعله سبحانه قدوةً للبشر يهتدون بهديه، ويتعبدون لله بأقواله وأعماله وأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فالأنبياء أعلم الخلق بالله، وأحسنهم أخلاقًا، وأجملهم سيرة، أذاقهم الله الفقر والجوع فصبروا، وسفّه عليهم الأشرار فحلموا، وأذاقهم النعم فشكروا، وأساء إليهم أقوامهم فأحسنوا، وقطعهم الناس فوصلوا، فهم أحسن الناس أخلاقًا وآدابًا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠] وقال الله عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. أرسلهم الله سبحانه للناس رحمة، فكانوا أرحم الناس للناس: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فمن أجل إعلاء كلمة الله، وإبلاغ دين الله، هاجروا في سبيل الله، وصبروا في سبيل الله، وجاهدوا في سبيل الله، وضحوا بكل شيءٍ من أجل إبلاغ دين الله، وتركوا كل شيءٍ من أجل الله.

стр. 742

فالأنبياء والرسل هم قمم الكمال، ومنابر العلم والتقوى، وأئمة الهدى، وملوك الأخلاق، وأكرم الخلق: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. ولهذا معرفة سيرة الأنبياء خاصةً رسولنا ﷺ فرض عينٍ على كل مسلمٍ ومسلمة، وذلك ليتم الاقتداء به في التوحيد والإيمان، والأحكام والأخلاق، والأقوال والأعمال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وكما يجب علينا معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، كذلك يجب علينا معرفة رسوله ﷺ ، ومعرفة التوحيد والإيمان الذي جاء به، ومعرفة أقواله الحسنة، وأعماله الصالحة، وأخلاقه العالية. وأرسل الله الرسل، ليخرجوا الناس من ظلمات الكفر والشرك إلى نور التوحيد والإيمان، بإذن ربهم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]. • فقه الإيمان بالأنبياء والرسل. أركان الإيمان ستة وهي: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، وسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. والإيمان بالأنبياء والرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان.

стр. 743

فنؤمن بجميع رسل الله وأنبيائه، وعددهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبيٍ ورسول. والرسل منهم ثلاثمائة وخمسة عشر. والله سبحانه لم يترك أمة ولا زمانًا ولا مكانًا إلا وأرسل فيه رسولًا يأمر الناس بعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ [فاطر: ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ (٤٧)﴾ [يونس: ٤٧]. فكل قوم أو قرية أو أمة من عهد آدم صلى الله عليه وسلمإلى بعثة محمدٍ ﷺ أرسل الله إليهم رسولًا، وبعث لهم نبيًا، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]. والمذكور من الأنبياء والرسل في القرآن خمسة وعشرون نبيًا ورسولًا. والنبي له معنيان: فهو مأخوذٌ من النبأ أي الخبر، أو مأخوذٌ من النبوة وهو ما ارتفع من الأرض، فكأن النبي مُخبًرٌ من الله بالوحي، ومُخبِرٌ للناس بما أوحى الله إليه من الوحي، وكذا النبي أرفع درجةً عند الله وعند الناس.

стр. 744

أما الرسالة فمأخوذةٌ من رَسَلَ، وهو الانبعاث على تؤدة، أو من رًسْل اللبن بمعنى تتابع دره من الضرع، فكأن الرسول هو من يتتابع عليه الوحي رسْلًا مرة بعد أخرى بتُؤدة، فكل رسولٍ أرسله الله برسالة إلى الناس، وكل نبيٍ بعثه الله بنبأٍ ينبئ به الناس: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾ [التحريم: ٣]. و يشترك النبي والرسول في خمس صفات: فكل رسولٍ أو نبي إنسان، رجل، مجتبى، أوحي إليه، حر. فهذه خمس صفات يشترك فيها النبي والرسول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣]. ويختلف الرسول عن النبي في أمرين: الأول: أن الرسول من أوحى الله إليه بشرعٍ جديد، والنبي أوحي إليه بشرعٍ سابق، ليجدده، ويحييه في الأمة، اعتقادًا أو تشريعًا أو أخلاقًا، فيعيد الناس إلى رسالة الرسول الذي سبقه كما جاءت من عند الله. الثاني: أن الرسول في الغالب يُرسلُ إلى قومٍ كفار فيؤمن بعضهم، ويكفر البعض، والنبي غالبًا يرسل إلى قومٍ مؤمنين قد انحرفوا عن دين الرسول السابق بفسقٍ، أو ترك واجب، أو فعل محرم، ولم يكذَّب النبي لأنه بُعث إلى قومٍ مؤمنين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى

стр. 745

الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ [الحج: ٥٢]. فكل رسولٍ نبي، ولا عكس، وليس كل نبيٍ رسولاً. والأنبياء أكثر من الرسل، فهم مائة وأربعةٌ وعشرون ألف نبي، والرسل منهم ثلاثمائة وخمسة عشر وأولو العزم من الرسل خمسة: نوحٍ وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﵊، فهؤلاء هم أعظم من تحمل المكاره والشدائد في سبيل دعوة الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾ [الأحزاب: ٧ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].

стр. 746

٨ - الخزانة الثامنة • حاجة الناس إلى بعثة الأنبياء، وإرسال الرسل: قد يقول قائل من الناس ما حاجة الناس إلى الأنبياء والرسل؟. أليس قد فطر الناس على الإيمان به وتوحيده؟. وكذا أعطانا الله العقول التي نعرف بها دلائل وجود الله، والإيمان به؟ فما الحاجة للرسل؟. والجواب: أن فطرة الله للإنسان سليمة وكافية، ولكن قد تحرفها البيئة، كما قال النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبوِاه يهودانه، أو يُنَصرَّانه، أو يُمَجِّسانه» متفق عليه (١). وقال في الحديث القدسي: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ فَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا» أخرجه مسلم (٢). وكذا يمكن للهوى والشهوات أن تحرف هذه الفطرة السليمة: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. فالله خلق الإنسان مخيرًا، إما أن يؤمن وإما أن يكفر، إما أن يطيع وإما أن يعصي، فالهوى والشهوات قد تحرف الإنسان عن هذه الفطرة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].

стр. 747

وكذلك الصحبة الفاسدة قد تحرف الفطرة السليمة كما قال النبي ﷺ : «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» أخرجه أحمد والترمذي (١). وكذا العقل محدود، لا يعرف كل شيء، كالبصر لا يرى كل شيء، وكالسمع لا يسمع كل شيء، لهذا كان من حكمة الله ورحمته إرسال الرسل إلى الخلق، لشدة حاجة الخلق إليهم: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥]. وقد من الله على البشرية بإرسال الرسل كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. فمن كمال رحمة الله بخلقه أن يرسل إليهم الرسل، ولا يتركهم هملاً كالبهائم. فأولًا: أن الناس لو تركوا دون إرشاد وهداية، لضلوا الطريق، ولهذا أثنى الله على نفسه بإرسال الرسل إلى الناس في كل زمان وفي كل مكان حتى ختمهم بمحمدٍ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. وثانيًا: أن الشيطان عدو الإنسان، يضله ويغويه ويجره إلى المهالك، كما قال الله لآدم ﷺ : ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧].

стр. 748

وقال : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. وقال عن الشياطين: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٧]. فكان من رحمة الله توالي إرسال الرسل الذين جعلهم الله سببًا لخلوص الناس من أسر الشيطان: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وثالثًا: أن الله خلق الناس، ليختبرهم أيهم أحسن عملًا كما قال : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٣ - ٢]. وقال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧]. فأرسل الله الرسل، ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده، وليدلوا الناس كيف يعبدون الله؟ وكيف يتقربون إلى الله؟ وكيف يرضون الله؟. قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]. فلن يستطيع الناس أبدًا أن يصلوا إلى الأقوال الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، وكيفية العبادات إلا بواسطة الرسل الذين جبلهم الله عليها، وأرسلهم بها، وجملهم بها، ليكونوا قدوةً للناس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي

стр. 749

رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]. وقال النبي ﷺ : «بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ» أخرجه البزار (١) وفي روايةٍ: «صالح الأخلاق» أخرجه أحمد (٢). ورابعًا: أن الإنسان يعلم بشيءٍ من الوجود الذي يشاهده، أما الآخرة، والجنة والنار، وحياة الإنسان في القبر، فهذا لا يعرفه إلا من جهة الرسل والكتب السماوية، فإذا عرفها الإنسان استقام على أوامر الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].

стр. 750

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وقال عن الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. وخامسًا: أن الناس بحاجة إلى قدوةٍ معصومٍ يفعل كل خير، ويجتنب كل شر، ويتخلق بكل خُلُقٍ حسن، ليقتدوا به كما قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وسادسًا: ما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه، وما هي أسماؤه وصفاته، وكيف تعبد الله بما يرضيه، هذا كله لا يمكن معرفته إلا عن طريق رسل الله وكتبه كما قال النبي ﷺ : «صَلوا كَمَا رَأيْتُمُوني أُصَلِّي» أخرجه البخاري (١). وقال ﷺ : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» أخرجه مسلم (٢).

стр. 751

وكذا الصيام والزكاة: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. • أقسام الناس في إتباع الرسل. انقسم الناس فيما جاء به الرسول ﷺ إلى ثلاث فرق: الفرقة الأولى: فرقةٌ امتنعوا من إتباعه ﷺ كاليهود والنصارى والمشركين ونحوهم، فهؤلاء كفار، يجب معاملتهم بما أمر الله ورسوله به. والفرقة الثانية: قسمٌ آمن بالله ورسوله، ظاهرًا وباطنًا، واتبعوا ما جاء به الرسول ﷺ وهؤلاء خيار الناس بعد الأنبياء بعد الأنبياء. والقسم الثالث: قسمٌ أظهروا الإيمان بألسنتهم، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، وهؤلاء قسمان: الأول: منافقون في أصل الدين، بأن يظهروا الإسلام، ويبطنوا الكفر، وهؤلاء الذين ذكرهم الله في القرآن، وهم أهل النفاق الأكبر. والثاني: منافقون في بعض أمور الدين، كالمنافق الذي إذا حدث كذب، وإذا خاصم فجر، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر. فجهاد الكفار يكون بجهادهم حتى يؤمنوا، أو يؤدوا الجزية، ليكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]. وجهاد المنافقين النفاق الأكبر يكون بإقامة الحدود عليهم، لأنهم خرجوا عن الدين أو بعضه، فيجب إقامة الحد عليهم، فيؤمر المنافق بالإسلام،

стр. 752

فإن قبِل الإسلام وإلا ضُرب وحُبس حتى يؤدي الواجب، ويترك المحرم، وإن امتنع عن الإقرار بما جاء به الرسول ﷺ ضُربت عنقه. وإن كان في طائفةٍ ممتنعة قوتلوا، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣]. والذين أرسل الله إليهم الرسول ﷺ ثلاثة أقسام: مهتدون .. ومغضوبٌ عليهم .. وضالون. فالمهتدون: هم الذين عرفوا الحق واتبعوه، وهم المؤمنون أهل الصراط المستقيم، المُنعم عليهم. والمغضوب عليهم: هم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، كاليهود. والضالون: هم من عبد الله بلا علمٍ كالنصارى الذين عرفوا الحق وضلوا عنه، فلم يعبدوا الله، أو عبدوه بغير شريعة وقد ذكر الله هؤلاء في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]. فالمنعم عليهم المؤمنون، والمغضوب عليهم اليهود ومن قلدهم، والضالون النصارى ومن تابعهم. • واجب الأمم نحو الأنبياء الرسل. للرسل والأنبياء على أممهم حقوقٌ كثيرة، وأهمها وأوجبها ما يلي: الأول: يجب علينا أن نؤمن بجميع الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله هدايةً لعباده: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ

стр. 753

وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. فنؤمن بجميع الأنبياء والرسل، من ذكرهم الله في القرآن، ومن لم يذكرهم، فلا نفرق بين أحدِ منهم في الإيمان، كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. فيجب علينا الإيمان بجميع الأنبياء والرسل كما قال الله : ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]. الثاني: يجب علينا طاعة الأنبياء والرسل، لأن طاعتهم من طاعة الله الذي أرسلهم، فطاعتهم طاعةٌ لله، ومعصيتهم معصيةٌ لله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤]. وطاعة الأنبياء والرسل فيها الفوز والفلاح والهداية، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. فيجب علينا طاعتهم، وعدم مخالفتهم.

стр. 754

الثالث: الإيمان بأن كل رسولٍ بلغ رسالة ربه إلى الناس على الوجه الأكمل، وأنه لم يمت حتى بلّغ قومه البلاغ المبين، كما قال عن الأنبياء: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩]. وقال الله عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. الرابع: الإيمان بأن جميع الأنبياء والرسل كانوا من الرجال، لأن النبوة والرسالة تحتاج إلى القوة والشجاعة والقتال، وإمامة الناس في الصلاة، وليس ذلك من شأن النساء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]. الخامس: يجب أن نعتقد أن الرسل أحسن الناس قولًا وعملًا وخُلُقًا، وأدبًا، وعبادةً ودعوة، لأنهم قدوة البشر في الفضائل والصدق والقول والعمل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. ويجب أن نعتقد أن الله عصمهم من الصغائر والكبائر، قبل البعثة وبعد البعثة، ومعصية آدم ﷺ وغيره من الأنبياء من باب ترك الأولى، أو قبل التكليف بالرسالة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠]. السادس: يجب علينا أن نؤمن بأن الرسل بشر، خصّهم الله بمزايا أخلاقية، ولم يخصّهم بطبائع غير الطبائع البشرية. فصفات الأنبياء والرسل ثلاثة أقسام: الصفات الواجبة .. والصفات المستحيلة .. والصفات الجائزة.

стр. 755

فالصفات الواجبة للأنبياء هي العصمة، والتبليغ، والصدق والفطنة: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. وقال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤]. والصفات المستحيلة هي الخيانة، وكتمان ما أنزل الله، والكذب، والبلادة، لأن الله خص الأنبياء بأحسن الصفات: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]. أما الصفات الجائزة عليهم فهي أنهم يأكلون ويشربون، ويتزوجون وينامون ويمرضون ويموتون، ويمشون في الأسواق، وغير ذلك من طبائع البشر: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤]. السابع: أن نؤمن أن الأنبياء والرسل عبيدٌ لله، لا يملكون شيئًا من خصائص الربوبية أو الألوهية، فهم بشرٌ لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ (٧)﴾ [الفرقان: ٧].

стр. 756

فمن دعا الأنبياء والرسل لكشف الكربات، أو شفاء المرضى، فقد أشرك بالله غيره: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. الثامن: أن الله أيدهم بالمعجزات التي تثبت رسالتهم، وتدل على صدقهم، كما جعل الله النار بردًا وسلامًا على إبراهيم ﷺ ، وكما فجر الحجر بالماء لموسى ﷺ ، وكما أحيا الموتى لعيسى ﷺ بإذن الله، وغيرها من الكرامات التي أكرمهم الله بها، كما حصل لمريم مع ابنها حين أشارت إليه: قال الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١]. وقال لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٥]. والخارق للعادة قسمان: مذمومٌ .. وممدوح. فالممدوح ما أيد الله به الأنبياء والرسل والأولياء، كالمعجزة والكرامة، والإرهاص والمعونة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ (١٠١)﴾ [الإسراء: ١٠١]. والمذموم كالشعوذة والسحر والكهانة والاستدراج. فصلوات الله وسلامه على أنبياء الله ورسله.

стр. 757

٩ - الخزانة التاسعة • فقه الإيمان بالرسول ﷺ . يجب على كل مسلم أن يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. ودين الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه واحد؛ هو الإسلام، كما قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩]. وهذا الدين لا يقبل الله غيره بعد نزوله على محمد ﷺ : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. أما الشرائع فمختلفة، وقد اكتملت ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلمفلا يقبل الله بعدها من أحدٍ غيرها، كما قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨]

стр. 758

وأول واجب بعد معرفة الله معرفة كتبه ورسله التي نعبد الله بموجبها، فكما يجب علينا أن نؤمن بالله ربًا وملكًا وإلهًا، فكذلك يجب علينا الإيمان بالرسول ﷺ نبيًا ورسولًا: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ونؤمن بما أرسله الله به: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨]. الواجب الثاني: كما يجب علينا أن نوحد الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ونوحده بعبادته وحده لا شريك له، فكذلك يجب علينا توحيد الرسول ﷺ بالإتباع، وتوحيده بالإتباع يكون بخمسة أمور هي: إتباعه صلى الله عليه وسلمفي نيته وفكره، وفي توحيده وإيمانه، وفي أقواله الحسنة، وفي أعماله الصالحة، وفي أخلاقه العظيمة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ومن آمن بالله، واتبع غير رسول الله، فقد ضل سواء السبيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].

стр. 759

وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. الثالث: قد جمع الله محاسن الأقوال والأعمال والأخلاق في الأنبياء والرسل، ثم جمعها في سيد الأنبياء والرسل محمدٍ ﷺ ، ثم أثنى عليه بها فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ثم فرق الله تلك المحاسن والأخلاق في أمة سيد الأنبياء والرسل، ثم أثنى عليهم بها فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. فالرسول ﷺ أسوة حياة، ومبلغ رسالة، فيجب علينا الاقتداء به في كل ذلك: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. الرابع: توحيد الرسول ﷺ في الإتباع. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩]. فكما يجب علينا أن نؤمن ونعرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. فكذلك يجب علينا أن نؤمن ونعرف رسول الله صلى الله عليه وسلمبأسمائه وصفاته وأفعاله وأخلاقه، لنقتدي به: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 760

الخامس: كما يجب علينا أن نعلم أن الله هو الرحمن الرحيم، فكذلك يجب علينا أن نعلم أن أرحم الخلق بالخلق هم الأنبياء والرسل، لكمال معرفتهم بالله، وما يحبه ويرضاه، وأعظمهم رحمةً بالخلق إمامهم وسيدهم الذي أرسله الله رحمةً للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وصفه ربه بكمال الرحمة فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. فعلينا أن نتخلق بأخلاقه، ونتأدب بآدابه، لأنه أسوة لكل مسلم السادس: ومن سأل ربه الهداية صادقًا هداه، وفتح له أبواب معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وفتح له أبواب معرفة حياة رسوله ﷺ ، ليعبد ربه حقًا كأنه يراه، ويتمكن من الاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلمفي جميع أحواله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]. السابع: معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله معرفةً علمية إيمانية، تثمر تكبير الله وتعظيمه، وحمده وشكره، ومحبته وعبادته، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتوحيده والإيمان به: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 761

وكذلك معرفة الرسول ﷺ ، ومعرفة أقواله وأفعاله وأخلاقه وسنته، تثمر الإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣]. • أصول أخلاق الرسول ﷺ . فرق الله أحسن الأخلاق، وأجمل الصفات، في الأنبياء والرسل، ثم جمعها في سيد الأنبياء والرسل، ثم فرقها في أمة سيد الأنبياء والرسل، فكانوا خير أمةٍ أُخرجت للناس. وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلمأحسن الأخلاق، وأجمعها وأكملها: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وأخلاق النبي ﷺ تقوم على ستة أصول هي: الأول: رجاحة عقله ﷺ ، وصحة رأيه، وصدق فراسته، وصواب تدبيره، وحسن تآلفه للناس: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].

стр. 762

فما استُغفِل صلى الله عليه وسلمفي مكيدة، ولا استُعجِز في شديدة، حكيمٌ حليمٌ يضع الأمور مواضعها، فصلوات الله وسلامه عليه. الثاني: ثباته في الشدائد وهو مطلوبٌ من أعدائه، وصبره على البأساء والضراء وهو مكروب، نفسه مع اختلاف الأحوال ساكنة، لا يجور في شديدة، ولا يستسلم لعظيمة، وهو مع الضعف يصبر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي، وقد لقي من قريش صنوف الأذى وما تشيب له النواصي، كما قال ﷺ : «لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَأُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ» أخرجه أحمد (١). والله يصبره ويقول له: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]. ينتقل ﷺ من محنةٍ إلى محنة أشد، ومن عظيمةٍ إلى عظيمةٍ أشد، وهو ثابت، لكمال إيمانه بربه، وكمال يقينه عليه، وكمال ثقته بالله، ورضاه بما قدّره، كلما ازداد بلاؤه ازداد رضاه عن ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. الثالث: زهده ﷺ في الدنيا، وإعراضه عنها، وقناعته منها باليسير، فلم يمل إلى خضرتها، ولم تلهه حلاوتها، وقد ملك من أقصى الحجاز إلى أقصى العراق، ومن أقصى اليمن إلى أقصى عمان، ومع ذلك كان أزهد الناس في ما يقتني، وأعرضهم عن كل ما يلهي.

стр. 763

وكان يمر عليه الشهر والشهران وما يوقد في بيته نار، لم يحفر بئرًا، ولم يجرِ نهرًا، ولم يشيد قصرًا، ولم يورث أهله مالًا أو متاعًا، ليصرفهم عن الدنيا كما صرف نفسه عنها، رضي من الدنيا بالميسور النزر، وقنع منها بالعيش الكدر، فصلوات الله وسلامه عليه. الرابع: تواضعه ﷺ ، فهو أشد الناس تواضعًا للناس، وكان هينًا لينًا لطيفًا، تأخذه الجارية، وتأخذ بيده الجارية حيث شاءت، لا يمنعها، وهو سيد الخلق، يمشي في الأسواق، ويجلس على التراب، ويخفض الجناح، ويتواضع للأصحاب، ولم يتميز بطعامٍ، أو شرابٍ، أو لباسٍ، أو مركوبٍ، أو دار، ولكن تميز بالتواضع والحلم، والصبر والرحم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. الخامس: حلمه ووقاره، فلم يكن بالطائش ولا المُستَفَز، بل كان أحلم الناس مع كل الناس أعداؤه وأتباعه، ابتلي بجفوة الأعراب، واستكبار الأشرار، وكيد الكافرين، وحسد الكافرين، ومكر اليهود والمنافقين، فكان أحلم الناس على الناس، يُظلم فيصبر، ويؤذى فيحلُم، ويسلب حقه فيعفو: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. السادس: حفظه للعهد ووفاؤه بالوعد، فما نقض عهدًا، ولا أخلف وعدًا أبدًا، يرى النقض والغدر من مساوئ الأخلاق، فما كان خائنًا ولا غادرًا ولا ناكثًا، هو صلى الله عليه وسلمأكرم الناس بماله، ونفسه، ووقته، وخُلُقه، فصلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].

стр. 764

مراتب الأنبياء والرسل. الله خص كل طائفةٍ من الأنبياء والرسل بنوعٍ من الإكرام والفضل ومحاسن الأخلاق: الأولى: مرتبة الملك والسلطان والقوة، وقد أعطى الله داوود وسليمان من هذا الباب نصيبًا عظيما. الثانية: مرتبة البلاء الشديد، والمحنة العظيمة، وقد خصّ الله أيوب ﷺ بهذه المرتبة العظيمة. الثالثة: مرتبة من جمع بين الملك، وشدة البلاء، وهو يوسف ﷺ فإنه نال البلاء العظيم في أول الأمر، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر، فقال زاهداً فيه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١]. الرابعة: قوة المعجزات، وكثرة البراهين الدالة على وحدانية الله، والمهابة العظيمة، والصولة الشديدة، والتخصيص بالتكريم، والتكليم، والتقريب، وهذا كان في حق موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤]. الخامسة: الزهد الشديد، والإعراض عن الدنيا وزينتها، وترك مخالطة الخلق إلا فيما فرض الله من الدعوة إليه، وإقامة شعائره، وهذا كان في حق زكريا ويحيى وعيسى والياس، ولهذا وصفهم الله بالصالحين.

стр. 765

السادسة: الأنبياء الذين لم يبق لهم أتباعٌ من الخلق، وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوطًا، كما قال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٩]. السابعة: من جمع هذه الفضائل والصفات، وأعطي منها حظًا عظيمًا وهو سيد الخلق محمدٌ صلى الله عليه وسلمالذي أمر الله الناس جميعًا بالاقتداء به إلى يوم القيامة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال عن أخلاقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وفي هذه الإكرامات والفضائل والأخلاق يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].

стр. 766

١٠ - الخزانة العاشرة • فقه تربية الأنبياء والرسل: الله هو رب العالمين، الذي يربي أنبياءه ورسله بأنواعٍ من التربية، ليظهر لهم ولأقوامهم أنواع قدرة الله، ويربي الإيمان واليقين في نفوسهم، ويبتليهم بأنواع البلاء والشدائد، ليظهر عبوديتهم لله في حال السراء والضراء، ويظهر كمال صبرهم على أذى الخلق، ثم ينصرهم ويمكن لهم في الأرض: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ [يوسف: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. وقد ابتلى الله إبراهيم صلى الله عليه وسلمبأنواعٍ من البلاء، حتى ألقاه قومه في النار، فأنجاه الله ، وأكرمه بأنواعٍ من الكرامات. فإبراهيم ﷺ ضحى بالحياة، فوهب الله له الحياة فورًا: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩]. وضحى بالبلد وهو العراق، فأعطاه الله أحسن بلد وهي مكة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧]. فبنى أحسن البيوت في أحسن البقاع وهو مكة. وضحى ﷺ بالولد وهو إسماعيل، فأنجاه الله من الذبح، وأخرج الله من نسله أحسن ولد وهو محمدٌ ﷺ .

стр. 767

وضحى ﷺ بأم الولد هاجر، وتركها بواد غير ذي زرع، فجعل الله خطواتها نسكًا يتعبد به الناس إلى يوم القيامة في السعي في الحج والعمرة، وصارت أمًا للعرب. فمن العبد الصبر أولًا على البلاء، ومن الله النصر بعد ذلك. والله أظهر قدرته في تربية موسى ﷺ منذ ولادته إلى قرب وفاته فيقصته مع الخضر، وفي تربية موسى إظهار أنواعٍ من قدرة الله، وتربية الإيمان واليقين، ونصر أهل الحق على أهل الباطل، والصبر على دعوة الخلق، ورحمة الناس، وقد ربى الله موسى صلى الله عليه وسلمبثلاثة أنواع من التربية: الأولى: التربية البدنية في قصر فرعون، ليرى آثار النعمة، ولكنه سئمها وملها، فأخرجه الله منها. الثانية: التربية الأخلاقية في رعي الغنم في مدين عشر سنين، لتصلح أخلاقه مع البهائم، لتصلح وتزكو أخلاقه مع البشر، لأن الله يعده للرسالة، وسوف يرسله إلى فرعون وإلى بني إسرائيل. الثالثة: التربية الإيمانية في الوادي المقدس طوى، حين رجع بأهله في قصة العصا كما قال في سورة طه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ

стр. 768

حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾ [طه: ٩ - ٢١]. وقد أظهر الله قدرته في عصا موسى من وجوه: حين ألقاها موسى في الوادي المقدس طوى فصارت حيةً تسعى، وحين ألقاها أمام فرعون فصارت ثعبانًا مبينًا وحية تسعى، وحين ألقاها أمام فرعون والسحرة يوم الزينة فصارت تلقف ما يأفكون، وحين ضرب بها البحر فانفلق اثني عشر طريقًا يَبَسا، وحين ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا. فهذه خمس معجزات أظهرها الله نصرةً لنبيه موسى ﷺ ، وقد ذكر الله قصة موسى ﷺ في القرآن في ثمانية وعشرين جزءًا، في سورٍ مختلفة، ومناسباتٍ متعددة، وفصلها في سورة الأعراف وطه والشعراء والقصص، ليربي القلوب على الإيمان واليقين، وبيان قدرة الله . وفي ضرب الحجر بالعصا خمس معجزات: الأولى: ضرب اليابس باليابس، فتخرج منه عيونٌ جارية، فالعصا يابس والحجر يابس، وخرجت منه العيون الجارية: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠]. الثانية: خروج الماء من ضرب الحجر بالعصا. الثالثة: كمية الماء، أثنتا عشرة عينا. رابعًا: نوع الماء، لكل سبط من بني إسرائيل نوع من الماء لا يصلح للأخر. خامسًا: وقوف الماء عند عدم الحاجة إليه.

стр. 769

فلا إله إلا الله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣]. وحين لحق فرعون وجنوده بموسى وقومه، أظهر الله قدرته بالعصا والبحر، ففي بحر واحد، بأمر واحد، في وقت واحد، أظهر الله قدرته، فأنجى موسى وقومه، وأغرق فرعون وجنوده كما قال سبحانه: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ [الشعراء: ٦٠ - ٦٨]. ففي عصا موسى ﷺ خمس آيات: جعلها الله لموسى آية، ولبني اسرائيل سقاية، وللسحرة هداية، ولفرعون وجنوده نهاية، ولمن جاء بعدهم عبرة وآية: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. • ثمرات الإيمان الأنبياء والرسل: للإيمان بالأنبياء والرسل عدة ثمرات: الأول: معرفة رحمة الله بعباده وعنايته بهم، حيث أرسل إليهم الرسل، ليهدونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، وكيف يعبدونه، ويبينون لهم دينه، ويبينون ما للعباد من الثواب والعقاب إن آمنوا أو كفروا. الثانية: حمد الله وشكره على هذه النعمة.

стр. 770

الثالثة: محبة الرسل، والثناء عليهم من غير إطراء، لأنهم رسل الله قاموا بعبادته، وإبلاغ رسالته، والنصح لعباده، ورحمة خلقه. الرابعة: الاقتداء بهم بما أرسلهم الله به، من التوحيد وصدق الإيمان، وحسن الخلق، وكمال الأدب، ودوام الذكر والشكر، والطاعة لله ، والدعوة إليه، وتعليم شرعه، والإحسان إلى خلقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. • أفضل الأنبياء والرسل محمدٌ ﷺ . نسبه ونشأته: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النظر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. ونسبه الشريف ﷺ محفوظٌ إلى آدم ﷺ . وأمه آمنة بنت وهب، ماتت قبل بعثته ولد ﷺ عام الفيل الموافق لعام ٥٧٠ ميلادي، ومات والده عبد الله وهو حملٌ فيبطن أمه، ولما وُلِد كفله جده عبد المطلب، وماتت والدته آمنة وهو ابن ست سنين، ولما مات جده كفله عمه أبو طالب. وعاش ﷺ عظيم الأخلاق، حسن السيرة، طيب الشمائل، حتى لقّبه قومه بالأمين، وعلى رأس الأربعين من عمره نُبّئَ محمدٌ صلى الله عليه وسلمإذ جاءه الحق وهو بغار حراء يتعبد لله، وأخبره أنه رسول الله، ثم بدأ صلى الله عليه وسلميدعو للإيمان بالله ورسوله، ويدعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، فلقي ﷺ صنوفًا من الأذى.

стр. 771

فصبر حتى أظهر الله دينه، وهاجر إلى المدينة، فشُرعت الأحكام، وعزّ الإسلام، وكمُل الدين، ثم مات صلى الله عليه وسلميوم الاثنين من ربيعٍ الأول لعام أحد عشر من الهجرة، وعمره ثلاثٌ وستون سنة، ولحق بالرفيق الأعلى بعدما بلغ البلاغ المبين، وجاهد في الله حق جهاده، ودل الأمة على كل خير، وحذرها من كل شر، وتركها على البيضاء ليلها كنهارها. فصلوات الله وسلامه عليه. • خصائصه ﷺ : من خصائص النبي صلى الله عليه وسلمأنه خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسالته عامة للثقلين، أرسله الله رحمةً للعالمين وأُسري به إلى بيت المقدس، وعُرج به إلى السماء، وناداه ربه بوصف النبوة والرسالة، وأُعطي جوامع الكلم، وقد خصه الله دون الأنبياء بخمس. قال النبي ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي: كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَحُرِّمَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَيِّبَةً: مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَيَرْعَبُ مِنَّا عَدُوُّنَا مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ». متفقٌ عليه (١). ومما يخصه ﷺ دون أمته: الوصال في الصيام، والزواج بلا مهر، ونكاح أكثر من أربع نساء، ولا تنكح أزواجه من بعده، وعدم أكل الصدقة، وأنه يسمع ما لا يسمع الناس، ويرى ما لا يرى الناس، كما رأى جبريل صلى الله عليه وسلمعلى صورته التي خلقه الله عليها، وأنه لا يُورث.

стр. 772

وأزواجه ﷺ هن أمهات المؤمنين في الدنيا والآخرة، وكلهن مسلماتٍ طيباتٍ، طاهراتٍ نقياتٍ صالحات تقياتٍ، مبرآتٍ من كل سوء يقدح في أعراضهن، وعددهن إحدى عشرة زوجة، وهن على الترتيب: خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر، وسودة بنت زمعة، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت خزيمة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حُيي، وميمونة بنت الحارث ﵅ أجمعين. مات قبله منهن: خديجة وزينب بنت خزيمة، وتوفيت التسع الباقيات بعده، وأفضل أزواجه صلى الله عليه وسلمخديجة وعائشة ﵅ أجمعين. • أما أولاد الرسول صلى الله عليه وسلمفقد وُلد للرسول صلى الله عليه وسلمثلاثة أبناء: القاسم وعبد الله من خديجة، وإبراهيم من سريته مارية القبطية، وجميعهم ماتوا صغارًا. • أما البنات فولد له صلى الله عليه وسلمأربع بنات: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وكلهن وُلدن من خديجة، وتزوجن ومتن قبله إلا فاطمة ماتت بعده، وجميعهن مسلماتٍ طيباتٍ طاهرات، ﵁ أجمعين. • أصحاب النبي ﷺ : أما أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلمفهم خير القرون، ولهم فضلٌ عظيم على جميع الأمة، اختارهم الله لصحبة نبيه، فآمنوا باله ورسوله، وقاموا بنصرة الله ورسوله، وهاجروا من أجل الدين، وآووا ونصروا من أجل الدين، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم حتى رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأفضلهم المهاجرون ثم الأنصار.

стр. 773

عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «خيرُ الناسِ قَرْني، ثُم الذينَ يَلونَهُم، ثم الذينَ يَلونَهُم، ثُم يجيءُ مِنْ بَعْدِهم أقوام تَسْبِقُ شهادَةُ أحَدِهِمْ يَمينَهُ، ويَمينُهُ شَهادَتَهُ» متفقٌ عليه (١). ومن علامات الإيمان محبة الصحابة جميعًا بالقلب، والثناء عليهم باللسان، وكذلك آله ﷺ والترضي عنهم، والاستغفار لهم، والكف عما شجر بينهم، وعدم شتمهم، وذلك لما لهم من المحاسن والفضائل، والمعروف والإحسان، ونصرة الله ورسوله بالطاعة والجهاد في سبيل الله، والدعوة إليه، والهجرة والنصرة بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله ﵃ أجمعين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ [الأنفال: ٧٢]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فلو أنَّ أحدَكُم أنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا؛ ما بَلَغَ مُدَّ أحدِهِم ولا نَصِيْفَهُ». متفقٌ عليه (٢).

стр. 774

اللهم صل على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد اللهم ارض عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. • وظائف الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. الله بعث أنبياءه ورسله إلى عباده لحكمٍ عظيمة، ومن ذلك: أولًا: عبادة الله وحده لا شريك له، ودعوة الناس إلى ذلك.: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وقال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. ثانيًا: قيادة الأمة في الدين والدنيا، كما قال : ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. وقال لمحمدٍ ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].

стр. 775

فمهمة الأنبياء إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، وإخراج الناس من الضلالة إلى الهداية، ومن الشقاء إلى السعادة، في الدنيا والآخرة، وإجابة سؤال الناس: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]. ثالثًا: إيضاح الحق والأوامر والنواهي والأحكام للناس، وتفصيل الأحكام المجملة في القرآن: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]. وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]. • وللسنة مع القرآن ثلاثة أحوال: الأول: أن تكون السنة مؤكدة لما أكد عليه القرآن من الأخبار والأحكام، فالقرآن دعا إلى الصلاة والزكاة، والصوم والحج، وصلة الأرحام، ومحاسن الأخلاق، والسنة جاءت بنصوصٍ تؤكد ذلك، كما قال النبي ﷺ : «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَلَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ». متفقٌ عليه (١). الثاني: أن تكون السنة النبوية مفصِّلة لما أُجمل في القرآن، فالقرآن أمر بالوضوء والصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها، والسنة جاءت ببيان ذلك المجمل كما قال ص ﷺ : «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أخرجه البخاري (٢). وقال ﷺ : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» أخرجه مسلم (٣).
следующие страницы →