فالشيطان يعد أولياءه الفقر إذا أنفقوا في سبيل الله، ويخوفهم إذا جاهدوا بالقتل وغيره ويخوفهم من طاعة الله بحصول الأذى لهم ليكسلوا عن فعل الخير، ويمنيهم الأماني الباطلة: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء: ١٢٠].
وما أكثر من غرهم الشيطان، فصاروا من إتباع إبليس وحزبه: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ٢٢١].
وقد حذر الله بني آدم عامة أن يستسلموا للشيطان، فيما يتخذونه في أنفسهم من مناهج وشرائع، فيسلمهم إلى الفتنة والبلاء كما فعل مع أبويهم من قبل، إذ نزع عنهما لباسهما، وأخرجهما من الجنة، فالعري والتكشف عمل من أعمال الشيطان في بني آدم، وهو طرف من المعركة الطويلة التي لا تهدأ بين الإنسان وعدوه الشيطان، فلا يدع بنو آدم لعدوهم الشيطان أن يفتنهم، وأن ينتصر عليهم، وأن يملأ منهم جهنم في نهاية المطاف: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٧ - ٢٨].
وزيادة في التحذير منه ينبههم ربهم أن الشيطان يراهم هو وقبيله من حيث لا يرونهم، وإذا اجتهدوا وعقدوا العزم على فتنتهم بوسائله الخفية، وكيده الخفي، فعلى المؤمنين الحذر، حتى لا يأخذهم علي غرة، ومعرفة الثغور التي يدخل منها وسدها في وجهه.
стр. 8192
وقد قدر الله أن يكون هو ولي الذين آمنوا، وقدر كذلك أن يجعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون، ويا ويل، ويا خسارة، من كان عدوه وليه، إنه يسيطر عليه، ويقوده حيث شاء: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
فلا إله إلا الله، كم أضل الشيطان وجنوده من الخلق: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وقد طلب الشيطان من ربه أن ينظره إلى يوم القيامة، لا ليندم علي معصيته وخطيئته أمام الخالق العظيم، من الامتناع عن السجود لآدم، ومخالفة أمر الله، ولا ليتوب إلى الله، ويرجع ويكفر عن إثمه الجسيم، ولكن لينتقم من آدم وذريته، جزاء ما لعنه الله، وطرده من هداه، إنه يربط لعنة الله بآدم، ولا يربطها بعصيانه لله في تبجح نكير: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨].
فلما أنظره الله، أعلن خليقة الحقد، وخليقة الشر، وخليقة العداوة، على البشرية في الأرض وحدد عدته فيها، وهي تزيين القبيح وتجميله، والإغراء بزينته المصطنعة على ارتكابه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠].
وهكذا لا يقترف الإنسان الشر إلا وعليه مسحة من الشيطان تزينه وتجمله، وتظهره في غير حقيقته وردائه، وتغري بارتكابه، فليفطن المسلمون إلى عدة الشيطان، وليحذروا كلما وجدوا في أمره تزيينًا، وكلما وجدوا في نفوسهم اشتياهًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ
стр. 8193
الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
شرط الشيطان أن يغوي الناس أجمعين إلا عباد الله المخلصين: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠].
وقد شرط هذا الشرط، لأنه يدرك أن لا سبيل إلا سواه، لأن سنة الله أن يستخلص لنفسه من يخلص له نفسه وأن يحميه ويرعاه، ومن ثم كان الجواب: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤١ - ٤٢].
هذه سنة الله التي لا تتبدل، المؤمنون لا سبيل لك عليهم، ولا تملك أن تزين لهم، لأنك عنهم محصور، ولأنهم منك في حماية الله، ومداخلك إلى نفوسهم مغلقة، إنما سلطانك على من اتبعك من الغاوين الضالين، فالشيطان لا يتلقف إلا الشاردين، كما يتلقف الذئب الشارد من الغنم.
وأما عاقبة الغاوين فهي معلنة في الساحة منذ البدء، وأن جهنم هي موعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: ٤١ - ٤٤].
إن حسد إبليس لآدم ﷺ يجعله يذكر الطين، ويغفل نفخة الله في هذا الطين كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ [الإسراء: ٦١].
стр. 8194
ويُعرض إبليس بضعف هذا المخلوق، واستعداده لإغوائه بلا حياء، فيقول: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ [الإسراء: ٦٢].
ويغفل الشيطان عن استعداد الإنسان للخير والهداية، واستعداده للشر والغواية، وعن حالته التي يكون فيها متصلاً بالله القوي الذي يستمد منه القوة، العزيز الذي يستمد منه العزة، فيرتفع ويسمو ويعتصم من الشر والغواية، ويغفل عن أن هذه هي مزية هذا المخلوق الذي ترفعه على ذوي الطبيعة المفردة التي لا تعرف إلا طريقًا واحدًا تسلكه بلا إرادة كالملائكة، ويشاء الله أن يطلق لرسول الشر و الغواية الزمام، يحاول محاولته مع بني آدم امتحانًا وابتلاءً: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾ [الإسراء: ٦٣].
اذهب وحاول محاولاتك، اذهب مأذونًا لك في إغوائهم، فهم مزودون بالعقل والإرادة، يملكون أن يتبعوك، ويملكون أن يعرضوا عنك ويعصوك، فمن تبعك منهم مغلبا جانب الغواية في نفسه على جانب الهداية، معرضا عن نداء الرحمن إلى نداء الشيطان، غافلا عن آيات الله في الكون، وآيات الله المصاحبة للرسالات، فإن جهنم جزاؤكم أنت وتابعك، واستخدم في إضلالهم جميع وسائل الغواية والإضلال للاستيلاء على القلوب والعقول والمشاعر.
وعدهم بما يغريهم بما تريد من المعاصي، كالوعد بالإفلات من العقوبة والقصاص، والوعد بالغنى من الأسباب الحرام، والوعد بالغلبة والفوز بالوسائل القذرة والخسيسة، والوعد بالعفو والمغفرة بعد الذنب والخطيئة، فالشيطان يزين للإنسان المعصية، وهو يلوح له بسعة الرحمة
стр. 8195
الإلهية، وشمول العفو والمغفرة، ولكن هناك من لا سلطان لك عليهم، لأنهم مزودون بحصانة تمنعهم منك، ومن خيلك ورجلك كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢].
فمتى اتصل القلب بالله ، واتجه إليه بالعبادة وحده لا شريك له، وارتبط بالعروة الوثقى، فلا سلطان حينئذ للشيطان عليه، وكفى بربك وكيلا، يعصم وينصر ويبطل كيد الشيطان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١].
وانطلق الشيطان ينفذ وعيده، ويستزل عبيده، ولكنه لا يجرؤ على عباد الرحمن: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
حقًا إن وعد الله حق، وإنه لآتٍ لا ريب فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦].
إن الحياة تغر وتخدع: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ [لقمان: ٣٣].
وإن الشيطان يغر ويخدع، فلا تمكنوه من أنفسكم، والشيطان قد أعلن عن عداوته للبشرية من أول يوم فليتخذوه عدوا، ولا يركنوا إليه، ولا يقبلوا منه نصيحة، ولا يتبعوا خطاه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
стр. 8196
فالعاقل لا يتبع خطى عدوه وهو يعقل، والشيطان لا يدعوكم إلى الخير، ولا ينتهي بكم إلى نجاة، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، فهل يليق بالعاقل أن يجيب دعوة الداعي إلى عذاب السعير.
إن الإنسان حين يستحضر المعركة الخالدة مع الشيطان، فإنه يتحفز بكل قواه، وبكل يقظته، دفاعًا عن النفس، وحماية للذات ونصحًا للأمة، يتحفز لدفع الغواية والإضلال والإغراء ويستيقظ لمداخل الشيطان إلى نفسه.
ويتوجس من كل هاجسة، ويسرع ليعرضها على ميزان الله وشرعه.
إن القرآن ينشئ في القلب حالة التعبئة الشعورية ضد الشر ودواعيه وأبوابه، وضد هواتفه المنتشرة، وضد هواتفه المستترة في النفس، وأسبابه الظاهرة للعيان، حالة الاستعداد الدائم للمعركة التي لا تهدأ لحظه، ولا تضع أوزارها في هذه الأرض أبدًا، وها هي عاقبة الكافرين الذين لبوا دعوة الشيطان، وحالة المؤمنين الذين طاردوه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ٧ - ١٠].
стр. 8197
٦ - الخزانة السادسة
• فقه عداوة الشيطان:
إن طبيعة الغواية، وحقيقة عمل الشيطان، والباب الذي يُفتح فيجيء منه الشر والفساد كله، هو أن يرى الإنسان عمله القبيح حسنًا: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
هذا هو مفتاح الشر كله، أن يزين الشيطان للإنسان سوء عمله فيراه حسنًا، أن يُعجب بنفسه، وبكل ما يصدر عنها، ألا يفتش في عمله، ليرى مواضع الخطأ والنقص فيه، لأنه واثق أنه لا يخطئ ومتأكد دائمًا أنه على صواب، فيُعجب بكل ما يصدر عنه، مفتون بكل ما يتعلق بذاته، لا يخطر على باله أن يراجع نفسه في شيء، ولا أن يحاسبها على أمر، ولا يُطيق أن يراجعه أحد في عمل يعمله، أو في رأي يراه، أو في خلق يتخلق به، نعوذ بالله من الغرور.
هذا هو البلاء العظيم الذي يصبه الشيطان على الإنسان، ويُغرقه به، وهذا هو المقود الذي يقوده منه إلى الضلال، ثم إلى البوار: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
إن الذي يكتب الله له الهدى والخير، يضع في قلبه الحساسية والحذر، فلا يأمن مكر الله، ولا يأمن تقلب القلب، ولا يأمن الخطأ والزلل، ولا يأمن النقص والعجز: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩].
стр. 8198
فالمؤمن دائم التفتيش في عمله، دائم الحساب لنفسه، دائم الحذر من الشيطان، دائم التطلع لعون الله وتوفيقه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨].
إن كلٍ أحد يُزين له الشيطان سوء عمله فيراه حسنًا، مثال للإنسان الضال الهالك البائر الصائر إلى شر المصير: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
ومفتاح هذا كله هو هذا التزيين، وهذا الغرور، وهذا الستار الذي يُعمي قلبه وعينه، فلا يرى مخاطر الطريق، ولا يُحسن عمله، لأنه مطمئن إلى حسن عمله وهو سوء، ولا يُصلح خطأً، لأنه واثق أنه لا يخطئ.
أفهذا يُرجى له صلاح ومتاب، أفهذا كمن يصلح نفسه، ويراقب ربه، أفهذا يستوي مع المؤمنين الأتقياء: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ [السجدة: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ [الملك: ٢٢].
والله سبحانه له الخلق والأمر وحده، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ومثل هذا قد كتب الله عليه الضلالة، وهو مستحق لها بما زين له الشيطان من سوء عمله، وبما فتح عليه هذا الباب الذي لا يعود منه ضال،
стр. 8199
وبمطاوعته للشيطان وتسليم نفسه له: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٧]
إن طبيعة الضلال من رؤية العمل حسناً وهو سوء، وطبيعة الهدى بالحذر والمحاسبة والتقوى، ومادام الأمر كذلك، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فالهدى والضلال ليسا من أمر البشر، إنما هو من أمر الله وحده، والقلوب من بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وهو مقلب القلوب والأبصار، يعلم من يستحق الكرامة فيكرمه، ومن يستحق الإهانة فيذله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
وهذه حالة يعانيها الدعاة كلما أخلصوا بدعوتهم، وأدركوا قيمتها وجمالها، وما فيها من خير، ورأوا الناس في الوقت ذاته يصدون عنها ويعرضون، ولا يرون ما فيها من الخير والجمال، ولا يستمتعون بما فيها من الحق والكمال والآداب، وما أجمل أن يدرك الدعاة هذه الحقيقة التي وصى الله بها رسوله ﷺ ، فليبلغوا دعوتهم، باذلين فيها أقصى جهدهم، ثم لا يأسوا ولا يحزنوا بعد ذلك على من لم يقدر الله له الصلاح والفلاح، فالله أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
يقسم لهم الهدى والضلال وفق علمه، والله يعلم هذه الحقيقة قبل أن تكون منهم، ولكنه لا يحاسبهم على ما يكون منهم إلا بعد أن يكون: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
والشيطان لا يبذل جهده لمن باع نفسه للمعصية، وانطلق يخالف كل ما أمر الله به، ويتمرغ في الكفر، والظلم، والمحرمات، فالنفس الأمارة بالسوء
стр. 8200
ليست محتاجة للإغواء، لأنها تأمر صاحبها بالسوء: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
ولذلك فإن إبليس لا يذهب إلى الخانات، وأماكن اللهو والفجور، ومستنقعات الزنا والرذيلة والفساد، فهذه الأماكن كل من يذهب إليها ذاهب إلى معصية، وليس في حاجة إلى إغواء، لأنه قد اختار هذا الطريق العفن، الموصل إلى غضب الله وعذابه، ولكن إبليس يذهب إلى بيوت الإيمان، وبيئات الطاعة، وأماكن العبادة، وساحات الفضيلة، وهم من سار على الصراط المستقيم عابدًا وداعيًا، ومعلمًا ومربيًا، ومحسنًا ومتصدقًا، وناصحًا ومرشدًا ومجاهدًا.
هؤلاء الذين يبذل معهم إبليس كل جهده، وكل حيله، وكل مكره، وكل كيده، وكل إغوائه، ليصرفهم عن عبادة الله كما قال الله عنه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
وقال النبي ﷺ : «إنَّ الشَّيطانَ قعَدَ لابنِ آدَمَ بأطرُقِه، فقعد له بِطَريقِ الإسلامِ، فقال له: أتُسلِمُ وتَذَرُ دِينَك، ودينَ آبائِك، وآباءِ أبيك؟! فعصاه، فأسلَمَ، ثمَّ قعَدَ له بطريقِ الهِجرةِ، فقال: أتُهاجِرُ وتَذَرُ أرضَك، وسماءَك؟! وإنَّما مَثَلُ المُهاجِرِ كمَثَلِ الفَرَسِ في الطِّوَلِ، فعَصَاه فهاجَرَ، قال: ثمَّ قعَدَ له بِطَريقِ الجِهادِ، فقال: هو جَهْدُ النَّفسِ والمالِ، فتُقاتِلُ فتُقتَلُ، فتُنكَحُ المرأةُ، ويُقسَمُ المالُ، فعصاه فجاهَدَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : فمَن فعَلَ ذلك، كان حقًّا على اللهِ أن يُدخِلَه الجنَّةَ، ومن قُتِلَ كان حَقًّا على اللهِ أن يُدخِلَه الجنَّةَ، وإن غَرِقَ كان حقًّا على اللهِ أن يُدخِلَه الجنَّةَ،
стр. 8201
أو وَقَصَتْه دابَّةٌ كان حقًّا على اللهِ أن يُدخِلَه الجنَّةَ». أخرجه أحمد والنسائي بسند صحيح (١).
• فقه عداوة الشيطان للإنسان:
الشيطان عدو مبين للإنسان، لا يقعد لبني آدم على الطريق المعوج، لأن الطريق المعوج لا يحتاج إلى جهد، ولأنه بطبيعته يتبع الشيطان، ومن هنا فإن إبليس يغوي أهل الطاعة، لا أهل الشر والفساد بأن يزين للمسلمين المعاصي والفواحش ويغريهم بمد أيديهم إلى المال الحرام، أو بترك الواجب، أو فعل المحرم ونحو ذلك مما حرمه الله، والله سبحانه اختار للإنسان طريق الخير والحياة الكريمة في الأرض، ورسمه له وبينه، ورغبه فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
ولكن الشيطان يأتي للإنسان، ويزين طريق الباطل، ويحاول أن يصور له أن فيه خيرًا، فإذا سقط الإنسان في الشر هرب إبليس، ونال الإنسان العقوبة، فجميع الجرائم يزين الشيطان للإنسان أنه سيفلت منها، ويظل يوسوس له ويقنعه حتى يقتنع، ثم بعد ذلك ينكشف أمره فيهرب الشيطان، ويترك الإنسان يواجه مصيره، كما غرَّ الكفار في غزوة بدر كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ
стр. 8202
مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾ [الأنفال: ٤٨].
وكما دخل إبليس من ناحية الغفلة لآدم، دخل كذلك من ناحية الغفلة لأبناء آدم يريد أن يغويهم ويضلهم، فهناك عداوة سابقة بين إبليس وآدم ﷺ ، وإبليس طُرد من الجنة بسبب آدم ﷺ ، وطُرد من رحمة الله بسبب معصية عدم السجود لآدم، فهو عدو لآدم وذريته إلى يوم القيامة: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
وطلب إبليس من الله سبحانه أن يمهله إلى يوم البعث، لينتقم من آدم وذريته، بإبعادهم عن الصراط المستقيم، وإغرائهم بكل معصية تكون سببًا لدخولهم النار، فالشيطان يشم ابن آدم، ويأته من الباب الذي يسهل دخوله منه عليه، فإذا وجد الإنسان متشددًا في جهة، أتاه من الجهة التي هو فيها ضعيف، فإذا كان الإنسان متشددًا في الصلاة يحافظ عليها ويؤديها في أوقاتها، ويواظب على فرائضها ونوافلها، جاءه إبليس من ناحية المال، ويوسوس له حتى لا يخرج الزكاة، ويقتر ويأكل حقوق الناس، مُدخلاً السرور على نفسه بأن هذه الطريقة تزيد ما عنده، وتجعله غنيًا آمنًا مطمئنًا: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
والصدقة لا تنقص المال، بل تزيده وتضع البركة فيه، وتجعله يزداد وينمو، والمال مال الله ينتقل من يد إلى يد، وحينما يحين الأجل يتركه الإنسان ويمضي، وللشيطان خطوات في هذا، فيمنعه من الصدقات أولاً، ثم يمنعه من الزكاة ثانيًا، ثم يُغريه بأكل الأموال المتشابهة، ثم يغريه بأكل المال الحرام، ونهب أموال الناس، ثم يُغريه بالتوسع في الشهوات، ثم يُدخله المحرمات، ثم يهون عليه ارتكاب الكبائر، ثم تبدأ المعاصي تزيد
стр. 8203
شيئًا فشيئًا، حتى تغطي القلب كله، وتمنعه من ذكر الله، وامتثال أوامره ولا يتركه الشيطان حتى يُخرجه من الإسلام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
وإن وجد الشيطان في المؤمن تشددًا من ناحية الصلاة والزكاة، ووجد ضعفًا من ناحية النساء أتاه من ناحية هذا الضعف، فيظل يزين له امرأة خليعة أو صالحة، ويزينها في نظره، ويغريه بسماع صوتها، ورؤية جمالها، ويوسوس له ولها، حتى يسقط في الحرام، ومتى سقط في الزنا سقط في الكبائر.
فإن كان العبد قويًا في هذه النواحي كلها، جاء إبليس يزين له مجالس الخمر، ومجالس السوء والغيبة والنميمة وهكذا حتى يظفر به.
فليحذر العبد من خطوات الشيطان التي تهلكه وتجره إلى نار جهنم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
وهناك فرق بين معصية يوحي بها الشيطان، ومعصية تصر عليها النفس.
فإذا حدثتك نفسك بمعصية، وأصرت عليها، فاعلم أن النفس هي التي قادتك إلى هذا اللون من المعصية، لأن النفس تريد من صاحبها أن يحقق لها رغباتها وشهواتها، والنفس أمارة بالسوء: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
أما إبليس فليس على هذا المنوال، فإبليس يريد من المؤمن أن يكون عاصيًا بأي شكل من أشكال المعصية، لا يهمه نوع معين من العصيان في ذلك،
стр. 8204
فإذا طرق الشيطان لك بابًا، ووجدك فيه متشددًا متمسكًا لا تُصغي إليه، انطلق يطرق بابًا آخر، يجدك فيه مُصغيًا إليه، قابلاً منه، وهكذا ينتقل من باب إلى باب، حتى تسقط في قبضته، وتستمع إليه، وتستجيب لأمره.
وكل عبادة الأصنام والأوثان والقبور، وكل معصية تقع من الإنسان، فإنما هي عبادة للشيطان، لأنه هو الذي أمر بها الإنسان، وزينها له، وغرَّه بها، فأطاعه الإنسان، وعصى ربه الذي حذره منه كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
ومن عصى الرحمن، وأطاع الشيطان، فليُبشر بالعقوبة والعذاب الأليم: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
• فقه تسليط الشيطان على الإنسان:
الناس فريقان:
أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، ولهؤلاء صفات، ولهؤلاء صفات.
والله إنما يسلط الشيطان على الذين يتولونه، والذين هم به مشركون، فلما تولوه من دون الله، وأشركوا بالله، عوقبوا على ذلك بتسليطه عليهم: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
стр. 8205
وهذه عقوبة خلو القلب، وفراغه من الإيمان، والإخلاص، والإنابة العاصمة من ضدها، وإخلاص الدين يمنع من سلطان الشيطان، وإخلاص القلب لله مانع له من فعل ما نهى الله عنه، وإلهام البر والتقوى ثمرة الإخلاص، وإلهام الفجور عقوبة خلوه من الإخلاص: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
ولله سبحانه عقوبتان:
إحداهما: جعل العبد خاطئًا مُذنبًا لا يحس بألم العقوبة ومضرتها، لموافقتها شهوته وإرادته، وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات.
الثانية: العقوبات المؤلمة بعد فعل السيئات، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
فالعقوبة الأولى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
والعقوبة الثانية: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
فالعقوبة الثانية ترتبت على الأولى، لكن العقوبة الأولى موافقة لهوى العبد وإرادته، فلهذا لا يشعر بها، والثانية مخالفة لما يحبه ويلتذ به، ولذلك يتألم بها.
والله سبحانه حكيم عليم، إنما وضع العقوبة في محلها الأولى بها، الذي لا يليق بها غيره، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، ومن يستحق الكرامة، ومن يستحق الإهانة، والإخلاص لله، والمحبة له، والإنابة إليه، محض منته وفضله على عباده، وهو من أعظم الخير الذي في يده، فالخير كله في يديه، لا يقدر أحد أن يأخذ من الخير إلا ما أعطاه الله، ولا يتقي من الشر إلا
стр. 8206
ما وقاه الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فمن لم يخلق الله ذلك في قلبه، ولم يوفقه له، ولا سبيل له إليه بنفسه، فلا يكن منعه منه ظلمًا، قيل لا يكون منه سبحانه ذلك ظلمًا أبدًا، وإنما يكون المانع ظالمًا إذا منع غيره حقًا لذلك الغير عليه، وهذا هو الذي حرمه الرب على نفسه كما قال سبحانه: «يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظلمَ على نفسيِ وجعلتُهُ بينَكُمُ محرمًا فلا تَظَالموا». أخرجه مسلم (١).
وأما إذا منع غيره مما ليس حقًا له، بل هو محض فضله ومنته عليه لم يكن ظالمًا بمنعه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
والشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير، أو يدخل فيه، فهو يشتد عليه حينئذ، ليقطعه عنه، ويحرمه من ثوابه، ورضوان ربه، وكلما كان الفعل أنفع للعبد، وأحب لله تعالى، كرهه الشيطان له أكثر، فالشيطان واقف للإنسان على طريق كل خير، ولاسيما عند قراءة القرآن، ومناجاة الله، والقيام بين يديه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
وقال النبي ﷺ : «إنَّ عِفريتًا مِنْ الجِنِّ تفَلَّتَ عليَّ البارحةَ، أو كلمةً نحوها، ليقطَعَ علي الصَّلاةَ، فأمكَنَني الله منه، وأردتُ أن أربطَه إلى ساريةٍ من سواري المَسجِد، حتى تُصبِحوا وتنظُروا إليه كُلُّكم، فذكَرْتُ قولَ أخي سليمان: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي». متفق عليه (٢).
стр. 8207
وقد أمر الله سبحانه العبد أن يحارب عدوه الذي يقطع عليه الطريق، ويستعيذ بالله تعالى منه، ويواصل سيره في طاعة ربه كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٨ - ٩٩].
فليس للشيطان طريق ولا سلطان يتسلط به على الذين آمنوا، لا من جهة الحجة، ولا من جهة القدرة، إنما سلطان الشيطان على أهل الشرك، وعلى من تولاه بالإغواء والإضلال، وتمكنه منهم بحيث يؤزهم إلى الكفر والشرك ويرغبهم فيه، ولا يدعهم يتركونه كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
ولكن ليس للشيطان عليهم سلطان حجة وبرهان، وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم، لما وافقت دعوته أهواءهم وأغراضهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم، ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم بموافقته ومتابعته، فلما أعطوا له أيديهم، واستسلموا له، سُلط عليهم عقوبة لهم، وسنة الله ﵎ ألا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا كما قال سبحانه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١].
وهذا هو الأصل، ولكن المؤمنين يصدر منهم من المعاصي والمخالفات التي تضاد الإيمان، ما يصير به الكافرين عليهم سبيلا، بحسب تلك المخالفات، فهم الذين يتسببون إلى جعل السبيل عليهم كما تسببوا إليه يوم أحد بمعصية الرسول ﷺ من قبل الرماة ومخالفته، فأصابهم ما أصابهم، واستزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا.
стр. 8208
والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانًا، حتى جعل العبد إليه سبيلاً إليه في طاعته، والشرك به، وموالاته، فجعل الله حينئذ للشيطان على الإنسان تسلطًا وقهرًا، واحدة بواحدة: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ [الأحزاب: ٦٢].
فالتوحيد وفروعه، والإيمان وشعبه، من التوكل والإخلاص واليقين، يمنع سلطان الشيطان على الإنسان، والشرك وفروعه، من البدع والمعاصي، والمنكرات والفواحش يوجب سلطانه عليه كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
والجميع بقضاء من أزمة الأمور بيده، ومردها إليه، وله الحجة البالغة سبحانه فيما قضى وقدَّر، وفيما حكم وشرع: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
стр. 8209
٧ - الخزانة السابعة
• فقه تسليط الشيطان على الإنسان:
الإرسال في القرآن نوعان:
الأول: إرسال كوني قدري.
الثاني: إرسال ديني شرعي.
فالإرسال الكوني، كما يرسل الله الرياح، ويرسل المياه على الأرض، ويرسل الصواعق، فيصيب بها من يشاء، وإرسال الشياطين على الكافرين كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
فهذا الإرسال كوني قدري كإرسال الرياح، فهو إرسال تسليط، فلما كفروا عاقبهم الله بتسليط الشياطين عليهم، فأُرسلوا عليهم، وقيدوهم بكفرهم كما قال سبحانه: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾ [فصلت: ٢٥].
فقيض الله لهؤلاء الكفار، بسبب كفرهم وجحدهم الحق، قرناء من الشياطين، يزينون لهم ما بين أيديهم وما خلفهم، فالدنيا زخرفوها بأعينهم، ودعوهم إلى لذاتها، وأغروهم بشهواتها المحرمة، حتى افتتنوا فأقدموا على معاصي الله، وسلكوا ما شاءوا من محاربة الله ورسوله وأوليائه، والآخرة بعدوها عليهم، وأنسوهم ذكرها، ووسوسوا لهم بعدم وقوعها، فترحل خوفها من قلوبهم، فقادتهم الشياطين بشهوات الدنيا، وشغلتهم بها، حتى غفلوا عن الآخرة ووقعوا في الكفر والشرك، والبدع والمعاصي،
стр. 8210
وجر غيرهم إليها كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
وهذا التسليط من الله للشياطين على الكافرين والمكذبين والعصاة، بسبب جحودهم الحق، وإعراضهم عن ذكر الله وآياته كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧].
أما الإرسال الشرعي فكما أرسل الله رسله للبشر بالدين الحق، يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما سواه كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
فالإرسال نوعان:
الأول: إرسال ديني، يحبه الله ويرضاه كإرسال الرسل والأنبياء إلى عباده.
الثاني: إرسال كوني وهو نوعان:
نوع يحبه الله ويرضاه، كإرسال الملائكة، لتدبير أمور خلقه.
ونوع لا يحبه، بل يسخطه، كإرسال الشياطين على الكفار، لما أعرضوا عن دين الله.
وكل عبد عاجز عن جلب المنافع الدينية والدنيوية، ولذلك شُرع له أن يذكر الله على كل أحيانه، ويستعين به في جميع أحواله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
فيذكر اسم الله في كل عمل خاص، عند تلاوة القرآن الذي فيه منافع الدنيا والآخرة، فيقول بسم الله الرحمن الرحيم عند قراءة كل سورة بعد أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وكذلك العبد عاجز عن دفع جميع
стр. 8211
المضار الدينية والدنيوية، وأعظم ما يسبب هذه المضار الشيطان، لحسده للإنسان، ولهذا شُرع للعبد أن يستعيذ بالله منه، فإنه منبع الشرور والآثام، خاصةً في تلاوة القرآن الذي فيه كل خير ونعمة للإنسان كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨].
فلا قادر على دفع المضار الدينية والدنيوية إلا الله وحده: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨].
فليستعذ العبد بربه، وليستعذ بالله من كل شر وشيطان.
والجن الإنس كل منهم يستمتع بالآخر، فاستمتاع الجن بالإنس طاعتهم لهم فيما يأمرونهم به من الكفر والفسوق والعصيان، فهذا أكثر أغراض الجن من الإنس.
واستمتاع الإنس بالجن أنهم أعانوهم على معصية الله تعالى والشرك به بكل ما يقدرون عليه من التحسين، والتزيين، وقضاء الحوائج، واستخدامهم بالسحر والعزائم وغيرها، فأطاعهم الإنس فيما يرضيهم من الشرك والفواحش والفجور، وأطاعهم الجن فيما يرضيهم من التأثيرات والإخبار ببعض المغيبات.
فتمتع كل الفريقين بالآخر، شياطين الجن، وشياطين الإنس، فالفاسق يستمتع بالشيطان بإعانته على أسباب فسوقه، والشيطان يستمتع به في قبوله منه، وطاعته له، ويُسر بذلك، فالمشرك يستمتع به الشيطان في شركه به،
стр. 8212
وعبادته له، ويستمتع هو بالشيطان في قضاء حوائجه، وإعانته له، فكل من الثقلين ممتحن بالآخر، ومبتلى به.
فما أعظم إضلال الشياطين لبني آدم، وما أكثر ما أفسدوه منهم، وسوف يسأل الله جميع الثقلين من الإنس والجن من ضل، منهم ومن أضل، عما عملوا واقترفوا من الآثام والفواحش كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ [الأنعام: ١٢٨].
فلما بلغوا الأجل: وهو يتناول أجل الموت، وأجل البعث، قال الله لهم: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
فانقضى زمن التمتع، انقضى أجله، وبقي زمن العقوبة، وانقضى زمن الشرك والكفر، وبقي زمن العذاب والعقوبة: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النحل: ٦٣].
стр. 8213
فقه خطوات الشيطان:
خطوات الشيطان وطرقه التي يدعو الناس إليها، يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب واللسان والجوارح، فالشيطان يأمر بكل ما تستفحشه العقول والشرائع، من الذنوب العظيمة، والكبائر المهلكة، وكل ما تنكره العقول ولا تعرفه، من المعاصي والفواحش والآثام.
ولولا فضل الله ورحمته على العباد ما تطهر أحد من اتباع خطوات الشيطان، لأن الشيطان يسعى هو وجنده في الدعوة إليها، والنفس ميالة إلى السوء، أمارة به، والنقص مستولٍ على العباد من جميع الجهات، فلو خَلُوا من هذه الدواعي ما زكى أحد بالتطهر من الذنوب والسيئات، وإنما بفعل الحسنات، ولكن الله بفضله ورحمته يزكي من يعلم أنه يتزكى بالتزكية، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
وقد أمر الله المؤمنين أن يدخلوا في السلم كافة، ويعملوا بجميع شرائع الإسلام، ولا يتركوا منها شيئًا، فيفعل المسلم كل ما قدر عليه من الأعمال الصالحة، وما يعجز عنه من الأعمال ينويه، فيدركه بنيته، لأن الأعمال بالنيات، ولا يمكن الدخول في السلم كافة إلا بإتباع شريعة الرحمن ومخالفة طرق الشيطان في العمل بمعاصي الله، فالشيطان يأمر بكل سوء وفاحشة، وبكل منكر وضرر، وبكل محرم وقبيح: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
стр. 8214
والسبل التي يسلكها الإنسان أربعة؛ اليمين، والشمال، والأمام، والخلف، وأي سبيل سلك الإنسان من هذه السبل، وجد الشيطان عليها راصدًا له.
فإن سلكها الإنسان في طاعة، وجد الشيطان عليها، يثبطه عنها، ويبطئه، ويعوقه.
وإن سلكها في معصية، وجده عليها حاملًا له، خادمًا، ومُزينًا، ومُعينًا كما قال سبحانه عن الشيطان: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧].
فالشيطان يضل الناس، ويغويهم، ويستعمل لتحقيق مراده منهم هذه الجهات الأربع، فبقي للإنسان جهتان؛ الفوق والتحت، لا يقدر عليهم الشيطان.
فإذا رفع الإنسان يديه إلى الله في الدعاء على سبيل الخضوع، أو وضع جبهته على الأرض ساجدًا لله على سبيل الخشوع والخضوع، غُفرت ذنوبه، لأن الباب مفتوح، والدعاء مسموع، والتوجه إلى الله حاصل.
فالعلو جهة الربوبية، والسجود جهة العبودية والذلة لرب البرية، والشيطان لا يستطيع أن يدخل في هاتين الجهتين: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠].
وخطوات الشيطان في إفساد الدين، والأخلاق، والعباد، كثيرة جدًا، وأخطرها وأشدها ما كان مُزينًا للناس بصورة الحق.
стр. 8215
ومن ذلك أن الله أمر بإخلاص الدين لله وحده لا شريك له، ونهى عن الشرك بالله، ثم أظهر الشيطان للمسلمين الإخلاص في صورة تنقص الصالحين، والتقصير في حقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين، وأتباعهم.
ومنها أن الله سبحانه أمر بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه، ثم أظهر الشيطان للأمة أن الافتراق في أصول الدين وفروعه، هو العلم والفقه في الدين، فتحول العلم الشرعي إلى خلاف وجدل، فرق الأمة إلى شيع وأحزاب ومذاهب متناحرة، حتى صار الأمر بالاجتماع في الدين مستحيلاً لا يقوله إلا أحمق أو مجنون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ [الأنعام: ١٥٩].
ومنه أن الله سبحانه أمر بالسمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبدًا حبشيًا إلا في معصية الله، ثم صار هذا الأصل بسبب كيد الشيطان لا يُعرف عند كثير ممن يدعي العلم، فكيف العمل به؟.
ومنه أن العلم الشرعي، وهو ما جاء عن الله ورسوله ﷺ ، ثم أظهر الشيطان للأمة أن العلم والفقه في الدين هو البدع، ومعرفة الخلاف، وأصول الجدل، وصار العلم الذي فرضه الله على الخلق ومدحه، لا يتفوه به إلا منافق أو جاهل بزعمهم، وصار من أنكره وعاداه، وجدَّ في التحذير منه، هو الفقيه العالم.
ومنها ترك القرآن والسنة، وإتباع الهوى والآراء المختلفة بحجة أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا العالم المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا مما يتعذر وجوده.
стр. 8216
ومنها أن الله ذكر أنه أنزل القرآن، ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، فزين لهم الشيطان أن الأمر ضد ذلك، وأنهم ما تأخروا إلا بسبب التمسك بالقرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وذكر سبحانه أن الإيمان سبب للعلو والعز في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩].
فأظهر الشيطان للناس أن العلو والرفعة والشرف، بتعلم علم اليهود والنصارى، فأقبلوا على ذلك، وجفا أكثرهم كتاب ربه، وسنة نبيه ﷺ كما هو حاصل في كل مكان وزمان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١].
وأنزل الله القرآن عربيًا، لعلهم يفهمونه، فزين لهم الشيطان ضد ذلك، فأقبلوا على تعلم الكتب الأعجمية، لظنهم سهولتها، وصعوبة فهم القرآن.
ومنها أن الله ذكر أن الأمة لو عملت بالدين الحق، لصلحت دنياها وأخراها، فزين لهم الشيطان ضد ذلك.
وذكر سبحانه أنه أنزل القرآن تفصيلاً لكل شيء، وأنه من يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، فأظهر لهم الشيطان الأمر بخلاف ذلك.
وذكر الله أن تزوج الفقير سبب لغناه، وأن صلة الرحم، وإخراج الزكاة، سبب لزيادة المال وكثرته، فظن الأكثر أن الأمر بخلاف ذلك، وتُركت الزكاة خوفًا من نقصه وغير ذلك مما زينه الشيطان، وأضل به العباد مما عمَّ
стр. 8217
وطمَّ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
وكيد الشيطان خفيٌ ماكر، فكم اصطاد به من الرجال، والنساء، والعلماء، والأغنياء، والخاصة، والعامة؟: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
• الأبواب التي يدخل منها الشيطان على الإنسان:
المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها للإنسان ثلاثة:
باب الشهوة، وباب الغضب، وباب الهوى.
فالشهوة بهيمية، وبها يصير الإنسان ظالمًا لنفسه، ومن نتائجها الحرص والبخل.
والغضب سبعية، وهي آفة أعظم من الشهوة وأشد خطرًا، وبالغضب يصير الإنسان ظالمًا لنفسه، وظالما لغيره، ومن نتائجه العجب والكبر.
والهوى شيطانية، وهو آفة أعظم من الشهوة، وأعظم من الغضب، وبالهوى يكون الإنسان ظالما لنفسه، وظالما لغيره من المخلوقات، ويتعدى ظلمه إلى خالقه، بجحد حقه بالكفر والشرك والمعاصي، ومن نتائجه الكفر والبدعة والمعصية.
وأكثر ذنوب الخلق بهيمية، لعجزهم عن غيرها، ومنها يدخلون إلى بقية الأقسام: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
стр. 8218
وجميع الشرور في العالم إنما سببها الشيطان، فهو يجتهد على بني آدم بكل ما يستطيع من وسائل، ليخرجهم من الحق إلى الباطل، ومن الإيمان إلى الكفر، ومن التوحيد إلى الشرك، ومن النور إلى الظلمات، ومن السنة إلى البدعة ومن الطاعات إلى المعاصي: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
• شرور الشيطان:
للشيطان خطوات وطرق ووسائل، يسلكها لإضلال الناس عن الهدى، وللشيطان شرور كثيرة، ولكن ينحصر شره في سبع خطوات، ولا يزال بابن آدم حتى يوقعه بواحدة أو أكثر.
وهي كما يلي:
الشر الأول: شر الكفر والشرك، ومعاداة الله ورسوله، فلا يزال الشيطان يراود الإنسان، حتى يخرجه من الإيمان إلى الكفر، ومن التوحيد إلى الشرك، وهذه أعظم شروره وأكبرها وأخطرها فإن عجز عنه نقله إلى ما بعده.
وهو الشر الثاني: وهو شر البدعة التي هي باب الكفر والشرك، فإن يأس منه نقله إلى ما بعده.
وهو الشر الثالث: شر الكبائر على اختلاف أنواعها، فإن عجز عنه نقله إلى ما دونه.
стр. 8219
وهو الشر الرابع: شر الصغائر من الذنوب التي ربما اجتمعت على الإنسان فأهلكته، فإن عجز عنه نقله إلى ما دونه.
وهو الشر الخامس: وهو إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، عن الطاعات الشرعية، فإن عجز عنه نقله إلى ما دون ذلك.
وهو الشر السادس: وهو إشغاله بالعمل المفضول، عن العمل الفاضل، كإشغاله بالنوافل، حتى تفوت الفرائض، وبتوزيع المال، حتى تفوت صلاة الجماعة، فإن أعجزه العبد في كل ما سبق نقله إلى آخر ما يقدر عليه.
وهو الشر السابع: بأن يسلط عليه حزبه من شياطين الإنس والجن، بأنواع الأذى، والتكفير، والتضليل، والتبديع، والتفسيق، والتحذير منه، وقصد إخماده، ليشوش عليه قلبه، ويشغل بحربه فكره، وليمنع الناس من الانتفاع به، فحينئذ يلزم المسلم أن يلبس لامة الحرب، ولا يضعها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أُسرع أو أُصيب، فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله بثواب المجاهدين: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
والشيطان يريد الإنسان عدو مبين، وهو الآن يُسير الأمة، ويخطو بها، للتوسع في الحلال والمباحات والشهوات، والحرام حد المباحات، فلا يزال الشيطان بالإنسان حتى ينقله من المباحات إلى المحرمات، لتكميل شهواته.
والكفر حد المحرمات، فلا يزال الشيطان بالإنسان حتى ينقله من المحرمات إلى الكفر، لتكميل شهواته، وإضاعة أوامر الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا
стр. 8220
ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
فهذه خطوات الشيطان، التوسع في المباحات، ثم الدخول في المحرمات، ثم الكفر، وترك أوامر الله من أجل تكميل الشهوات، ثم الدعوة إلى الكفر والمعاصي كما يفعل الشيطان، فليحذر العبد من كيد الشيطان ومكره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩].
стр. 8221
٨ - الخزانة الثامنة
فقه خطوات الشيطان:
قلب الإنسان كالحصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، ويملكه، ويستولي عليه، ويُقيم فيه، ويطرد من فيه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرفها، وأبواب الشيطان ومداخله التي يدخل منها إلى القلب صفات العبد.
فمن أبوابه العظيمة التي يُهلك بها الناس باب الحسد والحرص، فإن الشيطان يحسن عند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته، وإن كان فاحشًا أو منكرًا أو حرامًا: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١١٧ - ١٢١].
ومنها باب الغضب والشهوة والحدة، فالغضب يحرف العقل، والشهوة بحر يركض فيه الشيطان، وإذا ضعف جند العقل، هجم الشيطان، فلعب بالإنسان وزجه فيما حرم الله.
ومنها حب التزين الثيابي، والأثاثي، والمساكن، والمراتب، فلا يزال الشيطان بالإنسان، حتى يحصر عمره وأوقاته في التشييد والتزيين.
ومنها باب الشبع، فالشبع يقوي الشهوة، ويشغل عن الطاعة.
стр. 8222
ومنها باب الطمع، فإن من طمع في الشخص، طمع في الثناء عليه بما ليس فيه، وداهنه فلم يأمره بالمعروف، ولم ينهه عن المنكر.
ومنها باب العجلة، وترك التثبت، ليقع المسلم في الأخطاء والآثام والمحرمات.
ومنها حب المال، وحب المال إذا تمكن من القلب أفسده، وحمله على طلب المال من غير وجهه، وأخرجه إلى البخل، وخوف الفقر، فمنع الحقوق اللازمة.
ومنها سوء الظن بالمسلمين، فإن من حكم على مسلم بسوء ظنه احتقره، وأطلق فيه لسانه، ورأى نفسه خيرًا منه.
وسوء الظن يدل على خبث الظانّ، لأن المؤمن يطلب المعاذير للمؤمن، والمنافق يبحث عن عيوبه، وعلى المسلم أن يحترس من مواضع التهم، لئلا يُساء بها الظن.
وعلاج هذه الآفات يكون بسد المداخل والأبواب التي يدخل منها دخان الشيطان وغباره، وتطهير القلب عن الصفات المذمومة بالتوبة والاستغفار كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
وقال سبحانه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ [البقرة: ٢٦٨].
وإذا غلب على الإنسان هواه، استسلم للشيطان وجنوده، فقادوه حيث شاءوا، وله معهم حالتان:
إحداهما: أن يكون من جندهم وأتباعهم، وهذه حال العاجز الضعيف.
стр. 8223
الثانية: أن يصير الشيطان من جنده، وهذه حال الفاجر القوي المتسلط الداعية المتبوع المبتدع، فيصير إبليس وجنده من أعوانه وأتباعه.
وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم، واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة.
وهذه الحالة هي حالة جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، وعمل أصحابها المكر، والكذب، والخداع، والغرور، والتسويف بالعمل، وطول الأمل، وإيثار العاجل على الآجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦].
وهؤلاء أئمة جنود الشيطان، وهم أنواع شتى:
فمنهم المحارب لله ورسوله، الساعي في إبطال ما جاء به الرسول ﷺ ، يصد عن سبيل الله، ويبغيها عوجًا.
ومنهم المقبل على دنياه وشهواته فقط.
ومنهم المنافق الذي يأكل بالكفر وبالإسلام.
ومنهم الماجن الذي قطع أنفاسه بالمجون واللهو واللعب، إلى غير ذلك من أصناف المرتدين الذين اتبعوا شهواتهم، فسلط الله عليهم من كان حقهم أن يتسلطوا عليه، وهو الشيطان، وجعلهم تحت قهره وتصرفه وسلطانه، يُسخرهم حيث شاء، ويسخر منهم، ويزعجهم إلى كل معصية وفاحشة وشر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
وشياطين الإنس والجن منهم من يختار الكفر، والشرك، والمعاصي، وإبليس وجنوده من الشياطين يشتهون الشر، ويتلذذون به، ويطلبونه، ويحرصون عليه بمقتضى خبث أنفسهم، وإن كان موجبًا لعذابهم وعذاب من يغوونه.
стр. 8224
والإنسان إذا فسدت نفسه أو مزاجه يشتهي ما يضره، ويلتذ به، بل يعشق ذلك عشقًا يُفسد عقله، ودينه، وخلقه، وبدنه، وماله.
والشيطان هو نفسه خبيث، فيتقرب إليه السحرة والكهان، بما يحبه من الكفر والشرك والمعاصي، وصار ذلك كله كالرشوة له، فيقضي بعض أغراضه، كمن يعطي غيره مالاً ليقتل له من يريد قتله أو يعينه على فاحشة أو سرقة: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
• فقه كيد الشيطان للإنسان:
الشيطان للإنسان عدو مبين، فأيما سبيل سلكه الإنسان يمين أو شمال، أمام أو خلف، إلا وجد الشيطان عليه راصدًا له، فإن سلكه في طاعة قطعه أعاقه، وإن سلكه في معصية جملها وزينها له: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء: ١٢٠].
وكيد الشيطان ضعيف، وهو لا يضر إلا الضعيف: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦].
والشيطان كما أخرج آدم وزوجه من الجنة، يريد أن يفتن ذريته كذلك بأنواع الفتن، ويخرجهم من التوحيد إلى الشرك، ومن الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعات إلى المعاصي، ومن السنن إلى البدع، وبذلك ينقلهم من أعمال أهل الجنة إلى أعمال النار، ويخرجهم من الجنة إلى النار كما أخرج أبويهم، وأغراهم بمعصية الله، فليحذر العبد من فتنته كما أمره ربه: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا
стр. 8225
يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٧ - ٢٨].
فالشيطان للإنسان عدو مبين، وقد كشف الله لنا عن هذه العداوة، فهو يريد إضلال بني آدم وإهلاكهم، وقد غرَّ أكثرهم، فزين لهم عبادة الأصنام والأوثان، والكواكب، والأحجار، والأشجار وغيرها، وهم في الحقيقة إنما يعبدون الشيطان الذي زينها لهم، وأمرهم بعبادتها: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١١٧ - ١٢١].
وكما أن الشيطان عدو للإنسان، فيجب على الإنسان أن يتخذه عدواً، يجاهده، ويخالفه، ولا يطيعه أو يغتر به كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٥ - ٦].
وقد وعد الله عباده المؤمنين على طاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، بالمغفرة والرضوان، أما الشيطان فوعده للناس أن يأمرهم بالشر، ويخوفهم من فعل الخير، وهذان الأمران جماع ما يطلبه الشيطان من الإنسان، فإنه إذا خوف الإنسان من فعل الخير تركه، وإذا أمره بالفحشاء وزينها له أرتكبها: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ [البقرة: ٢٦٨].
стр. 8226
والشيطان بمكره وكيده وتلبيسه يتلطف في دعوة الناس إلى الباطل، ويأتيهم بصورة ناصح لهم، مشفق عليهم، فيشم قلب أبن أدم لينظر ماذا يحب، وماذا يكره، وماذا يريد، وماذا يشتهي، فيضع في قلبه كل سعى في رده عن الدين بالكلية، ويضع فيه قوة سعى في حمله على مجاوزة الحق، والزيادة على ما شرعه الله ورسوله، ليقع في الظلم والعدوان.
وإن رأى في قلبه حب الشهوات، شغله بالشهوات والزينات عن السنن والواجبات.
والشيطان في كل يوم، بل في كل لحظة، يصطاد كثيرًا من بني آدم، ويرغبهم ويوقعهم في ألوان الفساد واللهو، والزنا والسرقة، والسكر والفواحش، والظلم وسفك الدماء، وذلك بالوسوسة والتزين، والغرور والإغواء، ولا يزال حتى تم له ما أراد، وتبعه أكثر الناس كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
ونية الشيطان في الفساد والإضلال عالمية لجميع الناس، في كل زمان، وفي كل مكان، فلا زال هو وجنوده وذريته يعد الناس، ويمنيهم، ويشاركهم في الأموال والأولاد، ويجتهد عليهم جميعًا ليفسدهم: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١٢٠ - ١٢١].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
ونية النبي ﷺ وفكره لجميع البشرية، كيف يؤمنون بالله، ويعملون بالحق في الدنيا، ويدخلون الجنة في الآخرة، وفكر الشيطان وجهده على جميع البشرية، كيف يكفرون بالله، ويعملون بالباطل في الدنيا، ويدخلون النار
стр. 8227
في الآخرة: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
وقد كاد الشيطان نفسه قبل كيده للأبوين، وكاد ذرية نفسه، وذرية آدم، فكان مشئومًا على نفسه، وعلى ذريته، وعلى أوليائه من الجن والإنس.
أما كيده لنفسه، فإن الله سبحانه لما أمر بالسجود لآدم ﷺ ، كان في امتثال أمره وطاعته سعادته وفلاحه، وعزه ونجاته، فسولت له نفسه الجاهلة الظالمة أن في سجوده لآدم تصغيراً لنفسه، وتعظيماً لغيره: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ [الإسراء: ٦١].
فلما قام بنفسه هذا الهوس، وهذا الخبث، وقارنه الحسد لآدم لما خصه الله به من أنواع الكرامات دونه، فإن الله خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، فعند ذلك بلغ الحسد من عدو الله كل مبلغ، فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم سجدوا كلهم إلا إبليس أبى وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ [ص: ٧٦].
فعصى الشيطان الرب المعبود، وجمع بين الجهل والظلم، والكبر والحسد، والكفر والمعصية، فطرده الله ولعنه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فأهان نفسه من حيث أراد تعظيمها، ووضعها من حيث أراد رفعتها، وأذلها من حيث أراد عزها، وألمها من حيث أراد لذتها، وفعل بنفسه ما لو اجتهد أعظم أعدائه في مضرته لم يبلغ ذلك منه، فكيف يسمع منه العاقل، ويقبل منه، ويواليه، ويطيعه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ
стр. 8228
مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠].
وأما كيده للأبوين آدم ﷺ ، وزوجه حواء، فلم يزل يخدعهما ويعدهما ويمنيهما الخلود في الجنة، حتى أقسم لهما أنه ناصح لهما، فأطمئنا إلى قوله وأجاباه إلى ما طلب منهما، فجرى عليهما من المحنة والخروج من الجنة ما جرى، وذلك بمكره وكيده الذي جرى به القلم، وسبق به القدر، ولكل جزاؤه.
ورد الله سبحانه كيد الشيطان عليه، وتدارك الأبوين برحمته ومغفرته فأعادهما إلى الجنة على أحسن الأحوال وأجملها، وعاد عاقبة أمره عليه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
وقال الله تعالى لإبليس: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ [ص: ٧٧ - ٧٨].
وأما كيد الشيطان لذرية أدم فلا يزال الشيطان بمكره وكيده يسوق الناس إلى المعاصي والمنكرات، والفواحش والآثام، ويفتح أسواق الباطل في كل مكان وزمان: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١١٨ - ٢٢١].
стр. 8229
ومن كيد الشيطان للإنسان أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه، فلا يجاهدونهم، ولا يأمرونهم بالمعروف، ولينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
ومن كيد الشيطان أنه يورد الإنسان الموارد التي يخيل إليه فيها أن فيها منفعته ومسرته، ثم يصدره المصادر التي فيها عطبه، ويتخلى عنه، ويسلمه، ويشمت به، ويضحك منه، كما فعل بالمشركين يوم بدر كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾ [الأنفال: ٤٨].
ومن كيده أنه يأمر الإنسان، ويزين له السرقة والزنا والقتل والكفر، ثم يتبرأ منه، ويسلمه، ويشمت به: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ [الحشر: ١٦].
ثم يتبرأ الشيطان من جميع أوليائه في النار، ويقول لهم: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢]. أوردهم كل الموارد المهلكة، وتبرأ منهم كل البراءة، في وقت لا ينفع فيه الندم:
ومن مكائد الشيطان العظيمة أنه يسحر العقل حتى يكيده، ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله، فيزين للعقل الفعل الذي يضره، حتى يخيل إليه أنه من أنفع الأشياء له، وينفر المسلم من الفعل الذي هو أنفع الأشياء له، حتى يخيل له أنه يضره.
стр. 8230
فسبحان الله، كم فتن الشيطان بهذا السحر من إنسان، وكم حال به بين القلب والإسلام والإحسان؟، وكم جلى الباطل، وأبرزه في سورة حسنة؟ وكم شنع الحق، وأخرجه في سورة مستهجنة؟:
فهو الذي سحر العقول، وألقى أربابها في الأهواء والبدع والظلالات، وسلك بهم سبل الظلال، وزين لهم عبادة الأصنام، وقطيعة الأرحام، ونكاح الأمهات، ووأد البنات.
وهو الذي حسن الشرك والفسوق والعصيان لأدم وذريته، فهو صاحب الأبوين حين أخرجهما من الجنة، وصاحب قابيل حين قتل أخاه هابيل، وصاحب قوم نوح حين أغرقوا، وصاحب قوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم، وصاحب قوم صالح حين أهلكوا بالصيحة.
وصاحب قوم لوط حين قلبت عليهم ديارهم، ثم رجموا بالحجارة، وصاحب فرعون وقومه حين أغرقوا، وصاحب قريش حين هزموا وهلكوا في يوم بدر، وهو صاحب كل هالك ومفتون إلى يوم القيامة.
ومن مكائد الشيطان العجيبة، أنه يشام النفس حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها؛ قوة الإقدام والشجاعة، أم قوة الإحجام والمهانة، فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ في أضعاف همته، وتثبيطه عن فعل المأمور به، ويثقله عليه، ثم يهون عليه تركه حتى يتركه جملة، أو يقصر فيه، ويتهاون به.
وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام، وعلو الهمة، أخذ يقلل عنده المأمور به، ويوهمه أنه لا يكفيه، وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة، فيقصر بالأول ويتجاوز بالثاني، ليبعد العبد عن سلوك الصراط المستقيم، ويسلك به صراط الجحيم: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].