← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

والشيطان بمكره وكيده وتلبيسه يتلطف في دعوة الناس إلى الباطل، ويأتيهم بصورة ناصح لهم، مشفق عليهم، فيشم قلب أبن أدم لينظر ماذا يحب، وماذا يكره، وماذا يريد، وماذا يشتهي، فيضع في قلبه كل سعى في رده عن الدين بالكلية، ويضع فيه قوة سعى في حمله على مجاوزة الحق، والزيادة على ما شرعه الله ورسوله، ليقع في الظلم والعدوان. وإن رأى في قلبه حب الشهوات، شغله بالشهوات والزينات عن السنن والواجبات. والشيطان في كل يوم، بل في كل لحظة، يصطاد كثيرًا من بني آدم، ويرغبهم ويوقعهم في ألوان الفساد واللهو، والزنا والسرقة، والسكر والفواحش، والظلم وسفك الدماء، وذلك بالوسوسة والتزين، والغرور والإغواء، ولا يزال حتى تم له ما أراد، وتبعه أكثر الناس كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠]. ونية الشيطان في الفساد والإضلال عالمية لجميع الناس، في كل زمان، وفي كل مكان، فلا زال هو وجنوده وذريته يعد الناس، ويمنيهم، ويشاركهم في الأموال والأولاد، ويجتهد عليهم جميعًا ليفسدهم: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١٢٠ - ١٢١]. وقال الله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. ونية النبي ﷺ وفكره لجميع البشرية، كيف يؤمنون بالله، ويعملون بالحق في الدنيا، ويدخلون الجنة في الآخرة، وفكر الشيطان وجهده على جميع البشرية، كيف يكفرون بالله، ويعملون بالباطل في الدنيا، ويدخلون النار

стр. 8227

في الآخرة: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. وقد كاد الشيطان نفسه قبل كيده للأبوين، وكاد ذرية نفسه، وذرية آدم، فكان مشئومًا على نفسه، وعلى ذريته، وعلى أوليائه من الجن والإنس. أما كيده لنفسه، فإن الله سبحانه لما أمر بالسجود لآدم ﷺ ، كان في امتثال أمره وطاعته سعادته وفلاحه، وعزه ونجاته، فسولت له نفسه الجاهلة الظالمة أن في سجوده لآدم تصغيراً لنفسه، وتعظيماً لغيره: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ [الإسراء: ٦١]. فلما قام بنفسه هذا الهوس، وهذا الخبث، وقارنه الحسد لآدم لما خصه الله به من أنواع الكرامات دونه، فإن الله خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، فعند ذلك بلغ الحسد من عدو الله كل مبلغ، فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم سجدوا كلهم إلا إبليس أبى وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ [ص: ٧٦]. فعصى الشيطان الرب المعبود، وجمع بين الجهل والظلم، والكبر والحسد، والكفر والمعصية، فطرده الله ولعنه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. فأهان نفسه من حيث أراد تعظيمها، ووضعها من حيث أراد رفعتها، وأذلها من حيث أراد عزها، وألمها من حيث أراد لذتها، وفعل بنفسه ما لو اجتهد أعظم أعدائه في مضرته لم يبلغ ذلك منه، فكيف يسمع منه العاقل، ويقبل منه، ويواليه، ويطيعه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ

стр. 8228

مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠]. وأما كيده للأبوين آدم ﷺ ، وزوجه حواء، فلم يزل يخدعهما ويعدهما ويمنيهما الخلود في الجنة، حتى أقسم لهما أنه ناصح لهما، فأطمئنا إلى قوله وأجاباه إلى ما طلب منهما، فجرى عليهما من المحنة والخروج من الجنة ما جرى، وذلك بمكره وكيده الذي جرى به القلم، وسبق به القدر، ولكل جزاؤه. ورد الله سبحانه كيد الشيطان عليه، وتدارك الأبوين برحمته ومغفرته فأعادهما إلى الجنة على أحسن الأحوال وأجملها، وعاد عاقبة أمره عليه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. وقال الله تعالى لإبليس: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ [ص: ٧٧ - ٧٨]. وأما كيد الشيطان لذرية أدم فلا يزال الشيطان بمكره وكيده يسوق الناس إلى المعاصي والمنكرات، والفواحش والآثام، ويفتح أسواق الباطل في كل مكان وزمان: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١١٨ - ٢٢١].

стр. 8229

ومن كيد الشيطان للإنسان أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه، فلا يجاهدونهم، ولا يأمرونهم بالمعروف، ولينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]. ومن كيد الشيطان أنه يورد الإنسان الموارد التي يخيل إليه فيها أن فيها منفعته ومسرته، ثم يصدره المصادر التي فيها عطبه، ويتخلى عنه، ويسلمه، ويشمت به، ويضحك منه، كما فعل بالمشركين يوم بدر كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾ [الأنفال: ٤٨]. ومن كيده أنه يأمر الإنسان، ويزين له السرقة والزنا والقتل والكفر، ثم يتبرأ منه، ويسلمه، ويشمت به: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ [الحشر: ١٦]. ثم يتبرأ الشيطان من جميع أوليائه في النار، ويقول لهم: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢]. أوردهم كل الموارد المهلكة، وتبرأ منهم كل البراءة، في وقت لا ينفع فيه الندم: ومن مكائد الشيطان العظيمة أنه يسحر العقل حتى يكيده، ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله، فيزين للعقل الفعل الذي يضره، حتى يخيل إليه أنه من أنفع الأشياء له، وينفر المسلم من الفعل الذي هو أنفع الأشياء له، حتى يخيل له أنه يضره.

стр. 8230

فسبحان الله، كم فتن الشيطان بهذا السحر من إنسان، وكم حال به بين القلب والإسلام والإحسان؟، وكم جلى الباطل، وأبرزه في سورة حسنة؟ وكم شنع الحق، وأخرجه في سورة مستهجنة؟: فهو الذي سحر العقول، وألقى أربابها في الأهواء والبدع والظلالات، وسلك بهم سبل الظلال، وزين لهم عبادة الأصنام، وقطيعة الأرحام، ونكاح الأمهات، ووأد البنات. وهو الذي حسن الشرك والفسوق والعصيان لأدم وذريته، فهو صاحب الأبوين حين أخرجهما من الجنة، وصاحب قابيل حين قتل أخاه هابيل، وصاحب قوم نوح حين أغرقوا، وصاحب قوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم، وصاحب قوم صالح حين أهلكوا بالصيحة. وصاحب قوم لوط حين قلبت عليهم ديارهم، ثم رجموا بالحجارة، وصاحب فرعون وقومه حين أغرقوا، وصاحب قريش حين هزموا وهلكوا في يوم بدر، وهو صاحب كل هالك ومفتون إلى يوم القيامة. ومن مكائد الشيطان العجيبة، أنه يشام النفس حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها؛ قوة الإقدام والشجاعة، أم قوة الإحجام والمهانة، فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ في أضعاف همته، وتثبيطه عن فعل المأمور به، ويثقله عليه، ثم يهون عليه تركه حتى يتركه جملة، أو يقصر فيه، ويتهاون به. وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام، وعلو الهمة، أخذ يقلل عنده المأمور به، ويوهمه أنه لا يكفيه، وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة، فيقصر بالأول ويتجاوز بالثاني، ليبعد العبد عن سلوك الصراط المستقيم، ويسلك به صراط الجحيم: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].

стр. 8231

وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وقال الله تعالى عن الشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٩]. • نزغات الشيطان: ما أمر الله بأمر شرعي إلا وللشيطان فيه نزغتان؛ إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وعلو، ولا يبالي الشيطان بأيهما ظفر، وقد هلك أكثر الناس في هذين الواديين، وادي التقصير والتفريط، ووادي المجاوزة والغلو، وقليل منهم من يثبت على الصراط المستقيم الذي عليه الرسول ﷺ وأصحابه وأتباعه. فاللهم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. فقصر الشيطان بقوم في حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم. وقصر بقوم حتى منعهم من طلب العلم الذي ينفعهم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم دون العمل به. وقصر الشيطان بقوم في خلطة الناس حتى اعتزلوهم في الطاعات كالجمعة والجماعات، والعلم والجهاد، وتجاوز بآخرين حتى خالطوهم في الظلم والمعاصي والآثام. وقصر بقوم عن الإتيان بواجبات الطهارة، وتجاوز بآخرين إلى حد الوسواس. وقصر بقوم عن إخراج الزكاة، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا جميع ما يملكون، وصاروا كلاً على الناس.

стр. 8232

وقصر بقوم عن تناول ما يحتاجون من الطعام والشراب واللباس حتى أضروا بأبدانهم وقلوبهم، وتجاوز بآخرين حتى أخذوا فوق حاجتهم فأضروا بقلوبهم وأبدانهم. وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح شاة ليأكلوها، وتجاوز بآخرين حتى جرأهم على سفك دماء الأنفس المعصومة. وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بني آدم، وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص. وقصر بقوم حتى زين لهم ترك سنة الرسول ﷺ في النكاح فرغبوا عنه بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا الزنا والفواحش وما قدروا عليه من الحرام. وقصر بقوم حتى جفوا العلماء والشيوخ من أهل الدين والصلاح، وأعرضوا عنهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم مع الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧]. وقصر بقوم حتى منعهم من قبول أقوال أهل العلم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه، وقصر بقم حتى قالوا إيمان أفسق الناس وأتقاهم كإيمان جبريل وميكائيل، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا الناس من الإسلام بالكبيرة الواحدة. وقصر الشيطان بقوم حتى عادوا أهل بيت رسول الله ﷺ ، وقاتلوهم واستحلوا دمائهم، وتجاوز بآخرين حتى ادعوا فيهم خصائص النبوة، وربما ادعوا فيهم الإلهية: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ [الإسراء: ٥٣].

стр. 8233

وقصر باليهود حتى كذبوا بالمسيح، ورموه هو وأمه بما برأهم الله منه، وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن الله، وجعلوه إلهًا يُعبد مع الله. وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب، ولم يلتفتوا إليها، وعدوها فضلاً، وتجاوز بآخرين حتى قصروا نظرهم وعملهم عليها، ولم يلتفتوا إلى كثير من أعمال الجوارح. فلا إله إلا الله كم فتن الشيطان بهذا الكيد والمكر من خلق الله!: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. ومن مكائد الشيطان أنه يأمر الغني، وصاحب الجاه، أن يلقوا المساكين والضعفاء، وذوي الحاجات بوجه عبوس، لئلا يطمعوا فيهم، ويتجرؤوا عليهم، وتسقط هيبتهم من قلوبهم، فيحرمهم بذلك من محبتهم، وصالح أدعيتهم، ومن كيده أنه يغري الناس بتقبيل يد العالم أو الزاهد، والتمسح به، والثناء عليه وسؤاله الدعاء حتى يرى نفسه، ويعجبه شأنها، فيفرح بذلك، ويقع في قلبه حتى يظنه حقًا، وذلك الهلاك كله، وهو شر من أرباب الكبائر. ومن كيده الذي بلغ به من الجهال ما بلغ الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية، حتى ألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم من السنة إلى البدعة، وخيل لبعضهم أنما جاءت به السنة لا يكفي حتى يضم إليه غيره، فجمع لهم بكيده العظيم، ومكره الخبيث، بين هذا الظن الفاسد، والتعب الجاري ببطلان الأجر أو نقصه.

стр. 8234

ومن أعظم مكائد الشيطان التي كاد بها أكثر الناس، وأوحاه إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر إلى أن عُبد أربابها من دون الله، وعُبدت قبورهم، واتُخذت أوثانًا، وصُورت صور أربابها فيها، ثم جُعلت الصور أجسامًا لها ظل، ثم جُعلت أصنامًا، وعُبدت مع الله تعالى، يُطاف عليها، ويُصلى عندها، وتُسكب عندها العبرات، وتُشكى إليها الحاجات وتُحلق عندها الرؤوس، وتُذبح القرابين، ويُسأل الميت فيها قضاء الحاجات، وكشف الكربات، وتُشد إليها الرحال من جميع الجهات، فلله كم أضل الشيطان من بني آدم: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٣]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦]. ومن أعظم مكايده ما نصبه للناس، ليعبدوه من دون الله من شجر، أو حجر، أو عين، أو قبر أو غير ذلك، والأزلام للتكهن وطلب علم ما إستأثر الله بعلمه، فالأزلام للعلم، والأنصاب للعمل، فلا إله إلا الله كم خادع الشيطان بهذا العمل من البشر، وأنساهم العهد والميثاق: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. ومن أعظم كيد الشيطان ومكره، أنه ينصب لأهل الشرك قبرًا معظمًا يعظمه الناس، ثم يجعله وثنًا يعبد من دون الله، ثم يوحي لأوليائهن أن من نهى عن عبادته واتخاذه عيدًا، فقد تنقصه، وهضم حقه، فيسعى الجاهلون في قتله وعقوبته وتكفيره، فسبحان الله العظيم كم شيد الشيطان من القبور التي تعبد

стр. 8235

من دون الله في العالم؟، وكم أغرى الشيطان بها كثيرًا من الناس حتى عبدوه من دون الله من خلالها؟ فوا أسفاه على النفوس والعقول التي انقادت لعدوها وعبدته من دون الله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١]. ومن مكائد عدو الله ومصائده، ما كاد به من قل نصيبه من العلم والعمل والدين، وصاد به قلوب الجاهلين والمبطلين، من سماع المكاء والتصدية والغناء، والعزف على الآلات المحرمة، الذي يصد به القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة عن الفسوق والعصيان: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨]. وسماع الغنى والعزف من الرجال محرم، أما سماعه من المرأة الأجنبية فهو أشد حرمة، وأعظم فتنة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٦ - ٧]. ومن مكائد الشيطان التي كاد بها الإسلام وأهله، الحيل والمكر والخداع الذي يتضمن تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، وإسقاط ما فرضه الله، ومضادته في أمره ونهيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)

стр. 8236

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ٨ - ١٠]. ومن مكائده ومصائده، ما فتن به عشاق الصور، تلك البلية العظمى التي استعبدت القلوب لغير خالقها، وملكت القلوب لمن يسومها سوء العذاب من عشاقها، ودعت إلى موالاة كل شيطان مريد، فأوسعت القلوب محنة، وملأتها فتنة، وحالت بينها وبين رشدها ومولاها. ومحبة الصور المحرمة من موجبات الشرك، وكلما كان العبد أقرب إلى الشرك، وأبعد من الإخلاص، كانت محبته بعشق الصور أشد، فما أعظم تلاعب الشيطان بأكثر الخلق: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء: ١٢٠]. فما أشد فتنته حيث أخرج لهم أنواع الكفر، والفسوق، والعصيان، في كل قالب. ومن أعظم مكائده ومصائده، ما كاد به المشركين في عبادة الأصنام، وتلاعب بكل قوم على قدر عقولهم، فطائفة دعاهم إلى عبادة الأصنام من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الصور على الأصنام على صورهم كما فعل بقوم نوح، فأطاعوه وعبدو. وإما جهلًا، وإما عنادًا لأهل التوحيد، فمنهم عباد الشمس، وعباد القمر، وعباد البقر، وعباد الحجر، وعباد الماء، وعباد النبات، وعباد النار، وعباد النور، وعباد الظلام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٥].

стр. 8237

اتخذوا تلك الأصنام، ليصلون عندها، ويطوفون بها، ويسألونها الحاجات، ويقربون لها القرابين، ويقضون عندها الأوقات، ويشدون إليها الرحال. وزين لهم الشيطان، وأوقع في نفوسهم، أن هذه الأصنام تدبر أمر العالم العلوي والسفلي، تدخل فيها الشياطين، وتكلمهم وتخبرهم ببعض المغيبات، وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم، وهم لا يرون الشياطين، فيظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٧ - ٢٨]. فإذا سمع العابد الخطاب والكلام من الصنم، اتخذه إلهًا من دون الله، وأضل الشيطان بمكره وكيده وتلاعبه ببني آدم، أكثر أهل الأرض، فهم مفتونون بعبادة الشيطان عن طريق الأصنام والأوثان، ولم يتخلص منهم إلا الحنفاء الموحدون كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢].

стр. 8238

٩ - الخزانة التاسعة فقه كيد الشيطان لبني آدم: الأمم التي أهلكها الله بأنواع الهلاك كلهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان التي زين الشيطان لهم عبادتها، وأصل عبادة الأوثان والأصنام تشبيه المخلوق بالخالق في الإلهية، حتى عبدوه من دون الله، وجعلوه ندًا وعدلًا لله يعبدونه، ويسألونه كما يسألون الله ﷻ . وزين الشيطان لقوم عبادة الملائكة، فعبدوهم من دون الله، ولم تكن عبادتهم في الحقيقة لهم، ولكن كانت للشياطين الذين أمروهم وزينوا لهم، فعبدوا أقبح خلق الله، وحقهم باللعنة والطرد والذم وهم الشياطين: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١]. فسبحان الله ما أعظم غفلة العباد، وما أشد مكر الشيطان وكيده، حتى جعل طوائف من بني آدم تعبد الأحياء الأموات، والأنبياء والملائكة، والإنس والجن، والنبات والحيوان، والنور والنار، والجبال والتراب، والكواكب والنجوم، والمياه والفروج: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧]. فما أخطر كيد الشيطان للإنسان كم أضل من العباد، وكم أفسد من الأفراد والأمم والشعوب.

стр. 8239

قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النحل: ٦٣]. وأه لعبدة الأصنام والأوثان، ماذا يعبدن من دون الله، وماذا تملك لهم هذه الأصنام والأوثان: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت: ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. وعباد الأصنام والأوثان، وإن تألفوا وتحابوا عليها في الدنيا، فهم يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعض، ويتبرأ كل من العابد والمعبود من الآخر كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ [العنكبوت: ٢٥]. ومن كيد الشيطان للإنسان، دفعه إلى إظهار كماله، وعدم الاعتراف بتقصيره، كي يسد عليه طريق الاستغفار والاستعاذة، مثيرًا فيه أنانية النفس، لتدافع عن ذاتها، فلا تستغفر الله، ولا تستعيذ به، فتكون أضحوكة للشيطان. ومن اتهم نفسه رأى عيوبها وتقصيرها، ومن اعترف بتقصير نفسه استغفر ربه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].

стр. 8240

وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. ومن مكائد الشيطان العظيمة، أنه يحجب بسيئة واحدة للمؤمن جميع حسناته، وبذلك تفسد الحياة، فإن الإنسان ينسى بتلقين الشيطان وبما يكمن في جبلته من الظلم، مئات من حسنات أخيه المؤمن، لأجل سيئة واحدة بدرت منه جهلاً أو نسيانًا، فيبدأ بسبب الشيطان بمعاداته، ويدخل في الآثام، ومن مكائد الشيطان للناس، أنه في أعمال الشر والفساد يزين للناس الصبر، ويجعله حلوًا، وفي أعمال الخير والإصلاح والدعوة والعبادة يجعل الصبر صعبًا مرًا. ومن مكائده لابن آدم الحزن، لأن الحزن يضعف القلب، ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا شيء أحب للشيطان من حزن المؤمن كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ [المجادلة: ١٠]. فالحزن مرض من أمراض القلب، يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره. وثواب الصبر عليه كثواب المصائب التي يبتلى بها العبد بغير اختياره كالمرض والألم ونحوها ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. ومن مكائد الشيطان، أنه يريد من الإنسان الإسراف والتبذير في أموره كلها. فإن رآه مائلاً إلى الرحمة، زين له الرحمة حتى لا يبغض ما أبغضه الله، ولا يغار مما يغار الله منه.

стр. 8241

وإن رآه مائلاً للشدة، زين له الشدة في غير ذات الله، حتى يترك من الإحسان والبر، واللين والرحمة، ما يأمره به الله ورسوله، ويتعدى في الشدة، فيزيد في الذم والبغض والعقاب على ما يحبه الله ورسوله. وبالإسراف والتبذير تحصل للعبد عقوبتان: الأولى: أن الله لا يحبه، لأنه مسرف كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]. الثانية: أنه يصير أخًا للشيطان كما قال سبحانه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧]. هذه هي أعظم مكائد الشيطان وشروره في الدنيا، وفساده الذي أوقعه ومازال يوقعه ببني آدم في الدنيا. أما في الآخرة فالأمر أعظم وأشد، فإن الشيطان إذا قضي الأمر، ودخل أهل الجنة الجنة، ودخل أهل النار النار، وقف خطيبًا في أهل النار لتتبرأ منهم قائلًا لهم: إن الله وعدكم وعد الحق على ألسنة رسله فلم تطيعوه، فلو أطعتموه لأدركتم الفوز العظيم، ووعدتكم الخير كذبًا، فلن يحصل لكم ما منيتكم به من الآمال الباطلة، وما كان عليكم من سلطان وحجة حين دعوتكم إلى مرادي، وزينته لكم، فاستجبتم لي إتباعًا لأهوائكم وشهواتكم. فإذا كان هذا الأمر بهذه الصورة، فلا تلوموني، ولوموا أنفسكم، فأنتم السبب، وعليكم تحمل العقاب الذي وصلتم إليه، وما أنا بمصرخكم ومغيثكم من العذاب والشدة التي أنتم فيها، وما أنتم بمصرخي، ولا نافعي، فكل له قسط من العذاب، وأنا الآن كفرت بما أشركتموني من قبل،

стр. 8242

وتبرأت من جعلكم لي شريكًا مع الله، فلست شريكًا لله، ولا تجب طاعتي، وقد وصلت وإياكم إلى ما يعاقب به كل ظالم في نار الجحيم. والظالمون لأنفسهم بطاعة الشيطان لهم عذاب أليم، وهم فيه خالدون أبدا، فيا لها من عقوبة، وما أشدها من حسرة، إذا سمعها أولياء الشيطان منه في سواء الجحيم، حين يخطب فيهم كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢]. والمؤمن الذي نور الله بصيرته بنور الإيمان والتوحيد، لا يسلط عليه الشيطان، وكلما قرب منه أحرقه نور الإيمان والتوحيد. أما أصحاب الأحوال الشيطانية فيحسبهم الجاهل أولياء للرحمن، وإنما هم من أولياء الشيطان الذين أطاعوه في الشرك، ومعصية الله، والخروج عما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، فأطاعوه في أن خدمهم في إخبارهم ببعض المغيبات، واغتر به من قل حظه من العلم والإيمان. فهو عدو الله ورسوله وأوليائه، وأحسن الظن بمن خرج عن سبيل الله وسنته، وأساء الظن بمن اتبع سنة الرسول ﷺ ، وما جاء به. فما أعظم تلاعب الشيطان بالمشركين، حتى عبدوه وأطاعوه، واتخذوه وذريته أولياء من دون الله، وسيجزي الله الشيطان وأتباعه نار جهنم يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ

стр. 8243

لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ [الأنعام: ١٢٨]. فالفاسق يستمتع بالشيطان بإعانته له على أسباب فسوقه، من الشهوات المحرمة، والشيطان يستمتع به في قبوله منه، وطاعته له، فيسره ذلك، ويفرح به، فالمشرك يستمتع به الشيطان بشركه به، وعبادته له، ويستمتع هو بالشيطان في قضاء حوائجه، وإعانته له، وجزاء هذا الاستمتاع المحرم الخلود في نار جهنم، فإنه وإن انقضى زمن التمتع، فقد بقي زمن العقوبة، والعذاب الأليم على ذلك: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥] وقال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١٢٠ - ٢٢١]. • فقه إفساد الشيطان لبني آدم: الشيطان أخبر الله أنه عدو مبين لجميع بني آدم، فهو يغريهم، ويزين لهم، كل ما يضرهم ويشقيهم في دنياهم وأخراهم، ولحسده وبغضه لهم فهو يريد أن يجرهم جميعًا معه إلى النار، على مستوى الأفراد والأسر، والمجتمعات والشعوب، والأمم والأجيال والقرون. وقد حذر الله بني آدم من إتباعه وطاعته، ولكن أكثرهم تبعوه وأطاعوه بما زين لهم من سبل الباطل، ومراكب الشهوات والشبهات، وأضل منهم جبلًا كثيرًا، وأرداهم إلى النار كفارًا فجارا، فما أعظم خسارة البشرية بمعصية الرحمن، وطاعة الشيطان: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ

стр. 8244

فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١١٧ - ١٢١]. وما أعظم غفلتهم حيث لا يتعظ اللاحق بالسابق، ولا الحاضر بالماضي، ولا الناجي بالهالك: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. فلا بد للإنسان من معرفة كيد الشيطان ومكره، ليتقي شره، ويسلم من مكره وكيده، ويحذر من طاعته وتزيينه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. فمن مكر الشيطان وكيده، وما زينه للمشركين من عبادة الأنوار والنيران التي يوقدونها ويعبدونها من دون الله، وهم المجوس. ومن مكر الشيطان وكيده، تلاعبه بالصابئة، وهم أمة كبيرة من الأمم الكبار، وهؤلاء كانوا قوم إبراهيم الخليل ﷺ وأهل دعواته، وهم قسمان؛ صابئة حنفاء، وصابئة مشركون، والمشركون منهم يعظمون الكواكب السبعة، زين لهم الشيطان عبادتها، وبنوا لها هياكل مخصوصة، وهي المتعبدات الكبار كالكنائس للنصارى، والبيع لليهود. فلهم هيكل للشمس، وهيكل للقمر، وهيكل للزهرة، وغيرها من الهياكل، صوروها واتخذوها، واتخذوا لها أصنامًا تخصها، يعبدونها من دون الله، ويقربون لها القرابين.

стр. 8245

وأصل مذهب الصابئة أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم، الحنفاء منهم شاركوا أهل الإسلام في الحنيفية، والمشركون منهم شاركوا عباد الأصنام، وسوف يجزي الله الجميع، ويسألهم عما عملوا من خير أو شر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧]. والصابئة يقرون بإله للعالم خالقًا حكيمًا، مقدسًا عن العيوب والنقائص، فالموحدون منهم عبدوه، والمشركون قالوا لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، وهي الكواكب التي جعلوا لها هياكل في الأرض، التي زينها لهم الشيطان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢]. ومن مكر الشيطان وكيده، تلاعبه بالدهرية الذين زين لهم الشيطان، فقالوا العالم دائم، لم يزل ولا يزال ولا يتغير: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية: ٢٤]. وقالوا: هذا العالم هو الممسك للأجزاء التي فيه، وجحدوا النبوات. فداء التعطيل، وداء الشرك، وداء جحد النبوات، وداء مخالفة الرسل، أصل كل بلاء في العالم، ومنبع كل شر، وأساس كل باطل، وقد سرت هذه الشهور في قرون البشرية إلا من رحم الله. ومن مكر الشيطان وكيده، تلاعبه باليهود حيث دعاهم إلى الشرك في حياة نبيهم موسى ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى

стр. 8246

قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ [الأعراف: ١٣٨]. فأي جهل فوق هذا لذا قال لهم موسى ﷺ : ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾ [الأعراف: ١٣٩ - ١٤٠]. فما أجهلهم، فقد طلبوا من مخلوق أن يجعل لهم إلهًا مخلوقًا، فما أسفه عقولهم، وكيف يكون الإله مجعولاً، فإن الإله الحق هو الجاعل والخالق لكل ما سواه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. والمخلوق مربوب مخلوق، فيستحيل أن يكون إلهًا: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧]. ومن تلاعب الشيطان بهم، أن زين لهم عبادة العجل من دون الله تعالى، وقد شاهدوا ما نزل بالمشركين والكفار من العقوبة، وشاهدوا صانعه يصنعه، ويسويه، ويصليه بالنار، ويدقه بالمطرقة، فأي سفه للعقول فوق هذا. ومن عجيب أمرهم أنهم لم يكتفوا بجعله إلههم، حتى جعلوه إله موسى، فنسبوا موسى رسول الله إلى الشرك، وعبادة غير الله، بل عبادة أبلد الحيوانات، وهو العجل وجعلوه إله كليم الرحمن، بل حتى جعلوا موسى ﷺ ضالاً مخطئًا إلهه ذهب يطلبه، وإلهه ها هنا، وهذا من أقبح تلاعب الشيطان بهم كما قالوا لموسى ﷺ : ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا

стр. 8247

جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه: ٨٧ - ٨٩]. فتعلقوا به، وأحبوه أشد الحب، وأُشربوا في قلوبهم العجل: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾ [طه: ٩٠ - ٩١]. ومن تلاعب الشيطان باليهود، أن زين لهم حتى قالوا لنبيهم موسى ﷺ أشنع القول، فنزلت بهم العقوبة فوراً: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [البقرة: ٥٥]. وزين لهم الشيطان أن واجهوا نبيهم ﷺ لما دعاهم إلى القتال بأشنع الكلام، حيث قالوا: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤]. فعاقبهم الله بالتيه في الأرض: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة: ٢٦]. ومرة يعرض عليهم العمل بالتوراة، فيمتنعون من ذلك حتى رفع الله فوقهم الجبل كأنه ظلة، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾ [البقرة: ٦٣ - ٦٤]. ومرة يقال لهم: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾ [الأعراف: ١٦١]. فأزلهم الشيطان لأشنع القول والعمل، فقالوا مستهزئين بأمر الله حنطة في شعيرة، فبدلوا القول والفعل، فماذا فعل الله بهم: ﴿(١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ

стр. 8248

ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾ [الأعراف: ١٦٢]. ومن تلاعب الشيطان باليهود، أنهم كانوا في البرية، قد ظلل الله عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى فملوا ذلك، وزهدوا في أحسن الأطعمة وأشرفها، واستهانوا بأوامر الله، فجزاهم الله من جنس عملهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾: [البقرة: ٦١]. ومن تلاعب الشيطان باليهود، أن الله سبحانه أنجاهم من فرعون وسلطانه وظلمه، وفرق بهم البحر، وأراهم الآيات والعجائب، ونصرهم وآواهم، وآتاهم ما لم يؤتِ أحدًا من العالمين، ثم أمرهم بدخول القرية التي كتب الله لهم، وبشرهم بها، فأبوا طاعته، وامتثال أمره وقابلوا هذا الأمر والبشارة بقولهم لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤]. فسبحان من عظم حلمه على من عصاه، حيث يقابل أمره بمثل هذه المقابلة، ويواجه رسوله صلى الله عليه وسلمبمثل هذا الخطاب، وهو يحلم عنهم، ولا يعاجلهم بالعقوبة، بل وسعهم حلمه وكرمه، فظللهم بالغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى من السماء: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ [البقرة: ٥٠].

стр. 8249

وقال الله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧]. ومن تلاعب الشيطان باليهود، أن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة، فيضربوا القتيل ببعضها، فتعنتوا وأكثروا الأسئلة عن البقرة، فشددوا فشدد الله عليهم، وقالوا لموسى ﷺ : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾: [البقرة: ٦٧]. وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله، فإنها لما تعينت لهم، توقفوا في الامتثال، وما كادوا يفعلون. ومن أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم موسى ﷺ : ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١]. ومن تلاعب الشيطان بهم، أن زين لهم استحلال محارم الله بأدنى الحيل، وتلاعبوا بدينه، وخادعوه، ومسخوا دينه بالاحتيال، فمسخهم الله قردة وخنازير على استحلالهم محارم الله كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: ١٦٦]. ومن تلاعب الشيطان بهم، أنهم لما حرمت عليهم الشحوم بسبب عدوانهم ومعاصيهم، جمدوها وأذابوها، ثم باعوها، وأكلوا ثمنها. ومن تلاعبه بهم، أنه أمرهم، وزين لهم اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. ومن أعظم مكر الشيطان بهم، وكيده لهم، أن زين لهم قتل الأنبياء الذين لا تنال الهداية إلا على أيديهم، وزين لهم المعاصي التي توجب غضب الله ولعنته: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ

стр. 8250

كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾: [البقرة: ٦١]. ومن تلاعب الشيطان باليهود، أن زين لهم قتل الأنبياء، والاستهزاء بهم، ورد ما جاءوا به، وأمرهم باتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله كما قال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. فحرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فأطاعوهم، وتلك عبادتهم إياهم، وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالإنسان أن يقتله أو يقاتل من هداه الله على يديه، ويتخذ من لم تضمن له عصمته ندًا لله يحرم عليه، ويحلل له، حسب هواه كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾ [آل عمران: ١١٢]. ومن تلاعب الشيطان باليهود، ما كان منهم في شأن زكريا ويحيى عليهم الصلاة والسلام، حتى قتلوهما، ثم سلط الله عليهم من يعاقبهم. ومن مكر الشيطان وكيده وتلاعبه باليهود، ما كان منهم في شأن المسيح ﷺ ، ورمي أمه بالعظائم، وهم يعلمون أنه رسول الله، فكفروا به بغيًا وعنادًا، وراموا قتله وصلبه فصانه الله تعالى من ذلك، ورفعه إليه، وطهره منهم، فأوقعوا القتل والصلب على شبهه منهم، وهم يظنون أنه هو، فبئس القوم الذين يقتلون أنبياء الله، ويفتخرون بقتلهم وصلبهم: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨].

стр. 8251

ولم يزل أمر اليهود بعد تكذيبهم بالمسيح، وكفرهم به في تفانِ ونقص وذلة، إلى أن قطعهم الله في الأرض أمما، ومزقهم كل ممزق، وسلبهم عزهم وملكهم، فلم يقم لهم بعد ذلك قائمة، إلى أن بعث الله تعالى محمدًا ﷺ ، فكفروا به، وكذبوه، وحاربوه، وقاتلوه، فأتم الله عليهم غضبه، ودمرهم غاية التدمير، وألزمهم ذلاً لا يرفع عنهم إلى أن ينزل أخوه المسيح ابن مريم من السماء، ويطهر الأرض منهم، ومن عباد الصليب: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة: ٩٠]. فالغضب الأول من الله بسبب كفرهم بالمسيح ﷺ ، والغضب الثاني بسبب كفرهم بمحمد ﷺ . ومن تلاعب الشيطان باليهود، أنهم يزعمون أن الأحبار والرهبان إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالاً، وإذا حرموه صار حراماً، وإن كان نص التوراة بخلافه، وحجروا على الرب سبحانه أن ينسخ ما يريد من شريعته، وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم، كما تكبر إبليس أن يسجد لآدم، ورأى أن ذلك يغظ منه، ثم رضي أن يكون قوادًا لكل عاص وفاسق ومجرم، وكما أبى عباد الأصنام أن يكون المرسل إليهم بشرا، ثم رضوا أن يكون إلههم ومعبودهم حجرًا: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. وكما نزهت النصارى بطارقتهم وأساقفتهم عن الصاحبة والولد، ولم يتحاشوا أن ينسبوا إلى الله الصاحبة والولد، وهو سبحانه الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)

стр. 8252

لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ [الجن: ٣]. ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية، أنهم إذا رأوا الأمر أو النهي شاقًا عليهم، طلبوا التخلص منه بوجوه الحيل، فإن أعيتهم الحيل، قالوا هذا كان علينا لما كان لنا الملك والرياسة، ولما سلب الله اليهود ملكهم وعزهم، وأذلهم بسبب كفرهم، ومعاصيهم، وقطعهم في الأرض أمما، انتقلوا من التدمير والإفساد بالقدرة والسلطان، إلى التدبير والإفساد بالمكر والدهاء، والخيانة والخداع. ومن تلاعب الشيطان بهم، أن جعلهم ينتظرن قائمًا من آل داوود النبي، يزعمون أنه إذا حرك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وُعدوا به، وهم في الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال، فهم أكثر أتباعه، وإلا فمسيح الهدى عيسى بن مريم ﷺ يقتلهم ولا يبقي منهم أحدًا، لأنهم كفروا بالله، وقتلوا الأنبياء، وأعرضوا عن دين الله، والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى بن مريم ﷺ من السماء، فهو الذي يكسر الصليب، ويقتل أعدائه من اليهود، وعبَّاده من النصارى، ويضع الجزية ويدعوا إلى الإسلام. قال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيدِه، ليُوشِكن أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا عدلًا، فيكسرَ الصليبَ، ويقتلَ الخنزيرَ، ويضعَ الجزيةَ، ويَفيضَ المالُ حتى لا يقبلَه أحدٌ، حتى تكونَ السجدةُ الواحدةُ خيرًا من الدنيا وما فيها». متفق عليه (١).

стр. 8253

١٠ - الخزانة العاشرة فقه تلاعب الشيطان بأهل الأديان: ومن تلاعب الشيطان باليهود، أن نسبوا إلى الله ما لا يليق به فقالوا كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ [آل عمران: ١٨١ - ١٨٢]. وقولهم، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤]. وقالوا إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم تعب فاستراح في اليوم السابع، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨]. سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا. ومن تلاعب الشيطان باليهود، أنهم يرمون أنبياء الله ورسله بالقبائح، ويقدحون في نبوتهم، ويؤذونهم، ويقتلونهم، وآذوا نبيهم موسى صلى الله عليه وسلمبما برأه الله منه كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩].

стр. 8254

ومن قدحهم في الأنبياء، وكذبهم على الله، ما تقشعر له الأبدان، فقد اتهموا عيسى بن مريم بأنه ساحر، وأنه ولد بغية، ونسبوا أمه إلى الفجور، ونسبوا لوطًا ﷺ إلى أنه وطئ ابنتيه وأولاده وهو سكران من الخمر، ونسبوا يوسف ﷺ إلى أنه حل دكة سراويله، ودكة سراويل سيدته، وأنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤]. ومنهم من يزعم أن عيسى ﷺ كان من العلماء، يداوي المرضى بالأدوية، ويزعمون أن المسلمين أولاد زنا، وأن شريعة محمد ﷺ متلقاه من أحبار اليهود، وهذا الضلال ليس بمستنكر على أمة قدحت في معبودها وإلهها، ونسبته إلى ما لا يليق بعظمته وجلاله، ونسبت أنبياءه إلى ما لا يليق بهم ورمتهم بالعظائم والسواد أن ينسبوا محمد ﷺ إلى ذلك، وعداواتهم له، ومحاربتهم إياه، وتكذيبهم له، وتكفيرهم له، كل ذلك أشهر من أن يذكر، وذلك لما تحمله قلوبهم من الكفر والحسد: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩]. وقد خلق الله لكل باطل وبهت حملة، كما خلق للحق حملة، وليس وراء بهت اليهود بهت: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٣].

стр. 8255

ثم استمر الأمر على عهد موسى، كليم الرحمن، على التوحيد إلى أن توفي موسى ﷺ ، ودخل الداخل على بني إسرائيل، وأقبلوا على علوم الكفار وقدموها على نصوص التوراة، فسلط الله عليهم من أزال ملكهم، وشردهم من أوطانهم، ومزقهم كل ممزق، وتلك سنة الله في عباده حين أعرضوا عن الوحي، وتعوضوا عنه بكلام الكفار والملاحدة: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. وكذلك النصارى لما عرضوا عن دين الله، سلط الله بعضهم على بعض كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤]. وكما سلط الله النصارى على بلاد العرب، لما ظهرت فيها الفلسفة والمنطق، واشتغل المسلمون بذلك، وهجروا كتاب ربهم، فاستولت النصارى على بلادهم، وصاروا هم رعية لهم. وكذلك لما ظهر هذا الأمر في بلاد المشرق، سلط الله عليهم عساكر التتار، فأبادوا أكثر أهلها، واستولوا عليها، وأهانوا أهلها: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]. وكذلك في المائة الرابعة لما اشتغلوا بالعراق بالفلسفة، وعلوم أهل الباطل والإلحاد، سلط الله عليهم القرامطة الباطنية.

стр. 8256

فهزموا عسكر الخليفة عدة مرات، واستولوا على حجاج بيت الله الحرام، واستعرضوهم قتلًا وأسرًا، واشتدت شوكتهم، واستقر ملكهم في مصر والشام، والحجاز واليمن وغيرها. فهذا الداء لما دخل في بني إسرائيل، كان سببًا في دمارهم، وزوال ملكهم، فليحذر من هذا الشر، لئلا يصيبنا ما أصابهم، ويحل بنا ما حل بهم. ثم بعث الله سبحانه بعد موسى ﷺ عبده ورسوله وكلمته المسيح عيسى بن مريم ﷺ : ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦]. فجدد لهم الدين، وبين لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من تلك الأحداث والآراء الباطلة، فعادوه، وكذبوه، ورموه هو وأمه بالعظائم، وراموا قتله، فحفظه الله منهم، ورفعه إليه، وأقام الله للمسيح أنصارًا دعوا إلى دينه وشريعته، حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، وانتشرت دعوته، واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلاثمائة سنة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ [الصف: ١٤]. ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير، حتى تناسخ واضمحل، ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء، بل ركبوا دينًا بين دين المسيح، ودين الفلاسفة عباد الأصنام، وبقى معهم بقايا من دين المسيح كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمت التوراة إلا ما أحل لهم من الصيام: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا

стр. 8257

مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤]. ولما أخذ دين المسيح في التغيير، والتحريف، والتبديل، وظهر الفساد، وعم البلاء، اجتمعت النصارى عدة اجتماعات في أزمنة مختلفة، ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعن، وقول الزور والباطل. فمرة قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، ومرة قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ومرة قالوا: المسيح ابن الله، إله حق من إله حق، ومرة قالوا الإله واحد في ثلاثة، وثلاثة في واحد، وهم في ذلك حيارى تائهون ضالون مضلون، لا يثبت لهم قدم، ولا يستقر لهم قول في إلههم، بل كل منهم قد اتخذ إلهه هواه، وصرح بالكفر والتبري ممن اتبع سواه. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٤]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧].

стр. 8258

فانظر كيف أوصل الشيطان هذه الأمة الضالة إلى الكفر والشرك، والضلال والكذب: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [المائدة: ٧٤ - ٧٥]. لقد ارتكبت النصارى في حق نبي الله عيسى ﷺ محذورين عظيمين كبيرين: أحدهما الغلو في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق، وجزءًا منه، وإلهًا أخر معه، وأنفوا أن يكون عبدًا له. الثاني تنقص الخالق، وسبه، ورميه بالعظائم، وأنه نزل من كرسيه، ودخل في فرج امرأة، ثم خرج من حيث دخل رضيعًا يمص الثدي ويبكي، ويجوع ويأكل ويشرب، ويبول ويتغوط: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [المائدة: ٧٤ - ٧٥]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].

стр. 8259

ثم صار المسيح إلى أن لطمت اليهود خديه، وربطوا يديه، وبصقوا في وجهه، وصلبوه جهرًا، وسمروا يديه ورجليه، وجرعوه أعظم الآلام، وهو الإله الحق المعبود، المسجود له. فسبحان الله، ما أعظم هذا البهتان والكذب والافتراء على الله ورسله، ولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه، ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٠ - ٩٥]. فما أشنع هذا الكلام الذي نسبوا فيه الإله الحق، إلى ما يأنف أقل الناس أن يفعله بعبده، وكذبوا على الله في كونه تاب على آدم، وغفر له خطيئته، ونسبوه إلى أقبح الظلم، حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه في نار الجحيم، بسبب خطيئة أبيهم آدم، ونسبوه إلى غاية السفه، حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعدائه من نفسه، حتى قتلوه، وصلبوه، وأراقوا دمه، ونسبوه إلى غاية العجز، حيث عجز أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحيلة. ونسبوه إلى غاية النقص، حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه ففعلوا به ما فعلوا. فسبحان الله، كم أضل الشيطان من الأمم عن دينها بمثل هذا البهتان والكذب، وهل يقول بهذا عاقل سوي، إنه لا يعلم أمة من الأمم سبت ربها ومعبودها وإلهها، بما سبت به هذه الأمة، فهم عار على بني آدم، مفسدون للعقول والشرائع: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].

стр. 8260

وأما شريعة النصارى ودينهم، فقد تلاعب بهم الشيطان فليسوا متمسكين بشيء من شريعة المسيح ﷺ ولا دينه البتة، فابتدعوا، وحرفوا، وبدلوا، وكتموا، وضلوا، وأضلوا، وضلوا عن سواء السبيل: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النحل: ٦٣]. فابتدعوا الصلاة إلى المشرق، مطلع الشمس، مع علمهم أن المسيح لم يصلي إلى المشرق أصلًا، بل كان يصلي إلى قبلة بيت المقدس، وهي قبلة الأنبياء قبله. ومن كيد الشيطان ومكره بهم، أن طوائف منهم، وهم الروم وغيرهم لا يرون الاستنجاء بالماء، فيبول أحدهم ويتغوط، ويقوم بأثر البول والغائط إلى صلاته بتلك الرائحة الكريهة، فيستقبل المشرق، ويصلب على وجهه، ويحدث من يليه بأنواع الحديث كذبًا كان أو فجورا، ويخبره بسعر الخمر والخنزير ونحو ذلك، ولا يضر ذلك صلاته ولا يبطلها. ومواجهة رب العالمين بهذه العبادة قبيح جدًا، وصاحبها إلى استحقاقه غضب الله وعقابه أقرب منه إلى رضاه وثوابه: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤]. ومن تلاعب الشيطان بالنصارى، ما ابتدعوه من تعظيم الصليب بعد المسيح بزمان، ولا ذكر له في الإنجيل، وإنما ذكر في التوراة باللعن لمن تعلق به. فزينه الشيطان لهذه الأمة الضالة، فاتخذته معبودًا يسجدون له، ويحلفون به، ولو كان لهم أدنى مسكة من عقل، لكان ينبغي لهم أن يلعنوا الصليب من أجل معبودهم وإلههم حين صلب عليه، وأن يحرقوه حيث وجدوه، ويغمروه بالنجاشة، فإنه صلب عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم، وأهين

стр. 8261

عليه وفضح، هذا لو صح زعمهم أن المسيح صلب، وأنى يصح هذا وقد أعلن الله نجاته وسلامته، ورفعه إليه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]. فبأي وجه يستحق الصليب هذا التعظيم منهم، لولا أن القوم أضل من الأنعام، وإن كانوا يقصدون بتعظيمه التشنيع على اليهود، وتنفير الناس عنهم، وإغرائهم بهم، فقد حصل لهم ما هو أعظم من ذلك، فقد نفروا به الأمم عن النصرانية، وعن المسيح ودينه، أعظم تنفير، وكأنهم إنما عظموه، لأنه ثبت لصلبه إلههم، ولم ينشق ولم ينكسر من هيبته لما حمل عليه، فما أقبح الجهل والسفه، وما أشد ضلال وجرم أولئك: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤]. فأي إله هذا الذي يصلب، ويبصق في وجهه، وأي صليب يعظم ويذكر، وهو مكان الخزي والعار الذي صلب عليه الإله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. ومن مكر الشيطان وتلاعبه بالنصارى، أن زين لهم صيامًا لم يأت به المسيح كالصوم الذي وضعوه لملوكهم وعظمائهم، فلهم صيام الحواريين، وصيام لمريم، وصيام للميلاد، وتركهم أكل اللحم في صيامهم وغير ذلك مما أدخلوه في دين المسيح، فالمسيح يعلمون أنه كان يأكل اللحم، ولم يمنعهم منه في صوم ولا فطر.

стр. 8262

وأكثر صومهم لا أصل له في شرع المسيح، بل هو مختلق مبتدع. فسبحان الله كم تلاعب الشيطان بهذه الأمة الضالة كل التلاعب، وكم دعاهم فأجابوه، وكم استخفهم فأطاعوه، فتلاعب بهم في شأن المعبود ﷻ حتى قالوا فيه ما لم يقله أحد من العالمين: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وتلاعب بهم الشيطان في أمر المسيح، وتلاعب بهم في أمه مريم، وتلاعب بهم في شأن الصليب وعبادته، وتلاعب بهم في تصوير الصور في الكنائس وعبادتها، فلا تكاد تجد كنيسة من كنائس النصارى إلا وفيها صورة مريم، وصورة المسيح مصلوبًا، وصورة جرجس وبطرس وغيرهم، وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله تعالى. ومن تلاعب الشيطان بهم في أعيادهم، أنهم وضعوا أعيادًا موضوعة مختلقة. كعيد ميكائيل، وعيد الصليب، وعيد الفصح وعيد الميلاد وغيرها. وأما تلاعب الشيطان بهم في صلاتهم، فصلاة كثير منهم بالنجاسة والجنابة، والمسيح بريء منهم، ومن هذه الصلاة. والله سبحانه أجل وأعلى من أن يُتقرب إليه بمثل هذه الصلاة. ومنها الصلاة إلى المشرق، وتصليبهم على وجوههم في الصلاة، والمسيح ﷺ بريء من كل ذلك، فصلاة مفتاحها النجاسة، وتحريمها التصليب على الوجه، وقبلتها المشرق وشعارها الشرك، كيف يخفى على العاقل أنها لا تأتي بها شريعة من الشرائع البتة: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ

стр. 8263

اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]. لما علمت الرهبان والأساقفة، أن مثل هذا الدين الذي تنفر عنه العقول أعظم نفرة وذلك لما فيه من التغيير والتبديل والتحريف شيدوه بالحيل والصور في الحيطان، وطلاء جدران الكنائس بالذهب، وبالأعياد المحدثة ونحو ذلك مما يروج على السفهاء وضعفاء العقول والبصائر. وساعدهم على ذلك ما عليه اليهود من القسوة والغلظة، والكيد والمكر، والكذب والبهتان، وما عليه كثير من المسلمين من الظلم والفواحش، والفجور والبدع والغلو في المخلوق، واعتقاد كثير من الجهال أن هؤلاء خواص المسلمين وصالحيهم، فتركب من هذا وأمثاله تمسك القوم بما هم عليه، ورويتهم له أنه خير من كثير مما عليه المنتسبون للإسلام من البدع، والشرك، والفجور والفواحش. فانظر كيف تلاعب الشيطان بهذه الأمة، في أصول الدين وفروعه، فجمعت بين الشرك، وعيب الإله، وتنقصه، وتنقص نبيهم وعيبه، ومفارقة دينه بالكلية، إنهم لم يتمسكوا بشيء مما كان عليه المسيح لا في صلاتهم، ولا في صيامهم، ولا في أعيادهم، ولا في سائر عباداتهم، بل هم في كل ذلك طبالون، أدخلوا في الشريعة ما ليس منها، وتركوا ما جاءت به، وقالوا أساس الدين واحد في ثلاثة، وثلاثة في واحد، أو الثلاثة واحد، والواحد ثلاثة. فوا عجبًا لأمة تضيع أوقاتها في مثل هذا الهراء، وهذا السخف، وهذا الضلال والمحال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي

стр. 8264

الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصف: ٦ - ٨]. ولم يقنعهم هذا القول في رب السموات والأرض، حتى اتفقوا بأسرهم على أن اليهود أخذوه وساقوه بينهم دليلًا، ثم صلبوه وطعنوه بالحربة حتى مات، ثم دفنوه وأقام تحت التراب ثلاثة أيام، ثم قام من قبره إلى السماء. فأين عقول هؤلاء، كيف كان حال هذا العالم العلوي والسفلي في هذه الأيام الثلاثة، ومن كان يدبر أمر السموات والأرض وما فيهما بتلك الأيام، ومن الذي خلق الرب سبحانه في تلك المدة، ومن الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض، والإله مدفون في قبره، وكيف تمكن المخلوق من قتل الإله وصلبه ودفنه. ثم أي قبر يسع إله السموات والأرض، وهو الملك القدوس الكبير المتعال، وكيف يتحمل هذا الإله الذنوب والخطايا عن البشر، فليفعلوا ما شاءوا، وكيف تستقر حياة الناس بلا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. سبحانك هذا بهتان عظيم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٨٩ - ٩٣].

стр. 8265

فهل يليق بعاقل أن يسمع لهؤلاء، وهل يليق بأمة حرفت دينها، وافترت على الله الكذب أن يقتدي العاقل بها، أو يدخل في دينها، وكيف يقتدي الإنسان ويهتدي بأمة حرفت وبدلت كتاب الله وشرعه، ولعنها الله، وغضب عليها: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠]. فلما حصل من أهل الكتاب، اليهود والنصارى، ما حصل من التحريف والتبديل، والنسيان والكذب، والابتداع والظلم، والكتمان، والحكم بغير ما أنزل الله، والبهتان والكبر، والضلال والغلو، والكفر والاستهزاء، وقتل الأنبياء، وسفك الدماء بغير حق، وأكل أموال الناس بالباطل، وتنقص الرب، وتعطيل شرعه، وقول الزور والبهتان في الأنبياء، والصد عن سبيل الله، لما حصل ذلك وغيره من أهل الكتاب ضل الناس عن طريق الهدى، وعاشوا في شقاء وعناء، فبعث الله العزيز الرحيم محمدًا ﷺ رسولاً للعالمين، ورحمة للبشرية أجمعين، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ
следующие страницы →