← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

ومن خرج في سبيل الله، لإصلاح نفسه، وإصلاح غيره، انجلت ظلمة قلبه، و إذا انجلت ظلمة القلب، جاءت الإنابة، وإذا جاءت الإنابة جاءت الهداية: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]. فهؤلاء الفتية المؤمنون بدخولهم الكهف ضحوا تضحية بسيطة، لكن كم العطايا والمنن من الله عليهم!. قال الله تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ [الكهف: ١٦]. بماذا أكرمهم الله به: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤]. والربط على القلب نعمةٌ عظيمة، الربط على القلب أعلي درجات الإيمان. فأم موسى ﷺ : ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾ [القصص: ١٠]. وأهل بدر ربط الله على قلوبهم: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: ١١]. فمن خرج فارًا بدينه، أو خرج في سبيل نشر دين الله، ربط الله على قلبه، والله سبحانه نَسَبَ التقليب إليه، إكرامًا لهم، كما قال سبحانه: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ [الكهف: ١٨].

стр. 9732

وجعل لهم سبحانه نظام دخول الشمس في الصباح والمساء، وقضى حوائجهم، ومكثوا في الكهف ثلاث مائة سنة، وازدادوا تسعًا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ [الكهف: ٢٥]. وهذه طمأنةٌ للداعي إلى الله، فلا يقضي الحاجات إلا الله وحده لا شريك له، فأهل الكهف نيامٌ تلك المدة الطويلة، والله يقضي حوائجهم، التي يحتاج إليها الحي من أكلٍ، وشربٍ، وصحة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. والله سبحانه جعل الرعب فيهم وهم نيام، فمن رآهم فَرَّ منهم، وأصابه الرعب، فكيف لو قاموا، وتَجَوَّلُوا على الناس: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ [الكهف: ١٨]. فالجولة على الناس، ودعوتهم إلى الحق، أعظم قوة يخاف منها شياطين الإنس، والجن كما قال النبي ﷺ : «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» متفق عليه (١).

стр. 9733

٥ - الخزانة الخامسة ٣ - حفظ الداعي إلى الله من الفتن. الدعوة إلى الله أعظم قوة لإزالة الباطل في العالم، وطرد شياطين الإنس والجن، لأن نظام الجولة على الناس، وبين الناس، للدعوة إلى الله، يَجُرِّ الهداية من العرش إلى الأرض. وما هي الجولة: الجولة لإحياء الدين، فالدين كله يحتاج مِنَّا إلى تضحية لإيصاله إلى الناس: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. والدين كله يَحيَا في الجولة على الناس للدعوة إلى الله، آيات القرآن في السمع، والبصر، والكلام، والمشي، كلها تَحيَا في الجولة على الناس: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ [النور: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. فالجولة بين الناس مقصودها إحياء الدين في الأمة، اعتقادًا، وأقوالًا، وأعمالًا، وأخلاقًا، ولهذا كانت الدعوة إلى الله واجبةٌ على جميع الأمة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].

стр. 9734

ففي الجولة على الناس، وغشيان الناس في أماكنهم، وأسواقهم، الداعي إلى الله يمشي بالصفات، ويكتسب الصفات، حتى يكون قرآنًا يمشي على الأرض، بحُسن خُلقه، فالداعي خُلقه القرآن كَنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ففي الجولة على الناس، ودعوتهم إلى الله، اكتساب الصفات التي يحبها الله، من الرحمة، والتواضع، والشفقة، والمحبة، وحُسن الظن، والصبر، والحلم، وتَعَلُّمِ الحكمة، كيف تُخاطب كل إنسان، والله يُعَلِّمُكَ سر الدعوة، وكسب قلوب الناس، فالطبيب يعرف سر الطب، وصاحب الحديد يعرف سر الحديد، وصاحب الخشب يعرف سر الخشب، وكذلك الداعي إلى الله، الله يُعَلِّمَهُ سر الدعوة، كيف يَدخل إلى قلوب الناس بالحكمة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. فتعليم الحكمة في الجولة على الناس، فكم قوة، ورحمة، في الجولة على الناس!. قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].

стр. 9735

وأثقل شيءٍ على النفس هي الجولة على الناس، للدعوة إلى الله، ولكن فيها طهارةٌ للنفس، وهي عدوة النفس، لأن النفس تريد تكميل شهواتها فقط، والله يريد تكميل محبوباته، فمن جاهد نفسه لإحياء دين الله في نفسه، والعالم، هداه الله سُبل رضاه، وأعانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. فجميع الأنبياء أذلوا أنفسهم لله، فأعزهم الله، فمن أراد كمال العزة، فليذل نفسه لله، بين خلق الله، فلا عزة له إلا من ربه العزيز: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨]. ومن أذل نفسه لربه، أعزه الله، وقضى حوائجه: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ [يونس: ٦٥]. ظَلَّ أهل الكهف نيامًا هذه المدة الطويلة، فلما قاموا قالوا كم لبثتم؟ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ [الكهف: ١٩ - ٢٠]. فاختاروا أحدهم ليشتري لهم طعامًا بنقودهم، فلقد ظلوا تلك المدة الطويلة، ولم يتغيَّر فيهم شيء بقدرة الله، ولكن جاءت الحاجة البشرية للأكل، فاختاروا أحدهم ليشتري لهم طعامًا من النقود التي كانت معهم،

стр. 9736

وأمروه باللطف مع الناس، وهذه الكلمة العظيمة، هي وسط القرآن تمامًا، فهذا الجهد العظيم كله تلطف، فأي حالٍ تجري الداعي إلى الله فهي لطفٌ من ربه، ورحمة منه، وأي بلاء ينظر الداعي إلى جمال المبتلي لا إلى البلاء، فإذا نظر إلى جمال المبتلي نسي البلاء. ويوسف ﷺ أربعون سنة في الابتلاء، ولكن في النهاية ماذا قال؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ [يوسف: ١٠٠]. والمهاجرون ﵃ تركوا مكة من أجل الدين، كما قال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨]. فكيف كانت عزتهم ﵃، فحُسن ظنهم بالله أورثهم كل خير. فاللهم ارزقنا اليقين على ذاتك، وحُسن اللطف بعبادك، وحسن الدعوة إليك. ولو قيل لأحدنا اخرج إلى البلد الفلاني، ولك كل يوم مليون ريال، لسارعنا إلى ذلك، لأن في قلوبنا حُبُّ المال، وحُبُّ الدنيا، وحُبَّ المال والولد فطرة، ولكن التعلق بالمال، وعبادة المال هو المذموم، ولكن لو قيل لك اخرج في سبيل الله، لنشر دين الله، ثَقُلَ عليك هذا لماذا؟ لأن حُبُّ الدنيا، والجهد على الدنيا، غلب على قلوبنا، ولو كان عندك يقين على الله، وعلى وعد الله العظيم بالثواب الجزيل لخرجت، فهناك تخرج، وهنا لا تخرج، والسبب ضعف اليقين على الله، ووعده، ووعيده، والتعلق بغيره: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦].

стр. 9737

وهذا سوء ظنٍ بالله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. هذه موعودات الله للدعاة إلى الله. فالنفس تقول للإنسان الذي عندك من الدين يكفي، وفي أمور الدنيا تريدك أن تزيد باستمرار: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣]. فذهب ذلك الفتى إلى المدينة، ليشتري لهم الطعام، وهو جازمٌ أنه لم يَغِبْ عنها إلا يومًا أو بعض يوم، فلما دخل البلد رأى كل شيءٍ قد تغيَّر فجأة، فاتَّهَمَ عقله، فوجد أول رجلٍ يبيع، فاشترى منه، وأعطاه المال، فلما رأى النقود قال هذا تزوير، فأُخِذَ الفتى إلى الحاكم؟ فقال له من أنت؟، قال فلان، قال من معك؟، قال فلان، وفلان، حتى عَدَّ السبعة، فقال الملك أنتم الصالحون، وكل هذه المدينة أسلمت بهؤلاء الصالحين بفضل الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف: ٢١].

стр. 9738

وقال الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾ [الكهف: ١٣ - ١٤]. قالوا ذلك، ثم آوَوْا إلى الكهف، فناموا تلك المدة الطويلة، ثم لما قاموا وعَلِمَ بهم الملك آمن، وآمنت المدينة كلها، فلم تظهر النتيجة إلا بعد مدة، لأن الدعوة من الخلق، والهداية بيدِ رَبِّ الخلق: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]. فليس مقصود الجهد ظهور النتائج، لأن النتيجة لا تسمى جهدًا، وإنما النتيجة ثمرة، فالنبي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، والنبي يأتي ومعه الرجل، والنبي يأتي ومعه الرجلان، وإنما المقصود الجهد الثبات على العمل، فالشيطان يقول للداعي كم سنة وأنت تدعو إلى الله، كم سنة وأنت تجتهد، فكم أسلم وكم اهتدى بسببك؟. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١]. هذه حفرة من حُفَر الشيطان، جَرَّ بها أكثر الخلق من الدعوة، أكبر نتيجة أنك لا زلت في الجهد داعيًا إلى الله، مستقيمٌ على الأعمال الصالحة، فأنت المقصود: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].

стр. 9739

فيا أيها الحاكم، ويا أيها المسئول، لا تنظر إلى الصلاح والعدل فيمن تحت يدك، ولكن انظر إلى الصلاح والعدل في نفسك، فإن الصلاح والعدل إذا آتى فيك، ولم يأتِ فيمن تحت يدك، ينادى عليك يوم القيامة ادخل الجنة، وإذا جاء الصلاح والعدل فيمن تحت يدك، ولم يأت فيك، ينادى عليك يوم القيامة ادخل النار. فالآن المدينة كلها خرجت إلى الكهف لترى هؤلاء الفتية، فخاف هؤلاء الفتية من الفتنة، فدعوا الله أن يقبض أرواحهم، فقبض الله أرواحهم كراهيةً لحب الظهور، لما قال لهم الناس أنتم الصالحون، وبهذه التضحية اليسيرة، كم حصل بها بعد قيامهم من النوم من هداية أهل تلك المدينة؟. قال الله تعالى: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف: ٢١]. وجَمَعَ الله للفتية عظيم الصفات، والكرامات، التي كانت سببًا لسعادتهم، وسعادة غيرهم، ولو بعد حين، وهذه الصفات فعل المكارم، واجتناب المحارم، والصبر على البلوى، وعدم الشكوى، وعدم الظهور: ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾ [الكهف: ١٤]. فهذا مثالٌ لفتية قاموا بجهدٍ يسير، فكم لو قامت الأمة كلها بجهد الرسول ﷺ ، كما قامت الصحابة بهذا الجهد العظيم. فما هو الحل إذا جاءت الفتنة في الدين، كما جاءت على النبي ﷺ وأصحابه في بداية الدعوة؟.

стр. 9740

الحل: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. فالفتنة إذا جاءت، فالحل جهد الدعوة، كما جاء في القرآن والسُّنَّة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].

стр. 9741

٦ - الخزانة السادسة ٣ - حفظ الداعي إلى الله من الفتن. الله سبحانه لا يُغَيِّر أصول الجهد، لأن الجهد للتربية. فهذه فتنة الدين إذا جاءت؛ وهذا هو حلها. وقد بَيَّنَ الله في سورة الكهف، أربعة أنواعٍ من الفتن: الأولى: فتنة الدين. الثانية: فتنة المال. الثالثة: فتنة العلم. الرابعة: فتنة المُلك. فبهذه الفتن يكشف الله المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١]. وهذه الفتن لابد أن تمر على الأمة، وقد ذكر الله هذه الفتن مع حلها، وقد تقدمت فتنة الدين مع حلها. أما فتنة المال فذكرها الله بعد فتنة الدين، كما قال سبحانه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾ [الكهف: ٣٢ - ٣٤].

стр. 9742

فكفار مكة في أول الإسلام، افتخروا بأموالهم وجاههم على فقراء المسلمين: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]. ولما كان ذلك لا يوجب الفخر، لاحتمال أن يكون الفقير غنيًا، والغني فقيرًا، وإنما الذي يوجب الفرح والاعتزاز هو طاعة الله، وعبادته وحده لا شريك له، وهي حاصلةٌ لفقراء المسلمين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. فضرب الله هذا المثل، لبيان فضيلة الإيمان على الكفر، وبيان أن فتنة المال أخطر شيء على الإنسان، تصرفه عن الدين، ثم تكون سببًا في هلاك أمواله. فكان رجلان من بني إسرائيل احدهما مؤمن، والآخر كافر، ورث هذان الأخوان من أبيهما مالًا كثيرًا، ثم اقتسماه فيما بينهما، فاشترى الكافر أرضًا، وضياعًا، وخدمًا، وقصورًا، حتى صارت له جنتان، فيهما من الثمار، والفواكه، ما يؤتي أكله كل حين. وأما المؤمن فصرف أمواله في صلة الأرحام، والصدقة على الفقراء والمساكين، ومواساة الضعفاء والمحتاجين، حتى لم يبق معه شيء، ثم أصابت المؤمن حاجة، فجلس لأخيه على طريقه، فمر به في حَشَمُهُ وموكبه، فتعرض له، فطرده و وَبَّخَهُ على التصدق بماله على غيره، ثم إن المؤمن زار هذا الكافر، ودعاه إلى الله، و وعظه ودعاه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، فلم يسمع له، لما هو فيه من النعيم الذي كان يظنه لا يزول، فدعاه ليريه ما عنده من الخير: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ

стр. 9743

أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٦]. فظن هذا الكافر أن جنته لا تبيد، وأنكر قيام الساعة، وظن أنه إذا رجع إلى ربه فسيجد خيرًا منها، واعتقد أن هذا العطاء دليلٌ على محبة الله له، وهو مستحقٌ لذلك، فوعظه المؤمن بعد مقالته هذه، فماذا قال؟. قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾ [الكهف: ٣٧ - ٣٨]. فَبَيَّنَ له ما هو عليه من الإيمان، وأنه هو الحق الذي يجب عليه أن يَتْبَعَهُ: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾ [الكهف: ٣٨]. ثم قال المؤمن للكافر: هلَّا قلت إذا دخلت جنتك ما شاء الله؟ لا قوة إلا بالله، اعترافًا بفضله وإحسانه إليك: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ [الكهف: ٣٩ - ٤١]. فأجاب المؤمن الكافر عن افتخاره بالمال والنفر، بقوله: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ [الكهف: ٣٩ - ٤١].

стр. 9744

فالله وحده هو القادر على كل شيء، الذي بيده كل شيء، والله قادر على تدمير جنتك، أو الذهاب بمائها فتموت، فتتحول من العمار إلى الخراب، ومن الخضرة والثمار إلى أرضٍ ملساء، لا نبات فيها، زلقًا طينًا تَزْلَقُ بها الرِّجْل، ثم أخبر الله أنه حقق ما قَدَّرَه هذا المؤمن، فقال: ﴿(٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ [الكهف: ٤٢ - ٤٤]. ثم ندم الكافر، وعَظُمَت حسرته على ما أنفق فيها، فحُرِم من الدنيا التي تعب في تحصيلها، وحُرِم من الدين الذي تركه، ويوم القيامة لا ينفع الندم، فالإنسان يحصد ما عمل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦]. أما المؤمن فسوف يجد ثواب عمله عند ربه: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ [الكهف: ٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. ثم ما هو الحل للخروج من فتنة المال؟. الحل: هو معرفة الحقيقة، والاستعانة بالمال على طاعة الله، وإنفاقه في الوجوه الشرعية، وعدم الاشتغال به عن عبادة الله .

стр. 9745

فالحل: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٥ - ٤٦]. فهذه حال الدنيا، والصحابة ﵃ عرفوا حقيقة الدنيا، فآثروا الآخرة على الدنيا، فكم أنفقوا من أجل الدين، وقد مدحهم الله بكثرة الإنفاق، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢ - ٣]. والله سبحانه مدحهم بالإنفاق، لا بالجمع، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. والذي عنده مزاج الجمع، يأتي عنده مزاج التعدد، والترفه، والإسراف في كل شيء، في أنواع المطاعم، والمشارب، وأنواع الملابس، والمراكب، وأنواع الأموال، والشهوات، والنساء: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]. فالحل: انفق في سبيل الله لا تجمع، وإذا لم تنفق في سبيل الله، جَرَّكَ الشيطان للإنفاق في سبيل الشهوات، والمحرمات، ومحرك الفتن والشهوات كلها هو الشيطان: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].

стр. 9746

فلابد لمن يريد النجاة والسلامة في الدنيا والآخرة، أن يعمل للدين بقدر الطاقة، ويأخذ من الدنيا بقدر الحاجة: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧]. فالتعلق بالدنيا هو سبب الخسران والهلاك، والتعلق بالله هو سبب الفوز والفلاح: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠١]. فلابد من ترك ما يستحق الترك، وأخذ ما يستحق الأخذ: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. فهذه فتنة الدنيا والمال. والحل لمن فُتِنَ بذلك، هو إتباع الكتاب، وإتباع الدين: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠].

стр. 9747

وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]. والفلاح والنجاة في: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١]. فهذه هي فتنة الدنيا والمال، وهذا حلها لمن فُتِنَ بذلك. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، وأجعل الجنة هي دارنا وقرارنا، يا رب العالمين. وذكر الله في سورة الكهف أربع فتن؛ هي فتنة الدين، ثم فتنة المال، ثم فتنة العلم، ثم فتنة المُلك. وقد ذكر الله كل فتنة مع حلها. فالفتنة الثالثة في هذه السورة هي فتنة العلم. فالله هو العليم وحده بكل شيء، وعَلَّمَ من علمه من شاء من عباده، وأعظم من عَلَّمَ أنبياءه ورسله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].

стр. 9748

وموسى ﷺ عَلَّمَهُ رَبُّه، واصطفاه لنفسه، فأرسله داعيًا إلى الله، ومُعلمًا لخلقه، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤]. وموسى ﷺ كل حياته يدعو إلى الله، ويعلم الناس شرع الله، عاش في قصر فرعون ثلاثين سنة، ثم عاش عشر سنين في مدين يرعى الغنم، ثم عاش أربعين سنة في دعوة فرعون، ثم أربعين سنة مع بني إسرائيل، فكان عمره ﷺ مائةٌ وعشرون سنة. موسى ﷺ طول حياته مُعلمًا، لمَّا دخل قصر فرعون بكى يريد الحليب، فالله حَرَّمَ عليه المراضع، وأظهر ضعف فرعون أمام بني إسرائيل، لا يستطيع أن يسقيه قطرةً من حليب، مع أنه قال أنا ربكم الأعلى، وقال ما علمت لكم من إلهٍ غيري، فحَرَّمَ الله عليه جميع المرضعات، إلا لبن أمه، فالمرأة التي في قلبها إيمان، تُرضع ابنها الإيمان، فجميع مرضعات مصر طمعوا في إرضاعه طمعًا في المال من فرعون. والمرأة التي في قلبها حُبُّ الدنيا تُرضع ابنها حُبَّ الدنيا، وجميع مرضعات مكة تركوا محمداً ﷺ ، فلم يقبلوا إرضاعه، لأنه ليس له مال، فزهدوا فيه، فمرضعات مكة زهدوا في اليتيم الفقير، ومرضعات مصر طمعوا في إرضاع موسى اليتيم، ولكن الله لا يُريدهُنَّ: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ

стр. 9749

وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾ [القصص: ١٠ - ١٤]. ففازت بيتيم مكة حليمة السعدية، وأرضعته الحلم والسعادة، لأنها من بني سعد، فأعطاه إياها جده عبد المطلب، وقال: «نعم الحلم والسعد، فيهما خير الدنيا والآخرة». وأعاد الله موسى لأمه يَرضع منها، ويعود إلى قصر فرعون. فسبحان الملك القادر الذي رّبَّىَ وَلِيُّه في قصر عدوه، ولم يَحرم أمه من رؤيته كل يوم، وإفراغ حبها في قلبه: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ [القصص: ١٣]. ولما أرسل الله موسى ﷺ إلى بني إسرائيل، دعاهم إلى الله، وخطب بهم خطبةً بليغة، فلما فرغ من خطبته، قام رجلٌ فقال لموسى هل يوجد على ظهر الأرض من هو أعلم منك؟، فقال موسى لا. وكانت هذه الخطبة هي آخر أيام دعوته ﷺ ، والأنبياء لهم حقٌ في تزكية أنفسهم، وموسى كليم الله، وما سوى الأنبياء لا يجوز أن يُزَكِّي نفسه، فالله سَمَّىَ ذلك إثمًا مبينًا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾ [النساء: ٤٩ - ٥٠]. ولكن المطلوب من الإنسان أن يُزَكِّي نفسه، بالتوحيد والإيمان، والأعمال الصالحة: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].

стр. 9750

والمطلوب التزكية بالعمل، ليَرضَى الله عنها، أما التزكية بالقول فلا يجوز، أنا عملت كذا، وأنا أهلٌ للتدريس والخطابة: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢]. فالتزكية بالعمل مطلوبة، والتزكية بالقول مذمومة، لهذا من مقاصد النبوة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. فموسى ﷺ عَلَّمَه رَبُّه، ولما قال ما قال أوحى الله إليه أن هناك من هو أعلم منك، فقال موسى ﷺ يا رب أنا مستعدٌ لتحصيل هذا العلم، وهذا العلم علم الاسترشاد، وليس مفروضًا على موسى، وإنما طلب زيادة العلم، على ما عنده من العلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤]. وقال إبراهيم ﷺ : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فهو يُحب العلم ليعبد به ربه، ويعلمه لمن أرسله الله إليهم من خلقه، ومن طلب العلم بصدق، عَلَّمَهُ الله ما لم يكن يعلم، فإذا كانت زيادة الإيمان تحتاج إلى جهد، فتحصيل الإيمان يحتاج إلى جهد، وإذا كانت زيادة الأموال تحتاج إلى جهد، فتحصيل الإيمان كذلك يحتاج إلى جهد. والأنبياء والرسل هم أهل الإيمان، ولكن طلبوا زيادة الإيمان، لأن قوة الإيمان ثمرتها قوة الأعمال ولهذا قال الله للمؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].

стр. 9751

وكما أوجب الله طلب الهداية، بقوله سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]. فكذلك أوجب الله جهد الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. والذي يطلب الهداية من الله بصدق، الله يُرِيِهِ الصراط المستقيم بصدق، ويرزقه اليقين، ويحفظه، ويعطيه حياة الكُمَّلَ من الناس: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠]. فهؤلاء صفاتهم أحسن الصفات، وأعمالهم أحسن الأعمال، ومن قام بجهد الدعوة إلى الله، أعطاه الله هذه الكرامات: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ولمَّا أخبر الله موسى ﷺ أن في الأرض من هو أعلم منه، استعد موسى ﷺ للجُهد والذهاب إليه، ولكن كم المدة؟ أحقاب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾ [الكهف: ٦٠]. وما الزاد الذي حمله موسى في هذا السبيل، فقط سمكة واحدة: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾ [الكهف: ٦١].

стр. 9752

فلما جاوز موسى المقصد، وجد التعب، فرجع إلى المكان الذي فيه الخضر: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٢ - ٦٥]. فموسى ﷺ لكمال محبته لله، ومحبة للعلم، ومحبته إبلاغ دين الله، استعد في سبيل تحصيل العليم أحقابًا مفتوحة، وحين سار موسى ﷺ بأمر ربه، قال يا رب أين أستاذي؟ فقال له ربه حين تفقد زادك، فَثَمَّ أستاذك، وموسى ﷺ خرج معه تلميذه يوشع بن نون، ومزاج موسى القوة والشدة، فهو الذي وكز القبطي فقتله، وحمل الحجر عن البئر في مدين، ولطم ملك الموت ففقع عينه، فمشى في هذا السبيل مع كِبَرَ سنه، وتَحَمَّلَ المجاهدة في رحلة مفتوحة الزمن، ليس حقبًا واحدًا، بل حُقُبًا، والحُقْبُ ثمانون سنة، فهل المدة التي نخرج بها الآن كافية لإزالة الباطل من العالم، ونشر الخير والهدى فيه؟ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. فما أعظم تقصيرنا، وما أعظم إضاعتنا للعالم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].

стр. 9753

وفي الطريق وقف موسى ﷺ للراحة والقيلولة عند مجمع البحرين فنام، ويوشع المكتل قد انفتح، والسمكة قد خرجت منه، ودخلت البحر، فرأى عجبًا: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾ [الكهف: ٦٣] فالفتى لم يتحمل هذا الأمر، ولم يُخبر موسى ﷺ بما حصل، حتى جاء الجوع في موسى، فطلب الزاد، فقال له الزاد قد ذهب فأخبره: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾ [الكهف: ٦٣]. فماذا قال موسى ﷺ ليوشع فتاه؟ ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ [الكهف: ٦٤]. فلما رجعا وجدا رجلًا مُغطى، عند المكان الذي فقدا فيه الحوت: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٥]. فكشف عنه الغطاء، وقال السلام عليكم، فقال له: لا سلام عليك في هذه الجزيرة، ثم قال له: من أنت؟ قال: موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟، قال له: من أخبرك؟ قال: الذي أرسلك ثم: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ [الكهف: ٦٦]. تَلَطَّفَ موسى الرسول مع الخضر في سبيل كسب مودته، والانتفاع من علمه، لأن المدرسين، والمعلمين، عندهم الحزم والشدة، فماذا قال له الخضر؟

стр. 9754

قال: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ [الكهف: ٦٧]. ثم أكد ذلك بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾ [الكهف: ٦٨]. لكن موسى ﷺ تَعَلَّمَ الصبر مع فرعون، وفي مدين، ومع بني إسرائيل أسوء أمة، فماذا قال له؟ قال: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ [الكهف: ٦٩]. فموسى ﷺ خرج من دائرة الصابرين مع الخضر، بقوله صابرًا فلم يصبر. أما إبراهيم ﷺ فحين قال لابنه: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢]. فقال له إسماعيل: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ [الصافات: ١٠٢]. فلما دخل إسماعيل في دائرة الصابرين حُفِظَ، وموسى لما خرج من دائرة الصابرين لم يستطع الصبر، وهكذا فجُهد الدعوة إلى الله عملٌ عالميٌ عظيم يحتاج إلى الصابرين، لا إلى الصابر، فلابد للصابر أن يصبر مع الصابرين، ويجتهد مع الصابرين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦]. فمن خرج من دائرة الجهد الاجتماعي، لا يستطيع أن يصبر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].

стр. 9755

فجُهد الدعوة إلى الله عمل الأمة كلها، وقوته في الاجتماع عليه، ومعية الله معه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. وقال الله لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦]. ولا يوجد عمل اجتماعي يجمع الأمة على الدين إلا هذا الجهد العظيم، فهذا العمل الاجتماعي جمع العرب مع العجم، والبيض مع السود، والعلماء والعامة، وصارت الحركة من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، وصارت الرحمة تنتقل من بلدٍ إلى بلد، ومن دولةٍ إلى دولة، ومن قارة إلى قارة، فأصبحت رحمةً عالمية في كل الأرض، مقصدها أن يُعبَد الله وحده لا شريك له، وجمع الأمة على الهدى، لا على الهوى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. موسى ﷺ لمَّا وَصَل إلى الخضر، وطلب صحبته ليتعلم منه، أخذ الهدايات من الخضر: الصبر، عدم الاستعجال، عدم السؤال: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾ [الكهف: ٧٠]. وبدأ أول اختبار: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾ [الكهف: ٧١ - ٧٤].

стр. 9756

فكل إنسان يشرب من بئره، فالذي لا يعلم يصبر حتى يسأل من يعلم، وهل الرسول صلى الله عليه وسلمكلما سُئِل أجاب؟ لا، وأحيانًا بعض الأسئلة يُراد منها بعض الشيء، فلا يُجيب إلا بحكمةٍ حسب المصلحة، فلم يصبر موسى وخالف الهدايات، فماذا قال له الخضر؟: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥]. فقال موسى ﷺ : ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾ [الكهف: ٧٦]. وكفار مكة سألوا اليهود أسئلةٌ يعجزون بها النبي ﷺ ، فقالوا لهم سلوه عن فتيةٍ هلكوا في الدهر الأول ماذا كان من شأنهم؟، وعن رجلٍ طواف طاف مشارق الأرض ومغاربها؟، وعن الروح؟. فأجابهم الله في هذه السورة عن الفتية، وذو القرنين، ولكنهم لم يسألوه عن موسى، يريدون إظهار عجز النبي ﷺ ، ولكن الله ذكر قصة موسى ﷺ ، فالله أرسل نبيكم يتعلم ممن هو أدنى منه، أما محمد ﷺ فالذي علمه شديد القوى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]. وقال الله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)﴾ [النجم: ٥ - ٦]. فموسى النبي ﷺ ، جعله الله تلميذًا يتعلم ممن هو أدنى منه الخضر وأحيانًا السكوت هو الجواب، كما هو جواب السؤال عن الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].

стр. 9757

فالآن موسى ﷺ في أول اختبار في أمر السفينة، اعترض، أو لم يعترض، اعترض على خرقها، لأن أمامه الشريعة، لا يجوز المساس بحق الآخرين، والخضر أمامه أمر الغيب، فهذا عنده شريعة، وهذا عنده شريعة، فاعترض موسى ﷺ حسب شريعته، ثم اعتذر للخضر بأمر شرعي، وهو النسيان، فَقَبِلَ منه: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ [الكهف: ٧٣]. ثم جاء الاختبار الثاني أصعب من الأول، فدخلوا القرية فقتل الخضر غلامًا صغيرًا، كما قال سبحانه: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾ [الكهف: ٧٤]. فاعترض موسى ﷺ مرةً ثانية، وقال قتل النفس منكر، فقال له الخضر: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥]. ثم اعتذر موسى منه فقال: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾ [الكهف: ٧٦]. فَقَبِلَ منه. ثم دخل بعد قرية النفس الزكية قرية البخلاء، كما قال سبحانه: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ [الكهف: ٧٧]. فماذا قال الخضر لموسى ﷺ ؟ قال: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ [الكهف: ٧٨].

стр. 9758

فلما دخلوها استطعما أهلها، فلم يجدوا لا ضيافةً ولا طعامًا، فهل مثل موسى ﷺ يسأل؟، وكم نسبة جوع موسى ﷺ ؟ جوع موسى ﷺ كبير، ولكن لتحصيل الإيمان كم قَدَّمَ من التضحية، فلمَّا لم يضيفوهم، ولم يطعموهم، قال الخضر الآن نبني الجدار، ولمَّا تم البناء، موسى ﷺ أعطى رأيه، فقال: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾ [الكهف: ٧٧]. فجاءت الدنيا، وإذا جاءت الدنيا في العمل فسدت الثمرة، ثم قال الخضر: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ [الكهف: ٧٨]. فالدنيا إذا دخلت في الدعوة فسدت التربية، والدعوة كلها تربية، فلمَّا خرجوا من تلك القرية، وجدوا ذلك الجدار فَبَنَوْهُ، ومن شدة جوع موسى ﷺ طلب الأجرة على العمل، فقال له هذا فراق بيني وبينك، الذي عندي لا تستفيد منه، والذي عندك لا استفيد منه، ولكن هل يتركه الخضر دون أن يخبره؟، وتصبح القلوب متفرقة؟، لا، بل بَيَّنَ له الحقائق، فماذا قال له؟ قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ [الكهف: ٧٨]. لهذا لاستمرار هذا العمل، نجتنب من المعاملات ما يفسده من الدنيا؛ الشراكة، والكفالة، والوكالة، والسلفة: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].

стр. 9759

فقال الخضر لموسى ﷺ في شأن السفينة: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف: ٧٩]. فهذه السفينة التي خرقتها، إذ لم تكن مخروقة تكون مغصوبة فأيهما أفضل؟، مخروقة أم مغصوبة؟. فخرقها لسلامتها لأهلها، وهكذا الدعوة تكون على البركة، لكن وفق السُّنَّة، وإلا اخترقها العدو، وفَرَّقَ أهلها، ومَزَّقَ شملها، فهذه الدعوة إلى الله سفينة النجاة، من ركبها نجا، ومن لم يركبها غرق في الدنيا والشهوات، فلابد للسفينة أن تكون مُحكمة، لئلا تغرق. وأما الغلام فقال له: إن الغلام إذا شب أساء إلى أبويه وأفسدهما، ولكن يموت ويصبر والداه، ويلتقيان في الجنة أفضل، فقتله لهذا السبب: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ [الكهف: ٨٠ - ٨١]. وأما الجدار فلغلامين ضعفاء، فلو تركه يسقط، أخذ البخلاء المال الذي تحته، فببركة أبوهما الصالح حَفِظَ الله لهم المال، وبني لهما الجدار، ليبقى المال، حتى يكبرا ويأخذاه: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ [الكهف: ٨٢]. فبعث الله نبيًا ورجلًا صالحًا يبنون الجدار لهذا السبب.

стр. 9760

فموسى ﷺ عنده علم، والخضر عنده علم: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]. فالداعي لا يأخذ المال مهما بلغت به حال الجوع، فالله يقضي حوائجه إذا توكل عليه، لأن الدعوة لا ترتبط مع الأشياء، وإنما ترتبط بالأعمال. فهذه الفتنة الثالثة، فتنة العلم، وهذا حلها، فلا نُزَكِّي أنفسنا مهما كنا، بل ننسب كل فضلٍ وعلمٍ إلى الله وحده: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. فهذه الفتن لابد أن تمر على الأمة، وقد تقدمت الفتن الثلاث. أما الفتنة الرابعة فهي فتنة الملك. فذو القرنين تجول في العالم، لأنه ممن ملكوا العالم، ولكن تجول في العالم من أجل الملك: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ [الكهف: ٨٣ - ٨٤]. فسار في الأرض مشرقًا ومغربًا، ورأى ملك الله الواسع العظيم، فاستخدم ملكه لأجل رحمة الخلق، فحفظه الله، وحفظه ملكه من يأجوج ومأجوج: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ

стр. 9761

لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [الكهف: ٨٥ - ٩٧]. فالملك يُحفظ إذا استُخدم لرحمة الخلق: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ [الكهف: ٩٨]. فهذه فتنة الملك التي ذكرها الله في سورة الكهف، وحلها إذا حصلت لأحد، أن يستخدم الملك لحفظ الدين، فيحفظه الله، ويحفظ ملكه ورعيته. فالدعوة للتربية، لابد أن تكون محكمة لئلا تغرق، وهي مرتبطة بالأعمال لا بالأشياء فافهم: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. هذه القصص الأربع التي سببها فتنة الدين، ثم فتنة المال، ثم فتنة العلم، ثم فتنة الملك. فحفاظة أهل الكهف بكهف له أربعة جدران، وهذه الأمة حفظها في أربعة أعمال: الدعوة إلى الله .. وعبادة الله وحده .. وتعلم وتعليم شرع الله .. والإحسان إلى الخلق، لتعم الرحمة البشرية. قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].

стр. 9762

وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. والحفاظة بالأعمال أعظم من الحفاظة بالجدران. والقصة الثانية: هذه زيارة واحدة لصاحب الجنة، ونحن في الدعوة إلى الله كم زيارة نزورها من أجل الله، لدعوة الناس إلى الله!. والقصة الثالثة: موسى ﷺ تعلم ثلاث مسائل، ونحن الآن، كم الله علمنا من علم الشريعة في القرآن والسنة ما نشكره عليه! فعلم النبي ﷺ أعظم من العلم الذي حصله موسى ﷺ : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]. والقصة الرابعة: ذو القرنين تجول لوحده بالدين، وهذه الأمة تتجول جماعات في العالم لهداية البشرية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وما هو الحل؟ لابد من الحركة في العالم، لحفظ أنفسنا من فتنة الدين، وفتنة المال، وفتنة العلم، وفتنة الملك: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١]. فالفتية تحركوا، وهذا المؤمن تحرك إلى صاحب الجنة، وموسى تحرك، وذو القرنين تحرك، فمن لم يتحرك لنشر الهداية في العالم فلينتظر العقوبة:

стр. 9763

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩]. وهذه الفتن العظيمة هي التي يأتي بها الدجال في آخر الزمان، فإنه يفتن الناس في دينهم ويقول: أنا ربكم الأعلى. ثم فتنة الأرض، فالأرض تخرج كنوزها له. ثم فتنة العلم، فجميع علوم الدنيا تحت قدميه، وعلماء العالم يتبعونه. ثم فتنة الملك، فإنه يمسح الأرض إلا مكة والمدينة. فالنجاة في ذلك الزمان سورة الكهف بالجهد الذي يحفظ الناس من تلك الفتن العظيمة، ولهذا آخر هذه السورة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وتشرع قراءتها في كل جمعة، أو ليلة جمعة، أو أسبوع الجمعة؛ ليُحفظ الإنسان من هذه الفتن العظيمة التي يأتي بها الدجال في آخر الزمان. وقد قال النبي ﷺ عن الدجال: «إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وإن يخرج ولست منكم فأمرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم» أخرجه مسلم. (١).

стр. 9764

وقال ﷺ «مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ». أخرجه مسلم (١). وذو القرنين عبد صالح، ملَّكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة، وبلغ ملكه مشرق الأرض ومغربها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ [الكهف: ٨٣ - ٨٤]. وسُمي بذي القرنين لأجل بلوغ ملكه قرني الشمس، أي مطلعها ومغربها. وقيل سمي بذلك لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقًا وغربًا، وقيل لأنه كان له قرنان أي ضفيرتان. والله أعلم. اللهم احفظنا من جميع الفتن، ما ظهر منها وما بطن: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ آل عمران: ٨].

стр. 9765

٧ - الخزانة السابعة ٤ - حقيقة الدعوة إلى الله. ملة هذه الأمة ملة إبراهيم، ملة التضحيات، والبذل والعطاء والترك، والتحمل، من أجل أن يُعبد الله وحده لا شريك له: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣]. وقد منَّ الله على هذه الأمة، وشرفها بأعظم شيء، وهو الدعوة إلى الله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]. فهذه الآية جمعت الخمسة الأوائل في العالم في جهد الدعوة إلى الله: (نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم أفضل الصلاة والسلام)، بعثهم الله لإقامة الدين، والدعوة أكبر سبب لإقامة الدين، وزوال الباطل: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]. فرفع الله مقام هذه الأمة، بأن جعل شريعتهم كشريعة الخمسة الأوائل في العالم، أولوا العزم من الرسل، وهذا أمر عظيم، ولعظمة هذا الجهد، فثوابه عظيم لمن قام به من هذه الأمة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ

стр. 9766

الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. فهذه الآية خاصة بهذه الأمة، فهي ترافق الأنبياء والرسل؛ لأن جهدها كجهد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. والنبي ﷺ رفع هذه الأمة إلى أعلى مستوى في الدين، بتربيتهم على الدعوة من أول يوم، فلما عرفوا مقصد حياتهم، نزلت الأحكام والشريعة بعد ذلك في المدينة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. ولا تصل الأمة إلى هذا المستوى إلا بالدعوة إلى الله، وإصلاح آخرة الإنسان. والفتوى لصلاح أمور الإنسان، لذلك في مكة دعوة بلا فتوى، والفتوى في الأحكام جاءت بعد فهم الدعوة إلى الله، والذين فهموا المزاج هم السابقون الأولون: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. فعرف الصحابة هذا المزاج، فطبقوا ما علموا، فرضي الله عنهم ورضوا عنه.

стр. 9767

وسنة الله في كل زمان، يوجد سابقون أولون، فالسابقون الأولون في عهد النبوة، هم المهاجرون والأنصار، وفي زماننا كل من سبق لما سبقوا إليه من التضحية من أجل إقامة الدين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. والله سمى هؤلاء السابقون في كل زمان خير البرية، ومن خالفهم سماهم شر البرية، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٦ - ٨]. والسابقون الأولون في هذا الجهد العظيم قليل، لكنهم خير البرية، من كانوا وحيث كانوا، في كل زمان ومكان: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٤]. وفي القرآن المكي بين الله تفاصيل نعيم الجنة، وتفاصيل عذاب النار، وهذا ليس للمصلين المزكين الحجاج، بل هو لمن قام بذلك، مع جهد إقامة الدين، وتفاصيل النار لمن قام ضد الدعوة، فأولئك هم شر البرية، وهم الذين قتلوا في بدر، فالوصول إلى رحمة الله والجنة لا يكون إلا بجهد الدعوة، مع القيام بالأعمال الصالحة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ

стр. 9768

وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٤ - ٧٥]. فالله أعطى هذه الأمة ميراث جهد الدعوة بعد الأنبياء، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٦]. فالله أكرم هذه الأمة، أمة محمد ﷺ ، بهذا الميراث العظيم، بفضله ومنه، كما قال سبحانه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٣]. وفي الشريعة الميراث حق لجميع الورثة، ولكن ميراث الأب طمعنا فيه، وميراث الرب زهدنا فيه، فنستغفر الله ونتوب إليه. وميراث الأب فرق بين الأخ وأخيه، وميراث الرب جمع بين الناس: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

стр. 9769

وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥]. بهذا الميراث العظيم جمع الله الصحابة مع نبيهم لما قاموا به من هذا الجهد العظيم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]. ولقيامهم بهذا الجهد العظيم، أكرمهم الله بثلاث كرامات: ١ ﵃، ورضوا عنه. ٢ - يحبه ويحبونه. ٣ - ثم تاب عليهم ليتوبوا. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]. ففاز بهذا الجهد العظيم من فاز، وخسر بتركه من خسر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ

стр. 9770

مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. وأما في الآخرة فأكرمهم الله بالجنة والرضوان: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. والقرآن نزل يبين جهد الأنبياء والرسل، ويكشف صفات الصحابة الذين قاموا بجهد الأنبياء والرسل: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].
следующие страницы →