← Тафсир

Тафсир · id 30194

قصص القرآن من تفسير السعدي

فايز السريح

Полный текст (290 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومنها: أنَّ الهمَّ الذي همَّ به يوسف بالمرأة ثم تركه لله مما يقرِّبه إلى الله زلفى؛ لأنَّ الهمَّ داعٍ من دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهو طبيعة لأغلب الخلق، فلما قابل بينه وبين محبَّة الله وخشيته غلبت محبَّة الله وخشيته داعي النفس والهوى، فكان ممن ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، ومن السبعة الذين يُظِلُّهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، أحدهم: «رجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله» (١)، وإنَّما الهمُّ الذي يُلام عليه العبد هو الهمُّ الذي يساكنه، ويصير عزمًا ربَّما اقترن به الفعل. ومنها: أنَّ مَنْ دخل الإيمانُ قلبه، وكان مخلصًا لله في جميع أموره؛ فإنَّ الله يدفع عنه ببرهان إيمانه، وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاءٌ لإيمانه وإخلاصه؛ لقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، على قراءة مَنْ قرأها بكسر اللام، ومن قرأها بالفتح فإنَّه من إخلاص الله إياه، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه، فلما أخلص عمله لله أخلصه الله، وخلَّصه من الشرور، وعصمه من السوء والفحشاء. ومنها: أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلًّا فيه فتنة وأسباب معصية أن يفرَّ منه ويهرب غاية ما يمكنه؛ ليتمكَّن من التخلُّص من المعصية؛ لأنَّ يوسف ﵇ لما راودته التي هو في بيتها فرَّ هاربًا يطلبُ الباب ليتخلَّص من شرِّها. ومنها: أنَّ القرائن يُعمل بها عند الاشتباه، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار فما يصلُح للرجل فإنَّه للرجل، وما يصلُح للمرأة فهو لها، هذا إذ لم يكن بيِّنة، وكذا لو تنازع نجارٌ وحدادٌ في آلة حرفتهما من غير بيِّنة، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر من هذا الباب؛ فإنَّ شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قَدِّ القميص، واستدلَّ بقدِّه من دُبُره على صِدْق يوسف وكذبها.

стр. 107

ومما يدلُّ على هذه القاعدة أنّه استدلَّ بوجود الصُّواع في رَحْل أخيه على الحكم عليه بالسرقة من غير بيّنة شهادةٍ ولا إقرار، فعلى هذا إذا وُجِد المسروق في يد السارق، خصوصًا إذا كان معروفًا بالسرقة؛ فإنه يحكم عليه بالسرقة، وهذا أبلغ من الشهادة، وكذلك وجود الرجل يتقيَّأ الخمر، أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيّد حاملًا؛ فإنه يُقام بذلك الحدُّ ما لم يقم مانعٌ منه، ولهذا سمّى الله هذا الحكم شاهدًا، فقال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. ومنها: تكميل يوسف صلوات الله عليه لمراتب الصبر، الصبر الاضطراري: وهو صبرٌ على أذية إخوته، وما ترتَّب عليها من بُعْده عن أبويه، وصبره في السجن بضع سنين، والصبر الاختياري: هو صبر على مراودة سيدته امرأة العزيز مع وجود الدواعي القوية من جمالها وعلو منصبها، وكونها هي التي راودته عن نفسه وغلَّقت الأبواب، وهو في غاية ريعان الشباب، وليس عنده من قرابته ومعارفه الأصليين أحد، ومع هذه الأمور ومع قوة الشهوة مَنَعَهُ الإيمان الصادق، والإخلاص الكامل من مواقعة المحظور، وهذا هو المراد بقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، فهو برهان الإيمان الذي يغلب جميع القوى النفسية، فكان هو مقدَّم السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهو «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله»، ثم بعد ذلك راودته المرأة، واستعانت بالنسوة اللاتي قطّعن أيديهن، فلم تُحدِّثه نفسه، ولم يَزَل الإيمان ملازمًا له في أحواله، حتى قال بعدما توعَّدته بقولها: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٢، ٣٣]، فاختار السجن على مواقعة المحظور، ومع ذلك فلم يَتَّكل على نفسه، بل استغاث بربه أن يصرف عنه شرهن، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤]، وكما أنه كمَّل مراتب الصبر، فقد كمَّل مراتب العدل والإحسان للرعية حين

стр. 108

تولى خزائن البلاد المصرية، وكمل مراتب العفو والكرم حين قال له إخوته: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩١ - ٩٢]، فارتقى ﷺ إلى أعلى مقامات الفضل والخير والصدق والكمال، ونشر الله له الثناءين الكاملين في العالمين. ومنها: ما عليه يوسف من الجمال الظاهر والباطن؛ فإنَّ جماله الظاهر أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب، وللنساء اللاتي جمعتهن حين لُمْنَها على ذلك أن قطعن أيديهنَّ، وقلن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، وأما جماله الباطن فهو العفَّة العظيمة عن المعصية مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته، ولهذا قالت امرأة العزيز: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَاسْتَعْصَمَ﴾، وقالت بعد ذلك: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وقالت النسوة: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾. ومنها: أن يوسف ﵇ اختار السجن على المعصية؛ فهكذا ينبغي للعبد إذا ابتلي بين أمرين؛ إما فعل معصية، وإما عقوبة دنيوية؛ أن يختار العقوبة الدنيوية على واقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة، ولهذا من علامات الإيمان أن يكره العبدُ أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار. ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله عند خوف الوقوع في فتن المعاصي والذنوب، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حوله وقوته، مع الصبر والاجتهاد في البُعد عنها، كما فعل يوسف ﵇ ودعا ربه: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، وأن العبد لا حول ولا قوة ولا عصمة له إلا بالله، فالعبد مأمور بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور، مع الاستعانة بالملك الشكور.

стр. 109

ومنها: أنَّ العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير، وينهيانه عن الشر، وأنَّ الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس، وإن كان معصية ضارًا لصاحبه. ومنها: أن الجهل كما يطلق على عدم العلم فإنه يطلق على عدم الحلم، وعلى ارتكاب الذنب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، وأما قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] ليس المعنى في ذلك عدم العلم، وإنما هو عدم العمل به واقتحام الذنوب، ومنه قول موسى ﵇: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، وقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، وكل من عصى الله فهو جاهل باعتبار عدم العمل بالعلم؛ لأن العلم الحقيقي ما زال به الجهل وأوجب العملَ. ومنها: أنَّه كما على العبد عبوديَّة لله في الرخاء، فعليه عبودية له في الشدَّة؛ فيوسف ﵇ لم يَزَلْ يدعو إلى الله، فلما دخل السجن استمرَّ على ذلك، ودعا الفتيَيْن إلى التوحيد، ونهاهما عن الشرك، ومن فطنته ﵇ أنَّه لما رأى فيهما قابلية لدعوته، حيث ظنَّا فيه الظنَّ الحسن، وقالا له: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وأتياه لأن يعبُر لهما رؤياهما، فرآهما متشوقَيْن لتعبيرها عنده، رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبُر رؤياهما؛ ليكون أنجح لمقصوده، وأقربَ لحصول مطلوبه، وبيَّن لهما أولًا أنَّ الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم إيمانه وتوحيده، وتركُه مِلَّة مَنْ لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاءٌ لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبيَّن فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه. ومنها: أنَّه يبدأ بالأهم فالأهم، وأنَّه إذا سُئِل المفتي، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد؛ أنَّه ينبغي له أن يعلِّمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله؛

стр. 110

فإنَّ هذا علامةٌ على نُصح المعلِّم وفطنته، وحُسْن إرشاده وتعليمه؛ فإنَّ يوسف لما سأله الفتيان عن الرؤيا قدَّم لهما قبل تعبيرها دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له. ومنها: الإرشاد إلى طريق نافع من طريق الجدال والمقابلة بين الحق والباطل، وهو بيان ما في الحق من الخير والمنافع العاجلة والآجلة، وما في الباطل من ضد ذلك، قال تعالى في دعوة يوسف للتوحيد: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، فذكر ما في الشرك من القُبح وسوء الحال واتباع الظنون الباطلة، وأن كل طائفة من المشركين لهم معبود؛ إما نار، أو صنم، أو قبر، أو ملك، أو ميت، أو غير ذلك من المعبودات المتفرقة، التي لا تملك لنفسها ولا لأهلها نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وكل طائفة تضلل الأخرى، وكلهم ضالُّون هالكون فيها، هذه الأرباب والمعبودات خير أم الله الواحد القهار؟ فذكر له ثلاثة أوصاف عامة عظيمة؛ أنه الله الذي له الأسماء والصفات العليا، ومنه النعم كلها، وبذلك استحق أن يكون الله المألوه إله أهل الأرض وأهل السماء، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وأنه الواحد المتفرِّد بكل صفة كمال، المتوحِّد بنعوت الجلال والجمال، الذي لا شريك له في شيء من الأفعال، وأنه القهار لكل شيء، فجميع العالم العلوي والسفلي كلهم مقهورون بقدرته، خاضعون لعظمته، مُتذلِّلون لعزته وجبروته، فَمَنْ هذه صفاته العظيمة هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له. ومنها: أن الدين المستقيم الذي عليه جميع الرسل وأتباعهم هو عبادة الله وحده لا شريك له؛ لقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: ٤٠]، فهو الدين المستقيم المقيم للعقائد والأخلاق والأعمال، الذي لا تستقيم أمور الدين والدنيا إلا به.

стр. 111

ومنها: وجوب الاعتراف بنعم الله الدينية والدنيوية؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٣٨]، فهو الذي مَنَّ بالعافية والرزق وتوابع ذلك، وهو الذي مَنَّ بنعمة الإسلام والإيمان والطاعة وتوابع ذلك، فعلى العبد أن يعترف بها بقلبه ويتحدث بها، ويستعين بها على طاعة المنعم. ومنها: أن مَنْ وقع في مكروه وشدَّة لا بأس أن يستعين بمن له قدرةٌ على تخليصه، أو الإخبار بحاله، وأنَّ هذا لا يكون شكوى للمخلوق؛ فإنَّ هذا من الأمور العاديَّة التي جرى العُرْف باستعانة الناس بعضهم ببعض، ولهذا قال يوسف للذي ظنَّ أنَّه ناجٍ من الفَتَيَيْن: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾. ومنها: أنه ينبغي ويتأكَّد على المعلّم استعمال الإخلاص التام في تعليمه، وأنْ لا يجعل تعليمه وسيلةً لمعاوضة أحدٍ في مال أو جاه أو نَفْع، وأن لا يمتنع من التعليم، أو لا ينصح فيه، إذا لم يفعل السائل ما كلَّفه به المعلّم؛ فإنَّ يوسف ﵇ قد قال، ووصَّى أحد الفتيين أنْ يذكُره عند ربه، فلم يذكُره ونسي، فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف أرسلوا ذلك الفتى، وجاءه سائلًا مستفتيًا عن تلك الرؤيا، فلم يعنِّفه يوسف، ولا وبَّخه؛ لتركه ذِكْرَه، بل أجابه عن سؤاله جوابًا تامًا من كل وجه، ولم يعاتبه أو يعنِّفه أو يعامله بسوء خُلُق، فبحُسْن الخُلُق تحصل للعبد الحياة الطيبة العاجلة والآجلة. ومنها: أنه ينبغي للمسئول أن يدلَّ السائل على أمرٍ ينفعه مما يتعلَّق بسؤاله، ويرشده إلى الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه؛ فإنَّ هذا من كمال نُصحه وفطنته وحُسْن إرشاده؛ فإنَّ يوسف ﵇ لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك، بل دَلَّهم - مع ذلك - على ما يصنعون في تلك السنين المخصبات من كثرة الزَّرْع، وكثرة جبايته. ومنها: أنه لا يُلام الإنسان على السعي في دفع التُّهمة عن نفسه، وطلب البراءة لها، بل يُحمَد على ذلك، كما امتنع يوسف عن الخروج من السجن

стр. 112

مع طول مُكْثِهِ حتى تتبيَّن لهم براءته بحال النسوة اللاتي قطَّعن أيديهنَّ، حيث بان لكل أحد براءته التامة التي لا شبهة فيها، فلم يخرج من السجن لمواجهة الملك إلا في حالة براءته وهيبته ورفعته، وتعظيمِ منهم لعلمه وفضله ونزاهته عليه الصلاة السلام. ومنها: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]، دليل على أن هذا وصف النفس من حيث هي، وأنها لا تخرج عن هذا الوصف إلا برحمة من الله وعناية منه؛ لأن النفس ظالمة جاهلة، والظلم والجهل لا يأتي منهما إلا كلُّ شر، فإن رحم الله العبد ومَنَّ عليه بالعلم النافع وسلوك طريق العدل في أخلاقه وأعماله خرجت نفسه من هذا الوصف، وصارت مطمئنة إلى طاعة الله وذِكْره، ولم تأمر صاحبها إلا بالخير، ويكون مآلها إلى فضل الله وثوابه، قال تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]، فعلى العبد أن يسعى في إصلاح نفسه وإخراجها من هذا الوصف المذموم، وهو أنها أمارة بالسوء، وذلك بالاجتهاد، وتخلُّقها بأحسن الأخلاق، وسؤال الله على الدوام، وأن يكثر من الدعاء المأثور: «اللهم اهدني لأحسن الأعمال والأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئ الأعمال والأخلاق، لا يصرف عني سيئها إلا أنت» (١). ومنها: فضيلة العلم؛ علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا، وعلم التدبير والتربية؛ وأنه أفضل من الصورة الظاهرة، ولو بلغت في الحُسْن جمال يوسف؛ فإنَّ يوسف بسبب جماله حصلت له تلك المحنة والسجن، وبسبب علمه حصل له العزُّ والرِّفعة والتمكين في الأرض؛ فإنَّ كلَّ خيرٍ في الدنيا والآخرة من آثار العلم وموجباته.

стр. 113

ومنها: فضيلة العلم من وجوه كثيرة، وبيان أنه سبب الرفعة في الدنيا والآخرة، وسبب صلاح الدين والدنيا، فيوسف ﵇ لم يَنَلْ ما نال إلا بالعلم، ولهذا قال له أبوه: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]، وامتن عليه وَقْتَ مُكْثِه عند عزيز مصر بالتجربة والعلم، وحاز مقام الإحسان بالعلم، وخرج من السجن في حال العز والكرامة بالعلم، وتمكَّن عند ملك مصر، واستخلصه لنفسه حين كلَّمه وعرف ما عنده من العلم، ودبَّر أحوال الخلق في الممالك المصرية بإصلاح دنياهم، وحُسْن تدبيره في حفظ خزائن الأرض وتصريفها وتوزيعها بالعلم، وعند نهاية أمره توسَّل إلى ربه أن يتولاه في الدنيا بالعلم، حيث قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، ففضائل العلم وثمراته الجليلة العاجلة والآجلة لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى. ومنها: فضل الإيمان الكامل واليقين، والطمأنينة بالله وبذكره، حيث اتَّصف بها يوسف ﵇ أوجبت له الثبات في أموره كلها، والاشتغال فيما هو بصَدَدِهِ من وظائفه الحاضرة، وهو في أحواله وتنقلاته مطمئن القلب ثابت النفس، ليس عنده قلق لبُعْده عن أبيه وأحبابه، مع ما يعلمه من شدة الشوق والحب المفرط بينه وبين والديه، خصوصًا أباه، وهو يعلم المكان الذي هو فيه، ويتمكن من مراسلته، ولكن اقتضت حكمة الله ألَّا يحصل اللقاء إلا في تلك الحال التي اشتدت مشقتها وعظمت شدتها، فأعانه الله وأيَّده بروح منه، وهذا من أَجَلِّ ثمرات الإيمان. ومنها: أنَّ علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنَّه يثاب الإنسان على تعلُّمه وتعليمه، وأنَّ تعبير الرؤيا داخلٌ في الفتوى؛ لقوله للفتيين: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، وقال الملك: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾، وقال الفتى ليوسف: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ الآيات؛ فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم.

стр. 114

ومنها: أنه لا بأس أن يخبرَ الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل، إذا كان في ذلك مصلحةٌ، ولم يقصد به العبد الرياء، وسلم من الكذب؛ لقول يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، وكذلك لا تُذمُّ الولاية إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنه لا بأس بطلبها إذا كان أعظم كفاءةً من غيره، وإنما يذمُّ إذا لم يكن فيه كفايةٌ، أو كان موجودًا غيره مثله، أو أعلى منه، أو لم يُردْ بها إقامة أمر الله؛ فبهذه الأمور يُنهى عن طلبها، والتعرض لها. ومنها: أن الولايات الكبار والصغار لا بد لمتوليها أن يكون كفؤًا في قوته وأمانته، وعلمه بأمور الولاية؛ لأن الملك لما كلَّم يوسف ورأى من علمه وخبرته بالأمور، وحسن نظره استخلصه لنفسه، وقال: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤]، وقال يوسف: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، فعلَّل ذلك بكمال حفظه لما تحت يده وتصرفه، وكمال علمه بوجوه المستخرج والمنصرف، وحُسْن التدبير، وليس في هذا طلب الولاية ابتداءً، كما قاله كثير من أهل العلم، بل إنه لما رأى الملك استخلصه ومكَّنه من الأمور، وأن الأمور كلها تحت طوعه وتدبيره، طلب من الملك تولي خزائن الأرض فقط لأنها أهم، ولأنه يعلم أن ولايته لها أنفع للملك وللخلق، وهذا من كمال نُصحه وصدق نظره. ومنها: أن الله واسع الجود والكرم، يجود على عبده بخير الدنيا والآخرة، وأنَّ خير الآخرة له سببان: الإيمان، والتقوى، وأنه خيرٌ من ثواب الدنيا ومُلكها، وأنَّ العبد ينبغي له أن يدعو نفسه، ويشوّقها لثواب الله، ولا يدعها تحزن إذا رأت أهل الدنيا ولذاتها وهي غير قادرة عليها، بل يسليها بثواب الله الأخروي، وفضله العظيم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.

стр. 115

ومنها: أن العقود تنعقد بما يدل عليها من قول وفعل، لا فرق بين عقود التبرعات وعقود المعاوضات؛ لأن يوسف ﵇ مَلَّك إخوته بضاعتهم التي اشتروا بها مِيرَتَهُم من حيث لا يشعرون، ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ٦٥] الآية، وذلك من دون إيجاب وقبول قولي؛ لأن الفعل والرضا يدل على ذلك. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، استدل به على ثلاثة أبواب من أبواب العلم: باب الجعالة، وباب الضمان، وباب الكفالة؛ لأن قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾، من نوع الجعالة، وهو أن يجعل شيئًا معلومًا أو مقاربا للمعلوم كحمل البعير؛ لأنه متعارف لمن يعمل له عملًا معلومًا وعملًا مجهولًا، وهي جائزة لما فيها من مصلحة الجاعل والعامل، وقوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، أي: ضامن وكفيل، وهي من عقود التوثقة بالحقوق التي يتم بها توسيع المعاملات وإصلاحها. ومنها: أنَّ جباية الأرزاق إذا أريد بها التوسعة على الناس من غير ضررٍ يلحقهم لا بأس بها؛ لأنَّ يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة في السنين المخصبات للاستعداد للسنين المجدبة، وأنَّ هذا غير مناقضٍ للتوكُّل على الله، بل يتوكَّل العبد على الله، ويعمل بالأسباب التي تنفعه في دينه ودنياه. ومنها: حُسْن تدبير يوسف لما تولى خزائن الأرض، حتى كثرت عندهم الغلَّات جدًّا، حتى صار أهلُ الأقطار يقصدون مصر لطلب الميرة منها؛ لعِلْمهم بوفورها فيها، وحتى إنَّه كان لا يكيل لأحد إلا مقدار الحاجة الخاصَّة أو أقلَّ، لا يزيد كلَّ قادم على كَيْلِ بعيرٍ وحَمْلِه. ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنها من سنن المرسلين، وإكرام الضيف، وقررتها هذه الشريعة؛ لقول يوسف لإخوته: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.

стр. 116

ومنها: أن من الحزم إذا أراد العبد فعلًا من الأفعال أن ينظر إليه من جميع نواحيه، ويُقدِّر كل احتمال ممكن، وأن الاحتراز بسوء الظن لا يضر إذا لم يحقق، بل يحترز من كل احتمال يُخْشَى ضرره. ومنها: أنَّ سوء الظن مع وجود القرائن الدالَّة عليه غير ممنوع ولا محرَّم؛ فإنَّ يعقوب قال لأولاده بعدما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى عالجوه أشدَّ المعالجة، ثم قال لهم بعدما أتوه، وزعموا أن الذئب أكله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، وقال لهم في الأخ الآخر: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾، ثم لما احتبسه يوسف عنده، وجاء إخوته لأبيهم قال لهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾، فهم في الأخيرة وإن لم يكونوا مفرِّطين؛ فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن قال ما قال من غير إثم عليه ولا حرج. ومنها: أن العمل بالشريعة فيه إصلاح الأرض والبلاد واستقامة الأمور، والعمل بالمعاصي من سرقة وغيرها فيه فساد، ذلك لقولهم: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣]، وكم في القرآن من التصريح أن العمل بالمعاصي ومخالفة الرسل فساد للأرض، ومتابعة الرسل هو الصلاح المطلق؛ صلاح الدين والدنيا. ومنها: الدلالة على الأصل الكبير الذي أعاده الله وأبداه في كتابه؛ أن لكل نفس ما كسبت من الخير والثواب، وعليها ما اكتسبت من الشر والعقاب، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى؛ لقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩]. ومنها: أن استعمال الأسباب الدافعة للعين وغيرها من المكاره، أو الرافعة لها بعد نزولها، غير ممنوع، بل جائز، وإن كان لا يقع شيءٌ إلا بقضاء وقدرٍ؛ فإنَّ الأسباب أيضًا من القضاء والقدر؛ بشرط أن يفعلها العبد وهو معتمد على

стр. 117

مُسَبِّبها؛ لأمر يعقوب، حيث قال لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾، وأخبر تعالى أنهم امتثلوا أمر أبيهم، وأن هذا الأمر لم يُغْنِ شيئًا إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها؛ وهو شفقة الوالد على أولاده، والشريعة جاءت بإثبات الأسباب النافعة الدينية والدنيوية، والحث عليها، مع الاستعانة بالله، كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله» (١). ومنها: جواز استعمال الحيل والمكايد التي يتوصل بها إلى حق من الحقوق الواجبة والمستحبة أو الجائزة، وأنَّ العلم بالطرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يُحمد عليه العبد، كما استعمل يوسف ذلك مع أخيه، حيث وضع السقاية في رحل أخيه، ثم أذّن مؤذن بعد رحيلهم ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] إلى قوله: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ استَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦]، فعمل مع أخيه هذا العمل ليتوصل به إلى بقائه عنده من غير شعور منهم، فلما تقرَّر عندهم أنه هو الذي أخذ الصواع استفتاهم عن حكم السارق في دينهم، فقالوا: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥]، أي: جزاء السارق أن يتملَّكه المسروق منه، فحكموا على أنفسهم هذا الحكم الذي هو المقصود ليوسف، ولو أجرى عليه حكم ملك مصر لكان له حكم آخر، فيسَّر الله هذا العمل وهذا الحكم ليبقى أخوه عنده، فالحِيَل التي على هذا النوع لا حرج فيها، وإنما المحرَّم هو الحِيَل والمكايد التي يتوصَّل بها إلى إحلال المحرَّمات أو إسقاط الواجبات. ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره بأمرٍ لا يحبُّ أن يطلع عليه أن يستعمل المعاريض القولية والفعلية المانعة له من الكذب، كما فعل يوسف، حيث ألقى الصُّواع في رَحل أخيه، ثم استخرجها منه مُوهمًا أنَّه سارقٌ، وليس

стр. 118

فيه إلا القرينة الموهمة لإخوته، وقال بعد ذلك: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾، ولم يقل: «مَنْ سرق متاعنا»، وكذلك لم يقل: «إنا وجدنا متاعنا عنده»؛ بل أتى بكلام عام يصلُح له ولغيره، وليس في ذلك محذور، وإنَّما فيه إيهام أنَّه سارق؛ ليحصُل المقصود الحاضر، وأنه يبقى عند أخيه، وقد زال عن الأخ هذا الإيهام بعدما تبيَّنت الحال. ومنها: قوله تعالى: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: (٧٩)]، يدل على أنه لا تَزِر وازرة وزر أخرى، ويؤخذ منه مسألة دقيقة، وهو أن الإحسان إنما يكون إحسانًا إذا لم يتضمَّن فِعْلَ مُحرَّم، أو تَرْك واجب، فإنهم طلبوا من يوسف أن يُحْسِن إليهم بترك هذا الأخ أن يذهب إلى أبيه، ويأخذ أحدهم بدله فامتنع، وقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾، فالإحسان إذا تضمن تَرْك العدل كان ظلمًا، ولهذا كان تخصيص بعض الأولاد على بعض، وبعض الزوجات على بعض، وإن كان إحسانًا إلى المخصّص والمفضّل لا يجوز؛ لأنه تَرْك للعدل، وكذلك ما أشبه ذلك، والله أعلم. ومنها: أن المشاورة نافعة في كل شيء حتى في تخفيف الشر، لهذا تشاور إخوة يوسف ما يعملون به من قَتْلٍ أو طَرْح في الأرض، وقرَّ رأيهم على رأي مَنْ أشار عليهم بإلقائه في الجب ليلتقطه بعض السيارة، ففيه شاهد للقاعدة المشهورة «ارتكاب أخفِّ المفسدتين أولى من أغلظهما»، ولما قرَّ القرار على أخذ مَنْ وُجد الصواع في رحله، وعالجوا يوسف على أخذ بدله لأجل ما يعلمون من مشقة أبيهم فامتنع، خلصوا نجيًّا يتشاورون، فقرَّ رأيهم على رأي كبيرهم أن يبقى هو في مصر يلاحظ مسألة أخيه، وهم يذهبون ويخبرون أهلهم، ويخبرون أباهم بالقضية وتفصيلها، ولا شك أن بقاءه في مصر أهون على يعقوب وأرجى لتحصيل المطلوب، وفيه نوع

стр. 119

مواساة منه بأخويه يوسف وبنيامين، ولهذا قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣]. ومنها: أنَّه لا يجوز للإنسان أن يشهد إلا بما عَلِمَهُ وتحقَّقَهُ؛ إما بمشاهدة أو خبرِ مَنْ يثق به، وتطمئنُّ إليه النفس؛ لقولهم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾. ومنها: أن وجود المسروق بيد السارق بينة وقرينة على أنه السارق، ولذلك حكم وحكموا على أخي يوسف بحكم السارق. ومنها: الحثُّ على فعل الأسباب الجالبة للخيرات، والحافظة من الكريهات، وفي القصة مواضع تدل على هذا الأصل الكبير، وتمام ذلك أن يقوم بالأسباب مستعينًا بالله واثقًا به، وقد عمل يعقوب ﵇ الأسباب التي يقدر عليها في استحفاظ أولاده ليوسف ثم لأخيه حين أرسله معهم، وقال مع ذلك: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤]، وكذلك على العبد إذا هَمَّته المصائب وحلَّت به النكبات؛ عليه أن يصبر، ويستعين بالله على ذلك، قال يعقوب ﵇ حين عمل إخوة يوسف ما عملوا بيوسف وحلَّت به المصيبة الكبرى: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وذلك أن الصبر على الطاعات، والصبر عن المحرَّمات، والصبر على المصيبات؛ لا يتم وينجح صاحبه إلا بالاستعانة بالله، وألَّا يتَّكل العبد على نفسه، قال يوسف: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. ومنها: قوله تعالى عن يعقوب في أول ما صنع أبناؤه بأخيهم يوسف: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وقوله: عندما اشتد به الأمر حين احتبس الابن الآخر: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣]، في هذا دليل على أن أصفياء الله إذا نزلت بهم الكوارث والمصيبات

стр. 120

قابلوها في أول الأمر بالصبر والاستعانة بالمولى، وعندما ينتهي وتبلغ الشدة منتهاها يقابلونها بالصبر والطمع في الفرج والرجاء، فيوفّقهم الله للقيام بعبوديته في الحالتين، ثم إذا كشف عنهم البلاء قابلوا ذلك بالشكر والثناء على الله، وزيادة المعرفة بلطفه؛ لقول يوسف: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. ومنها: هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيه وصفيه يعقوب ﵇؛ حيث قضى بالفراق بينه وبين ابنه يوسف الذي لا يقدر على فراقه ساعةً واحدةً هذه المدة الطويلة، ويحزنه ذلك أشدَّ الحزن، فحصل التفريق بينه وبينه مدةً طويلة يغلب على الظن أنها تبلغ ثلاثين سنة فأكثر، من ذلك أنه بقي مدة في بيت العزيز قبل السجن في الإمكان أن تكون من سبع السنين إلى العشر، أو نحو ذلك على وجه الخرص والحزر، ثم مكث بضع سنين في السجن، والأكثر أنها سبع سنين، ثم بعد خروجه دخلت السبع السنين المخصبات، فهذه نحو إحدى وعشرين سنة، ثم دخلت السبع المجدبات، وتردّد إخوة يوسف إليه مرات، والظاهر أن اللقاء كان في آخرها، فهذه تُقارب الثلاثين ونحوها، وهو في هذه المدة لم يفارقِ الحزنُ قلبه وهو دائم البكاء، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، ثم ازداد به الأمر شدَّة حين صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق يوسف، وفَقَدَ بصره وهو صابرٌ لأمر الله، محتسبٌ الأجر من الله، قد وعد من نفسه الصبر الجميل، ولا شكَّ أنه وفى بما وَعَدَ به، ولا ينافي ذلك قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، فإن الشكوى إلى الله لا تُنافي الصبر، وإنما ينافي الصبر الشكوى إلى المخلوق. ومنها: أن شفاء الأمراض كما تكون بالأدوية الحسيّة تكون بأسباب ربانية، بل يحصل بهذا النوع من أنواع الشفا ما لا يحصل بغيره، فيعقوب ﵇

стр. 121

قد ابيضَّت عيناه من الحزن، وذهب بصره، فجعل الله شفاءه وإبصاره بقميص يوسف حين ألقاه على وجهه فارتدَّ بصيرًا لما كان فيه من رائحة يوسف، الذي كان داءُ عينيه من حزنه عليه، فصار شفاؤه الوحيد مع لُطف الله في قميص جسده. ومن قال: إن القميص من الجنة، فليس عنده بذلك دليل، والله قادر على أن يشفيه من دون سبب، ولكنه حكيم جعل الأمور تجري بأسباب ونظامات قد تهتدي العقول إلى معرفتها وقد لا تهتدي، ونظير ذلك أيوب ﵇ وصل به المرض والضر إلى حالة تعذَّر منها الشفاء، وأعيت الأطباء، فحيث أراد الله شفاءه أمره أن يركض برجله الأرض، فأنبع له عينًا باردة، وأمره أن يشرب منها ويغتسل، فأذهب الله ما في باطنه وظاهره من هذا الضرر، وعاد كأحسن ما أنت راءٍ، قال تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، فهو تعالى يشفي العباد بأدوية وأسباب حسية، وبأسباب ربانية معنوية: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]، كما أنه تعالى يُوجد الأشياء بأسباب حسية معلومة، وبأسباب ربانية لا تهتدي العقول إليها، كما في معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وآياته النفسية والكونية، وهو المحمود على هذا وعلى هذا. ومنها: أنَّ الفرج مع الكرب؛ وأنَّ مع العسر يسرًا؛ فإنَّه لما طال الحزن على يعقوب واشتدَّ به إلى أنهى ما يكون، وقال: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾، ثم قال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، ثم حصل الاضطرار لآل يعقوب ومسَّهم الضرُّ حين دخلوا على يوسف وقفوا بين يديه موقف المضطر، فقالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾، أي: قليلة حقيرة لا تقع الموقع، ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾، فحينئذ لما بلغ الضر منتهاه من كل وجه أذن الله بالفرج، فحصل التلاقي في أشدِّ الأوقات إليه حاجة واضطرارًا،

стр. 122

فتمَّ بذلك الأجر وحصل السرور، وعُلِمَ من ذلك أنَّ الله يبتلي أنبياءه وأولياءه وأصفياءه بالشدَّة والرَّخاء، والسرور والحزن، واليسر والعسر؛ ليمتحن صبرهم وشكرهم، ولستخرج منهم عبوديته في الحالين؛ بالشكر عند الرخاء، والصبر عند الشدة والبلاء، فتتم عليهم بذلك النعماء، ويزداد بذلك إيمانهم ويقينهم وعِرْفانهم، كما ابتلى يعقوب ويوسف، وكذلك غيرهم من أنبيائه وأصفيائه. ومنها: جواز إخبار الإنسان بما يجد، وما هو فيه من مرضٍ أو فقرٍ ونحوهما، على غير وجه التسخُّط؛ لأنَّ إخوة يوسف قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾، وأقرَّهم يوسف على ذلك ولم يُنْكِرْ عليهم. ومنها: جواز سؤال الخَلْق، خصوصًا الملوك عند الضرورة؛ لقول إخوة يوسف: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨]، فإنهم سألوا المحاباة في المعاملة والصدقة بدون عِوَض، وإنما قلت: خصوصًا الملوك؛ لأنهم لا يُسألون من أموالهم الخاصة، وإنما يُسألون من بيت المال، الذي هو للمصالح العمومية، وأهم المصالح دفع ضرورة المضطرين. ومنها: فضيلة التقوى والصبر، وأنَّ كلَّ خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، وأنَّ عاقبة أهلهما أحسن العواقب؛ لقوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وأن إخبار العبد من نفسه بحصول التقوى والصبر إذا كان صدقًا، وفي ذلك مصلحة من باب التحدث بنعمة الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وهي تشمل نعم الدنيا ونعم الدين، وأن الله يجمع للمتقين بين خيري الدنيا والآخرة كما في هذه الآية والآية السابقة، وهي قوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٦، ٥٧].

стр. 123

ومنها: أنه ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمةٍ بعد شدّة وفقر وسوء حال أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن لا يزال ذاكرًا حاله الأولى؛ ليُحدث لذلك شكرًا كلما ذكرها؛ لقول يوسف ﵇: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾. ومنها: ما منَّ الله به على يوسف من حسن عفوه عن إخوته، وأنه عفا عما مضى، ووعد في المستقبل ألا يُثَرِّب عليهم، ولا يذكر منه شيئًا؛ لأنه يجرحهم ويُحزنهم، وقد أبدوا الندامة التامة، ولأجل هذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠]، ولم يقل: من بعد أن نزغهم، بل أضاف الفعل إلى الشيطان الذي فرَّق بينه وبين إخوته، وهذا من كمال الفتوة وتمام المروءة. ومنها: لطف الله العظيم بيوسف؛ حيث نقله في تلك الأحوال، وأوصل إليه الشدائد والمحن؛ ليوصله بها إلى أعلى الغايات ورفيع الدرجات. ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يتضرع إلى الله دائمًا في تثبيت إيمانه، ويُعْمَلَ الأسباب الموجبة لذلك، ويسأل الله حُسْنَ الخاتمة وتمام النعمة، ويتوسل بنعمه الحاصلة إلى ربه أن يُتمَّها عليه ويُحسِن له العاقبة؛ لقول يوسف ﵊: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وليس هذا من يوسف تمنيًا للموت كما ظنه بعضهم، بل هو دعاء الله أن يُحْسِن خاتمته ويتوفاه على الإسلام، كما يسأل العبد ربه ذلك كل وقت. إذا قيل: كيف خَفِيَ موضع يوسف على يعقوب وما بينهما إلا مسافة قليلة مع طول المدة وقوة الداعي المُلِحِّ، وعِلْمِه أنه على الوجود، وحرصه الشديد على لُقياه؟ فالجواب: ليس ذلك بغريب على قدرة الله، فإن الأسباب وإن قَوِيَت جدًّا لا خروج لها عن قضاء الله وقدره؛ فإن الله تعالى أراد ألا يحصل الاجتماع إلا في

стр. 124

الوقت الذي أجَّله، والحالة التي أرادها؛ لما له في ذلك من الحِكَم العظيمة، ومتى أراد الله شيئًا في وقت مخصوص قدَّر من الأسباب الحسية أو المعنوية ما يمنع حصوله قبل ميقاته، كما يقدِّر من الأسباب ما يحصل به ما أراد، فالأسباب بيد العزيز الحكيم، وليس هذا بأغرب من قضية بني إسرائيل في التيه وهم أمة عظيمة، والتيه مسافة قصيرة وهم بين أظهر قرى ومدن كثيرة، والمدة أربعون سنة لم يهتدوا طريقًا إلى مقصدهم، ولم يتيسَّر لهم مَنْ يرشدهم إلى قصدهم. وكذلك أصحاب الكهف مكثوا في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين وهم في غارٍ قريب من مدينة عظيمة، لم يَصلْ إليهم أحد في هذه المدة الطويلة لأمر يريده الله. فهذه الأمور وما أشبهها دليل على كمال قدرة الله وحكمته، مع أن يوسف ﵇ بقي مدةً الله أعلم بها وهو في بيت العزيز، ثم مدة وهو في السجن، ثم ترقَّى إلى تدبير الملك، ولم يخطر ببال أحد أن ينتقل من الرق والسجن إلى الملك العظيم. ثم إنه وقت تولِّيه يغلب على الظن أنه اشتهر عند الناس باسم المنصب والوزير للملك، ولا يكاد أحد يعرف اسمه كما هو الغالب على الملوك وأشباههم، ولهذا تردَّد إخوته عليه فعرفهم، وهم لا يعرفونه؛ لما هو فيه من بهجة الولاية، وأيضًا قد فارقوه وهو صغير، ولم يَرَوْه إلا بعدما كبر، ومعلوم أن أوصاف الإنسان تتغيَّر إذا وصل إلى سنِّ الكهولة، والله أعلم. هذا من جهة يعقوب وأولاده، أما من جهة يوسف فإنه قد علم وقصد التأخير ليبلغ الكتاب أجله، ولهذا تردَّد عليه إخوته وقد عرفهم، ولم يعرِّفهم بنفسه، ولم يستدعِ أبوَيْه وأهله إلا في نهاية الأمر. هذا ما يسَّر الله من الفوائد والعِبَر في هذه القصة المباركة، ولا بدَّ أن يظهر للمتدبِّر المتفكر غير ذلك، فنسأله تعالى علمًا نافعًا وعملًا متقبلًا، إنه جوادٌ كريمٌ. * * *

стр. 125

قصة شعيب ﵇ شعيب ﵇ نبّأه (١) الله ، وأرسله إلى أهل مدين، وكانوا مع شركهم يَبْخَسُون المكايل والموازين، ويَغُشُّون في المعاملات، ويَنْقُصُون الناسَ أشياءهم، فدعاهم إلى توحيد الله، ونهاهم عن الشرك به، وأمرهم بالعدل في المعاملات، وزجرهم عن البَخْس في المعاملات، وذَكَّرَهم الخير الذي أدَرَّهُ الله عليهم، والأرزاق المتنوعة، وأنهم ليسوا بحاجة إلى ظُلم الناس في أموالهم، وخوّفهم العذاب المحيط في الدنيا قبل الآخرة، فأجابوه ساخرين، ورَدُّوا عليه متهكمين، فقالوا: ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، أي: فنحن جازمون على عبادة ما كان آباؤنا يعبدون، وجازمون على أننا نفعل في أموالنا ما نريد من أي معاملة تكون، فلا ندخل تحت أوامر الله وأوامر رسله، فقال لهم: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: ٨٨]، أي: أغناني الله، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، أي: ما نهيتكم عن المعاملات الخبيثة وظُلم الناس فيها إلّا وأنا أول تارك لها، مع أن الله أعطاني ووسع عليّ، وأنا محتاج إلى المعاملة، ولكني متقيّد بطاعة ربي، ﴿إِنْ أُرِيدُ﴾ في فعلي وأمري لكم ﴿إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾،

стр. 126

أي: أن تصلح أحوالكم الدينية والدنيوية ما استطعت: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، ثم خَوَّفَهم أخذات الأمم التي حولهم في الزمان والمكان، فقال: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]، ثم عرض عليهم التوبة، ورغبهم فيها، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠] فلم يفد فيهم، فقالوا: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]، وهذا لعنادهم وبغضهم البليغ للحق، ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ * قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩١ - ٩٢]. ثم لما رأى عُتُوَّهُم قال: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ * وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود: ٩٣ - ٩٤] ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨]، فأرسل الله عليهم حَرًّا أخذ بأنفاسهم حتى كادوا يختنقون من شدته، ثم في أثناء ذلك أرسل سحابة باردة فأظَلَّتْهم، فتنادَوْا إلى ظِلِّها غير الظليل، فلما اجتمعوا فيها التهبت عليهم نارًا، فأحرقتهم، وأصبحوا خامدين مُعَذَّبين مذمومين ملعونين في جميع الأوقات. * * *

стр. 127

وفي قصة شعيب ﵇ فوائد متعددة منها: أن بَخْس المكاييل والموازين خصوصًا، وبَخْس الناس أشياءهم عمومًا؛ من أعظم الجرائم الموجبة لعقوبات الدنيا والآخرة. ومنها: أن المعصية الواقعة لمن عدم منه الداعي والحاجة إليها أعظم، ولهذا كان الزنا من الشيخ أقبح من الشباب، والكبر من الفقير أقبح من الغني، والسرقة ممن ليس بمحتاج أعظم من وقوعها من المحتاج؛ لهذا قال شعيب لقومه: ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ﴾ [هود: ٨٤]، أي: بنعم كثيرة، فأيُّ أمر أحوجكم إلى الهلع إلى ما بأيدي الناس بطرق محرَّمة. ومنها: قوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [هود: ٨٦] فيه الحثُّ على الرضا بما أعطى الله، والاكتفاء بحلاله عن حرامه، وقصر النظر على الموجود عندك من غير تطلُّع إلى ما عند الناس. ومنها: فيه دلالة على أن الصلاة سبب لفعل الخيرات، وتَرْك المنكرات، وللنصيحة لعباد الله، وقد علم ذلك الكفار بما قالوا لشعيب: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ومن هنا تُعرَف حكمة الله ورحمته في أنه فرض علينا الصلوات، تتكرَّر في اليوم والليلة؛ لعظم وقعها، وشدة نفعها، وجميل آثارها، فللَّه على ذلك أتم الحمد. ومنها: أن العبد في حركات بدنه وتصرفاته، وفي معاملاته المالية؛ داخل تحت حجر الشريعة، فما أُبيح له منها فعله، وما منعه الشرع تعيَّن عليه تَرْكُه، ومن يزعم أنه في ماله حرٌّ، له أن يفعل ما يشاء من معاملات طيبة وخبيثة، فهو

стр. 128

بمنزلة مَنْ يرى أن عمل بدنه كذلك، وأنه لا فرق عنده بين الكفر والإيمان، والصدق والكذب، وفعل الخير والشر، الكل مباح، ومن المعلوم أن هذا هو مذهب الإباحيين الذين هم شرُّ الخليقة، ومذهب قوم شعيب يشبه هذا؛ لأنهم أنكروا على شعيب لما نهاهم عن المعاملات الظالمة، وأباح لهم سواها، فردُّوا عليه أنهم أحرارٌ في أموالهم، لهم أن يفعلوا فيها ما يريدون، ونظير هذا قول من قال: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فمن سوَّى بين ما أباحه وبين ما حرَّمه الله فقد انحرف في فطرته وعقله بعدما انحرف في دينه. ومنها: أن الناصح للخَلْق الذي يأمرهم وينهاهم من تمام قبول الناس له أنه إذا أمرهم بشيء أن يكون أول الفاعلين له، وإذا نهاهم عن شيء كان أول التاركين؛ لقول شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]. ومنها: أن الأنبياء جميعهم بُعثوا بالإصلاح والصلاح، ونَهَوْا عن الشرور والفساد، فكل صلاح وإصلاح ديني ودنيوي فهو من دين الأنبياء، وخصوصًا إمامهم وخاتمهم محمد ﷺ ، فإنه أبدى وأعاد في هذا الأصل، ووضع للخلق الأصول النافعة التي يجْرُون عليها في الأمور العادية والدنيوية، كما وضع لهم الأصول في الأمور الدينية، وأنه كما أن على العبد السعي والاجتهاد في فعل الصلاح والإصلاح، فعليه أن يستمد العون من ربه على ذلك، وأن يعلم أنه لا يقدر على ذلك، ولا على تكميله إلا بالله؛ لقول شعيب: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. ومنها: أن الداعي إلى الله يحتاج إلى الحلم، وحُسْن الخُلُق، ومقابلة المسيئين بأقوالهم وأفعالهم بضد ذلك، وأن لا يُحبطه أذى الخَلْق، ولا يصده عن شيء من دعوته، وهذا الخُلُق كماله للرسل صلوات الله عليهم وسلم، فانظر إلى شعيب ﵇، وحُسن خُلُقه مع قومه، ودعوته لهم بكل طريق وهم يسمعونه الأقوال السيئة، ويقابلونه المقابلة الفعلية، وهو ﵇ يحلم عليهم ويصفح،

стр. 129

ويتكلم معهم كلامَ مَنْ لم يصدر منهم له وفي حقه إلا الإحسان، ويُهَوّن هذا الأمر أن هذا خُلُقٌ مَنْ ظَفِر به وحَازَه فقد فاز بالحظ العظيم، وأن لصاحبه عند الله المقامات العالية والنعيم المقيم، ويُهَوّنه أنه يعالج أممًا قد طُبِعوا على أخلاق إزالتها وقَلْعُها أصعب مِنْ قَلْع الجبال الرواسي، ومرنوا على عقائد ومذاهب بذلوا فيها الأموال والأرواح، وقدموها على جميع المهمات عندهم، أفَتظن مع هذا أن أمثال هؤلاء يقتنعون بمجرد القول بأن هذه مذاهب باطلةٌ وأقوال فاسدة، أم تحسبهم يغتفرون لمن نالها بسوء؟! كلا والله. إن هؤلاء يحتاجون إلى معالجات متنوعة بالطرق التي دعت إليها الرسل، يُذكّرون بنِعَم الله، وأن الذي تفرَّد بالنعم يتعيَّن أن يُفرَد بالعبادة، ويذكر لهم من تفاصيل النعم ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصَى، ويُذكِّرون بما في مذاهبهم من الزيغ والفساد والاضطراب، والتناقض المزلزل للعقائد، الداعي إلى تركها، ويذكرون بما بين أيديهم وما خَلَفَهم من أيام الله ووقائعه بالأمم المكذِّبة للرسل، المنكرة للتوحيد، ويُذكِّرون بما في الإيمان بالله وتوحيده ودينه من المحاسن والمصالح، والمنافع الدينية والدنيوية، الجاذبة للقلوب، المسهّلة لكل مطلوب، ومع هذا كله فيحتاج الخَلْق إلى الإحسان إليهم، وبذل المعروف، وأقل ذلك الصبر على أذاهم، وتحمل ما يصدر منهم، ولين الكلام معهم، وسلوك كل سبيل حكمةٍ معهم، والتنقل معهم في الأمور بالاكتفاء ببعض ما تسمح به أنفسهم؛ ليستدرج بهم إلى تكميله، والبداءة بالأهم فالأهم، وأعظمهم قيامًا بهذه الأمور وغيرها سيدهم وخاتمهم وإمام الخلق على الإطلاق محمد ﷺ . ومنها: أن الكفار كما يعاقبون ويخاطبون بأصل الإسلام، فكذلك بشرائعه وفروعه؛ لأنَّ شعيبًا دعا قومه إلى التوحيد، وإلى إيفاء المكيال والميزان، وجَعَلَ الوعيد مرتبًا على مجموع ذلك.

стр. 130

ومنها: أن نقص المكاييل والموازين من كبائر الذُّنوب، وتُخْشَى العقوبة العاجلة على مَنْ تعاطى ذلك، وأنَّ ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين موجبة للوعيد فسرقتهم على وجه القهر والغلبة من باب أولى وأحرى. ومنها: أنَّ الجزاء من جنس العمل؛ فمن بَخَسَ أموال الناس يريد زيادة ماله عوقب بنقيض ذلك، وكان سببًا لزوال الخير الذي عنده من الرزق؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾، أي: فلا تسبّبوا إلى زواله بفعلكم. ومنها: أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله، ويقنع بالحلال عن الحرام، وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرّمة، وأنَّ ذلك خيرٌ له؛ لقوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ففي ذلك من البركة وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرّمة من المَحْق، وضدّ البركة. ومنها: أن ذلك من لوازم الإيمان وآثاره؛ فإِنَّه رتَّب العمل به على وجود الإيمان، فدلَّ على أنَّه إذا لم يوجد العمل فالإيمان ناقص أو معدوم. ومنها: أنَّ الصلاة لم تَزَل مشروعة للأنبياء المتقدّمين، وأنَّها من أفضل الأعمال، حتى إنه متقرّر عند الكفار فضلها، وتقديمها على سائر الأعمال، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي ميزانٌ للإيمان وشرائعه؛ فبإقامتها تكملُ أحوال العبد، وبعدم إقامتها تختل أحواله الدينية. ومنها: أنَّ المال الذي يرزقه الله الإنسان، وإن كان الله قد خوَّله إياه؛ فليس له أن يصنع فيه ما يشاء؛ فإنه أمانةٌ عنده، عليه أن يقيم حقَّ الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرَّمها الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار ومَن أشبههم أنَّ أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون، سواءٌ وافق حُكْمَ الله، أو خالفه.

стр. 131

ومنها: أن من تَكْمِلة دعوة الداعي وتمامها: أن يكون أول مبادر لما يأمر غيره به، وأول مُنْتَهٍ عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. ومنها: أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم، إرادةُ الإصلاح بحسب القدرة والإمكان، فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها، أو بتحصيل ما يُقدَر عليه منها، وبدفع المفاسد وتقليلها، ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة. وحقيقة المصلحة، هي التي تصلُح بها أحوال العباد، وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية. ومنها: أنَّ من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملومًا ولا مذمومًا في عدم فِعْلِه ما لا يقدر عليه؛ فعلى العبد أن يُقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه. ومنها: أنَّ العبد ينبغي له أن لا يتَّكل على نفسه طرفة عين، بل لا يزال مستعينًا بربه، متوكلا عليه، سائلًا له التوفيق، وإذا حصل له شيء من التوفيق فلينسبه لموليه ومُسْديه، ولا يُعْجب بنفسه؛ لقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ومنها: الترهيب بأخذات الأمم، وما جرى عليهم، وأنه ينبغي أن تُذكر القصص التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين في سياق الوعظ والزجر؛ كما أنه ينبغي ذِكْر ما أكرم الله به أهل التقوى عند الترغيب والحثُّ على التقوى. ومنها: أن التائب من الذنب كما يُسْمَح له عن ذنبه ويُعفى عنه؛ فإنَّ الله تعالى يحبُّه ويودُّه، ولا عبرة بقول من يقول: «إنَّ التائب إذا تاب فحسبه أن

стр. 132

يُغْفَرْ له، ويعود عليه العفو، وأما عَوْدُ الودِّ والحبِّ فإنَّه لا يعودُ»؛ فإنَّ الله قال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾. ومنها: أنَّ الله يدفع عن المؤمنين بأسبابٍ كثيرةٍ؛ قد يعلمون بعضها، وقد لا يعلمون شيئًا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم، أو أهل وطنهم الكفار؛ كما دفع الله عن شعيب رَجْمَ قومه بسبب رهطه، وأنَّ هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعيَّن ذلك؛ لأنَّ الإصلاح مطلوبٌ على حسب القدرة والإمكان؛ فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جَعْل الولاية جمهوريةً يتمكَّن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولةٍ تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية، وتحرص على إبادتها، وجَعْلهم عَمَلَةً وخَدَمًا لهم. نعم؛ إنْ أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام؛ فهو المتعيِّن، ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة؛ فالمرتبة التي فيها دفعٌ ووقايةٌ للدين والدنيا مقدَّمة، والله أعلم. * * *

стр. 133

قصة أيوب ﵇ كان أيوبُ من أنبياءِ بني إسرائيلَ، ومن الأصفياءِ الكرام، وقد ذكره الله في كتابه، وأثنى عليه بالخصالِ الحميدة عمومًا، وبالصبر على البلاء خصوصًا؛ فإن الله تعالى ابتلاه بولده وأهله وماله، ثم بجسده، فأصابه من البلاء ما لم يُصِب أحدًا من الخَلْق، فصبر لأمر الله، ولم يَزَل منيبًا لله. ولما تطاولَ به المرض العظيم، ونَسِيَه الصاحب والحميم نادى ربه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، فقيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] فركض، فنبعت بركضته عين ماء بارد، فقيل له: اشرب منها واغْتَسِلْ، ففعل ذلك، فأذهب الله ما في باطنه وظاهره من البلاء، ثم أعاد الله له أهله وماله، وأعطاه من النِّعَم والخيرات شيئًا كثيرًا، وصار بهذا الصبر قدوةً للصابرين، وسلوة للمبتلين، وعبرة للمعتبرين، وكان في مرضه قد وجد على زوجته المرأة البارَّة الرحيمة في بعض شيء، فحلف أن يجلدها مائة جلدة، فخفَّف الله عنه وعنها، وقيل له: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ - حُزمة حشيشٍ أو علفٍ أو شماريخ أو نحوها ـ، فيها مائة عود، ﴿فَاضْرِب بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ أي: ينحل بذلك يمينك، وفي هذا دليل على أن كفارة اليمين لم تشرع لأحد من قبل شريعتنا؛ وأن اليمين عندهم بمنزلة النذر الذي لا بد من وفائه، وفي هذا دليل على أن مَنْ لا يحتمل إقامة الحد عليه؛ لضعفه ونحوه أنه يقام عليه مسمى ذلك؛ لأن الغرض التنكيل ليس الإتلاف والإهلاك.

стр. 134

قصة موسى ﵇ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٣ - ١٣] ومن جملة ما أبان - سبحانه -، قصة موسى وفرعون؛ فإنه أبداها وأعادها في عدّة مواضع، وبسطها في هذا الموضع، فقال: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾، فإنَّ نبأهما غريب، وخبرهما عجيب. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾،

стр. 135

فإليهم يُساق الخطاب، ويوجَّه الكلام؛ حيث إنَّ معهم من الإيمان ما يُقبِلون به على تدبر ذلك، وتلقِّيه بالقبول والاهتداء بمواقع العِبَر، ويزدادون به إيمانًا ويقينًا، وخيرًا إلى خيرهم، وأما مَنْ عداهم فلا يستفيدون منه إلا إقامة الحجة عليهم، وصانَه الله عنهم، وجعل بينهم وبينه حجابًا أن يفقهوه. فأول هذه القصة: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ في ملكه وسلطانه وجنوده وجبروته، فصار من أهل العلوِّ فيها، لا من الأعلَيْن فيها، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، أي: طوائف متفرقة، يتصرَّف فيهم بشهوته، وينفِّذ فيهم ما أراد من قهره وسطوته، ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ وتلك الطائفةُ هم بنو إسرائيل، الذين فضَّلهم الله على العالمين، الذين ينبغي له أن يكرمهم ويجلَّهم، ولكنه استضعفهم، بحيثُ إنه رأى أنَّهم لا منعة لهم تمنعهم مما أراده فيهم، فصار لا يُبالي بهم، ولا يهتمُّ بشأنهم، وبلغت به الحال إلى أنَّه ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ خوفًا من أن يكثروا، فيغمروه في بلاده، ويصير لهم الملك. ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ الذين لا قَصْدَ لهم في إصلاح الدين، ولا إصلاح الدنيا، وهذا من إفساده في الأرض. ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بأن نُنزِل عنهم موادَّ الاستضعاف، ونُهلك مَنْ قاومهم، ونخذل من ناوأهم، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدين، وذلك لا يحصلُ مع استضعاف، بل لا بدَّ من تمكين في الأرض، وقدرةٍ تامةٍ، ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ للأرض، الذين لهم العاقبة في الدنيا قبل الآخرة. ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، فهذه الأمور كلُّها، قد تعلَّقت بها إرادة الله، وجرتْ بها مشيئته، وكذلك نريد أن نُري ﴿فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ وزيره ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ التي بها صالوا وجالوا، وعَلَوْا وبَغَوْا، ﴿مِنْهُم﴾، أي: من هذه الطائفة المستضعفة ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ من إخراجهم من ديارهم، ولذلك كانوا يَسْعَوْن في قمعهم، وكسْر شوكتهم، وتقتيل أبنائهم، الذين هم محلُّ ذلك؛

стр. 136

فكل هذا قد أراده الله، وإذا أراد أمرًا سهّل أسبابه، ونهج طرقه، وهذا الأمر كذلك؛ فإنه قدّر وأجرى من الأسباب - التي لم يشعر بها لا أولياؤه ولا أعداؤه - ما هو سبب موصل إلى هذا المقصود. فأول ذلك لما أوجد الله رسوله موسى الذي جعل استنقاذ هذا الشعب الإسرائيلي على يديه وبسببه، وكان في وقت تلك المخافة العظيمة التي يُذبّحون بها الأبناء، أوحى إلى أمّه أن تُرضعه، ويمكث عندها، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ بأن أحَسَسَتِ أحدًا تخافين عليه منه أن يوصله إليهم، ﴿فأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ أي: نيل مصر، في وسط تابوتٍ مُغْلَق، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فبشّرها بأنَّه سيردُّه عليها، وأنه سيكبر ويَسْلَم من كيدهم، ويجعله الله رسولًا، وهذا من أعظم البشائر الجليلة، وتقديم هذه البشارة لأم موسى؛ ليطمئن قلبها، ويسكن رَوْعُها، فكأنّها خافت عليه، وفعلت ما أُمرت به؛ ألقته في اليمّ، فساقه الله تعالى حتى التقطه ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾، فصار من لَقْطهم، وهم الذين باشروا وُجدانه؛ ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ أي: لتكون العاقبة والمآلُ من هذا الالتقاط أن يكون عدوًا لهم وحَزَنًا يحزُنُهم؛ بسبب أنّ الحذر لا ينفع من القدر، وأنّ الذي خافوا منه من بني إسرائيل قيّض الله أن يكون زعيمهم يتربّى تحت أيديهم، وعلى نظرهم، وبكفالتهم. وعند التدبر والتأمل تجدُ في طيّ ذلك من المصالح لبني إسرائيل، ودَفْع كثير من الأمور الفادحة بهم، ومَنْع كثير من التعدّيات قبل رسالته؛ بحيث إنّه صار من كبار المملكة، وبالطبع إنَّه لا بدَّ أن يحصل منه مدافعة عن حقوق شعبه، هذا وهو هو ذو الهمة العالية والغيرة المتوقّدة، ولهذا وصلت الحال بذلك الشعب المستضعف - الذي بلغ بهم الذُّلُّ والإهانةُ إلى ما قصَّ الله علينا بعضه - أنْ صار بعض أفراده ينازعُ ذلك الشعب القاهر العالي في الأرض، كما سيأتي بيانه، وهذا مقدمةٌ للظُّهور؛ فإنَّ الله تعالى من سنَّتِه الجارية أن

стр. 137

جعل الأمور تمشي على التدريج شيئًا فشيئًا، ولا تأتي دفعةً واحدةً، وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾، أي: فأردنا أن نعاقبهم على خطئهم ونكيدهم، جزاءً على مكرهم وكيدهم. فلما التقطهُ آل فرعون حنَّن الله عليه امرأة فرعون الفاضلة الجليلة المؤمنة آسية بنت مزاحم، ﴿وَقَالَتِ﴾: هذا الولدُ ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾، أي: أبقِه لنا؛ لتقرَّ به أعينُنا، ونسرَّ به في حياتنا، ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، أي: لا يخلو: إما أن يكونَ بمنزلة الخدم الذين يسعون في نفعنا وخدمتنا، أو نرقِّيه درجةً أعلى من ذلك؛ نجعلهُ ولدًا لنا، ونكرمُه ونُجِلُّه، فقدر الله تعالى أنَّه نفع امرأة فرعون التي قالت تلك المقالة؛ فإنَّه لما صار قُرَّة عينٍ لها، وأحبَّته حبًا شديدًا، فلم يَزَلْ لها بمنزلة الولد الشفيق حتى كبُر ونبَّأه الله وأرسله، فبادرتْ إلى الإسلام والإيمان به، ﵂ وأرضاها، قال الله تعالى عن هذه المراجعات والمقاولات في شأن موسى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ما جرى به القلمُ، ومضى به القدرُ؛ من وصوله إلى ما وصل إليه، وهذا من لطفه تعالى؛ فإنَّهم لو شَعروا لكان لهم وله شأنٌ آخر. ولما فقدتْ موسى أمُّه حزنت حزنًا شديدًا، وأصبح فؤادها فارغًا من القلق الذي أزعجها على مقتضى الحالة البشريَّة، مع أنَّ الله تعالى نهاها عن الحزن والخوف، ووعدها بردِّه، ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: بما في قلبها، ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ فثبَّتناها، فصبرتْ، ولم تُبْدِ به؛ ﴿لِتَكُونَ﴾ بذلك الصبر والثبات ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فإنَّ العبد إذا أصابته مصيبةٌ فصبر وثبت ازداد بذلك إيمانه، ودلَّ ذلك على أنَّ استمرار الجزع مع العبد دليلٌ على ضعف إيمانه. ﴿وَقَالَتْ﴾ أمُّ موسى ﴿لِأُخْتِهِ، قُصِّيهِ﴾، أي: اذهبي فقصِّي الأثر عن أخيك، وابحثي عنه، من غير أن يُحسَّ بك أحدٌ أو يشعروا بمقصودك، فذهبت تقصُّه، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: أبصرته على وجهٍ،

стр. 138

كَأنَّها مارَّةٌ لا قصدَ لها فيه، وهذا من تمام الحزم والحذر؛ فإنَّها لو أبصرته، وجاءتْ إليهم قاصدةً؛ لظنُّوا بها أنها هي التي ألقته، فربَّما عزموا على ذبحه عقوبةً لأهله، ومن لُطْفِ الله بموسى وأمه أنْ مَنَعَهُ من قبول ثدي امرأةٍ، فأخرجوه إلى السوق رحمةً به، ولعل أحدًا يطلبُه، فجاءت أخته وهو بتلك الحال، ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، وهذا جُلُّ غرضهم؛ فإنَّهم أحبُّوه حبًّا شديدًا، وقد منعهُ الله من المراضع، فخافوا أن يموت، فلما قالت لهم أخته تلك المقالة المشتملة على الترغيب في أهل هذا البيت بتمام حفظه وكفالته والنُّصح له بادروا إلى إجابتها، فأعلمتهم ودلَّتهم على أهل هذا البيت، ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ كما وعدناها بذلك، ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ بحيث إنَّه تربَّى عندها على وجهٍ تكون فيه آمنةً مطمئنةً تفرح به وتأخذ الأجرة الكثيرة على ذلك، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، فأريناها بعضَ ما وعدناها به عيانًا؛ ليطمئنَّ بذلك قلبُها، ويزدادَ إيمانها، ولتَعْلم أنَّه سيحصُلُ وعدُ الله في حفظه ورسالته، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فإذا رأوا السبب متشوِّشًا شوَّشَ ذلك إيمانهم؛ لعدم علمهم الكامل أنَّ الله تعالى يجعلُ المحَنَ والعقباتِ الشاقَّةَ بين يدي الأمور العالية والمطالب الفاضلة. فاستمرَّ موسى ﵊ عند آلِ فرعون، يتربَّى في سلطانهم، ويركبُ مراكبَهم، ويلبَسُ ملابسهم، وأمُّه بذلك مطمئنةٌ، قد استقرَّ أنَّها أمُّه من الرضاع، ولم يُستنكرْ ملازمتُه إيَّاها وحنوُّها عليه، وتأمَّل هذا اللطف، وصيانة نبيِّه موسى من الكذب في منطقه، وتيسير الأمر الذي صار به التعلُّق بينه وبينها، الذي بانَ للناس أنه هو الرضاعُ الذي بسببه يسمِّيها أُمًّا، فكان الكلام الكثير منه ومن غيره في ذلك كلِّه صدقًا وحقًّا. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ

стр. 139

عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ١٤ - ٢٢]. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ من القُوَّة والعقل واللب، وذلك نحو أربعين سنة في الغالب، ﴿وَاسْتَوَى﴾، كملت فيه تلك الأمور، ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي: حُكْمًا يعرف به الأحكام الشرعية، ويحكم به بين الناس، وعلمًا كثيرًا، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ في عبادة الله، المحسنين لِخَلْق الله؛ نعطيهم علمًا وحكمًا بحسب إحسانهم، ودلَّ هذا على كمال إحسان موسى ﵇. ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾، إما وقت القائلة، أو غير ذلك من الأوقات التي بها يغفلون عن الانتشار، ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾، أي: يتخاصمان ويتضاربان ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: من بني إسرائيل، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ القبط، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾؛ لأنه قد اشتهر، وعلم الناس أنَّه من بني إسرائيل، واستغاثته لموسى دليلٌ على أنه بلغ موسى ﵇ مبلغًا يُخاف منه، ويُرجى من بيت المملكة والسلطان، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾، أي: وَكَزَ (١) الذي من عدوِّه استجابةً لاستغاثة الإسرائيلي، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: أماته من تلك الوكزة؛

стр. 140

لشدّتها وقوّة موسى، فندم موسى ﵇ على ما جرى منه، و ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: من تزيينه ووسوسته، ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾، فلذلك أجريتُ ما أجريتُ بسبب عداوته البيّنة، وحرصه على الإضلال، ثم استغفر ربه، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، خصوصًا للمُخْبِتِين، المبادرين للإنابة والتوبة؛ كما جرى من موسى ﵇، فقال موسى: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بالتوبة والمغفرة، والنعم الكثيرة، ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ أي: مُعينًا ومساعدًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾، أي: لا أُعين أحدًا على معصيةٍ، وهذا وَعْدٌ من موسى ﵇، بسبب منّة الله عليه أن لا يُعينَ مجرمًا، كما فعل في قتل القبطي، وهذا يفيدُ أنَّ النعم تقتضي من العبد فعل الخير، وترك الشر. فلمّا جرى منه قتل الذي هو من عدوّه أصبح ﴿فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ هل يشعرُ به آل فرعون أم لا؟ وإنما خاف؛ لأنّه قد علِم أنّه لا يتجرأ أحدٌ على مثل هذه الحال سوى موسى من بني إسرائيل، فبينما هو على تلك الحال؛ ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾ على عدوّه ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ على قبطي آخر، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ موبّخًا له على حاله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، أي: بيّن الغواية، ظاهر الجراءة، ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ موسى ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ أي: له وللمخاصم المستصرخ لموسى، أي: لم يزل اللجاج بين القبطي والإسرائيلي، وهو يستغيث بموسى، فأخذته الحمية، حتى همّ أن يبطش بالقبطي، فقال له القبطي زاجرًا له عن قتله: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ من أعظم آثار الجبّار في الأرض قتل النفس بغير حق، ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ وإلا فلو أردت الإصلاح لحُلْت بيني وبينه من غير قتل أحد، فانكفَّ موسى عن قتله، وازعوى لوعظه وزجره، وشاع الخبرُ بما جرى من موسى في هاتين القضيتين، حتى تراود ملأ فرعون وفرعونُ على قتله، وتشاوروا على ذلك، فقيّض الله ذلك الرجل الناصح، وبادرهم إلى الإخبار لموسى بما اجتمع

стр. 141

عليه رأي مَلَئِهِم، فقال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ أي: ركضًا على قدميه من نُصْحِهِ لموسى، وخوفه أن يوقعوا به، قبل أن يشعر، فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أي: يتشاورون فيك؛ ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ عن المدينة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فامتثل نُصحَه. ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أن يُوقع به القتل، ودعا الله و ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فإنه قد تاب من ذنبه، وفعَلَهُ غضبًا من غير قصدٍ منه للقتل؛ فتوعدهم له ظلم منهم وجراءة، ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قاصدًا بوجهه مدينَ، وهو جنوبيُّ فلسطين حيث لا ملك لفرعون، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: وسط الطريق المختصر الموصل إليها بسهولة ورفق، فهداه الله سواء السبيل، فوصل إلى مدين. ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٨]. ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مواشيهم، وكانوا أهل ماشية كثيرة، ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ أي: دون تلك الأمة، ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ غنمهما عن حياض الناس؛ لعجزهما عن مزاحمة الرجال، وبُخْلِهم وعدم مروءتهم عن السقي لهما، ﴿قَالَ﴾ لهما موسى: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾، أي: ما شأنكما بهذه الحالة؟ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أي: قد جرت

стр. 142

العادةُ أنَّه لا يحصل لنا سقي حتى يُصْدِرَ الرعاء مواشيهم (١)؛ فإذا خلا لنا الجوُّ سقينا، ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، أي: لا قوَّة له على السقي، فليس فينا قوَّةٌ نقتدِرُ بها، ولا لنا رجالٌ يزاحمون الرعاء، فَرَقَّ لهما موسى ﵇ ورحمهما، ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ غيرَ طالبٍ منهما الأجر، ولا له قصدٌ غير وجه الله تعالى، فلما سقى لهما، وكان ذلك وقت شدة حرٍّ وسط النهار، بدليل قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾؛ مستريحًا لتلك الظلال بعد التعب، ﴿فَقَالَ﴾ في تلك الحالة مسترزقًا ربَّه: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، أي: إنِّي مفتقرٌ للخير الذي تسوقُهُ إليَّ وتيسِّرُه لي، وهذا سؤالٌ منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغُ من السؤال بلسان المقال، فلم يَزَل في هذه الحالة داعيًا ربه متملِّقًا، وأما المرأتان فذهبتا إلى أبيهما، وأخبرتاه بما جرى، فأرسل أبوهما إحداهما إلى موسى، ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، وهذا يدلُّ على كرم عنصرها، وخُلُقها الحسن؛ فإنَّ الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصًا في النساء، ويدلُّ على أنَّ موسى ﵇ لم يكن فيما فعله من السقي بمنزلة الأجير والخادم الذي لا يُستحى منه عادة، وإنَّما هو عزيزُ النفس، رأتْ من حُسن خُلُقه ومكارم أخلاقه ما أوجبَ لها الحياء منه، فقالت له: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، أي: لا ليمُنَّ عليك، بل أنت الذي ابتدأتنا بالإحسان، وإنَّما قصدُه أن يكافئَك على إحسانك، فأجابها موسى، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾، من ابتداء السبب الموجب لهربه، إلى أن وصل إليه، ﴿قَالَ﴾ مسكِّنًا رَوْعه، جابرًا قلبَه: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: ليذهبْ خوفك ورَوْعك؛ فإنَّ الله نجَّاك منهم، حيث وصلتَ إلى هذا المحلِّ الذي ليس لهم عليه سلطانٌ، ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾، أي: إحدى ابنتيه: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾، أي: اجْعَلْه أجيرًا عندك يرعى الغنم ويسقيها، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أي:

стр. 143

إِنَّ موسى أَوْلى مَنِ استُؤجِر؛ فإنَّه جمع القوَّة والأمانة، وخيرُ أجيرٍ استُؤجر مَنْ جمعهما؛ أي: القوَّة والقدرة على ما استُؤجِر عليه، والأمانة فيه بعدم الخيانة، وهذان الوصفان ينبغي اعتبارهما في كلِّ من يتولَّى للإنسان عملًا بإجارة أو غيرها؛ فإنَّ الخلل لا يكون إلا بفقدهما، أو فَقْد إحداهما، وأمَّا باجتماعهما فإنَّ العمل يتمُّ ويكملُ، وإِنَّما قالت ذلك لأنَّها شاهدت من قوة موسى عند السَّقْي لهما ونشاطه ما عرفتْ به قوَّته، وشاهدت من أمانته وديانته، وأنَّه رحمهما في حالةٍ لا يُرجى نفعهما، وإِنَّما قصدُه بذلك وجه الله تعالى. فقال صاحبُ مدين لموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ أي: تصير أجيرًا عندي ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، أي: ثماني سنين، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ تبرُّع منك لا شيء واجبٌ عليك، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ فأحتِّم عشر السنين، أو ما أريد أن أستأجرك لأكلِّفك أعمالًا شاقَّة، وإنَّما استأجرتك لعمل سهل يسير لا مشقَّة فيه، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فرغَّبه في سهولة العمل، وفي حُسْن المعاملة، وهذا يدلُّ على أن الرجل الصالح ينبغي له أن يُحسّن خُلُقَهُ مهما أمكنه، وأنَّ الذي يُطلب منه أبلغُ من غيره، فقال موسى ﵇ مجيبًا له فيما طلبه منه -: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، أي: هذا الشرط الذي أنت ذكرت رضيتُ به، وقد تمَّ فيما بيني وبينك، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ سواء قضيتُ الثماني الواجبة، أم تبرَّعت بالزائد عليها، ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ حافظٌ يراقبنا، ويعلم ما تعاقدنا عليه. وهذا الرجلُ أبو المرأتين صاحبُ مدين ليس بشعيب النبيِّ المعروف، كما اشتهر عند كثير من الناس؛ فإنَّ هذا قولٌ لم يدلَّ عليه دليلٌ، وغايةُ ما يكون أن شعيبًا ﵇ قد كانت بلده مدين، وهذه القضيةُ جرت في مدين؛ فأين الملازمة بين الأمرين؟! وأيضًا فإنَّه غير معلوم أن موسى أدرك زمان شعيبٍ، فكيف

стр. 144

بشخصه؟! ولو كان ذلك الرجلُ شعيبًا لذكره الله تعالى، ولسمَّته المرأتان، وأيضًا فإنَّ شعيبًا ﵊ قد أهلك الله قومه بتكذيبهم إيَّاه، ولم يبقَ إلا من آمن به، وقد أعاذ الله المؤمنين أن يرضوا لبنتي نبيِّهم بمنعهما عن الماء وصدِّ ماشيتهما حتى يأتيهما رجلٌ غريبٌ، فيُحسنُ إليهما، ويسقي ماشيتهما، وما كان شعيبٌ ليرضى أن يرعى موسى عنده ويكون خادمًا له وهو أفضلُ منه وأعلى درجةً، إلا أنْ يُقال: هذا قبل نبوَّة موسى فلا منافاة، وعلى كلِّ حال لا يُعتمد على أنَّه شعيبٌ النبيُّ بغير نقل صحيح عن النبي ﷺ ، والله أعلم. ﴿* فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٢٩ - ٣٥]. ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ يُحتمل أنَّه قضى الأجل الواجب، أو الزائد عليه، كما هو الظنُّ بموسى ووفائه؛ اشتاق إلى الوصول إلى أهله ووالدته وعشيرته ووطنه، وظنَّ من طول المدَّة أنَّهم قد تناسَوْا ما صدر منه، ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ قاصدًا مصر، ﴿آنَسَ﴾، أي: أبصر، ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، وكان قد أصابهم البردُ، وتاهوا في الطريق، فلما أتاها نُودي: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ

стр. 145

رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فأخبر بألوهيّته وربوبيته، ويلزم من ذلك أن يأمره بعبادته وتألُّهه، كما صرّح به في الآية الأخرى، ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾، فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تسعى سعيًا شديدًا، ولها صورةٌ مهيلة ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ ذكَرُ الحيات العظيم، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، أي: يرجع لاستيلاء الرَّوْع على قلبه، فقال الله له: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، وهذا أبلغُ ما يكون في التأمين، وعدم الخوف؛ فإنّ قوله: ﴿أَقْبِلْ﴾ يقتضي الأمر بإقباله، ويجب عليه الامتثال، ولكن قد يكونُ إقباله، وهو لم يَزَل في الأمر المَخُوف، فقال: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾، أمر له بشيئين: إقباله، وأن لا يكون في قلبه خوفٌ، ولكن يبقى احتمالٌ، وهو أنَّه قد يُقْبِل وهو غير خائفٍ، ولكن لا تحصل له الوقاية والأمن من المكروه، فقال: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، فحينئذٍ اندفع المحذور من جميع الوجوه، فأقبل موسى ﵇ غير خائف ولا مرعوب، بل مطمئنا واثقًا بخبر ربه، قد ازداد إيمانه، وتمّ يقينه، فهذه آيةٌ أراه الله إيّاها قبل ذهابه إلى فرعون؛ ليكون على يقين تام، فيكون أجرأ له، وأقوى وأصلب، ثم أراه الآية الأخرى، فقال: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾، أي: أَدْخِلْها ﴿فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، فسلكها وأخرجها، كما ذكر الله تعالى، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، أي: ضُمَّ جناحك - وهو عضُدُك - إلى جنبك؛ ليزول عنك الرَّهَب والخوف، ﴿فَذَانِكَ﴾؛ انقلاب العصا حيّةً، وخروج اليد بيضاء من غير سوء، ﴿بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾، أي: حُجَّتان قاطعتان من الله ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، فلا يكفيهم مجرد الإنذار وأمر الرسول إيّاهم، بل لا بدَّ من الآيات الباهرة، إن نفعت، فقال موسى ﵇ معتذرًا من ربه، وسائلًا له المعونة على ما حَمَّلَه، وذاكرًا له الموانع التي فيه؛ ليزيل ربُّه ما يحذره منها: ﴿رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾، أي: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾، أي:
следующие страницы →