عليه رأي مَلَئِهِم، فقال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ أي: ركضًا على قدميه من نُصْحِهِ لموسى، وخوفه أن يوقعوا به، قبل أن يشعر، فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أي: يتشاورون فيك؛ ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ عن المدينة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فامتثل نُصحَه. ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أن يُوقع به القتل، ودعا الله و ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فإنه قد تاب من ذنبه، وفعَلَهُ غضبًا من غير قصدٍ منه للقتل؛ فتوعدهم له ظلم منهم وجراءة، ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قاصدًا بوجهه مدينَ، وهو جنوبيُّ فلسطين حيث لا ملك لفرعون، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: وسط الطريق المختصر الموصل إليها بسهولة ورفق، فهداه الله سواء السبيل، فوصل إلى مدين.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٨].
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مواشيهم، وكانوا أهل ماشية كثيرة، ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ أي: دون تلك الأمة، ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ غنمهما عن حياض الناس؛ لعجزهما عن مزاحمة الرجال، وبُخْلِهم وعدم مروءتهم عن السقي لهما، ﴿قَالَ﴾ لهما موسى: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾، أي: ما شأنكما بهذه الحالة؟ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أي: قد جرت
стр. 142
العادةُ أنَّه لا يحصل لنا سقي حتى يُصْدِرَ الرعاء مواشيهم (١)؛ فإذا خلا لنا الجوُّ سقينا، ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، أي: لا قوَّة له على السقي، فليس فينا قوَّةٌ نقتدِرُ بها، ولا لنا رجالٌ يزاحمون الرعاء، فَرَقَّ لهما موسى ﵇ ورحمهما، ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ غيرَ طالبٍ منهما الأجر، ولا له قصدٌ غير وجه الله تعالى، فلما سقى لهما، وكان ذلك وقت شدة حرٍّ وسط النهار، بدليل قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾؛ مستريحًا لتلك الظلال بعد التعب، ﴿فَقَالَ﴾ في تلك الحالة مسترزقًا ربَّه: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، أي: إنِّي مفتقرٌ للخير الذي تسوقُهُ إليَّ وتيسِّرُه لي، وهذا سؤالٌ منه بحاله، والسؤال بالحال أبلغُ من السؤال بلسان المقال، فلم يَزَل في هذه الحالة داعيًا ربه متملِّقًا، وأما المرأتان فذهبتا إلى أبيهما، وأخبرتاه بما جرى، فأرسل أبوهما إحداهما إلى موسى، ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، وهذا يدلُّ على كرم عنصرها، وخُلُقها الحسن؛ فإنَّ الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصًا في النساء، ويدلُّ على أنَّ موسى ﵇ لم يكن فيما فعله من السقي بمنزلة الأجير والخادم الذي لا يُستحى منه عادة، وإنَّما هو عزيزُ النفس، رأتْ من حُسن خُلُقه ومكارم أخلاقه ما أوجبَ لها الحياء منه، فقالت له: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، أي: لا ليمُنَّ عليك، بل أنت الذي ابتدأتنا بالإحسان، وإنَّما قصدُه أن يكافئَك على إحسانك، فأجابها موسى، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾، من ابتداء السبب الموجب لهربه، إلى أن وصل إليه، ﴿قَالَ﴾ مسكِّنًا رَوْعه، جابرًا قلبَه: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: ليذهبْ خوفك ورَوْعك؛ فإنَّ الله نجَّاك منهم، حيث وصلتَ إلى هذا المحلِّ الذي ليس لهم عليه سلطانٌ، ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾، أي: إحدى ابنتيه: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾، أي: اجْعَلْه أجيرًا عندك يرعى الغنم ويسقيها، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أي:
стр. 143
إِنَّ موسى أَوْلى مَنِ استُؤجِر؛ فإنَّه جمع القوَّة والأمانة، وخيرُ أجيرٍ استُؤجر مَنْ جمعهما؛ أي: القوَّة والقدرة على ما استُؤجِر عليه، والأمانة فيه بعدم الخيانة، وهذان الوصفان ينبغي اعتبارهما في كلِّ من يتولَّى للإنسان عملًا بإجارة أو غيرها؛ فإنَّ الخلل لا يكون إلا بفقدهما، أو فَقْد إحداهما، وأمَّا باجتماعهما فإنَّ العمل يتمُّ ويكملُ، وإِنَّما قالت ذلك لأنَّها شاهدت من قوة موسى عند السَّقْي لهما ونشاطه ما عرفتْ به قوَّته، وشاهدت من أمانته وديانته، وأنَّه رحمهما في حالةٍ لا يُرجى نفعهما، وإِنَّما قصدُه بذلك وجه الله تعالى.
فقال صاحبُ مدين لموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ أي: تصير أجيرًا عندي ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، أي: ثماني سنين، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ تبرُّع منك لا شيء واجبٌ عليك، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ فأحتِّم عشر السنين، أو ما أريد أن أستأجرك لأكلِّفك أعمالًا شاقَّة، وإنَّما استأجرتك لعمل سهل يسير لا مشقَّة فيه، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فرغَّبه في سهولة العمل، وفي حُسْن المعاملة، وهذا يدلُّ على أن الرجل الصالح ينبغي له أن يُحسّن خُلُقَهُ مهما أمكنه، وأنَّ الذي يُطلب منه أبلغُ من غيره، فقال موسى ﵇ مجيبًا له فيما طلبه منه -: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، أي: هذا الشرط الذي أنت ذكرت رضيتُ به، وقد تمَّ فيما بيني وبينك، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ سواء قضيتُ الثماني الواجبة، أم تبرَّعت بالزائد عليها، ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ حافظٌ يراقبنا، ويعلم ما تعاقدنا عليه.
وهذا الرجلُ أبو المرأتين صاحبُ مدين ليس بشعيب النبيِّ المعروف، كما اشتهر عند كثير من الناس؛ فإنَّ هذا قولٌ لم يدلَّ عليه دليلٌ، وغايةُ ما يكون أن شعيبًا ﵇ قد كانت بلده مدين، وهذه القضيةُ جرت في مدين؛ فأين الملازمة بين الأمرين؟! وأيضًا فإنَّه غير معلوم أن موسى أدرك زمان شعيبٍ، فكيف
стр. 144
بشخصه؟! ولو كان ذلك الرجلُ شعيبًا لذكره الله تعالى، ولسمَّته المرأتان، وأيضًا فإنَّ شعيبًا ﵊ قد أهلك الله قومه بتكذيبهم إيَّاه، ولم يبقَ إلا من آمن به، وقد أعاذ الله المؤمنين أن يرضوا لبنتي نبيِّهم بمنعهما عن الماء وصدِّ ماشيتهما حتى يأتيهما رجلٌ غريبٌ، فيُحسنُ إليهما، ويسقي ماشيتهما، وما كان شعيبٌ ليرضى أن يرعى موسى عنده ويكون خادمًا له وهو أفضلُ منه وأعلى درجةً، إلا أنْ يُقال: هذا قبل نبوَّة موسى فلا منافاة، وعلى كلِّ حال لا يُعتمد على أنَّه شعيبٌ النبيُّ بغير نقل صحيح عن النبي ﷺ ، والله أعلم.
﴿* فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٢٩ - ٣٥].
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ يُحتمل أنَّه قضى الأجل الواجب، أو الزائد عليه، كما هو الظنُّ بموسى ووفائه؛ اشتاق إلى الوصول إلى أهله ووالدته وعشيرته ووطنه، وظنَّ من طول المدَّة أنَّهم قد تناسَوْا ما صدر منه، ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ قاصدًا مصر، ﴿آنَسَ﴾، أي: أبصر، ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، وكان قد أصابهم البردُ، وتاهوا في الطريق، فلما أتاها نُودي: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ
стр. 145
رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فأخبر بألوهيّته وربوبيته، ويلزم من ذلك أن يأمره بعبادته وتألُّهه، كما صرّح به في الآية الأخرى، ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾، فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تسعى سعيًا شديدًا، ولها صورةٌ مهيلة ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ ذكَرُ الحيات العظيم، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، أي: يرجع لاستيلاء الرَّوْع على قلبه، فقال الله له: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، وهذا أبلغُ ما يكون في التأمين، وعدم الخوف؛ فإنّ قوله: ﴿أَقْبِلْ﴾ يقتضي الأمر بإقباله، ويجب عليه الامتثال، ولكن قد يكونُ إقباله، وهو لم يَزَل في الأمر المَخُوف، فقال: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾، أمر له بشيئين: إقباله، وأن لا يكون في قلبه خوفٌ، ولكن يبقى احتمالٌ، وهو أنَّه قد يُقْبِل وهو غير خائفٍ، ولكن لا تحصل له الوقاية والأمن من المكروه، فقال: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، فحينئذٍ اندفع المحذور من جميع الوجوه، فأقبل موسى ﵇ غير خائف ولا مرعوب، بل مطمئنا واثقًا بخبر ربه، قد ازداد إيمانه، وتمّ يقينه، فهذه آيةٌ أراه الله إيّاها قبل ذهابه إلى فرعون؛ ليكون على يقين تام، فيكون أجرأ له، وأقوى وأصلب، ثم أراه الآية الأخرى، فقال: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾، أي: أَدْخِلْها ﴿فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، فسلكها وأخرجها، كما ذكر الله تعالى، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، أي: ضُمَّ جناحك - وهو عضُدُك - إلى جنبك؛ ليزول عنك الرَّهَب والخوف، ﴿فَذَانِكَ﴾؛ انقلاب العصا حيّةً، وخروج اليد بيضاء من غير سوء، ﴿بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾، أي: حُجَّتان قاطعتان من الله ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، فلا يكفيهم مجرد الإنذار وأمر الرسول إيّاهم، بل لا بدَّ من الآيات الباهرة، إن نفعت، فقال موسى ﵇ معتذرًا من ربه، وسائلًا له المعونة على ما حَمَّلَه، وذاكرًا له الموانع التي فيه؛ ليزيل ربُّه ما يحذره منها: ﴿رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾، أي: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾، أي:
стр. 146
معاونًا ومساعدًا ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ فإنَّه مع تضافر الأخبار يقوى الحقُّ، فأجابه الله إلى سؤاله، فقال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، أي: نعاونك به ونقوّيك، ثم أزال عنه محذور القتل، فقال: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، أي: تسلُّطًا، وتمكُّنًا من الدعوة بالحجَّة، والهيبة الإلهيَّة من عَدُوِّهما لهما، ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، وذلك بسبب آياتنا، وما دلَّت عليه من الحق، وما أزعجت به مَنْ باشَرها ونظر إليها، فهي التي بها حصل لكما السلطان، واندفع بها عنكم كيدُ عدوكم، وصارت لكم أبلغ من الجنود أولي العَدَدِ والعُدَدِ، ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، وهذا وعدٌ لموسى في ذلك الوقت، وهو وحده فريدٌ، وقد رجع إلى بلده بعدما كان شريدًا، فلم تزل الأحوال تتطوَّر، والأمور تنتقل، حتى أنجز الله له موعوده، ومكَّنه من العباد والبلاد، وصار له ولأتباعه الغلبةُ والظهورُ.
﴿وَقَالَ مُوسَى يافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ
стр. 147
مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ * وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّما طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٤ - ١٣٥].
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ ﵇ حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان: ﴿يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أى: إنى رسولٌ من مُرْسِل عظيم، وهو ربُّ العالمين، الشامل للعالم العلوى والسفلى، مربّى جميع خَلْقِهِ بأنواع التدابير الإلهية، التى من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يُرْسِل إليهم الرُّسُل مبشِّرين ومنذرين، وهو الذى لا يقدر أحدٌ أن يتجرأ عليه، ويَدَّعى أنه أرسله ولم يُرْسِله، فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارنى واصطفانى لرسالته؛ فحقيقٌ علىَّ أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحقَّ؛ فإنى لو قلت غير ذلك لعاجلنى بالعقوبة، وأخذنى أخذ عزيز مقتدر، فهذا مُوجِبٌ لأن ينقادوا له ويتَّبعوه، خصوصًا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة على صحَّة ما جاء به من الحقِّ، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصدان عظيمان: إيمانهم به،
стр. 148
واتّباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضّله الله على العالمين أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب ﵇، الذي موسى ﵊ واحدٌ منهم، فقال له فرعون: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ﴿فَأَلْقَى﴾ موسى ﴿عَصَاهُ﴾ في الأرض، ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾، أي: حية ظاهرةٌ تسعى، وهم يشاهدونها، ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ من جيبه، ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ من غير سوء؛ فهاتان آيتان كبيرتان دالّتان على صحة ما جاء به موسى وصِدْقه، وأنه رسولُ ربّ العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم؛ فلهذا ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ حين بهرهم ما رأوا من الآيات ولم يؤمنوا، وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، أي: ماهر في سحره، ثم خوّفوا ضعفاء الأحلام وسفهاء العقول بأنه ﴿يُرِيدُ﴾ موسى بفعله هذا ﴿أَنْ يُخْرِجَكُم مِنْ أَرْضِكُم﴾، أي: يريد أن يُجليكم من أوطانكم، ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضرره بزعمهم عنهم؛ فإنّ ما جاء به إن لم يقابل بما يبطِلُه ويدحضه، وإلا دخل في عقول أكثر الناس، فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: احبسهما وأمهلهما، وابعث في المدائن أناسًا يحشرون أهل المملكة، ويأتون بكل سحّارٍ عليم، أي: يجيئون بالسحرة المهرة؛ ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾.
وقال هنا: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ طالبين منه الجزاء إن غلبوا، فقالوا: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾؟ فقال فرعون: ﴿نَعَمْ﴾ لكم أجر، ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فوعدهم الأجر والتقريب، وعُلُوّ المنزلة عنده؛ ليجتهدوا ويبذُلوا وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى، فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم، ﴿قَالُوا﴾ على وجه التألّي وعدم المبالاة بما جاء به
стр. 149
موسى: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ ما معك، ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾، فقال موسى: ﴿أَلْقُوا﴾ لأجل أن يرى الناس ما معهم وما مع موسى، ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيَّهم إذا هي مِنْ سِحْرِهم كأنها حياتٌ تسعى، فسحروا ﴿أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ لم يوجد له نظير من السحر، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها، ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ حيَّةٌ تسعى، فتلقف جميع ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: يُكذِّبون به ويُموِّهون، ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾، أي: تبيَّنَ، وظهر واستعلن في ذلك المجمع، ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾، أي: في ذلك المقام، ﴿وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾، أي: حقيرين قد اضمحلَّ باطلهم، وتلاشى سِحْرُهم، ولم يحصُل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله، وأعظم مَنْ تبيَّن له الحقُّ العظيم أهل الصنف والسحر، الذين يعرفون من أنواع السحر وجزئياته ما لا يعرفه غيرهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله، لا يدان لأحد بها، فأُلقي ﴿السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، أي: وصدَّقنا بما بُعِثَ به موسى من الآيات البينات، فقال لهم ﴿فِرْعَوْنُ﴾ متهدِّدًا على الإيمان: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، كان الخبيث حاكمًا مستبدًّا على الأبدان والأقوال، قد تقرَّر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع، وأمره نافذٌ فيهم، ولا خروج لأحدٍ عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحطُّ الأمم وتضعف عقولها ونفوذها، وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، وقال هنا: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، أي: فهذا سوءُ أدبٍ منكم وتجرُّؤٌ عليَّ، ثم موَّه على قومه، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾، أي: إن موسى كبيركم الذي علَّمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلبوا له فيظهر فتتبعونه، ثم يتَّبعكم الناس أو جمهورهم، فتُخْرِجوا منها أهلها، وهذا كذب يعلم هو ومَن سبر الأحوال أن موسى ﵊ لم يجتمع بأحدٍ منهم، وأنهم
стр. 150
جُمِعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهيَّة، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى، حتى عجزوا، وتبيَّن لهم الحق، فاتبعوه، ثم توعَّدهم فرعون بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما أحلَّ بكم من العقوبة.
﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِنْ خِلَافٍ﴾ زعم الخبيثُ أنَّهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يصنع بالمفسدين؛ من تقطيع الأيدي والأرجل من خلافٍ، أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى، ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ في جذوع النخل؛ لتُخْتَزُوا (١) بزعمه ﴿أَجْمَعِينَ﴾، أي: لا أفعل هذا الفعل بأحدٍ دون أحدٍ، بل كلُّكم سيذوق هذا العذاب. فقال السحرة الذين آمنوا لفرعون حين تهدَّدهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾، أي: فلا نبالي بعقوبتك؛ فالله خير وأبقى، فاقض ما أنت قاضٍ، ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾، أي: وما تعيب منَّا على إنكارك علينا وتوعُّدك لنا، فليس لنا ذنبٌ ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾، فإن كان هذا ذنبًا يُعاب عليه، ويستحق صاحبه العقوبة، فهو ذنبنا، ثم دعوا الله أن يثبتهم ويصبرهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ﴾، أي: أفِضْ ﴿عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، أي: عظيمًا، كما يدلُّ عليه التنكير؛ لأنَّ هذه محنة عظيمة، تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير؛ ليثبت الفؤاد، ويطمئن المؤمن على إيمانه، ويزول عنه الانزعاج الكثير، ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾، أي: منقادين لأمرك، متبعين لرسولك، والظاهر أنه أوقع بهم ما توعدهم عليه، وأنَّ الله تعالى ثبّتهم على الإيمان.
هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتَّبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله، وجحدوا بها ظلمًا وعُلُوًّا، وقالوا لفرعون مهيِّجين له على الإيقاع بموسى، وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، التي هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد، ولكنَّ الظالمين لا يبالون بما يقولون،
стр. 151
﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك، فقال فرعونُ مجيبًا لهم بأنه سَيَدَعُ بني إسرائيل مع موسى بحالةٍ لا يَنْمُون فيها، ويأمنُ فرعون وقومه بزعمه من ضررهم: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، أي: نستبقيهنَّ فلا نقتلهنَّ، فإذا فعلنا ذلك أمِنَّا من كثرتهم، وكنَّا مستخدمين لباقيهم، ومسخِّرين لهم على ما نشاء من الأعمال، ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ لا خروج لهم عن حكمنا ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون والعتو والقسوة.
فقال ﴿مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ موصيًا لهم - في هذه الحالة التي لا يقدرون معها على شيء ولا مقاومة - بالمقاومة الإلهية، والاستعانة الربانية: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾، أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم، ودفع ما يضرُّكم، وثقوا بالله أنه سيتمُّ أمركم، ﴿وَاصْبِرُوا﴾، أي: الزموا الصبر على ما يحلُّ بكم، منتظرين للفرج، ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكموا فيها، ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتقين؛ فإنَّهم وإن امتحنوا مدةً ابتلاءً من الله وحكمة فإنَّ النصر لهم، ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ الحميدة لهم على قومهم، وهذه وظيفة العبد؛ أنَّه عند القدرة أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير ما يقدر عليه، وعند العجز أن يصبر ويستعين الله، وينتظر الفرج، ﴿قَالُوا﴾ لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون وأذيَّته: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾، فإنهم يسوموننا سوء العذاب، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ كذلك، فقال لهم موسى مرجيًا لهم الفرج والخلاص من شرِّهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها، ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، هل تشكرون أم تكفرون، وهذا وعدٌ أنجزه الله لما جاء الوقت الذي أراده الله.
стр. 152
قال الله تعالى في بيان ما عامَلَ به آلَ فرعون في هذه المدة الأخيرة: إنها على عادته وسنته في الأمم ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ الآيات: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾، أي: بالدهور والجدب، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، أي: يتعظون أنَّ ما حلَّ بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم، لعلهم يرجعون عن كفرهم، فلم ينجع فيهم ولا أفاد، بل استمروا على الظُّلم والفساد، ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾، أي: الخصب وإدرار الرزق، ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾، أي: نحن مستحقون لها، فلم يشكروا الله عليها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، أي: قحط وجدب، ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾، أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى، واتباع بني إسرائيل له.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي: بقضائه وقدره، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: فلذلك قالوا ما قالوا.
﴿وَقَالُوا﴾ مبينين لموسى أنهم لا يزالون ولا يَزُولُون عن باطلهم: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قد تقرر عندنا أنك ساحر؛ فمهما جئت بآية جزمنا أنها سحرٌ، فلا نؤمن لك ولا نصدّق، وهذا غاية ما يكون من العناد، أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات، سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾، أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضرَّ بهم ضررًا كثيرًا، ﴿وَالْجَرَادَ﴾، فأكل ثمارهم وزروعهم ونباتهم، ﴿وَالْقُمَّلَ﴾، قيل: إنه الدُّباء، أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف، ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾، فملأت أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذيّةً شديدةً، ﴿وَالدَّمَ﴾ إما أن يكون الرُّعاف، أو كما قال كثير من المفسرين: إنَّ ماءهم الذي يشربون انقلب دمًا، فكانوا لا يشربون إلا دمًا، ولا يطبخون إلا بدم، ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾، أي: أدلَّة
стр. 153
وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى حقٌّ وصدقٌ، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ لما رأوا الآيات، ﴿وَكَانُوا﴾ في سابق أمرهم ﴿قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾، فلذلك عاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم على الغي والضلال.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾، أي: العذاب، يحتمل أنَّ المراد به: الطاعون، كما قاله كثير من المفسرين، ويحتمل أن يُراد به ما تقدَّم من الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها رجزٌ وعذابٌ، وإنهم كلَّما أصابهم واحد منها؛ ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾، أي: تشفَّعوا بموسى بما عهد الله عنده من الوحي والشرع، ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وهم في ذلك كَذَبَةٌ، لا قصدَ لهم إلا زوال ما حلَّ بهم من العذاب، وظنُّوا إذا رُفع لا يصيبهم غيره، ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾، أي: إلى مدة قدَّر الله بقاءهم إليها، وليس كشفًا مؤبدًا، وإنما هو مؤقت، ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ العهد الذي عاهدوا عليه موسى، ووعدوه بالإيمان به، وإرسال بني إسرائيل؛ فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمرُّوا على كفرهم يعمهون، وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.
﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٤ - ٨٩].
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ موصيًا لقومه بالصبر، ومذكّرًا لهم ما يستعينون به على ذلك، فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ فقوموا بوظيفة الإيمان، وعلى الله
стр. 154
﴿تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾، أي: اعتمدوا عليه، والجؤوا إليه واستنصروه، ﴿فَقَالُوا﴾ ممتثلين لذلك: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا تسلِّطهم علينا فيفتنُونا، أو يغلبُونا، فيفتتنون بذلك، ويقولون: لو كانوا على حقّ لما غُلبوا، ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ لنسلَم من شرّهم، ولنقيم على ديننا على وجهٍ نتمكَّن به من إقامة شرائعه، وإظهاره من غير معارض ولا منازع، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾ حين اشتدَّ الأمر على قومهما من فرعون وقومه، وحرصوا على فتنتهم عن دينهم، ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾، أي: مُرُوهم أن يجعلوا لهم بيوتًا يتمكَّنون من الاستخفاء فيها، ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، أي: اجعلوها محلًّا تُصَلُّون فيها حيث عجزتم عن إقامة الصلاة في الكنائس، والبيَع العامة، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فإنها معونةٌ على جميع الأمور، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصر والتأييد، وإظهار دينهم؛ فإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا، وحين اشتدَّ الكرب، وضاق الأمر؛ فرَّجه الله ووسّعه، فلما رأى موسى القسوة والإعراض من فرعون ومَلَئِه دعا عليهم وأمَّن هارونُ على دعائه، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ يتزينون بها من أنواع الحليِّ والثياب، والبيوت المزخرفة، والمراكب الفاخرة، والخدام، ﴿وَأَمْوَالًا﴾ عظيمةً ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾، أي: إن أموالهم لم يستعينوا بها إلا على الإضلال في سبيلك، فيضِلُّون ويُضِلُّون، ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾، أي: أتلفها عليهم؛ إما بالهلاك، وإما بجَعْلِها حجارةً غير منتفع بها، ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، أي: قَسِّها، ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قال ذلك غضبًا عليهم، حيث تجرؤوا على محارم الله، وأفسدوا عباد الله، وصدُّوا عن سبيله، ولكمال معرفته بربّه بأنَّ الله سيعاقبهم على ما فعلوا بإغلاق باب الإيمان عليهم، ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾، هذا دليلٌ على أن موسى كان يدعو، وهارون يؤمِّن على دعائه، وأن الذي يؤمِّن
стр. 155
يكون شريكًا للداعي في ذلك الدعاء، ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ على دينكما، واستمرَّا على دعوتكما، ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا تتبعان سبيل الجهال الضُّلَّال، المنحرفين عن الصراط المستقيم، المتَّبعين لطرق الجحيم.
﴿* وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ* إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُم مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٢ - ٦٦].
فلما يئس موسى من إيمانهم، وحقَّت عليهم كلمةُ العذاب، وآن لبني إسرائيل أن ينجيهم من أَسْرِهم، ويمكِّن لهم في الأرض؛ أوحى الله إلى موسى: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾، أي: اخرج ببني إسرائيل أول الليل؛ ليتمادَوْا ويتمهّلوا في ذهابهم، ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾، أي: سيتبعكم فرعون وجنوده، ووقع كما أخبر؛ فإنهم لما أصبحوا وإذا بنو إسرائيل قد سَرَوْا كلهم مع موسى. ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ يجمعون الناس؛ ليُوقع ببني إسرائيل، ويقولُ مشجعًا لقومه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾، أي: بني إسرائيل ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾، فنريد أن ننفذ غيظنا في هؤلاء العبيد، الذين أَبْقَوْا منَّا، ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾، أي: الحذر على الجميع منهم، وهم أعداء للجميع، والمصلحة مشتركة، فخرج فرعون وجنوده في جيش عظيم، ونفيرٍ عامّ، لم يتخلَّف منهم سوى أهل الأعذار الذين منعهم العجزُ.
قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُم مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: بساتين مصر وجنانها الفائقة، وعيونها المتدفِّقة، وزروع قد ملأت أراضيهم، وعمرت بها حاضرتهم
стр. 156
وبواديهم، ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ يُعجِبُ الناظرين، ويُلهي المتأمِّلين؛ تمتَّعوا به دهرًا طويلًا، وقضوا بلذَّاته وشهواته عمرًا مديدًا على الكفر والفساد، والتكبُّر على العباد والتيه العظيم، ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: هذه البساتين والعيون، والزّروع، والمقام الكريم، ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الذين جعلوهم من قَبْلُ عبيدَهم، وسُخِّروا في أعمالهم الشاقة، فسبحان مَنْ يؤتي الملك مَنْ يشاء، وينزِعُه عمَّن يشاء، ويُعزُّ من يشاء بطاعته، ويذلُّ من يشاء بمعصيته.
﴿فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ﴾، أي: اتَّبع قومُ فرعون قومَ موسى وقت شُرُوقِ الشمس، وساقوا خلفهم مُحثِّين على غَيْظٍ وحنق قادرين، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى كلُّ منهما صاحبه، ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى﴾ شاكين لموسى وحزِنين: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فقال موسى مُثبِّتًا لهم، ومُخبِرًا لهم بوعدِ ربِّه الصادق: ﴿كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتُم أنَّكم مُدركون، ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ لما فيه نجاتي ونجاتكم، ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فضربه، ﴿فَانفَلَقَ﴾ اثني عشر طريقًا، ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّودِ﴾، أي: الجبل ﴿الْعَظِيمِ﴾، فدخله موسى وقومه، ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ﴾ في ذلك المكان ﴿الْآخَرِينَ﴾، أي: فرعون وقومه، قرَّبناهم، وأدخلناهم في ذلك الطريق الذي سلك منه موسى وقومه، ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ استكملوا خارجين، لم يتخلَّف منهم أحَدٌ، ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ لم يتخلَّف منهم عن الغرق أحَدٌ.
﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩٢].
حتى إذا أدرك فرعونُ الغرقَ، وجزم بهلاكه؛ ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾، وهو الله الإله الحقُّ الذي لا إله إلا هو، ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾،
стр. 157
أي: المنقادين لدين الله، ولما جاء به موسى، قال الله تعالى مبينا أن هذا الإيمان في هذه الحالة غير نافع له: ﴿آلْآنَ﴾ تؤمن، وتقر برسول الله، ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾، أي: بارزت بالمعاصي والكفر والتكذيب، ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فلا ينفعك الإيمان كما جرت عادة الله أن الكفار إذا وصلوا إلى هذه الحالة الاضطرارية أنه لا ينفعهم إيمانهم؛ لأن إيمانهم صار إيمانا مشاهدا؛ كإيمان من ورد القيامة، والذي ينفع إنما هو الإيمان بالغيب، ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما في قلوبهم من الرعب العظيم من فرعون كأنهم لم يصدقوا بإغراقه، وشكوا في ذلك، فأمر الله البحر أن يلقيه على نجوة (١) مرتفعة ببدنه؛ ليكون لهم عبرة وآية، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾، فلذلك تمر عليهم وتتكرر فلا ينتفعون بها؛ لعدم إقبالهم عليها، وأما من له عقل وقلب حاضر فإنه يرى من آيات الله ما هو أكبر دليل على صحة ما أخبرت به الرسل.
стр. 158
فوائد من هذه القصة
فمنها: أنَّ آياتِ الله تعالى وعِبَرَه وأيامَه في الأمم السابقة إنَّما يستفيدُ بها ويستنيرُ المؤمنون؛ فعلى حسب إيمان العبد تكون عِبْرَتُه، وإنَّ الله تعالى إنَّما يسوقُ القصص لأجلهم؛ كما قال اللهُ تعالى في هذه القصة: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وأما غيرُهم فلا يعبأ الله بهم، وليس لهم منها نورٌ وهدى.
ومنها: أنَّ الله تعالى إذا أراد أمرًا هيَّأ أسبابه، وأتى بها شيئًا فشيئًا بالتدريج، لا دفعة واحدة.
ومنها: أنَّ الأمة المستضعفة - ولو بلغت في الضعف ما بلغت - لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسلُ عن طلبِ حقِّها، ولا الإياسُ من ارتقائها إلى أعلى الأمور، خصوصًا إذا كانوا مظلومين؛ كما استنقذ الله أمة بني إسرائيل الأمة الضعيفة من أَسْر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم.
ومنها: أنَّ الأمة ما دامت ذليلةً مقهورةً لا تأخُذُ حقَّها ولا تتكلَّم به لا يقوم لها أمرُ دينها ولا دُنياها، ولا يكون لها إمامةٌ فيه.
ومنها: لطف الله بأُمِّ موسى بذلك الإلهام الذي به سَلِمَ ابنها، ثم تلك البشارة من الله لها بردِّه إليها، التي لولاها لقضى عليها الحزن على ولدها، ثم ردَّهُ إليها بإلجائه إليها قدَرًا بتحريم المراضع عليه، وبذلك يُعْلَم أن ألطاف الله على أوليائه لا تتصوَّرها العقول، ولا تعبِّر عنها العبارات، وتأمَّل موقع هذه البشارة، وأنه أتاها ابنها تُرْضِعه جهرًا، وتأخذُ عليه أجرًا، وتسمى أمه شرعًا وقدَرًا، وبذلك اطمأنَّ قلبها، وازداد إيمانها، وفي هذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦]،
стр. 159
فلا أكره لأم موسى من وقوع ابنها بيد آل فرعون، ومع ذلك ظهرت عواقبه الحميدة، وآثاره الطيبة.
ومنها: أنَّ الله يُقدِّرُ على عبده بعضَ المشاقِّ؛ ليُنيلَه سرورًا أعظم من ذلك، أو يدفعَ عنه شرًّا أكثر منه، كما قدَّر على أمِّ موسى ذلك الحزن الشديد، والهمَّ البليغ الذي هو وسيلةٌ إلى أن يصِلَ إليها ابنُها على وجهٍ تطمئنُّ به نفسُها، وتَقَرُّ به عينُها، وتزداد به غبطةً وسرورًا.
ومنها: أنَّ الخوف الطبيعيَّ من الخلق لا يُنافي الإيمان ولا يُزيلُه؛ كما جرى لأمِّ موسى ولموسى من تلك المخاوف.
ومنها: أنَّ الإيمان يزيد وينقص؛ لقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأنَّ من أعظم ما يزيدُ به الإيمان، ويتمُّ به اليقينُ: الصبرُ عند المزعجات، والتثبيت من الله عند المقلقات، كما قال تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ليزداد إيمانُها بذلك ويطمئنَّ قلبُها.
ومنها: أنَّ من أعظم نِعَم الله على عبده، وأعظم معونةٍ للعبد على أموره؛ تثبيتُ الله إيَّاه، ورَبْطُ جأشِهِ وقلبه عند المخاوف، وعند الأمور المذهلة؛ فإنَّه بذلك يتمكَّن من القول الصواب، والفعل الصواب؛ بخلاف من استمرَّ قلقهُ ورَوْعُه وانزعاجه؛ فإنَّه يضيع فِكْرُه، ويذهل عقله؛ فلا ينتفعُ بنفسه في تلك الحال.
ومنها: أنَّ العبد ولو عرف أنَّ القضاء والقدر حق، ووَعْد الله نافذٌ لا بدَّ منه؛ فإنَّه لا يهمل فِعْلَ الأسباب التي أُمِرَ بها، فإن الأسباب والسعي فيها من قَدَر الله، ولا يكون ذلك منافيًا لإيمانه بخبر الله؛ فإنَّ الله قد وعد أمَّ موسى أن يردَّه عليها، ومع ذلك اجتهدت على ردِّه لما التقطه آل فرعون، وأرسلت أخته لتقُصَّه وتطلُبَه.
стр. 160
ومنها: جواز خروج المرأة في حوائجها، وتكليمها للرجال، من غير محذور، كما جرى لأخت موسى وابنتي صاحب مدينَ.
ومنها: جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع، والدلالة على مَنْ يفعلُ ذلك، كما فعلت أم موسى، فإن شَرْعَ مَنْ قبلنا شرع لنا ما لم يَرِد من شرعنا ما ينسخه.
ومنها: أنَّ الله من رحمته بعبده الضعيف الذي يريد إكرامه أنه يُريه من آياته، ويُشهده من بيناته، ما يزيدُ به إيمانه، كما ردَّ الله موسى على أمِّه؛ لتعلمَ أنَّ وعد الله حقٌّ.
ومنها: أنَّ قَتْل الكافر الذي له عهدٌ بعقدٍ أو عُرفٍ لا يجوزُ؛ فإنَّ موسى ﵇ عدَّ قتله القبطيَّ الكافر ذنبًا، واستغفر الله منه وتاب إليه.
ومنها: أنَّ الذي يقتلُ النفوس بغير حقٍّ يُعَدُّ من الجبارين الذين يفسدون في الأرض.
ومنها: أنَّ مَنْ قتل النفوس بغير حقّ، وزعم أنَّه يريد الإصلاح في الأرض، وتهيب أهل المعاصي؛ فإنَّه كاذبٌ في ذلك، وهو مفسدٌ؛ كما حكى الله قولَ القبطيِّ: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ على وجه التقرير له، لا الإنكار.
ومنها: أنَّ إخبارَ الرجلِ غيرَه بما قيل فيه وعنه على وجه التحذير له من شرٍّ يقع فيه؛ لا يكونُ ذلك نميمةً، بل قد يكونُ واجبًا، كما ساق الله خبر ذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى محذرًا لموسى على وجه الثناء عليه.
ومنها: أنَّه إذا خاف القتل والتَّلَف في إقامته في موضع؛ فإنَّه لا يُلْقي بيده إلى التَّهلكة، ولا يستسلم للهلاك، بل يَفِرُّ من ذلك الموضع مع القدرة كما فعل موسى.
стр. 161
ومنها: أنَّه عند تزاحُم المفسدتين إذا كان لا بدَّ من ارتكاب إحداهما فإنَّه يرتكبُ الأخفَّ منهما والأسلم؛ دفعًا لما هو أعظم وأكبر، فإنَّ موسى لما دار الأمرُ بين بقائه في مصر ولكنَّه يُقتل، أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة التي لا يعرِفُ الطريق إليها، وليس معه دليلٌ يدلُّه غير ربِّه، ولكن هذه الحالة أرجى للسلامة من الأولى، فتَبِعَها موسى.
ومنها: أنَّ الناظر في العلم عند الحاجة إلى العمل أو التكلُّم فيه إذا لم يترجَّح عنده أحدُ القولين؛ فإنَّه يستهدي ربَّه، ويسأله أن يهدِيَه الصواب من القولين، بعد أن يقصدَ بقلبه الحقَّ ويبحث عنه؛ فإنَّ الله لا يُخيِّب مَنْ هذه حاله؛ كما جرى لموسى لما قصد تلقاء مدينَ، ولا يدري الطريق المُعين إليها، قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، وقد هداه الله، وأعطاه ما رجاه وتمنَّاه.
ومنها: أنَّ الرحمة بالخَلْق، والإحسان على من يعرِفُ ومن لا يعرِفُ؛ من أخلاق الأنبياء، وأنَّ من جملة الإحسان الإعانة على سَقْي الماشية، وخصوصًا إعانة العاجز، كما فعل موسى مع ابنتي صاحب مدين حين سقى لهما لَمَّا رآهما عاجزتَيْن عن سَقْي ماشيتهما قبل صدور الرعاة.
ومنها: استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها، ولو كان الله عالمًا بها؛ لأنَّه تعالى يحبُّ تضرُّع عبده، وإظهار ذُلِّه ومسكنته؛ كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
ومنها: أنَّ الله كما يحبُّ من الداعي أن يتوسَّلَ إليه بأسمائه وصفاته، ونِعَمِه العامة والخاصة، فإنَّه يحبُّ منه أن يتوسَّل إليه بضعفه وعجزه وفقره، وعدم قدرته على تحصيل مصالحه، ودفع الأضرار عن نفسه؛ كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾؛ لما في ذلك من إظهار التضرع والمسكنة، والافتقار لله الذي هو حقيقة كل عبد.
стр. 162
ومنها: أنَّ الحياء - خصوصًا من الكرام - من الأخلاق الممدوحة.
ومنها: المكافأة على الإحسان لم يَزَل دأب الأمم الصالحين.
ومنها: أنَّ العبد إذا فعل العمل لله تعالى، ثم حصل له مكافأةٌ عليه من غير قصدٍ بالقصد الأول؛ فإنَّه لا يُلام على ذلك، ولا يخلُّ بإخلاصه وأجره؛ كما قَبِل موسى مجازاة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يبتغ له، ولم يستشرفْ بقلبه على عوض.
ومنها: مشروعيَّة الإجارة، وأنَّها تجوز على رعاية الغنم ونحوها، مما لا يُقدَّر به العمل، وإنَّما مرده العرف.
ومنها: أنَّه تجوز الإجارة بالمنفعة، ولو كانت المنفعة بُضْعًا؛ كما قال صاحب مدين: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية.
ومنها: أنَّ خطبة الرجل لابنته الرجل الذي يتخيَّره لا يلام عليه، بل قد يكون نفعًا وكمالًا؛ كما فعل صاحب مدين مع موسى.
ومنها: قوله: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، هذان الوصفان بهما تمام الأعمال كلها، فكل عمل من الولايات، أو من الخدمات، أو من الصناعات، أو من الأعمال التي القصد منها الحفظ والمراقبة على العمال والأعمال إذا جمع الإنسان الوصفين؛ أن يكون قويًّا على ذلك العمل بحسب أحوال الأعمال، وأن يكون مؤتمنًا عليه، تمَّ ذلك العمل وحصل مقصوده وثمرته، والخلل والنقص سببه الإخلال بهما أو بأحدهما.
ومنها: من أعظم مكارم الأخلاق تحسين الخُلُق مع كل مَنْ يتَّصل بك من خادم وأجير وزوجة وولد ومعامل وغيرهم، ومن ذلك تخفيف العمل عن العامل؛ لقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾،
стр. 163
وفيه أنه لا بأس أن يرغب المعامل في معاملته بالمعاوضات والإجارات؛ بأن يصف نفسه بحُسن المعاملة بشرط أن يكون صادقًا في ذلك.
ومنها: جواز عقد المعاملات؛ من إجارة وغيرها بغير إشهاد؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، وتقدم أن الإشهاد به تنحفظ الحقوق، وتقل المنازعات، والناس في هذا الموضع درجات متفاوتة، وكذلك الحقوق.
ومنها: الآيات البينات التي أيد الله بها موسى من انقلاب عصاه التي كان يعرفها: ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، ثم عَوْدِها سيرتها الأولى، وأن يده إذا أدخلها في جيبه ثم أخرجها صارت بيضاء من غير سوء للناظرين، ومن عصمة الله وحمايته لموسى وهارون من فرعون ومَلَئه، ومن انفلاق البحر لَمَّا ضربه موسى بعصاه فصار اثني عشر طريقًا، وسلكه هؤلاء فنجوا، وقوم فرعون فهلكوا، وغير ذلك من الآيات المتتابعات التي هي براهين وآيات لمن رآها وشاهدها، وبراهين لمن سمعها، فإنَّها نقلتها معظم مصادر اليقين؛ الكتب السماوية، ونقلتها القرونُ كلُّها، ولم ينكر مثل هذه الآياتِ إلا جاهلٌ مكابرٌ زنديقٌ، وجميعُ آياتِ الأنبياءِ بهذه المثابةِ.
ومنها: أن آيات الأنبياء، وكرامات الأولياء، وما يخرقه الله من الآيات، ومن تغيير الأسباب، أو منع سببيتها، أو احتياجها إلى أسباب أُخَر، أو وجود موانع تعوقها؛ هي من البراهين العظيمة على وحدانية الله، وأنه على كل شيء قدير، وأن أقدار الله لا يخرج عنها حادث جليل ولا حقير، وأن هذه المعجزات والكرامات والتغييرات لا تنافي ما جعل الله في هذه المخلوقات من الأسباب المحسوسة، والنظامات المعهودة، وإنك لا تجد لسُنَّة الله تبديلًا ولا تحويلًا؛ فإنَّ سنن الله في جميع الحوادث السابقة واللاحقة قسمان:
أحدهما: وهو جمهور الحوادث والكائنات، والأحكام الشرعية والقدرية، وأحكام الجزاء لا تتغير، ولا تتبدل عما يعهده الناس، ويعرفون أسبابه، وهذا القسم أيضًا مندرج في قدرة الله وقضائه، ويُستفاد من هذا العلم بكمال حكمة
стр. 164
الله في خلقه وشرعه، وأن الأسباب والمسببات مَنْ سَلَكَ طرقها على وجه كامل أفضت به إلى نتائجها وثمراتها؛ ومن لم يسلكها أو سلكها على وجه ناقص لم يحصل له الثمرات التي رُتِّبت على الأعمال شرعًا ولا قدرًا، وهذه توجب للعبد أن يَجِدَّ ويجتهد في الأسباب الدينية والدنيوية النافعة مع استعانته بالله، والثناء على ربه في تيسيرها، وتيسير أسبابها وآلاتها، وكل ما تتوقف عليه.
والقسم الثاني: حوادث معجزات الأنبياء التي تواترت تواترًا لا يتواتر مثله في جميع الأخبار، وتناقلتها القرونُ كلُّها، وكذلك ما يكرمُ الله به عباده من إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، وحصول المطالب المتنوعة، ودَفْع المكاره التي لا قدرة للعبد على دفعها، والفتوحات الربانية، والإلهامات الإلهية، والأنوار التي يقذفها الله في قلوب خواصِّ خَلْقِه، فيحصل لهم بذلك من اليقين والطمأنينة والعلوم المتنوعة ما لا يُدْرَك بمجرَّد الطلب وفعل السبب، ومنْ نصره للرسل وأتباعهم، وخذلانه لأعدائهم، وهو مشاهَد في كثير من الأوقات.
فهذا القسم ليس عند الخلق اهتداء إلى أسباب هذه الحوادث، ولا جُعِلَ لهم في الأصل وصولٌ إلى حقيقتها وكنهها، وإنما هي حوادث قدَّرها الربُّ العظيمُ الذي هو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، بأسبابٍ وحكمٍ وسننٍ لا يعقلها الخَلْقُ، ولا لحواسهم وتجاربهم وصول إليها بوجه من الوجوه، وبها آمن الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأتباعهم الأوَّلون منهم والآخرون، وبها يعرف عظمة الباري، وأنَّ نواصي العباد بيده، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأْ لم يكنْ، ويعرف بذلك صحة ما جاءت به الرسل، كما يعرف أيضًا بالقسم الأول.
وكما أنه لا سبيل إلى العباد في هذه الدار إلى إدراك كُنْه صفات اليوم الآخر، وكُنْه ما في الجنة والنار، وإنما يعلمون منها ما علمتهم به الرسل، ونزلت به الكتب، ولا سبيل إلى أهل هذا الكون الأرضي للوصول إلى العالم
стр. 165
السماوي، ولا سبيل لهم إلى إحياء الموتى، وإيجاد الأرواح في الجمادات، فكذلك هذا النوع العظيم من حوادث الكون.
وإنما أطَلْنا الكلام على هذه المسألة، وإن كانت تستحق من البسط أكثر من هذا؛ لأمرين:
أحدهما: أن الزنادقة المتأخرين الذين أنكروا وجود الباري، وأنكروا جميع ما أخبرت به الرسل، والكتبُ السماوية من أمور الغيب، ولم يُثبتوا من العلوم إلا ما وصلت إليه حواسهم وتجاربُهم القاصرة على بعض علوم الكون، وأنكروا ما سوى ذلك، وزعموا أن هذا العالم وهذا النظام الموجود فيه لا يمكن أن يغيّره مُغيّر، أو يغير شيئًا من أسبابه، وأنه وُجد صدفة من غير إيجاد مُوجِد، وأنه آلة تمشي بنفسها وطبيعتها، ليس لها مُدَبّر، ولا رب ولا خالق، وهؤلاء جميع أهل الأديان يعرفون مكابرتهم ومباهتتهم؛ لأنهم كما عدموا الدين بالكلية فقد اختلّت عقولهم الحقيقة؛ إذ أنكروا أجلى الحقائق وأوضحها، وأعظمها براهين وآيات، وتاهوا بعقولهم القاصرة وآرائهم الفاسدة، هؤلاء أمرهم معلوم، ولكن. . .
الأمر الثاني: أن بعض أهل العلم العصريين الذين يتظاهرون بنصر الإسلام، والدخول مع هؤلاء الزنادقة في الجدال عنه، يريدون باجتهادهم، أو اغترارهم أن يُطبّقوا السنن الإلهية وأمور الآخرة؛ على ما يعرفه العباد بحواسّهم، ويدركونه بتجاربهم، فحرّفوا لذلك المعجزات، وأنكروا الآيات البينات، ولم يستفيدوا إلا الضرر على أنفسهم، وعلى من قرأ كتاباتهم في هذه المباحث؛ إذ ضعف إيمانهم بالله بتحريفهم لمعجزات الأنبياء تحريفًا يؤول إلى إنكارها، وإنكارهم هذا النوع العظيم من قضاء الله وقدره، وضعف إيمان مَنْ وقف على كلامهم ممن ليست له بصيرة، ولا عنده من العلوم الدينية ما يُبطل هذا النوع، ولم يحصل ما زعموه من جلب الماديين إلى الهدى والدين، بل زادوهم إغراءً في مذاهبهم؛ لما رأوا أمثال هؤلاء يحاولون
стр. 166
إرجاعُ النصوص الدينية، ومعجزات الأنبياء، وأمور الغيب إلى علوم هؤلاء القاصرة على التجارب المدركات بالحواس.
فيا عِظَم المصيبة! ويا شدة الجرم المزوَّق، ولكن ضعف البصيرة والإعجاب بزنادقة الدهريين أوجب الخضوع لأقوالهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ومنها: أنَّ من أعظم العقوبات على العبد أن يكون إمامًا في الشر وداعيًا إليه، وذلك بحسب معارضته لآيات الله وبيناته، كما أنَّ من أعظم نِعَم الله على العبد أن يجعله إمامًا في الخير هاديًا مهديًا، قال تعالى في فرعون وملئه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾.
ومنها: ذكر كثير من أهل العلم أنه يُستفاد من قوله تعالى عن جواب موسى لربه لما سأله عن العصا، فقال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ الآية، استحباب استصحاب العصا؛ لما فيه من هذه المنافع المعينة والمجملة في قوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾، وأنه يُستفاد منها أيضًا الرحمة بالبهائم، والإحسان إليها، والسعي في إزالة ضررها.
ومنها: أن قوله جلَّ ذِكْره: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، أي: إن ذكر العبد لربه هو الذي خُلِق له العبد، وبه صلاحه وفلاحه، وأن المقصود من إقامة الصلاة إقامةُ هذا المقصود الأعظم، ولولا الصلاةُ التي تتكرَّرُ على المؤمنين في اليوم والليلة لتذكَّرهم بالله، ويتعاهدون فيها قراءة القرآن، والثناء على الله، ودعائه والخضوع له الذي هو روح الذِّكْر، لولا هذه النعمة لكانوا من الغافلين.
وكما أن الذِّكْرَ هو الذي خُلِقَ الخَلْقُ لأجله، والعبادات كلها ذكر الله، فكذلك الذِّكر يُعين العبد على القيام بالطاعات وإن شَقَّت، ويُهَوِّن عليه الوقوف بين يدي الجبابرة، ويخفِّف عليه الدعوة إلى الله، قال تعالى في هذه القصة: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، وقال: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
стр. 167
ومنها: إحسان موسى ﵇ على أخيه هارون؛ إذ طلب من ربه أن يكونَ نبيًّا معه، وطلب المعاونةَ على الخير والمساعدة عليه؛ إذ قال: ﴿وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾، الآيات.
ومنها: أن الفصاحة والبيان مما يعين على التعليم، وعلى إقامة الدعوة، لهذا طلب موسى من ربه أن يَحلُّ عقدةً من لسانه؛ ليفقهوا قوله، وأن اللثغة لا عيبَ فيها إذا حصل الفهم للكلام، ومن كمال أدب موسى مع ربه أنه لم يسأل زوالَ اللثغة كلها؛ بل سأل إزالة ما يحصل به المقصود.
ومنها: أن الذي ينبغي في مخاطبة الملوك والرؤساء ودعوتهم وموعظتهم: الرفق، والكلام اللين الذي يحصل به الإفهام بلا تشويش، ولا غلظة، وهذا يُحتاج إليه في كل مقام، لكن هذا أهم المواضع، وذلك لأنه الذي يحصل به الغرض المقصود، وهو قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.
ومنها: أن مَنْ كان في طاعة الله، مستعينًا بالله، واثقًا بوعد الله، راجيًا ثواب الله، فإن الله معه، ومن كان الله معه فلا خوف عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافَا﴾، ثم علّله بقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، وقال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
ومنها: أن أسباب العذاب منحصرةٌ في هذين الوصفين: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، أي: كذَّب خبر الله، وخبر رُسُله، وتولى عن طاعة الله وطاعة رسله، ونظيرها قوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.
ومنها: أن قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ استوعب الله بها الأسباب التي تُدركُ بها مغفرةُ الله:
أحدها: التوبة، وهو الرجوع عمّا يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يُحبُّه الله ظاهرًا وباطنًا، وهي تَجُبُّ ما قبلها من الذنوب صغارها وكبارها.
стр. 168
الثاني: الإيمان، وهو الإقرار والتصديق الجازم العام بكل ما أخبر الله به ورسوله، الموجب لأعمال القلوب، ثم تتبعها أعمال الجوارح، ولا ريب أن ما في القلب من الإيمان بالله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر الذي لا ريب فيه؛ أصل الطاعات وأكبرها وأساسها، ولا ريب أنه بحسب قوته يدفع السيئات، يدفع ما لم يقع، فيمنع صاحبه من وقوعه، ويدفع ما وقع بالإتيان بما ينافيه، وعدم إصرار القلب عليه، فإن المؤمن ما في قلبه من الإيمان ونوره لا يجامع المعاصي.
الثالث: العمل الصالح، وهذا شامل لأعمال القلوب، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان، والحسنات يذهبن السيئات.
الرابع: الاستمرار على الإيمان والهداية والازدياد منها.
فمن كَمَّلَ هذه الأسباب الأربعة فَلْيُبْشِر بمغفرة الله العامة الشاملة؛ ولهذا أتى فيه بوصف المبالغة، فقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾.
ومنها: ما فيها من الدلالة على رسالة محمد ﷺ ؛ حيث أخبر بذلك تفصيلًا مطابقًا، وتأصيلًا موافقًا قصَّه قصًّا، صدَّق به المرسلين، وأيَّد به الحقَّ المبين، من غير حضور شيء من تلك الوقائع، ولا مشاهدةٍ لموضعٍ واحدٍ من تلك المواضع، ولا تلاوةِ دَرَسَ فيها شيئًا من هذه الأمور، ولا مجالسةِ أحدٍ من أهل العلم، إنْ هو إلا رسالةُ الرحمن الرحيم، ووحيٌ أنزله عليه الكريمُ المنان؛ لينذرَ به قومًا جاهلين، وعن النُّذُرِ والرسل غافلين؛ فصلوات الله وسلامُه على مَنْ مجرَّدُ خبره ينبئ أنه رسولُ الله، ومجردُ أمره ونهيه يُنَبِّهُ العقول النيرة أنَّه من عند الله؛ كيف وقد تطابق على صحة ما جاء به، وصدَّقه خبرُ الأولين والآخرين، والشرعُ الذي جاء به من ربِّ العالمين، وما جُبِلَ عليه من الأخلاق الفاضلة التي لا تناسب، ولا تصلح إلا لأعلى الخلق درجةً،
стр. 169
والنصر المبين لدينه وأُمَّتِه، حتى بلغ دينه مبلغ الليل والنهار، وفتحت أُمَّتُه معظم بلدان الأمصار، بالسيف والسنان، وقلوبهم بالعلم والإيمان، ولم تَزَلِ الأمم المعاندة، والملوك الكَفَرَةُ المتعاضدة، ترميه بقوس واحدة، وتكيدُ له المكايد، وتمكر لإطفائه وإخفائه، وإخماده من الأرض، وهو قد بهرها وعَلاها، لا يزداد إلا نموًا، ولا آياته وبراهينه إلا ظهورًا، وكلُّ وقت من الأوقات يظهر من آياته ما هو عبرة لِلْعَالَمِينَ، وهداية لِلْعَالَمِينَ، ونورًا وبصيرة للمتوسّمين، والحمد لله وحده.
* * *
стр. 170
قصة موسى والخضر
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ [الكهف: ٦٠ - ٧١] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢].
ذلك أن موسى ﵇ قام ذات يوم في بني إسرائيل مقامًا عظيمًا، علَّمهم فيه علومًا جمَّة، وأعجب الناس بكمال علمه، فقال له قائل: يا نبي الله، هل يوجد، أو هل تعلم في الأرض أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا، بناء على ما يعرفه، وترغيبًا لهم في الأخذ عنه، فأخبره الله أن له عبدًا في مجمع البحرين عنده علوم ليست عند موسى، وإلهامات خارجة عن الطَّوْر المعهود، فاشتاق موسى إلى لقياه رغبة في الازدياد من العلم، فطلب من الله أن يأذن له في ذلك،
стр. 171
وأخبره بموضعه، فيخبر تعالى عن نبيه موسى ﵇، وشدَّة رغبته في الخير وطلب العلم، أنه قال: ﴿لِفَتَاهُ﴾، أي: خادمه الذي يلازمه في حضره وسفره، وهو «يوشع بن نون» الذي نبأه الله بعد ذلك: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾، أي: لا أزال مسافرًا وإن طالت عليَّ الشُّقَّة، ولحقتني المشقَّة، حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أُوحِي إليه أنَّك ستجد فيه عبدًا من عباد الله العالِمِين، عنده من العلم ما ليس عندك، ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ أي: مسافة طويلة، المعنى: أنَّ الشوق والرغبة حمل موسى أن قال لفتاه هذه المقالة، وهذا عزمٌ منه جازم، فلذلك أمضاه.
﴿فَلَمَّا بَلَغَا﴾ أي: هو وفتاه ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، وكان معهما حوت يتزوَّدان منه ويأكلان، وقد وُعِد أنه متى فقد الحوت فثَمَّ ذلك العبد الذي قصدته، ﴿فَاتَّخَذَ﴾ ذلك الحوت ﴿سَبِيلَهُ﴾، أي: طريقه ﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾، وهذا من الآيات، قال المفسرون: إنَّ ذلك الحوت الذي كانا يتزوَّدان منه لما وصلا إلى ذلك المكان أصابه بللُ البحر، فانسرب بإذن الله في البحر، وصار مع حيواناته حيًّا.
فلما جاوز موسى وفتاه مجمع البحرين قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾، أي: لقد تعبنا من هذا السفر المجاوز فقط، وإلا فالسفر الطويل الذي وصلا به إلى مجمع البحرين لم يجدا مَسَّ التعب فيه، وهذا من الآيات والعلامات الدالة لموسى على وجود مطلبه، وأيضًا فإنَّ الشوق المتعلق بالوصول إلى ذلك المكان سهَّل لهما الطريق، فلما تجاوزا غايتهما وجدَا مسَّ التعب، فلما قال موسى لفتاه هذه المقالة قال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾، أي: ألم تعلم حين آوانا الليل إلى تلك الصخرة المعروفة بينهما ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾؛ لأنَّه السبب في ذلك ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ، فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾، أي: لما انسرب في البحر
стр. 172
ودخل فيه؛ كان ذلك من العجائب. قال المفسرون: كان ذلك المسلك للحوت سربًا، ولموسى وفتاه عجبًا، فلما قال له الفتى هذا القول، وكان عند موسى وعدٌ من الله أنه إذا فقد الحوت وجد الخضر، فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾، أي: نطلب، ﴿فَارْتَدَّا﴾ أي: رجعَا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، أي: رجعَا يقُصَّان أثرهما إلى المكان الذي نَسِيَا فيه الحوت، فلما وصلا إليه وجدا ﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾، وهو الخضر، وكان عبدًا صالحًا، لا نبيًّا، على الصحيح. ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾، أي: أعطاه الله رحمةً خاصةً؛ بها زاد علمه وحسن عمله، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا ﴿عِلْمًا﴾، وكان قد أُعطي من العلم ما لم يُعطَ موسى، وإن كان موسى ﵇ أعلم منه بأكثر الأشياء، وخصوصًا في العلوم الإيمانية والأصولية؛ لأنه من أُولي العزم من المرسلين الذين فضّلهم الله على سائر الخلق بالعلم والعمل وغير ذلك، فلما اجتمع به موسى قال له على وجه الأدب والمشاورة، والإخبار عن مطلبه: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، أي: هل أتَّبعك على أن تُعلّمني مما علَّمك الله ما به أسترشد وأهتدي، وأعرف به الحقَّ في تلك القضايا؟ وكان الخضر قد أعطاه الله من الإلهام والكرامة ما به يحصلُ له الاطلاع على بواطن كثير من الأشياء التي خفِيت حتى على موسى ﵇، فقال الخضر لموسى: لا أمتنع من ذلك، ولكنك ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، أي: لا تقدر على اتِّباعي وملازمتي؛ لأنك ترى ما لا تقدر على الصبر عليه من الأمور التي ظاهرها المنكر، وباطنها غيرُ ذلك، ولهذا قال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أي: كيف تصبر على أمرٍ ما أحطت بباطنه وظاهره، ولا علمت المقصود منه ومآله؟
فقال موسى ﵇: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، وهذا عزمٌ منه قبل أن يوجد الشيءُ الممتحن به، والعزمُ شيءٌ، ووجود الصبر شيءٌ آخر؛ فلذلك ما صبر موسى ﵇ حين وقع الأمر.
стр. 173
فحينئذٍ قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾، أي: لا تبتدئني بسؤال منك وإنكار حتى أكون أنا الذي أخبرك بحاله في الوقت الذي ينبغي إخبارك به، فنهاه عن سؤاله، ووعده أن يوقفه على حقيقة الأمر.
﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾، أي: اقتلع الخضر منها لوحًا، وكان له مقصودٌ في ذلك سيبينه، فلم يصبر موسى ﵇؛ لأنَّ ظاهره أنه منكر؛ لأنَّه عيبٌ للسفينة، وسببٌ لغرق أهلها، ولهذا قال موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾، أي: عظيمًا شنيعًا، وهذا من عدم صبره ﵇، فقال له الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، فوقع كما أخبرتك، وكان هذا من موسى نسيانًا، فقال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾، أي: لا تُعسِّر عليَّ الأمر، واسمح لي؛ فإنَّ ذلك وقع على وجه النسيان، فلا تؤاخذني في أول مرة، فجمع بين الإقرار به والعذر منه، وأنَّه ما ينبغي لك أيها الخضر الشدَّة على صاحبك، فسمح عنه الخضر.
﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا﴾، أي: صغيرًا، ﴿فَقَتَلَهُ﴾ الخضر، فاشتدَّ بموسى الغضب، وأخذته الحميَّة الدينيَّة حين قتل غلامًا صغيرًا لم يُذنب، ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾، وأيُّ نُكرٍ مثل قتل الصغير الذي ليس عليه ذنبٌ، ولم يقتل أحدًا؟!
وكانت الأولى من موسى نسيانًا، وهذه غير نسيان، ولكن عدم صبرٍ، فقال له الخضر معاتبًا ومذكِّرًا: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، فقال له موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ﴾ بعد هذه المرة ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾، أي: فأنت معذور بذلك، وبتركِ صُحبتي، ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾، أي: أعذرت مني، ولم تُقصِّر.
стр. 174
﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾، أي: استضافاهم فلم يُضيفوهما، ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، أي: قد عاب واستهدم، ﴿فَأَقَامَهُ﴾ الخضرُ ?، أي: بناه وأعاده جديدًا، فقال له موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، أي: أهل هذه القرية لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم، وأنت تبنيه من دون أجرةٍ، وأنت تقدرُ عليها!
فحينئذ لم يفِ موسى ﵇ بما قال، واستعذر الخضر منه، فقال له: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ فإنّك شرطت ذلك على نفسك، فلم يبقَ الآن عذرٌ، ولا موضعٌ للصحبة، ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، أي: سأخبرك بما أنكرت عليّ، وأنبئك بما لي في ذلك من المآرب، وما يؤول إليه الأمر.
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ التي خرقتها ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، يقتضي ذلك الرّقة عليهم، والرأفة بهم، ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، أي: كان مرورهم على ذلك الملك الظالم، فكلُّ سفينة صالحةٍ تمرُّ عليه ليس فيها عيبٌ غصبها وأخذها ظلمًا، فأردتُ أن أخرقها ليكون فيها عيبٌ، فتسْلَم من ذلك الظالم.
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ الذي قتلته ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، وكان ذلك الغلام قد قُدّر عليه أنَّه لو بلغ لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا، أي: لحملهما على الطغيان والكفر، إمّا لأجل محبّتهما إيّاه، أو للحاجة إليه، أو يحملهما على ذلك، أي: فقتلته؛ لاطلاعي على ذلك؛ سلامةً لدين أبويه المؤمنين، وأيُّ فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟!
وهو وإن كان فيه إساءةٌ إليهما، وقطعٌ لذرّيتهما؛ فإنَّ الله تعالى سيعطيهما من الذرية ما هو خيرٌ منه، ولهذا قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً
стр. 175
وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾، أي: ولدًا صالحًا، زكيًا، واصلًا لرحمه؛ فإنَّ الغلام الذي قُتِل لو بلغ لَعَقَّهُمَا أشدَّ العقوق بحملهما على الكفر والطغيان.
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾ الذي أقمته؛ ﴿فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، أي: حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما؛ لكونهما صغيرين عدِما أباهما، وحفظهما الله أيضًا بصلاح والدهما.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾، أي: فلهذا هدمتُ الجدار، واستخرجتُ ما تحته من كنزهما، ورددتُه وأَعَدْتُه مجانًا؛ ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، أي: هذا الذي فعلته رحمة من الله، آتاها الله عبده الخضر، ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، أي: أتيت شيئًا من قِبَلِ نفسي، ومجرَّد إرادتي، وإنَّما ذلك من رحمة الله وأمره، ﴿ذَلِكَ﴾ الذي فسَّرته لك ﴿تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.
* * *
стр. 176
فوائد من هذه القصة
وفي هذه القصة العجيبة الجليلة من الفوائد والأحكام والقواعد شيءٌ كثيرٌ، ننبّه على بعضه بعون الله:
فمنها: فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، وأنه أهم الأمور؛ فإن موسى ﵇ رحل مسافةً طويلةً، ولقي النَّصَب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك.
ومنها: البداءة بالأهم فالأهم؛ فإنَّ زيادة العلم وعلم الإنسان أهمُّ من تَرْك ذلك، والاشتغال بالتعليم من دون تزوُّد من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل.
ومنها: جواز أخْذ الخادم في الحضرِ والسفر؛ لكفاية المؤن، وطلب الراحة، كما فعل موسى.
ومنها: أنَّ المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه إذا اقتضتِ المصلحةُ الإخبار بمطلبه، وأين يريده؛ فإنَّه أكمل من كتمه؛ فإنَّ في إظهاره فوائد من الاستعداد له عُدَّته، وإتيان الأمر على بصيرةٍ، وإظهارًا لشرف هذه العبادة الجليلة، كما قال موسى: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾، وكما أخبر النبيُّ ﷺ أصحابه حين غزا تبوك بوجهه، مع أنَّ عادته التَّورية، وذلك تبعٌ للمصلحة.
ومنها: إضافة الشرِّ وأسبابه إلى الشيطان على وجه التسويل والتزيين، وإنْ كان الكلُّ بقضاء الله وقدره؛ لقول فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾.
ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس؛ من نَصَبٍ أو جوع، أو عطش، إذا لم يكنْ على وجه التسخُّط وكان صدقًا؛ لقول موسى: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾.
стр. 177
ومنها: استحباب كون خادم الإنسان، ذكيًّا فَطِنًا كَيِّسًا؛ ليتمَّ له أمره الذي يريده.
ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمَه من مأكله، وأكلهما جميعًا؛ لأنَّ ظاهر قوله: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ إضافة إلى الجميع، أنَّه أكل هو وهو جميعًا.
ومنها: أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأنَّ الموافق لأمر الله يُعانُ ما لا يُعان غيره؛ لقوله: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾، والإشارة إلى السفر المجاوز لمجمع البحرين، وأما الأول فلم يشكُ منه التعب مع طوله؛ لأنَّه هو السفر على الحقيقة، وأما الأخير فالظاهر أنه بعض يوم؛ لأنَّهم فقدوا الحوت حين أوَوْا إلى الصخرة، فالظاهر أنَّهم باتوا عندها، ثم ساروا من الغد، حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾، فحينئذٍ تذكَّر أنه نَسِيَه في الموضع الذي إليه منتهى قصده.
ومنها: أنَّ ذلك العبد الذي لَقِيَاه ليس نبيًّا، بل عبدًا صالحًا؛ لأنَّه وصفه بالعبودية، وذكر منَّة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوَّته، ولو كان نبيًّا لذكر ذلك كما ذكره غيره.
وأما قوله في آخر القصة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾؛ فإنَّه لا يدلُّ على أنَّه نبيٌّ، وإنَّما يدلُّ على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾.
ومنها: أنَّ العلم الذي يعلِّمه الله لعباده نوعان: علمٌ مكتسَبٌ يدركه العبد بجدِّه واجتهاده، ونوعٌ: علمٌ لدُنِّيٌّ، يهبُه الله لمن يَمُنُّ عليه من عباده؛ لقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، فالخضر أُعطي من هذا النوع الحظ الأوفر.
ومنها: التأدُّب مع المعلِّم، وخطاب المتعلِّم إيَّاه ألطف خطاب؛ لقول موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، فأخرج الكلام بصورة
стр. 178
الملاطفة والمشاورة، وأنَّكَ هل تأذنُ لي في ذلك أم لا؟ وإقراره بأنَّه يتعلَّم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكِبْر الذي لا يُظْهر للمعلم افتقاره إلى علمه، بل يدَّعي أنَّه يتعاون هو وإيَّاه، بل ربَّما ظنَّ أنه يعلِّم معلِّمه، وهو جاهلٌ جدًّا، فالذُّلُّ للمعلم، وإظهارُ الحاجة إلى تعليمه من أنفع شيء للمتعلم.
ومنها: تواضع الفاضل للتعلُّم ممَّن دونه؛ فإنَّ موسى بلا شك أفضل من الخضر.
ومنها: تعلُّم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهَّر فيه ممن مهر فيه، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة؛ فإنَّ موسى ﵇ من أولي العزم من المرسلين الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يُعطَ سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر ما ليس عنده، فلهذا حرص على التعلُّم منه؛ فعلى هذا لا ينبغي للفقيه المحدِّث إذا كان قاصرًا في علم النحو، أو الصرف، أو نحوه من العلوم، أن لا يتعلَّمه ممن مهر فيه، وإنْ لم يكن محدِّثًا ولا فقيهًا.
ومنها: إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى، والإقرار بذلك، وشكر الله عليها؛ لقوله: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾، أي: مما علمك الله تعالى.
ومنها: أن العلم النافع هو العلم المرشد إلى الخير، فكلُّ علم يكون فيه رشد وهداية لطرق الخير، وتحذيرٌ عن طريق الشر، أو وسيلة لذلك؛ فإنه من العلم النافع، وما سوى ذلك فإما أن يكون ضارًّا، أو ليس فيه فائدة؛ لقوله: ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.
ومنها: أن مَنْ ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم، وحُسْن الثَّبات على ذلك؛ أنَّه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم؛ فمن لا صبر له لا يدرك العلم، ومن استعمل الصبر ولازَمَه أدرك به كلَّ أمرٍ سعى فيه؛ لقول الخضر يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه: إنَّه لا يصبر معه.
стр. 179
ومنها: أن السبب الكبير لحصول الصبر إحاطة الإنسان علمًا وخبرةً بذلك الأمر الذي أُمِرَ بالصبر عليه، وإلا فالذي لا يدريه، أو لا يدري غايته ولا نتيجته، ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر؛ لقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ فجعل الموجب لعدم صبره، وعدم إحاطته خُبرًا بالأمر.
ومنها: الأمر بالتأني والتثبت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يعرف ما يُراد منه وما هو المقصود.
ومنها: تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة، وأن لا يقول الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل، إلا أن يقول: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.
ومنها: مشروعية تعليق إيجاد الأمور المستقبلة على مشيئة الله؛ لقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، وإن العزم على فِعْل الشيء ليس بمنزلة فعله؛ فإنَّ موسى عزم على الصبر ولكن لم يفعل.
ومنها: أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء حتى يكون المعلم هو الذي يُوقفه عليها؛ فإنَّ المصلحة تُتَّبع، كما إذا كان فهمه قاصرًا، أو نهاه عن التدقيق في سؤال عن الأشياء التي غيرُها أهمُّ منها، أو لا يدركها ذهنه، أو يسأل سؤالًا لا يتعلَّق في موضع البحث.
ومنها: جواز ركوب البحر في غير الحالة التي يُخاف منها.
ومنها: أنَّ الناسي غيرُ مؤاخَذٍ بنسيانه؛ لا في حق الله، ولا في حقوق العباد، إلا إن ترتَّب على ذلك إتلاف مال، ففيه الضمان حتى على الناسي؛ لقوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾.
ومنها: أنَّه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم العفوَ منها، وما سمحتْ به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يشقَّ
стр. 180
عليهم ويرهقهم، فإنَّ هذا مدعاةٌ إلى النفور منه والسامة، بل يأخذ المتيسِّر ليتيسر له الأمر.
ومنها: أنَّ الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتُعلَّق بها الأحكام الدنيوية؛ في الأموال، والدماء، وغيرها؛ فإنَّ موسى ﵇ أنكر على الخضر خَرْقَه السفينة، وقَتْلَ الغلام، وأنَّ هذه الأمور ظاهرها، أنها من المنكر، وموسى ﵇ لا يسعه السكوت عنها في غير هذه الحال التي صَحِب عليها الخضر، فاستعجل ﵇، وبادَرَ إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض الذي يوجب عليه الصبر، وعدم المبادرة إلى الإنكار.
ومنها: القاعدة الكبيرة الجليلة، وهو أنَّه يُدْفَع الشرُّ الكبير بارتكاب الشر الصغير، ويُراعَى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما؛ فإنَّ قتل الغلام شرّ، ولكنَّ بقاءه حتى يفتن أبوَيْه عن دينهما أعظم شرًّا منه، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته وإن كان يظنُّ أنه خيرٌ؛ فالخير ببقاء دين أبويه، وإيمانهما خيرٌ من ذلك؛ فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد ما لا يدخل تحت الحصر، فتزاحم المصالح والمفاسد كلُّها داخلٌ في هذا.
ومنها: القاعدة الكبيرة، أيضًا، وهي أنَّ عمل الإنسان في مال غيره، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة أنَّه يجوز، ولو بلا إذنٍ، حتى ولو ترتَّب على عمله إتلاف بعض مال الغير؛ كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلَم من غَصْب الملك الظالم؛ فعلى هذا لو وقع حرقٌ، أو غرق، أو نحوهما، في دار إنسانٍ أو ماله، وكان إتلافُ بعض المال، أو هدمُ بعض الدار فيه سلامةٌ للباقي جاز للإنسان، بل شُرع له ذلك حفظًا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالمٌ أخذ مال الغير، ودفع إليه إنسانٌ بعض المال افتداءً للباقي؛ جاز ولو من غير إذن.
ومنها: أن العمل يجوز في البحر كما يجوز في البر؛ لقوله: ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، ولم ينكر عليهم عملهم.