← Тафсир

Тафсир · id 30194

قصص القرآن من تفسير السعدي

فايز السريح

Полный текст (290 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فوائد من هذه القصة وفي هذه القصة العجيبة الجليلة من الفوائد والأحكام والقواعد شيءٌ كثيرٌ، ننبّه على بعضه بعون الله: فمنها: فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، وأنه أهم الأمور؛ فإن موسى ﵇ رحل مسافةً طويلةً، ولقي النَّصَب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك. ومنها: البداءة بالأهم فالأهم؛ فإنَّ زيادة العلم وعلم الإنسان أهمُّ من تَرْك ذلك، والاشتغال بالتعليم من دون تزوُّد من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل. ومنها: جواز أخْذ الخادم في الحضرِ والسفر؛ لكفاية المؤن، وطلب الراحة، كما فعل موسى. ومنها: أنَّ المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه إذا اقتضتِ المصلحةُ الإخبار بمطلبه، وأين يريده؛ فإنَّه أكمل من كتمه؛ فإنَّ في إظهاره فوائد من الاستعداد له عُدَّته، وإتيان الأمر على بصيرةٍ، وإظهارًا لشرف هذه العبادة الجليلة، كما قال موسى: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾، وكما أخبر النبيُّ ﷺ أصحابه حين غزا تبوك بوجهه، مع أنَّ عادته التَّورية، وذلك تبعٌ للمصلحة. ومنها: إضافة الشرِّ وأسبابه إلى الشيطان على وجه التسويل والتزيين، وإنْ كان الكلُّ بقضاء الله وقدره؛ لقول فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس؛ من نَصَبٍ أو جوع، أو عطش، إذا لم يكنْ على وجه التسخُّط وكان صدقًا؛ لقول موسى: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾.

стр. 177

ومنها: استحباب كون خادم الإنسان، ذكيًّا فَطِنًا كَيِّسًا؛ ليتمَّ له أمره الذي يريده. ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمَه من مأكله، وأكلهما جميعًا؛ لأنَّ ظاهر قوله: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ إضافة إلى الجميع، أنَّه أكل هو وهو جميعًا. ومنها: أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأنَّ الموافق لأمر الله يُعانُ ما لا يُعان غيره؛ لقوله: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾، والإشارة إلى السفر المجاوز لمجمع البحرين، وأما الأول فلم يشكُ منه التعب مع طوله؛ لأنَّه هو السفر على الحقيقة، وأما الأخير فالظاهر أنه بعض يوم؛ لأنَّهم فقدوا الحوت حين أوَوْا إلى الصخرة، فالظاهر أنَّهم باتوا عندها، ثم ساروا من الغد، حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾، فحينئذٍ تذكَّر أنه نَسِيَه في الموضع الذي إليه منتهى قصده. ومنها: أنَّ ذلك العبد الذي لَقِيَاه ليس نبيًّا، بل عبدًا صالحًا؛ لأنَّه وصفه بالعبودية، وذكر منَّة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوَّته، ولو كان نبيًّا لذكر ذلك كما ذكره غيره. وأما قوله في آخر القصة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾؛ فإنَّه لا يدلُّ على أنَّه نبيٌّ، وإنَّما يدلُّ على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾، ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾. ومنها: أنَّ العلم الذي يعلِّمه الله لعباده نوعان: علمٌ مكتسَبٌ يدركه العبد بجدِّه واجتهاده، ونوعٌ: علمٌ لدُنِّيٌّ، يهبُه الله لمن يَمُنُّ عليه من عباده؛ لقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، فالخضر أُعطي من هذا النوع الحظ الأوفر. ومنها: التأدُّب مع المعلِّم، وخطاب المتعلِّم إيَّاه ألطف خطاب؛ لقول موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، فأخرج الكلام بصورة

стр. 178

الملاطفة والمشاورة، وأنَّكَ هل تأذنُ لي في ذلك أم لا؟ وإقراره بأنَّه يتعلَّم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكِبْر الذي لا يُظْهر للمعلم افتقاره إلى علمه، بل يدَّعي أنَّه يتعاون هو وإيَّاه، بل ربَّما ظنَّ أنه يعلِّم معلِّمه، وهو جاهلٌ جدًّا، فالذُّلُّ للمعلم، وإظهارُ الحاجة إلى تعليمه من أنفع شيء للمتعلم. ومنها: تواضع الفاضل للتعلُّم ممَّن دونه؛ فإنَّ موسى بلا شك أفضل من الخضر. ومنها: تعلُّم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهَّر فيه ممن مهر فيه، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة؛ فإنَّ موسى ﵇ من أولي العزم من المرسلين الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يُعطَ سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر ما ليس عنده، فلهذا حرص على التعلُّم منه؛ فعلى هذا لا ينبغي للفقيه المحدِّث إذا كان قاصرًا في علم النحو، أو الصرف، أو نحوه من العلوم، أن لا يتعلَّمه ممن مهر فيه، وإنْ لم يكن محدِّثًا ولا فقيهًا. ومنها: إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى، والإقرار بذلك، وشكر الله عليها؛ لقوله: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾، أي: مما علمك الله تعالى. ومنها: أن العلم النافع هو العلم المرشد إلى الخير، فكلُّ علم يكون فيه رشد وهداية لطرق الخير، وتحذيرٌ عن طريق الشر، أو وسيلة لذلك؛ فإنه من العلم النافع، وما سوى ذلك فإما أن يكون ضارًّا، أو ليس فيه فائدة؛ لقوله: ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾. ومنها: أن مَنْ ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم، وحُسْن الثَّبات على ذلك؛ أنَّه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم؛ فمن لا صبر له لا يدرك العلم، ومن استعمل الصبر ولازَمَه أدرك به كلَّ أمرٍ سعى فيه؛ لقول الخضر يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه: إنَّه لا يصبر معه.

стр. 179

ومنها: أن السبب الكبير لحصول الصبر إحاطة الإنسان علمًا وخبرةً بذلك الأمر الذي أُمِرَ بالصبر عليه، وإلا فالذي لا يدريه، أو لا يدري غايته ولا نتيجته، ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر؛ لقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ فجعل الموجب لعدم صبره، وعدم إحاطته خُبرًا بالأمر. ومنها: الأمر بالتأني والتثبت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يعرف ما يُراد منه وما هو المقصود. ومنها: تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة، وأن لا يقول الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل، إلا أن يقول: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. ومنها: مشروعية تعليق إيجاد الأمور المستقبلة على مشيئة الله؛ لقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، وإن العزم على فِعْل الشيء ليس بمنزلة فعله؛ فإنَّ موسى عزم على الصبر ولكن لم يفعل. ومنها: أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء حتى يكون المعلم هو الذي يُوقفه عليها؛ فإنَّ المصلحة تُتَّبع، كما إذا كان فهمه قاصرًا، أو نهاه عن التدقيق في سؤال عن الأشياء التي غيرُها أهمُّ منها، أو لا يدركها ذهنه، أو يسأل سؤالًا لا يتعلَّق في موضع البحث. ومنها: جواز ركوب البحر في غير الحالة التي يُخاف منها. ومنها: أنَّ الناسي غيرُ مؤاخَذٍ بنسيانه؛ لا في حق الله، ولا في حقوق العباد، إلا إن ترتَّب على ذلك إتلاف مال، ففيه الضمان حتى على الناسي؛ لقوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾. ومنها: أنَّه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم العفوَ منها، وما سمحتْ به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يشقَّ

стр. 180

عليهم ويرهقهم، فإنَّ هذا مدعاةٌ إلى النفور منه والسامة، بل يأخذ المتيسِّر ليتيسر له الأمر. ومنها: أنَّ الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتُعلَّق بها الأحكام الدنيوية؛ في الأموال، والدماء، وغيرها؛ فإنَّ موسى ﵇ أنكر على الخضر خَرْقَه السفينة، وقَتْلَ الغلام، وأنَّ هذه الأمور ظاهرها، أنها من المنكر، وموسى ﵇ لا يسعه السكوت عنها في غير هذه الحال التي صَحِب عليها الخضر، فاستعجل ﵇، وبادَرَ إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض الذي يوجب عليه الصبر، وعدم المبادرة إلى الإنكار. ومنها: القاعدة الكبيرة الجليلة، وهو أنَّه يُدْفَع الشرُّ الكبير بارتكاب الشر الصغير، ويُراعَى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما؛ فإنَّ قتل الغلام شرّ، ولكنَّ بقاءه حتى يفتن أبوَيْه عن دينهما أعظم شرًّا منه، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته وإن كان يظنُّ أنه خيرٌ؛ فالخير ببقاء دين أبويه، وإيمانهما خيرٌ من ذلك؛ فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد ما لا يدخل تحت الحصر، فتزاحم المصالح والمفاسد كلُّها داخلٌ في هذا. ومنها: القاعدة الكبيرة، أيضًا، وهي أنَّ عمل الإنسان في مال غيره، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة أنَّه يجوز، ولو بلا إذنٍ، حتى ولو ترتَّب على عمله إتلاف بعض مال الغير؛ كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلَم من غَصْب الملك الظالم؛ فعلى هذا لو وقع حرقٌ، أو غرق، أو نحوهما، في دار إنسانٍ أو ماله، وكان إتلافُ بعض المال، أو هدمُ بعض الدار فيه سلامةٌ للباقي جاز للإنسان، بل شُرع له ذلك حفظًا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالمٌ أخذ مال الغير، ودفع إليه إنسانٌ بعض المال افتداءً للباقي؛ جاز ولو من غير إذن. ومنها: أن العمل يجوز في البحر كما يجوز في البر؛ لقوله: ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، ولم ينكر عليهم عملهم.

стр. 181

ومنها: أن المسكين قد يكون له مالٌ لا يبلغُ كفايته، ولا يخرج بذلك عن اسم المسكنة؛ لأنَّ الله أخبر أنَّ هؤلاء المساكين لهم سفينة. ومنها: أن القتل من أكبر الذنوب؛ لقوله في قتل الغلام: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾. ومنها: أن القتل قصاصًا غير مُنْكرٍ؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾. ومنها: أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه وفي ذريته. ومنها: أن خدمة الصالحين أو مَنْ يتعلّق بهم أفضل من غيرها؛ لأنه علّل استخراج كنزهما، وإقامة جدارهما بأنَّ أباهما صالح. ومنها: استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ؛ فإنَّ الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، وأما الخير فأضافه إلى الله تعالى؛ لقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، وقالت الجنُّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، مع أنَّ الكلَّ بقضاء الله وقدره. ومنها: أنَّه ينبغي للصاحب أن لا يفارق صاحبه في حالة من الأحوال، ويترك صُحبته حتى يُعْتبه، ويُعْذر منه؛ كما فعل الخضر مع موسى. ومنها: أن موافقة الصاحب لصاحبه في غير الأمور المحذورة مدعاةٌ وسببٌ لبقاء الصحبة وتأكدها، كما أنَّ عدم الموافقة سببٌ لقطع المرافقة. ومنها: أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قَدَرٌ محض أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح؛ ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يُقدّر على العبد أمورًا يكرهها جدًّا، وهي صلاح دينه، كما في قضية الغلام، أو هي صلاح دنياه كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجًا من لطفه وكرمه ليعرفوه، ويرضوا غاية الرضا بأقداره المكروهة.

стр. 182

قصة داود وسليمان ﵉ كانا من أعظم أنبياء بني إسرائيل، وجمع الله لهما بين النبوة والحكمة والمُلك العظيم القوي؛ أما داود ﵇ فكان من جملة العسكر الذين مع طالوت الذي اختاره أحد أنبياء بني إسرائيل ملكًا على بني إسرائيل؛ لشجاعته وقوته، وعلمه في السياسة ونظام الجيوش، كما قال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، ولما برزوا لجالوت وجنوده، وصبر عسكر طالوت، واستعانوا بالله تفوَّق داود ﵇ على الجميع بالشجاعة العظيمة، فباشر بنفسه قَتْلَ ملكهم جالوت، وحصلت الهزيمة على بقيتهم، ونصر الله بني إسرائيل ذلك النصر؛ نَبَّأَ الله داود وأعطاه الحكمة والملك القوي، كما قال تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]، وكان قد أعطاه الله قوة في العبادة وبصيرة، ووصفه الله بهذين الوصفين اللَّذَيْن بهما كمال العبد، فقال: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧]، فوصفه بالقوة العظيمة على ما أمر الله، وبأنه أوَّاب؛ لكمال معرفته بالله. وكان الله تعالى قد سخَّر له الطير والجبال تسبِّح الله معه، وكان قد أُعطي من حُسْن الصوت ورخامته ما لم يُؤْتِ أحدًا من العالمين، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يومًا ويُفطر يومًا، وكان إذا لاقى العدو رأى الخَلْقُ من شجاعته ما يعجب الناظرين، وقد ألان الله له الحديد،

стр. 183

وعلَّمه صنعة الدروع الواقية في الحروب، وهو أول من صنع الدروع السردية ذوات الحِلَق التي يحصل فيها الوقاية، وهي خفيفة المحمل، وقد عاتبه الله بسبب ذنب أذنبه بأن أرسل إليه ملكَيْن بصورة خصمين، فدخلا عليه وهو في محرابه ففزع منهما؛ لأنهما دخلا عليه في وقت لا يدخل عليه فيه أحد، وتسوَّرا المحراب، وقالا: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢]، ثم قصَّ عليه أحدهما القصة، فقال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ - والمراد بها المرأة - ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾، أي: صار خطابه أقوى مني فغلبني، فقال داود ﵇: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾، وعلم داود أنه هو المراد بهذه القضية فانتبه لذلك: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٤ - ٢٥] فمحا الله عنه الذنب، وعاد به بعد التوبة أحسن مما كان قبل ذلك، حصل له القرب العظيم من ربه وحُسْن العاقبة، وقال الله له: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] الآية. وأما سليمان بن داود ﵇ فإن الله أعطاه النبوة وورث أباه؛ عِلْمَه ونبوته ومُلْكَه، وزاده الله ملكًا عظيمًا لم يحصل لأحد قبله ولا بعده؛ سخَّر الله له الريح تجري بأمره وتدبيره برخاء، أي: بسهولة حيث أراد، غُدُوُّها شهر ورَوَاحها (١) شهر، وسخَّر الله له الجن والشياطين والعفاريت يعملون له الأعمال الفخمة بحسب إرادته، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان

стр. 184

كالجوانب، وقدور راسيات، وتذهب وتجيء بأمره إلى حيث أراد، وسخر له من الجنود من الإنس والجن والطير، فهم يُوزَعُون (١) بتدبير عجيب ونظام غريب، وعلمه منطق الطير وسائر الحيوانات، فكانت تخاطبه ويفهم ما تكلّم به، ولهذا خاطب الهدهد وراجعه تلك المراجعة، وسمع النملة إذ نادت في قومها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]، فحذرت وأمرت بما يقي من الخطر، واعتذرت عن سليمان وجنوده، فلهذا ابتسم سليمان ضاحكًا من قولها، وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، ومن حُسْن نظامه وحزمه أنه يتفقد الجنود بنفسه، مع أنه قد جعل لهم مدبّرين، فإن قوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣] دليل على ذلك، حتى إنه تفقّد الطيور لينظر هل هي لازمة لمراكزها، فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠]، وليس الأمر كما يقول كثير من المفسرين أنه طلبه لينظر له الأرض وبُعد مائها، فإن هذا خلاف اللفظ القرآني، فإن الله لم يقل: وطلب الهدهد، بل وقال: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل: ٢٠]، ثم توعّده لمخالفته لأمره، ولما كان ملكه مبنيًا على كمال العدل استثنى، فقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾، فجاء الهدهد ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢١ - ٢٦].

стр. 185

ففي هذه المدة القصيرة جاء الهدهد بهذه المعلومات العظيمة، أخبر سليمان عن مُلك الديار اليمانية، وأن ملكتهم امرأة، وأنها قد أُعْطِيَت من كل شيء يحتاج الملك إليه، وأن لها عَرْشًا عَظِيْمًا، ومع فهمه لملكهم وقوتهم فهم أيضًا دينهم، وأنهم مشركون يعبدون الشمس، وأنكر الهدهد عليهم غاية الإنكار. هذا من الأدلة على أن الحيوانات تعرف ربها وتسبحه وتوحده، وتحب المؤمنين وتدين لربها بذلك، وتُبْغض الكفار المُكَذِّبِينَ، وتدين بذلك، فقال له سليمان: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٧ - ٢٨]، فذهب بالكتاب فألقاه في حجر المرأة ملكة سبأ، فلما قرأته عظمته جِدًّا، وأرعبت منه فَزَعًا، وجمعت رؤساء قومها، فقالت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٢٩ - ٣١] كتاب مختصر جامع فيه المقصود كله، قالت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل: ٣٢]، أي: أشيروا عليَّ، وهذا من حزمها، وحُسن تدبيرها استعملت المشورة مع رؤساء قومها. ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٢ - ٣٣]، أي: مستعدون لما تقولين حربًا وسلمًا، وأرجعنا الأمر إلى ما تختارين، فمن عزمها وحزمها وبُعد نظرها عدلت عن الحرب، واختارت السلم لكن بصورة حازمة، فقالت: سأُهْدِي له هدية فاخرة: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، إن كان من الملوك الذي ليس لهم همٌّ إلا الدنيا فربما أن الهدية كسرت سَوْرَتَه (١)، وفلَّت عزيمته، وسالمنا، وسالمناه من بعيد، وإن كان غير ذلك بانَ لنا الأمر.

стр. 186

فأرسلت أناسًا ذوي عقل وحزم وخبرة ومعرفة، فلما جاءوا لسليمان بالهدية قال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦]، فبيَّن لهم أنه لا غرض له في الدنيا، وإنما غرضه إقامة الدين، ودخول عباد الله في الإسلام. ثم وصَّى الرسل، واستغنى بذلك عن الكتاب، وقال للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧]، وعلم سليمان أنهم سينقادون ويُسلمون، فقال لأهل مجلسه: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٨ - ٣٩]، وسليمان بالديار الشامية، وبينه وبينها مسافة شهرين ذهابًا وشهرين إيابًا، ثم قال الذي عنده علم من الكتاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠]، يحتمل أنه كما قال أكثر المفسرين: إنه رجل صالح قد أعطي الاسم الأعظم الذي إذا دُعِيَ الله به أجاب، وأنه دعا الله فأُتي به قبل أن يرتد إليه طرفه، ويحتمل أن الذي عنده علم من الكتاب عنده من الأسباب التي يسخّرها الله لسليمان؛ أسباب يحصل بها تقريب المواصلات، وجلب الأشياء البعيدة. وعلى كُلٍّ فهذا ملك عظيم بلحظة يحضر له هذا العرش العظيم، ولهذا لما رآه مستقرًّا عنده حمد الله على ذلك، فقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]، ثم خاطب مَنْ حوله: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: ٤١]، أي: غيِّروا فيه وزيدوا وأنقصوا، ﴿نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٤١]، وكان قد مُدح له رأيها وعقلها، فأحبَّ أن يقف على الحقيقة، فلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢] وعُرِض عليها، فلما رأته عرفته، ورأت ما فيه من التنكير، فأنكرته، فقالت مُرَدِّدة للاحتمالين: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢]، لم تقل: هو؛ لِما فيه من

стр. 187

التغيير، ولم تنفِ أنه هو؛ لما كانت تعرفه، فأتت بلفظ صالح للأمرين، فعرف سليمان رجاحة عقلها. ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]، إن كان هذا من كلام سليمان فمعناه: إننا أخبرنا عن عقلها، وعلمنا بذلك قبل هذه الحالة فتحققناها لما سبرناها، وإن كان الكلام كلام ملكة سبأ فإنها تقول: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢] عن ملك سليمان، وأنه ملك نبوة ورسالة وقوة هائلة من قبل هذه الحالة، ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] مُذْعِنين لما قاله سليمان بعدما تحققنا أمره، فكأنه قيل: مع عقلها هذا ورأيها السديد فكيف كانت تعبد غير الله؟ وكيف اجتمع العقل وعبادة من لا ينفع ولا يضر، وإنما يضر مَنْ عبده؟ حاصل الجواب قوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣]، أي: العقائد التي نشأت عليها، والمذاهب الفاسدة تسيطر على عقل العاقل، وتُذهب لُبّ اللبيب حتى يُقَيِّض له من الأسباب المباركة ما يُبيّن له الحق، ويَمُنَّ عليه باتباعه. وكان له صرح من قوارير أجرى تحته الأنهار، فكان من ينظر إليه يظنه ماء يجري؛ لأن الزجاج شفاف، فلما قيل لها: ادخلي الصرح، فرأته لُجَّةً وكشفت عن ساقيها، قال: إنه صرح ممرّد (١) من قوارير، قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] فأسلمت لله، واتَّبعها قومها، فيقال: إن سليمان تزوَّجها، فالله أعلم. ولما كانت الشياطين زمن سليمان قد سخَّرهم الله له، وبلَّغه أنهم باجتماعهم بالإنس يُعلّمونهم السحر، فجمعهم وتوعَّدهم، وأخذ كُتبهم ودفنها، فلما توفي سليمان جاءت الشياطين للناس وقالوا: إن ملك سليمان

стр. 188

مشيّد على السحر، واستخرجوا الكتب التي دفنها، وأشاعوا من إغوائهم للناس أنها مأخوذة من سليمان، وأن سليمان ساحر، وروّج ذلك طائفة من اليهود، فبرّأ الله سليمان من هذا الأمر، وبيّن أن السحر من العلوم الضارّة، فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: بتعليم السحر والرضاء به، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وهذا من عظمة القرآن أنه يأمر الخلق بالإيمان بجميع الرسل، ويذكّرهم بأوصافهم الجميلة، وينزّههم عما قاله الناس فيهم مما ينافي رسالتهم. وكان الله قد ابتلى سليمان، وألقى ﴿عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، أي: شيطانًا عتابًا له على بعض الهفوات، وإرجاعًا له إلى كمال الخضوع لربه، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] إلى الله بقلبه ولسانه وبدنه بظاهره وباطنه، فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، فاستجاب الله له دعاءه، وأعطاه ما طلبه من مغفرة الذنب، وأعطاه جميع ما طلب كما تقدّم. وقد أثنى الله على داود وسليمان بالعلم والحكم، وخصّ سليمان بزيادة الفهم، فقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، أي: دخلت الغنم بستانهم ليلًا فرعت زرعه وأشجاره، فحكم داود بحسب اجتهاده وتقديره أن الغنم تكون لصاحب الحرث؛ لِظَنِّه أن الذي تلف من الحرث يقابل قيمتها، ثم رُفِعَت القضية إلى سليمان، فحكم على صاحب الغنم أن يقوم على حرث صاحب البستان بالسقي والتعمير والملاحظة حتى يعود كما كان قبل نفشها، ويدفع له صاحب الغنم الغنم ينتفع بدَرِّها ولبنها ودهنها وصوفها ومَغْلِها (١) مقابل ما كان بصدد أن ينتفع

стр. 189

بحرثه في هذه المدة (١)، فكان هذا الحكم من سليمان أقرب إلى الصواب، وأنفع لصاحب الغنم والحرث، فلهذا قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]. ونظير هذه القضية حكم داود وسليمان بين المرأتين اللتين خرجتا ومع كل واحدة ابنها، فعدا الذئب على ابن الكبرى، فادَّعت الكبرى على الصغرى أن الذئب أكل ابن الصغرى، وأن الذي سَلِم من الذئب ابنها، والمرأة الصغرى أنكرت وقالت: بل الذئب أكل ابن الكبرى. فتحاكَمَا إلى داود، فلم يَرَ لكل منهما بيّنة إلا قولها، رأى أن يحكم به للكبرى؛ اجتهادًا ورحمةً بها لكِبَرها، وأن الصغرى في مستقبل عمرها سيرزقها الله ولدًا بدله. ثم رُفِعت القضية إلى سليمان فقال لهما: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فرضيت الكبرى، وقالت الصغرى لما دار الأمر بين تلفه أو بقائه بيد غيرها - وهو أهون الأمرين عليها -: هو ابنها يا نبي الله. فعلم سليمان بهذا الأمر الطبيعي الذي هو من أقوى البينات أنه ليس ابنًا للكبرى؛ لكونها رضيت بشقه وإتلافه، وأن دعواها على الأخرى إنما حملها عليه الحسد، وأنه ابن الصغرى حين فزعت من شقه إلى التنازل عن دعواها، فقضى به سليمان للصغرى (٢)، ولا ريب أن استخراج الصواب في القضايا بالبينات والقرائن وشواهد الأحوال من الفهم الذي يخص الله به من يشاء.

стр. 190

في بعض الفوائد المستنبطة من القصة فمنها: أن الله يقصُّ على نبيه محمد ﷺ أخبار مَنْ قبله لتثبيت فؤاده وتطمين نفسه، ويذكر له من عباداتهم، وشدة صبرهم وإنابتهم ما يُشوِّق إلى منافستهم، والتقرُّب إلى الله الذي تنافسوا في قربه والصبر على أذى قومه، ولهذا ذكر تعالى في أول سورة (ص) ما قاله المكذبون لمحمد ﷺ وما آذَوْه به، قال بعدها: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧]. ومنها: أن قوله: ﴿ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧] مدح عظيم من الله لهذين الوصفين: قوة القلب والبدن على طاعة الله، والإنابة باطنًا وظاهرًا إلى الله المستلزِمة لمحبته وكمال معرفته، وأن هذين الوصفين للأنبياء على وجه الكمال، ولمن بعدهم من أتباعهم على حسب اتباعهم، والثناء من الله عليهما يقتضي الحثَّ على جميع الأسباب التي تُعين على القوة والإنابة، وأن يكون العبد رجَّاعًا إلى الله في حال السَّرَّاء والضَّرَّاء، وفي جميع الأحوال. ومنها: ما أكرم الله به نبيه داود ﵇ من حُسْن الصوت ورخامته، وأن الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْم يجاوبنَه إذا رجَّع صوته بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق، وذلك من زيادة درجاته ومقاماته العالية. ومنها: أن من أكبر نِعَم الله على عبده أن يرزقه العلم النافع، ويعرف الحكم بين الناس في المقالات والمذاهب، وفي الخصومات والمشاحنات، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. ومنها: كمال اعتناء المولى بأنبيائه وأصفيائه عندما يقع منهم بعض الهفوات بفتنته إياهم وابتلائهم بما يزول عنهم المحذور حتى يعودوا أكمل من أحوالهم الأولى، كما جرى لداود وسليمان.

стр. 191

ومنها: أن الأنبياء معصومون فيما يبلغون عن الله، فإن الله أمر بطاعتهم مطلقًا، ومقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك، وقد يجري منهم أحيانًا بعض مقتضيات الطبيعة من المخالفات، ولكن الله تعالى يبادرهم بلطفه، ويتداركهم بالتوبة والإنابة. ومنها: أن داود كان في أغلب أوقاته ملازمًا محرابه يخلو فيه لربه، وتقرُّ عينه بعبادته، وتعينه على الإخلاص في جميع أموره، وله وقت يجلس فيه لحوائج الخلق، فقد أتم القيام بحق الله وحق عباده. ومنها: أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الناس، خصوصًا الحكام والرؤساء؛ فإن الخصمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة، ومن غير الباب فزع منهم، واشتد عليه ذلك، ورآه غير لائق بالحال. ومنها: أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحقِّ سوءُ أدب الخصم، وفِعْلُه ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود؛ فإنه ما غضب منهما حين جاءاه بغير استئذان وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وَبَّخَهُمَا. ومنها: جواز قول المظلوم لمن ظلمه: أنت ظلمتني، أو: يا ظالم ونحوه، أو: يا باغي؛ لقوله: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢]. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح ولو كان كبير القدر كثير العلم عليه أن لا يغضب ولا يشمئز، بل يبادر بقبول النصيحة والشكر لمن نصحه، ويحمد الله إذ قيَّض له النصيحة على يد الناصح؛ فإن داود لم يشمئز من قول الخصمين: ﴿فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢] بل حكم بالحق الصرف.

стр. 192

ومنها: أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب والمعاملين، وكثرة التعلقات الدنيوية المالية؛ مُوجِبة للتعادي، وبَغْي بعضهم على بعض، وأنه لا يرد عن هذا الداء العضال إلا التقوى والصبر بالإيمان والعمل الصالح، وأن هذا من أقل شيء في الناس. ومنها: إكرام الله لداود وسليمان بالزلفى عنده وحسن المآب، فلا يتوهَّم أحد أن ما جرى منهما مُنْقِص لدرجتهما عند الله، وهذا من تمام لطفه بعباده المخلصين، وأنه إذا غفر لهم، وأزال عنهم أثر الذنوب، أزال الآثار المترتبة عليها حتى ما يقع في قلوب الخلق، وما ذلك على فضل الكريم بعزيز. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصًا الصلاة، من مكفّرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرة ذنب داود على استغفاره وسجوده. ومنها: أن مرتبة الحكم بين الناس مرتبة دينية تولاها رُسُل الله وخواص خَلْقه، وأن على القائم بها الحكم بالحق، وأن لا يتبع الهوى؛ فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية، والعلم بصورة القضية المحكوم بها، وكيفية إدخالها في الأحكام الشرعية الكلية، فالجاهل بواحد من هذه الأمور لا يحل له الإقدام على الحكم بين الناس. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يحْذر الهوى ويجْعله منه على بال؛ فإِنَّ النفوس لا تخلو منه، بل يجاهد نفسه بأن يكونَ الحقُّ مقصوده، وأن يُلْقي عنه وقتَ الحُكْم كلَّ محبةٍ أو بُغْضٍ لأحد الخصمين. ومنها: أن سليمان يُعَدُّ من فضائل داود، ومن مِنَن الله عليه حيث وهبه له، وأنَّ من أكبر نِعَم الله على عبده أن يهب له ولدًا صالحًا؛ فإن كان عالمًا كان نورًا على نور.

стр. 193

ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحُهُ في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]، وهذا أعظم تزكية، وأكبر فخر لسليمان. ومنها: كثرة خير الله وفضله على عبيده الأخيار؛ يمنُّ عليهم بالأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة، ثم يثني عليهم بها ويرتِّب عليها من الثواب أنواعًا منوعة، وهو المتفضّل بالأسباب ومسبّباتها. ومنها: أن سليمان قدَّم محبة الله على محبة كل شيء، وأتلف الخيل التي ألهته عن ذِكْر ربه حتى توارت الشمس بالحجاب. ومنها: أن كلَّ ما أشغل العبد عن طاعة مولاه فهو مشؤوم، فليفارقه، وليُقْبِلْ على ما هو أنفع له. ومنها: القاعدة المشهورة: مَنْ تَرَكَ شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، فسليمان ﵇ عقر الجياد الصافنات المحبوبة للنفوس تقديمًا لمحبة الله، فعوَّضه الله خيرًا من ذلك؛ بأن سخَّر له الريح الرُّخاء اللينة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أن تسخير الشياطين، وتسخير الريح على الوجه الذي سُخِّرَت لسليمان لا تكون لأحد بعد سليمان، ولهذا لما رأى النبي ﷺ أن يأخذ الشيطان الذي تفلَّت عليه ليلة فربطه في سارية المسجد قال: «ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته» (١). ومنها: أن سليمان كان مَلِكًا نبيًّا مباحًا له أن يفعل ما يريد، ولكنه - لكماله - لا يريد إلا الخير والعدل، وهذا بخلاف النبي العبد، فإنه لا يكون

стр. 194

له إرادة مستقلة، بل إرادته تابعة لمراد الله منه، فلا يفعل ولا يترك إلا تبعًا للأمر، كحال نبينا محمد ﷺ . ومنها: أن الله أعطى سليمان مُلكًا عظيمًا، فيه أمور لا يمكن أن تُدْرَك بالأسباب، وإنما هي من تقدير الملك الوهاب، مثل: تسخير الريح تبعًا لأمره، وتسخير الشياطين، وكون جنوده من الإنس والجن والطير، وأن الطيور كانت تخدمه الخدمة العظيمة، يرسلها للجهات توصل منه الأخبار، وتأتيه بأخبار تلك الجهات، وقد أعطاها الله من الفهم ومعرفة أحوال الآدميين ما قصَّ الله علينا نبأه في هذه القصة، وكذلك الذي عنده علم من الكتاب حين استعدَّ أن يأتيه بعرش ملكة سبأ قبل أن يرتدَّ إليه طَرْفُه، وهذه آيات أنبياء، فلهذا مهما بلغ الخَلْق في الترقي في علوم الطبيعة والمهارة بالمخترعات فلن يصلوا إلى ما أُعطيه سليمان. ومنها: أنه ينبغي للملوك والرؤساء أن يسألوا عن أحوال الأمراء والرؤساء والرجال المتميّزين، ولا يكتفوا بمجرد السؤال، بل يختبرونهم، ويختبرون عقولهم ومعرفتهم للأمور؛ كما فعل سليمان مع ملكة سبأ؛ امتحنها ليستدل على كمال عقلها ورجاحته، ولم يكتفِ بالسؤال، وهذا فيه للملوك فوائد عظيمة، وهم محتاجون لهذا أشد الحاجة، وتمام الملك أن يدير دفته الرجال الكاملون. * * *

стр. 195

قصة إلياس ﵇ ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣ - ١٣٢]. يمدح تعالى عبده ورسوله إلياس ﵊ بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى الله، وأنه أمر قومه بالتقوى، وعبادة الله وحده، ونهاهم عن عبادتهم صنمًا لهم يُقال له "بَعْل"، وتركهم عبادة الله، الذي خلق الخلق، وأحسن خلقهم، وربَّاهم فأحسن تربيتهم، وأدرَّ عليهم النِّعم الظاهرة والباطنة، وأنكم كيف تركتم عبادة مَنْ هذا شأنه إلى عبادة صنم لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يخلق، ولا يرزق، بل لا يأكل ولا يتكلَّم، وهل هذا إلا من أعظم الضلال والسَّفه والغيّ؟! ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فيما دعاهم إليه، فلم ينقادوا له، قال الله متوعدًا لهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، أي: يوم القيامة في العذاب، ولم يذكر لهم عقوبةً دنيويةً، ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، أي: الذين أخلصهم الله، ومَنَّ عليهم باتباع نبيهم؛ فإنهم غير مُحضَرين في العذاب، وإنَّما لهم من الله جزيل الثواب، ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾، أي: على إلياس ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ ثناءً حسنًا.

стр. 196

﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، أي: تحية من الله، ومن عباده عليه، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾، فأثنى الله عليه كما أثنى على إخوانه، صلواتُ الله وسلامه عليهم أجمعين. * * *

стр. 197

قصة يونس ﵇ هو من أنبياء بني إسرائيل العظام، بعثه الله إلى أهل (نينوى) - من أرض الموصل - فدعاهم إلى الله تعالى فأبوا عليه، ثم كرّر عليهم الدعوة فأبوا، فوعدهم العذاب، وخرج من بين أظهرهم، ولم يصبر الصبر الذي ينبغي، ولكنه أَبَقَ مغاضبًا لهم، وهم لما ذهب نبيُّهم أُلْقِيَ في قلوبهم التوبة إلى الله والإنابة بعدما شاهدوا مقدمات العذاب، فكشف الله عنهم العذاب. والظاهر أن يونس علم انكشاف العذاب عنهم، واستمرّ في ذهابه عنهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠]، فركب في سفينة مُوقرة (١) من الرُّكَّاب والأحمال، فلما توسّطوا البحر شارفت على الغرق، ودار الأمر بين أن يبقوا جميعًا فيها فيهلكوا، وبين أن يُلْقُوا بعضهم بمقدار ما تخفُّ السفينة فيسلم الباقون، فاختاروا الأخير؛ لعدلهم وتوفيقهم، فاقترعوا، فأصابت القرعة أناسًا منهم، ومنهم يونس ﵇، ولهذا قال: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]، أي: المغلوبين في القرعة، فأُلْقُوا فابتلعه حوت في البحر ابتلاعًا، لم يكسر له عظمًا، ولم يمضغ له لحمًا.

стр. 198

فلما صار في جوف الحوت في تلك الظلمات نادى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فأمر الله الحوت أن يُلقِيَه بالعراء، فخرج من بطنه كالفرخ الممعوط من البيضة في غاية الضعف والوهن، فلطف الله به، وأنبت عليه شجرة من يقطين، فأظلَّتْه بظلها الظليل حتى قَوِي واشتد، وأمره الله أن يرجع إلى قومه فيعلِّمهم ويدعوهم، فاستجاب له أهل بلده، ﴿مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. * * *

стр. 199

فوائد من قصة يونس ﵇ وفي هذه القصة: عتاب الله ليونس ﵇ اللطيف، وحبسه في بطن الحوت؛ ليكون كفارة، وآية عظيمة، وكرامة ليونس، ومن نعمة الله عليه أنه استجاب له هذا العدد الكثير من قومه، فكثرة أتباع الأنبياء من جملة فضائلهم. وفيها: استعمال القرعة عند الاشتباه في مسائل الاستحقاق والحرمان، إذا لم يكن مُرجّح سواها، وفي عمل أهل السفينة هذا العمل دليل على القاعدة المشهورة؛ أنه يُرتكب أخفُّ الضررين لدفع الضرر الذي هو أكبر منه، ولا ريب أن إلقاء بعضهم وإن كان فيه ضرر فعطبُ الجميع إذا لم يُلْقَ أحدٌ أعظمُ. وفيها: أن العبد إذا كانت له مقدّمة خاصة مع ربه، وقد تعرّف إلى ربه في حال الرخاء؛ أن الله يشكر له ذلك، ويَعْرِفه في حال الشدة بكشفها بالكلية أو تخفيفها، ولهذا قال في قصة يونس: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]. وفيها: ما قاله النبي ﷺ : «دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرّج الله عنه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]» (١). وفيها: أن الإيمان يُنَجّي من الأهوال والشدائد؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]، أي: إذا وقعوا فيها لإيمانهم. * * *

стр. 200

قصة عيسى وأمه، وزكريا ويحيى ﵈ كانت زوجة عمران - وهو من أكابر بني إسرائيل ورؤسائهم وذوي المقامات العالية عندهم - نذرت حين ظهر حملها أن تُحرِّر ما في بطنها لبيت المقدس، يكون خادمًا لبيت الله، مُعَدًّا لعبادة الله، ظنًّا أن الذي في بطنها ذَكَرٌ، فلما وضعتها قالت معتذرة إلى الله شاكية إليه الحال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، أي: إن الذَّكَر الذي له القوة والقدرة على ما يراد منه من القيام بخدمة بيت المقدس، ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، فحصنتها بالله من عدوها هي وذريتها، وكان هذا أول حفظ وحماية من الله لها، ولهذا استجاب الله لها في هذه الدنيا: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، فجمع الله لها بين التربية الجسدية والتربية الروحية، حيث قدر أن يكون كافلها أعظم أنبياء بني إسرائيل في ذلك الوقت؛ فإن أمها لما جاءت بها لأهل بيت المقدس تنازعوا أيهم يكفلها؛ لأنها ابنة رئيسهم، فاقترعوا وألقوا أقلامهم، فأصابت القرعة زكريا رحمة به وبمريم، فكفلها أحسن كفالة، وأعانه على كفالتها بكرامة عظيمة منه، فكانت قد نشأت نشأة الصالحات الصدِّيقات، وعكفت على عبادة ربها، ولزمت محرابها، فكان زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، قال: أنى لك هذا؟ فإنه ليس لها كافل غير زكريا،

стр. 201

قالت: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، أي: رزقه تعالى يأتي بطرق معهودة وبطرق أخرى، والله على كل شيء قدير. فحين رأى هذه الحالة ذَكَّره ذلك لطف ربه، ورَجَّاه إلى رحمته، فدعا الله أن يهب له ولدًا يرثه علمه ونبوته، ويقوم بعده في بني إسرائيل في تعليمهم وهدايتهم: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، أي: عظيمًا عند الله، وعند الخلق؛ لما جبله الله عليه من الأخلاق الحميدة، والعلوم العظيمة، والأعمال الصالحة، ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، أي: ممنوعًا بعصمة الله وحفظه، ووقايته من مواقعة المعاصي، فوصفه الله بالتوفيق لجميع الخيرات، والحماية من السيئات والزلات، وهذا غاية كمال العبد، فتعجب زكريا من ذلك وقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٨ - ٩]، وهذا أعجب من حملها وهي عاقر على كِبَرِك، فمن فرحه ورغبته العظيمة في طمأنينة قلبه قال: ﴿رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، وهذه آية كبرى؛ يُمْنَع من الكلام الذي هو أسهل ما يقدر عليه الإنسان، وهو سويّ، فلا يقدر أن يكلم أحدًا إلا بالإشارة، ومع ذلك لسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه وتحميده، فحينئذ تمت له البشارة من الله، وعرف أنه لا بد أن يكون، فولدت زوجته يحيى، وأنشأه الله نشأة عجيبة، فتعلم وهو صغير، ومهر في العلم وهو صغير، ولهذا قال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٢ - ١٥]، ومضمون هذا وصفه بالقيام بحقوق الله، وحقوق والديه، وحقوق الخلق، وأن الله سيُحسِن له العواقب في أحواله كلها.

стр. 202

وأما مريم فإنها انتبذت (١) من أهلها مكانًا شرقيًا، متجردة لعبادة ربها: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: ١٧]؛ لئلا يشغلها أحد عما هي بصدده؛ فأرسل الله لها الروح الأمين جبريل في صورة بشر سوي من أكمل الرجال وأجملهم، فظنت أنه يريدها بسوء، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]، فتوسلت بالله في حفظها وحمايتها، وذكرته وجوب التقوى على كل مسلم يخشى الله، فكان هذا الورع العظيم منها في هذه الحالة التي يُخشى منها الوقوع في الفتنة، ورفع الله بذلك مقامها، ونعتها بالعفة الكاملة، وأنها أحصنت فرجها، فقال لها جبريل: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ١٩ - ٢١]، فلا تعجبي مما قدره الله وقضاه. ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ﴾، أي: ابتعدت به عن الناس ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ خشية الاتهام والأذية منهم، ﴿فَأَجَاءَهَا﴾، أي: ألجأها ﴿الْمَخَاضُ﴾، أي: الطلق ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ لما تعرفه مما هي متعرّضة له من الناس، وأنهم لا يصدقونها، ولم تذر ما الله صانع لها. ﴿فَنَادَاهَا﴾ الملك ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾، وكانت في مكان مرتفع، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، أي: نهرًا جاريًا، ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ من دون أن تحوجك إلى صعود، ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾، أي: طريًّا ناضجًا، ﴿فَكُلِي﴾ من الرطب، ﴿وَاشْرَبِي﴾ من السَّرِيِّ، ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بولادة عيسى، وليذهب رَوْعُكِ وخوفك، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ

стр. 203

لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾، أي: سكوتًا، وكان معهودًا عندهم أنهم يتعبدون بالصمت في جميع النهار، ولهذا فسّره بقوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾، فاطمأن قلبها، وزال عنها ما كانت تجد. ثم لما تعالت (١) من نفاسها، وأصلحت من شأنها، وقويت بعد الولادة: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] علنًا غير هائبة ولا مبالية، فلما رآه قومها، وقد علموا أنه لا زوج لها، جزموا أنه من وجه آخر، فقالوا: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٧ - ٢٩] كما أُمِرَت بذلك، فقالوا منكرين عليها مقالتها لهم: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] فقال، وهو في تلك الحال له، أيام يسيرة بعد ولادته: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٣]، فكان هذا الكلام منه في هذه الحال من آيات الله، وأدلة رسالته، وأنه عبد الله لا كما يزعمه النصارى، وحصل لأمه البراءة العظيمة مما يُظَنُّ بها من السوء؛ لأنها لو أتت بألف شاهد على البراءة وهي على هذه الحال ما صدقها الناس، ولكن هذا الكلام من عيسى وهو في المهد جَلَّى كل ريب يقع في القلوب، فانقسم الناس فيه بعد هذا ثلاثة أقسام: قسم: آمنوا به وصدقوه في كلامه هذا، وفي الانقياد له بعد النبوة، وهم المؤمنون حقيقة. وقسم: غَلَوْا فيه، وهم النصارى، فقالوا فيه المقالات المعروفة، ونزَّلوه منزلة الرب، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.

стр. 204

وقسم: كفروا به وجفوه - وهم اليهود - ورموا أمه بما برَّأها الله منه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧]. ولما أرسله الله إلى بني إسرائيل آمن به مَنْ آمن، وكفر به من كفر، وجعل يريهم الآيات والعجائب، فكان يصوِّر الطين فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، ويُبرئ الأكمه (١) والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وينبئهم عن كثير مما يأكلون، ويدَّخرون في بيوتهم، ومع ذلك فتكالبت عليه أعداؤه وأرادوا قتله، فألقى الله شَبَهه على واحد من الحواريين أصحابه أو من غيرهم، ورفعه الله إليه، وطهَّره من قتلهم، فأخذوا شبيهه فقتلوه وصلبوه، وباءوا بالإثم العظيم والجُرم الجسيم، وصدَّقهم النصارى أنهم قتلوه وصلبوه، ونزَّهه الله من هذه الحالة، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، وقد قام عيسى في بني إسرائيل فبشَّر وأعلن برسالة محمد ﷺ ، فلما جاءهم محمد الذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١٣] كما قالوا في عيسى: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١١٠]. * * *

стр. 205

وفي هذه القصة من الفوائد منها: أن النذر ما زال مشروعًا في الأمم السابقة؛ والنبي ﷺ قال فيه كلمة جامعة للصحيح النافذ منه للباطل، فقال: «مَنْ نذر أن يطيع الله فليُطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يَعْصِه» (١). ومنها: أن من نعمة الله على العبد أن يكون في كفالة الصالحين الأخيار؛ فإن المربي والكافل له الأثر الأعظم في حياة المكفول وأخلاقه وآدابه، ولهذا أمَرَ الله المربِّين بالتربية الطيبة المشتملة على الحث على الأخلاق الجميلة، والترهيب من مساوئ الأخلاق. ومنها: إثبات كرامات الأولياء؛ فإن الله كرَّم مريم بأمور: يسَّر لها أن تكون في كفالة زكريا بعدما حصل الخصام في شأنها، وأكرمها بأن كان رزقُها يأتيها من الله بلا سبب، وأكرمها بوجود عيسى، وولادتها إياه، وبخطاب الملك لها بما يطمئن قلبها، ثم بكلامه في المهد، فهذه الأخيرة جمعت كرامة ولي ومعجزة نبي. ومنها: الآيات العظيمة التي أجراها الله على يد عيسى ابن مريم؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ونحوهما. ومنها: ما أكرم الله به عيسى بأن جعل له حواريين وأنصارًا في حياته، وبعد مماته في بَثِّ دعوته والنصر لدينه، ولذلك كثر تابعوه، ولكن منهم المستقيم؛ وهو الذي آمَن به حقيقةً، وآمن بجميع الرسل، ومنهم المنحرف، وهم الذين غَلَوْا فيه، وهم جمهور من يدَّعي أنه من أتباعه، وهم أبعد الناس عنه.

стр. 206

ومنها: أنَّ الله أثنى على مريم بالكمال بالصِّدِّيقية، وأنها صدَّقت بكلمات ربها وكتبه، وكانت من القانتين، وهذا وَصْفٌ لها بالعلم الراسخ، والعبادة الدائمة، والخشوع لله، وأنه اصطفاها وفضَّلها على نساء العالمين. ومنها: أنَّ إخبار الله للنبي ﷺ بهذه القصة وغيرها مفصلة مطابقة للحقيقة من أدلة رسالته وآيات نبوته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. * * *

стр. 207

قصة خاتم النبيين وإمام المرسلين ﷺ اعلم أن سيرة نبينا محمد ﷺ أعظم عونٍ على معرفة تفسير كتاب الله، والقرآن إنما كان ينزل تبعًا لمناسبات سيرته، وما يقوله للخلق، وجواب ما يقال له، وما يحصل به تحقيق الحقّ الذي جاء به، وإبطال المذاهب التي جاء لإبطالها، وهذا من حكمة إنزاله مفرّقًا، كما ذكر الله هذا المعنى بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢، ٣٣]، وقال: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠]. فلنُشِرْ من سيرته ﷺ على الأحوال المناسبة لنزول آيات معينات، أو لجنس النوع من علوم القرآن؛ ليكون عونًا في هذا المقام. فأول مقاماته في إنزال القرآن عليه: أنه كان قبل البعثة قد بُغِّضَت إليه عبادة الأوثان، وبُغِّضَ إليه كل قول وفعل قبيح، وفُطِرَ ﷺ فطرة مستعدة لقبول الحق علمًا وعملًا، والله تعالى هو الذي طهّر قلبه وزكّاه وكمله، فكان من رغبته العظيمة فيما يقرب إلى الله أنه كان يذهب إلى غار حراء الأيام ذوات العدد، ويأخذ معه طعامًا يُطعم منه المساكين، ويتعبد ويتحنّث فيه، فقلبه في غاية التعلُّق بربه، ويفعل من العبادات ما وصل إليه علمه في ذلك الوقت الجاهلي الخالي من العلم، ومع ذلك فهو في غاية الإحسان إلى الخلق.

стр. 208

فلما تَمَّ عمره أربعين سنةً، وتمت قوَّتُه العقليّةُ، وصَلُحَ لتلقي أعظم رسالة أرسل الله بها أحدًا من خَلْقه؛ تبدّى له جبريلُ ﵇، فرأى منظرًا هالهُ وأزعجه؛ إذ لم يتقدم له شيءٌ من ذلك، وإنما قدَّم الله له الرؤيا التي كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح. فأول ما أنزل الله عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، فجاءه بها جبريل، وقال له: اقرأ، فأخبره أنه ليس بقارئ (١) ـ، أي: لا يعرف أن يقرأ - كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. ونظيرها الآية الأخرى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فغَطَّه جبريل مرتين أو ثلاثًا ليهيئه لتلقّي القرآن العظيم، ويتجرَّد قلبه وهمَّته، وظاهره وباطنه لذلك. فنزلت هذه السورة التي فيها نبوَّته، وأمره بالقراءة باسم ربه، وفيها أصناف نعمه على الإنسان بتعليمه البيان العلمي والبيان اللفظي والبيان الرسمي، فجاء بها إلى خديجة تُرْعَدُ فرائصه من الفَرَق (٢)، وأخبرها بما رآه وما جرى عليه، فقالت خديجة ﵂: أبشر، فوالله لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتَقْري الضيف، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتُعين على نوائب الحق (٣). أي: ومَن كانت هذه صفته فإنها تستدعي نِعَمًا من الله أكبر منها وأعظم، وكان هذا من توفيق الله لها ولنبيه، ومن تهوين القلق الذي أصابه. وبهذه السورة ابتدأت نبوته، ثم فتر عنه الوحي مدة؛ ليشتاق إليه؛ وليكون أعظم لموقعه عنده، وكان قد رأى الملك على صورته فانزعج، فجاء إلى

стр. 209

خديجة، أيضًا تُرْعَد فرائصه، فقال: «دثّروني دثّروني»؛ فأنزل الله عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] (١)، فكان في هذا: الأمر له بدعوة الخلق وإنذارهم، فشمّر ﷺ عن عزمه، وصمّم على الدعوة إلى ربه، مع علمه أنه سيقاوم بهذا الأمر البعيد والقريب، وسيلقى كل معارضة من قومه ومن غيرهم وشدة، ولكن الله، أيّده وقوّى عزمه، وأيّده بروح منه، وبالدّين الذي جاء به، وجاءته سورة الضحى في فترة الوحي لَمَّا قال المكذّبون: إن رب محمد قلاه. قال: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣] إلى آخرها (٢). وهذا اعتناء عظيم من الله برسوله، ونفي لكل نقص، وبشارة بأن كل حالة له أحسن مما قبلها وخير منها، وأن الله سيعطيه من النصر والأتباع والعز العظيم وانتشار الدين ما يرضيه. فكان أعظم مقامات دعوته: دعوته إلى التوحيد الخالص، والنهي عن ضده؛ دعا الناس لهذا، وقرّره الله في كتابه، وصرفه بطرق كثيرة واضحة تبيّن وجوب التوحيد وحُسْنه، وتُعيّنه طريقًا إلى الله وإلى دار كرامته، وقرار إبطال الشرك والمذاهب الضارّة بطرق كثيرة احتوى عليها القرآن، وهي أغلب السور المكية، فاستجاب له في هذا الواحد بعد الواحد على شدة عظيمة من قومه، وقاومه قومه وغيرهم، وبغوا له الغوائل، وحرصوا على إطفاء دعوته بجهدهم وقولهم وفعلهم، وهو يجادلهم ويتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وهم يعلمون أنه الصادق الأمين، ولكنهم يكابرون ويجحدون آيات الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].

стр. 210

ولهذا لما كان استماعهم للقرآن على وجه الكفر والجحد والتكذيب، وتوطين نفوسهم على معاداته، أخبر الله تعالى أنه جعل على قلوبهم أَكِنَّةً أن يفقهوه، وفي آذانهم وَقْرًا؛ وأنهم لا يهتدون بسبب ما أَسَّسوا من هذا الأصل الخبيث، المانع لصاحبه من كل خير وهدى، وهذا مما يعلم به حكمة الباري في إضلال الضَّالِّين، وأنهم لما اختاروا لأنفسهم الضلال ورغبوا فيه، وَلَّاهم الله ما تولوا لأنفسهم، وتركهم في طغيانهم يعمهون؛ وأنهم لما ردوا نعمة الله عليهم حين جاءتهم قلب الله أفئدتهم، وَأَصَمَّ أسماعهم، وَأَعْمَى أبصارهم وأفئدتهم. وهذا الوصف الذي أشرنا إليه قد ذكره الله في كتابه عنهم، وهو يُعِينُك على فَهْم آيات كثيرة يخبر الله فيها بضلالهم، وانسداد طرق الهداية عليهم، وعدم قبول محالِّهم وقلوبهم للهدى، والذنب ذنبهم، وهم السبب في ذلك، قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٠]. وبضده تُعْرَف الحكمة في هدايته للمؤمنين، وأنهم لما كانوا منصفين ليس غرضهم إلا الحق، ولا لهم قصد إلا طلب رضا ربهم؛ هداهم الله بالقرآن، وازدادت به علومهم ومعارفهم وإيمانهم وهدايتهم المتنوعة، قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. وهذا الوصف الجليل للمؤمنين هو الأساس لهدايتهم، وزيادة إيمانهم وانقيادهم، وبه ينفتح لك الباب في فهم الآيات في أوصاف المؤمنين، وسرعة انقيادهم للحق أصوله وفروعه. ومن مقامات النبي ﷺ مع المكذِّبين له: أنه يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن؛ ويدعوهم أفرادًا ومجتمعين، ويُذَكِّرهم بالقرآن، ويتلوه في الصلاة وخارجها، وكانوا إذا سمعوه صَمُّوا آذانهم، وقد

стр. 211

يسُبّونه ويسبّون مَنْ أنزله، فأنزل الله على رسوله آيات كثيرة في هذا المعنى يُبيّن حالهم مع سماع القرآن، وشدة نفورهم: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠، ٥١]، وأن شياطينهم ورؤساءهم في الشرِّ فكَّروا وقدَّروا، ونظروا فيما يقولون عن القرآن ويصفونه به؛ ليُنفِّروا عنه الناس، حتى قرَّ قرار رئيسهم الوليد بن المغيرة الذي سمَّاه الله وحيدًا، فقال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٤، ٢٥]، ولكن أبى الله إلا أن يعلو هذا الكلام كلَّ كلام، ويزهق هذا الحقُّ كلَّ باطل. وكانوا من إفكهم يقولون في القرآن الأقوال المتناقضة، يقولون: إنه سحر، إنه كهانة، إنه شعر، إنه كذب، إنه أساطير؛ فجعلوا القرآن عِضين (١)، كل هذا أثر البُغض الذي أحرق قلوبهم، حتى قالوا فيه مقالة المجانين، وكلما قالوا قولًا من هذه الأقوال أنزل الله آيات يُبطل بها ما قالوا، ويُبيّن زورهم وافتراءهم وتناقضهم. وكان من الأدلة والبراهين على رسالة محمد ﷺ ، وأن القرآن من عند الله، مقابلة المكذِّبين له، فإن مَنْ نظر إليها علم أنها سلاح عليهم، وأكبر دليل على أنهم مقاومون للحق، ساعون في إبطاله، وأنهم على الباطل الذي ليس له حظ من العقل، كما ليس له حظ من الدِّين، وكانوا أيضًا يقولون في النبي ﷺ الأقوال التي ليس فيها دلالة على ما كانوا يعتقدون، وليس فيها نقص بالنبي ﷺ ؛ يقولون: لو أن محمدًا صادق لأنزل الله ملائكة يشهدون له بذلك، ولأغناه الله عن المشي في الأسواق، وطلب الرزق كما يطلبه غيره، ولجعل له كذا وكذا مما توحي إليهم عقولهم الفاسدة، ويذكرها الله في القرآن في مواضع متعددة؛ تارةً يُصوّرها للعباد فقط؛ لأن من تصوَّرها عرف بطلانها، وأنها ليست من الشُّبَه القادحة، فضلًا عن الحجج المعتبرة، وتارة يصوّرها، ويذكر ما يبطلها من الأمور الواضحة، وهذا كثير في القرآن.

стр. 212

ومن مقاماتهم مع النبي ﷺ : أنهم يسعون أشد السعي أن يَكُفَّ عن عيب آلهتهم، والطعن في دينهم، ويحبون أن يتركهم ويتركوه؛ لعلمهم أنه إذا ذكر آلهتهم، ووصفها بالصفات التي هي عليها من النقص، وأنها ليس فيها شيء من الصفات يوجب أن تستحق شيئًا من العبادة، يعرفون أن الناس يعرفون ذلك، ويعترفون به، فلا أَحَبَّ إليهم من التزوير، وإبقاء الأمور على عِلاتها من غير بحث عن الحقائق؛ لأنهم يعرفون حق المعرفة أن الحقائق إذا بانت ظهر للخلق بطلان ما هم عليه، وهذا الذي منه يفرون، وهذا المقام أيضًا ذكره الله في آيات متعددة مثل قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، ونحوها من الآيات. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فهذا إذا ترتب على السب المذكور سَبُّهم لله فإنه يُتْرَك؛ لما يترتب عليه من الشر. ومن مقاماتهم المتنوعة مع النبي ﷺ : أنهم كانوا يقترحون الآيات بحسب أهوائهم، ويقولون: إن كنت صادقًا فأتنا بعذاب الله، أو بما تَعِدُنا، أو أَزِل عنا جبال مكة، واجعل لنا فيها أنهارًا وعيونًا، أو حتى يحصل لك كذا وكذا مما ذكره الله عنهم، فيجيبهم الله عن هذه الأقوال بأن رسوله ﷺ قد أيده الله بالآيات، والله أعلم بما يُنَزِّل من آياته، وأعلم بما هو أنفع لهم، وأنه قد حصل المقصود من بيان صدقه، وقامت الأدلة والبراهين على ذلك، فقول الجاهل الأحمق: لو كان كذا وكذا، جهلٌ منه وكِبْر، ومشاغبة مَحْضَة. وتارة يخبرهم أنه لا يمنعه من الإتيان بها إلا الإبقاء عليهم، وأنها لو جاءت لا يؤمنون، فعند ذلك يعاجلهم الله بالعقاب. وتارة يُبَيِّنْ لهم أن الرسول إنما هو نذير مبين، ليس له من الأمر شيء، ولا من الآيات شيء، وأن هذا من عند الله، فطَلَبُهم من الرسول مَحْضُ الظلم والعدوان، وهذه المعاني في القرآن كثيرة بأساليب متعددة.

стр. 213

وأحيانًا يقدحون في الرسول قدحًا يعترضون فيه على الله، وأنه لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، ومحمد ليس كذلك، وإنك يا محمد لست بأولى بفضل الله منا؛ فلأي شيء تَفَضَّلُ علينا بالوحي، ونحوه من الأقوال الناشئة عن الحسد. فيجيبهم الله بذِكْر فضله، وأن فضله يؤتيه من يشاء، وأنه أعلم حيث يجعل رسالته، والمحل اللائق بها، ويشرح لهم من صفات رسوله التي يشاهدونها رأي عين ما يعلمون هم وغيرهم أنه أعظم رجل في العالم، وأنه ما وُجد ولن يوجد أحد يقاربه في الكمال، مؤيّدًا ذلك بالأمور المحسوسة والبراهين المسلّمة، وقد أبدى الله هذه المعاني، وأعادها معهم في مواضع كثيرة. ومن مقاماته ﷺ مع المؤمنين: الرأفة العظيمة، والرحمة لهم، والمحبة التامة، والقيام معهم في كل أمورهم، وأنه بهم أرحم وأرأف من آبائهم وأمهاتهم، وأحنى عليهم من كل أحد، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فلم يزل يدعو إلى التوحيد وعقائد الدين وأصوله، ويقرّر ذلك بالبراهين والآيات المتنوعة، ويحذر من الشرك والشرور كلها منذ بُعث إلى أن استكمل بعد بعثته نحو عشر سنين وهو يدعو إلى الله على بصيرة. ثم أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ليُرِيه من آياته، وعَرَج به إلى فوق السماوات السبع، وفرض الله عليه الصلوات الخمس بأوقاتها وهيئاتها، وجاءه جبريل على أثرها فعلَّمه أوقاتها وكيفيّاتها، وصلى به

стр. 214

يومين؛ اليوم الأول صلَّى الصلوات الخمس في أول وقتها، واليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: الصلاة ما بين هذين الوقتين، ففُرِضت الصلوات الخمس قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، ولم يُفْرَض الأذان في ذلك الوقت، ولا بقية أركان الإسلام. وانتشر الإسلام في المدينة وما حولها، ومن جملة الأسباب أن الأوس والخزرج كان اليهود في المدينة جيرانا لهم، وقد أخبروهم أنهم ينتظرون نبيًّا قد أطَلَّ زمانه، وذكروا من أوصافه ما دلَّهم عليه، فبادر الأوس والخزرج لما اجتمعوا بالنبي ﷺ في مكة، وتيقَّنوا أنه رسول الله، وأما اليهود فاستولى عليهم الشقاء والحسد، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] (١). وكان المسلمون في مكة في أذى شديد من قريش، فأذِن لهم النبي ﷺ في الهجرة أولًا إلى الحبشة، ثم لما أسلم كثير من أهل المدينة صارت الهجرة إلى المدينة. وحين خاف أهل مكة من هذه الحال اجتمع ملؤهم ورؤساؤهم في دار الندوة يريدون القضاء التام على النبي ﷺ ؛ فاتَّفق رأيهم أن ينتخبوا من قبائل قريش من كل قبيلة رجلًا شجاعًا، فيجتمعون ويضربونه بسيوفهم ضربة واحدة (٢). قالوا: لأجل أن يتفرَّق دمه في القبائل، فتعجز بنو هاشم عن مقاومة سائر قريش فيرضون بالدية، فهم يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين. فجاء الوحي إلى النبي ﷺ وعزم على الهجرة، وأخبر أبا بكر بذلك، وطلب منه الصحبة، فأجابه إلى ذلك، وخرج في تلك الليلة التي اجتمعوا

стр. 215

على الإيقاع به، وأمر عليًّا أن ينام على فراشه، وخرج هو وأبو بكر إلى الغار، فلم يزالوا يرصدونه حتى برق الفجر، فخرج إليهم عليّ، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. ثم ذهبوا يطلبونه في كل وجهة، وجعلوا الجعالات (١) الكثيرة لمن يأتي به، وكان الجبل الذي فيه الغار قد امتلأ من الخلق يطلبون رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدَمَيْه لأبصرنا. فقال: «يا أبا بكر، ما ظَنُّك باثنين الله ثالثهما؟» (٢)، وأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]. فهاجَرَ إلى المدينة، واستقرَّ بها، وأُذِن له في القتال بعدما كان قبل الهجرة ممنوعًا لحكمة مشاهدة، فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]، وجعل يُرْسِل السرايا. ولما كانت السنة الثانية فرض الله على العباد الزكاة والصيام، فآيات الصيام والزكاة إنما نزلت في هذا العام، وكان وَقْت فرضها، وأما قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] فإن المراد زكاة القلب وطهارته بالتوحيد وتَرْك الشرك. وفي السنة الثانية أيضًا كانت وقعة بدر، وسببها أن عِيرًا لقريش تحمل تجارة عظيمة من الشام، خرج النبي ﷺ بمن خَفَّ من أصحابه لطلبها،
следующие страницы →