← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فمن بايع أميرًا عن غيرِ مَشُورةِ المسلمين، فلا بيعةَ لِلَّذي بايعه (١)، تَغِرَّةَ أن يُقْتَلا. قال مالك: وأخبرني ابن شهاب، عن عُروة بن الزبير: أَنَّ الرَّجُلين اللَّذَيْنِ لَقِياهم: عُوَيم بن ساعدة ومَعْنُ بنُ عَدِيٌّ. قال ابن شهاب: وأخبرني سعيد بن المُسيَّب: أنَّ الذي قال: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّك، وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ: الحُباب بن المنذر ﵁ (٢). أخبرنا إسماعيل السَّراج، قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم قراءةً، أو: إبراهيم بن منصورٍ كتابةً، قال: أخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: حدثنا جُوَيْرِيةُ، عن مالك، عن الزهري، عن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعود، أخبره أنَّ عبد الله بن عباس ﵄ أخبره بهذا الحديث، على معنى ما تقدم، وزاد عَقِيب قوله: واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ﵁: قال: فبينا نحن في منزل رسول الله ﷺ ، إذ جاء رجلٌ يُنادي من وراء الجدار: اخْرُجْ إِليَّ يا ابن الخطاب، فقلتُ: إليكَ عَنِّي؛ فإنَّا عنك مشاغيلُ، فقال: إنه قد حدث أمر لا بُدَّ منك فيه، إنَّ الأنصار قد اجتمعوا في سَقِيفة بني ساعدة، فأدْرِكوهم قبل أَنْ يُحْدِثوا أمرًا يكون بينكم وبينهم فيه حرب، فقُلْتُ لأبي بكر ﵁: انْطَلِق بنا. وقال فيه أيضًا: فقال قائل من الأنصار: قَتَلْتُم سَعْدًا، قال عمر ﵁: فقُلْتُ - وأنا مُغْضَبٌ -: قتلَ الله سَعْدًا؛ فإنه صاحب فتنة وشَرِّ (٣).

стр. 107

هذا حديث صحيح ثابت. أخرجه البخاري مُطوَّلًا ومختصرًا في مواضعَ مِنْ طرق عن الزُّهْرِي (١). وتابع الزُّهْري على روايته هكذا: سعد بن إبراهيم، عن عبيد الله، من رواية شعبة، عن سعد (٢). ومنهم من قال فيه: عن ابن عباس، عن عبدِ الرَّحْمنِ بنِ عَوْف (٣). ورواه سعيد بن أبي هند، عن عُبَيد الله، أَنَّ عُمر ﵁ خطب، ولم يذكر فيه ابن عباس، ولا عبد الرحمن (٤). وقوله (يَغْصِبوهم أَمْرَهم) يعني: أمر الخلافة. والرعاع: السَّفَلة. و (الموسم): الموضع الذي يجتمع فيه الناس. وقوله (يَطير بها) (٥) أي: يُبلغونه من وراءهم بسرعة. وقولُه (وتَخْلُص بعُلَماءِ النَّاس) أي: تَخْلُص إليهم، وتَصِلُ إلى حضرتهم، قد ذهب السَّفَلةُ من بينهم.

стр. 108

وقوله (في أوَّلِ مُقام) بضم الميم، أي: أول إقامة على المنبر (١) للخطبة، والمقام - بالفتح -: الموضع. وقوله (في عقب ذي الحِجَّةِ) أي: بعد ما مضى. وقوله (فَكَّة الأعمى) كذا في نسختي، وأظُنُّه تصحيفًا (٢) من الكاتب، والمشهور: صَكَّة الأعمى - بالصَّاد (٣)، ويقال: صَكَّة عُمَي (٤)، وهي كنايةٌ عن وقت الهاجرةِ وشِدَّة الحَرِّ، ويحتمل أن يكون هذا المثل جرى على أعمى مُعيَّن كان يخرج في هذا الوقت، فيَصُلُّ مَنْ يَسْتقبِلُه لِعَماه، ولا يُبْصِرُه فَيَحِيدَ عنه؛ إذ ليس كلُّ العُميان يخرجون في وقت الهاجرة (٥) و (لم أَنْشَبْ) أي: لم أَلْبَثْ، ولم أَمْكُثُ. وقوله (ما عسَى أَنْ يقول) أي: أيَّ شيءٍ يمكن أن يقول، أي: لا يقول ما لم يقله غيره.

стр. 109

و (الحبل) الحَمْل، يريد المرأةَ الأَيّمَ إذا كانت حاملًا فهي علامة زناها. وقوله (كُفْرٌ بكم) لا يريد الكُفْرَ الذي هو ضِدُّ الإيمان؛ إذ قد يكون كُفْرٌ دون كفر، أي: من فعل هذا فقد كفَرَ به خاصَّةً، وجَحَدَ هذا الحقَّ. والإطراء: المدح فوق ما هو به. والفلتة: ما فُعِل من غير تَمكُث ورَوِيَّة (١). وقوله: (وقى الله شرّها)، إشارة إلى قوله ﷺ : «مَنْ عَجِلَ أخطأ، أو كاد» (٢)، يعني: أنَّ بيعة أبي بكر ﵁ وإن عَجِلْنا بها كانت صوابًا، مع ما أنها كادَتْ أَنْ يكون منها شَرٌّ، فَوَقَى اللهُ شَرَّها. وقوله (تُقْطَعُ إليه الأعناق) في بعض هذه الروايات: تُقَطَّعُ عليه، أي: تتقطع أعناقُ مُسابِقِيه على فِعْلِه وسَبْقِه، فلا يُدْرِكُون شَأْوَه. و (نَؤُمُّهم) نَقْصِدُهم، من قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]. والسقيفة: شبه الصفة. والمُزَمَّل: الملفوف، أي: لُنَّ في ثوب كما يُفْعَل بالمحموم. وقوله (دفت دافةٌ) أي: سارَتْ جماعةٌ، والدَّفِيف: سَيْرٌ ليس بالسريع. و (يَختزلونا) أي: يَقْتَطِعونا ويَذْهَبوا بنا، وفي بعض الروايات: (من أرضنا)، وفي هذه الرواية: (مِنْ أَصْلِنا) ومعناهما سواء.

стр. 110

و (يَحْضُنونا) أي: يَحْجُبونا ويَمْنَعونا مِنْ هذا الأمر، ويقطعوه دوننا من غير مَشُورةٍ ولا رأي مِنَّا. و (زوَّرْتُ) أي: هَيَّأْتُ، ورَوَّاتُ فيه (١). وقوله (على رِسْلِكَ) أي: اتَّئِد. والجذيل: تصغير الجذل (٢). و (المُرَجَّبُ) المُعَظَّم، وقيل: المُدَعَّم، وأَصْلُه: النَّخْلةُ إذا كانت عظيمةً كريمةً يُخَاف عليها، تُدْعَمُ بدَعائِمَ من حواليها لئلا تسقط. والعذيق: تصغير العذق، بالفتح. ومِثْلُ هذه النَّخْلَة تَحتَكُ الإِبلُ الجَرْباءُ به، فتَجِدُ لذلك راحةً. أي: إنّي في قبيلة الأنصارِ مِمَّنْ يُسْتَشار، ويُرْجَع إلى رَأْيِه، ويُسْتَشْفَى بِمَشُورته، ورأيي أنْ يكونَ من الأنصار (٣) أمير، ومن المهاجرين آخر. و (اللغط) الجَلَبة. و (نزونا) أي: حملنا عليه، ووَطناه بأقدامنا من الزحام. والتَّغِرَّة: التغرير، أي: لا يَغُرَّنَّ مَنْ فعل ذلك بَيْعة أبي بكر، فرُبَّما يُقْتَل الأمير والمأمور معًا إذا تبايعا عن غير مشورة. وقوله في سَعْدٍ (٤): كأنه يُشير به إلى ما وقع بينه وبين سعد بن معاذ في قصة الإفك (٥)، والله أعلم.

стр. 111

١١ - أخبرنا أبو علي الحداد ﵀ بقراءة والدي عليه سنة خمس وخمس مئة، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ إجازة، قال: حدثنا أبو أحمد الغطريفي بِجُرْجان سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمَّدِ بنِ شِيرُويَه سنة إحدى وثلاث مئة، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلِيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن مالكِ بنِ أَوْسِ بنِ الحدثان، قال: أرسل إليَّ عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إنه حضر أهل أبيات من قومِكَ المدينة، وقد أمرنا لهم برَضْخ (١)، فاقسمه بينهم. فبينما نحن كذلك إذ جاءه يَرْفا (٢)، فقال: هذا عثمان، وعبد الرحمن بن عَوْفٍ، وسعد بن أبي وَقَاصِ، والزُّبَير بنُ العَوَّامِ - ولا أدري أذكر طلحة أم لا - يستأذنون عليك، فقال: ائذن لهم، ثم جاء فقال: هذا عليّ والعَبَّاسُ يستأذنان عليك، فقال: ائذَنْ لهما.

стр. 112

فلما دخل العَبَّاسُ قال: يا أمير المؤمنين، اِقْضِ بيني وبين هذا - وهما حينئذ يَخْتَصِمان فيما أفاء الله - تعالى - على رسوله ﷺ من أموال بني النضير - فقال القوم: اِقْضِ بينهما يا أمير المؤمنين، وأرح كل واحد منهما من صاحبه، فقد طالَتْ خُصومتهما. فقال عمر ﵁: أَنْشُدُكم بالله الذي بإذنه تقوم السَّماءُ والأرض، أتَعْلَمون أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ»؟ قالوا: نعم، قد قال ذلك، ثم قال لهما مِثْلَ ذلك، فقالا: نعم. قال: فإني سأُخْبِرُكم عن هذا الفَيْءِ، فإنَّ الله خصَّ نَبِيَّه ﵇ بشيء لم يُعْطِه غيره، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، فكانت هذه الرسول الله ﷺ خاصةً، ثم - والله - ما اختارها دونكم، ولا استاثر بها عليكم، لقد قسمها بينكم، وبثها فيكم، حتى بقي هذا المالُ، فكان يُنْفِقُ على أهله نفقة سنَةٍ - وربما قال مَعْمَرٌ: يَحْبِسُ منه قُوتَ أهلِه لِسَنةٍ - ثم يَجعلُ ما بَقِيَ مَجْعَلَ مال الله . فلما قُبِضَ رسول الله ﷺ قال أبو بكر ﵁ (١): أنا ولي رسول الله ﷺ بعده، أَعْمَلُ فيها بما كان رسولُ الله ﷺ يَعْمَلُ فيها، ثم أقبل على علي والعباس ﵄ فقال: وأنتما تَزْعُمان أنه فيها ظالم، والله - تعالى - يَعْلَمُ أَنَّه فيها صادق بار تابع لِلْحَقِّ. ثم وَلِيتُها بعد أبي بكرٍ سنتَين من إمارتي، فَعَمِلْتُ فيها بما عَمِلَ رسول الله ﷺ وأبو بكر، وأنتما تَزْعُمان أنّي فيها ظالم، والله - تعالى - يَعْلَمُ أنِّي فيها صادقٌ بار تابعٌ لِلْحَقِّ. ثم جئتماني: جاءَني هذا - يعني: العباس ﵁ - يسألني ميراثه من ابن أخيه، وجاءني هذا - يعني عليًّا ﵁ - يسألني ميراث امرأته من أبيها، فقلت لكما: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا نُوْرَثُ، ما تركنا صدقة».

стр. 113

ثم بدا لي أن أدفعها إليكما، فأخَذْتُ عليكما عَهْدَ الله - تعالى - وميثاقه، لَتَعْمَلانِ فيها بما عَمِلَ فيها رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وأنا ما وَلِيتُها، فقُلْتُما: ادْفَعْها إلينا على ذلك، أَتُريدان مِنِّي قضاءً غير هذا؟!، والذي بإذنه تقومُ السَّماءُ لا أقضي بينكما بقضاء غير هذا، إِنْ كُنْتُما قد عجَزْتُما فادفعاها - يعني: إليَّ. فغلبه علي عليها فكانت بيد علي، ثم بيد الحسن بن علي، ثم بيدِ الحسين بن علي ﵃ ثم بيد عليّ بنِ الحُسَين، ثم بيدِ الحَسَنِ بنِ الحَسَنِ، ثم بيد زيد بن الحسن. قال مَعْمَرٌ: ثم كانت بيد عبد الله بن الحسن، حتى جاء هؤلاء - يعني: ولد العباس -، ح. وبه قال: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا بِشْرُ بنُ عمر الزهراني، قال: حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بنِ أَوْسٍ قال: أرسل إليَّ عمر ﵁ حين تعالى النهارُ، فجِئْتُه فوجَدْتُه جالسًا على سرير مُفْضِيًا إلى رماله (١)، فقال حين دخَلْتُ عليه: يا مال (٢) - يعني: يا مالك ـ، إنه قد دف (٣) أهلُ أبيات من قومِكَ، وقد أَمَرْتُ بمالٍ يُقْسَمُ فيهم، فخُذْهُ فَاقْسِمْهُ بينهم، فقلت: لو أمَرْتَ غيري بذلك، فقال: خُذْهُ يا مال، فجاءه يَرْفا، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في عثمان، فذكر نحوه.

стр. 114

أخبرنا به إسماعيل بن الفضل، قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى المَوْصِلي، قال: حدثنا أبو عُمر الحارث بن سُرَيج - هو النَّقَّال بالنون، يعني: الحَمَّال - قال: حدثني سفيان بن عيينة، عن عمرو - يعني ابن دينار، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان أنه حدَّثه قال: أرسل إليَّ عمر بن الخطاب ﵁ بعد ما متَعَ النَّهارُ (١)، فأَذِنَ لي، فدخلت عليه وهو على سرير من ليفٍ، مُسْنِدٌ ظهره إلى رمال، متكى على وسادة من أدم، وذكر نحوه (٢) (٣). قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث صحيح، مُتَّفَقٌ على ثبوته، أخرجوه من عِدَّة أوجه عن الزُّهْرِيِّ. وله طرُقُ سِواه من حديث عائشة، وابن عباس، وأبي الطفيل ﵃ (٤). وبعضهم يُسْنده عن عُمر، عن أبي بكر ﵄ (٥).

стр. 115

١٢ - أخبرنا الشيخ الإمام أبو الرَّجاء أحمد بن محمد بن عبد العزيز (١) بقراءة والدي عليه -رحمهما الله-، قال: أخبرنا أبو الفَضْلِ عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن المقرئ، قَدِم علينا، قال: حدثنا أبو القاسم جعفر بن عبد الله بن يعقوب، قال: حدثنا أبو بكر محمَّدُ بنُ هارونَ الرُّويَانِيُّ، قال: حدثنا عبد الله بن هارون الفَرْوِيُّ المدني، قال: حدثني يحيى بن عبد الملك، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن محمَّدِ بنِ عبدِ الله بن هدير (٢)، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قُدِمَ مِنْ بَدْرٍ بثلاثةِ نَفَرٍ: النَّضْرِ بنِ كلدة، وابن عبدِ يَغُوثَ، ورجل من بني عبدِ الدَّار، فَقَدَّمَ - يعني: رسول الله ﷺ النَّضْرَ بنَ كَلَدَةَ فضرَبَ عنُقَه، وقال: «لعداوتك الله ولرسوله»، وقدم ابن عبدِ يَغُوثَ، فقال: «اِضْرِبوا عنُقَه؛ فإنه أحد المستهزئين بالله - تعالى - ورسوله»، وقدَّم الآخِرَ، فنزل عليه جبريل ﵇ فقال: «إنه سَخِيٌّ في قومه، فاعْرِض عليه الإسلام»، فقال له رسول الله ﷺ : «أَسْلِمْ»، قال: وكيف ذاك، لم تُلْحِقْني بصاحِبَيَّ؟! قال: «إن جبريل ﵇ هو ذا معي يناجيني، يَزْعُم أَنَّكَ سَخِيٌّ في قومك، وأَمَرني أَنْ أَعْرِضَ عليك الإسلام» قال: فالسخاء بلغ بي ذاك يا رسول الله؟! أَشْهَدُ أَنَّك رسولُ الله، وإِنْ كُنْتُ لَفِي شَكٍّ مِنْ ديني. فَقَدِمَتْ بنتُ النَّضْرِ بنِ كَلَدة حين سمعت بذلك، ولم تعلم أنَّ أباها ضُرِبَ عنقه، فبعثَتْ إلى رسول الله الله بأبيات شعر وهي في الحَرَّة، فقالت: مِنِّي إليكَ وعَبْرَةً مَسْجُومةٌ (٣) … جادَتْ بأَعْيُنِها، وأخرى تَدْفُقُ

стр. 116

أمحمَّدٌ، أمْنُنْ عليَّ، ورُبَّما … مَنَّ الأميرُ هو المَغِيظُ المُحْنِقُ (١) النَّضْرُ أدناهم إليك قرابة … وأحقهم إن كان عِنْقٌ يُعْتَقُ (٢) قال: «هذا القَدَرُ» (٣). وهكذا وجَدْتُ الأبيات في نسخة جعفر بن فناكي (٤). والمشهور منها (٥): ياراكبًا إن الأُثَيْلَ مَظنَّةٌ (٦) … مِنْ صُبح خامسة وأنت مُوفّق بَلِّغْ بِنا (٧) ميتًا فإنَّ تحيَّةً … ما إن تزال بها الركائبُ تَخْفِقُ (٨)

стр. 117

مِنِّي إليه، وعبرةً مسفوحةً … جادَتْ لمائحها (١)، وأخرى تَخْنُق (٢) فَلْيَسْمعَنَّ النَّضْرُ إِنْ نَادَيْتُه … إِنْ كان يسمع ميت أو يَنْطِقُ ظلت سيوف بني أبيه تَنُوشُه … لله أرحام هناك تَشَقَّقُ (٣) أمحمَّدٌ ولأنت نَجْلُ نَجِيبة … من قومها، والفحل فحل مُعْرِقُ (٤) ما كان ضرَّكَ لو منَنْتَ (٥)، ورُبَّما … مَنَّ الفتى وهو المَغِيظ المُحْنِقُ فالنَّضْرُ أقربُ مَنْ أَصَبْتَ وسيلةً … وأحقهم إن كان عِتْقُ يُعْتَقُ قال: «فات، وضُرِب عُنقه، ولو أدركَتْني أبياتها ما عَجِلْتُ عليه ولا ستَأْمَرْتُ ربي فيه» ورَقَ عليها. وكان نساء قريش يَلْبَسْنَ الحُلِيَّ والمصبوغ المدلوك (٦) قُدَّامَ آبائهن وإخوتهن وأخوالهن وعمومتهن وأزواجهن وأجدادهن وأجداد آبائهن، فإذا خرَجْنَ من البيوت تبدَّلْنَ (٧)، ولبِسْنَ ثيابًا سواها، وإذا دخلوا عليهِنَّ تَزَيَّنَّ.

стр. 118

فقدِمتْ في حُلِيِّها وثيابها التي كانت تلبسُ في حياته، فأنشأت أبيات شعر - وهو على الخشبة - تقول: ياصاحب القبر، يا مَنْ كان يُنْعِمُ بي … عينًا، ويُكْثِر في الدُّنيا مواتاتي (١) أَزُور قبرك في حَلْيٍ وفي حُلَلٍ … كأَنَّني لَسْتُ مِنْ أهل المصيبات ومَن يَراني يرى عَبْرَى (٢) مُفَجَّعةً … مشهورةَ الزَّيِّ، تبكي بين أموات لَزِمْتُ ما كُنْتُ مِنْ شَكْلِي تُحِبُّ، … وما قد كُنْتَ تَهْواه في ترديد أصواتي فقال أبو بكر ﵁: لقد ضجَّتْ فأَبْكَتْ، فبكى رسول الله ﷺ ورَقَّ عليها، وقال في قتله: «طاعة الله » فأَمر فأُنْزِل عن الخشبة، وأمر بدفنه، ورَقَّ عليها، وأعطاها سلبه وراحِلَتَه، وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا (٣). هذا حديث غريب، لا أعرفه هكذا إلا من هذا الوجه. * * * ١٣ - أخبرنا الشَّيخُ الأَصِيلُ البارعُ أبو سَعْدٍ محمَّدٌ (٤) ابن شيخنا أبي عبد الله الهيثم بن أبي سعد بن محمد بن الهيثم بن عبد الله بن محمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن الهيثم بن محمد بن عمر بن محمد بن حفص بن

стр. 119

عمر بن مَعْدانَ مَوْلَى أبي موسى الأشعري ﵁ فيما أَذِنَ لي، وأَظنُّنِي قَرَأْتُه عليه - وكان أوحد زمانه في إنشادِ الشِّعر ومعرفة طرائقه، وفي علم الأخبار وتواريخها، وسَخاوةِ نَفْسِه وتواضعه، وكان يُنْسَبُ إلى (١) مذهب أبي الحسن، ولم نَسْمَعْ منه في كثرة ما جالسناه شيئًا يخالف مذهب أهل السُّنَّةِ والجماعة، ولا ما فيه مَيْلٌ إلى غير مذهبهم، وسألته عن مولده، فذكر أنه كان في جُمادَى الآخرة، ليلة الثاني عشر من سنة أربع وستين وأربع مئة، وتُوفِّيَ ﵀ يوم الاثنين، الثاني والعشرين من شهرِ شَعْبَانَ، سنة تسع وأربعين وخمس مئة - قال: حدَّثني والدي أبو عبد الله الهيثم سنة ثمان وثمانين، عن والده أبي سَعْدٍ محمد بن الهيثم قراءةً عليه، قال: أخبرنا والدي أبو عبد الله الهيثم، قال: أخبرنا أبو الحسين عُبَيدُ الله بن محمَّدٍ العُصْفُرِيُّ - وهو جَدُّه مِنْ قِبَلِ الأَمِّ - قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ حَمَّادٍ، قال: حدثنا الحسَنُ بنُ عرفة، قال: حدثنا يَزيد بن هارون، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن قَيْسِ بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كُنَّا جلوسًا عند رسول الله ﷺ ، فطلع القمر ليلة البدر، فقال رسول الله ﷺ : «أما إنكم راؤون ربَّكم كما تَرَوْنَ هذا، لا تُضَامُون (٢) في رؤيته، فإن استطعْتُم أَنْ لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غروبها﴾ [طه: ١٣٠] (٣).

стр. 120

قال ابنُ عرفةَ: سَمِعْتُ يزيد بن هارون حين حدَّثنا بهذا الحديث يقول: مَنْ كَذَّبَ بهذا الحديث فقد بَرِئَ مِنَ اللهِ ، والله - تعالى - منه بريء (١). وأنشدنا أبو سعد هذا ﵀ لِنَفْسِهِ مِنْ قصيدة سَمَّاها: الجامعة: ونرى نعيمًا ما نقوم بِشُكْرِه … وأجلُّ منه نرى لنا مُتَوقّعا فَرَحُ اللقاء، فللّقاء تشوَّفَتْ … أرواحنا، ولها نَكُدُّ المَطْمَعا يا طيب ذاك اليوم للناجي به … يا حُسْنَه، ورضا الإله المَرْتَعا والمؤمنون مع النبي المصطفى … سعدوا به مرأى يَلَذُّ ومَسْمَعا والله يُكْرِمُهم بعِزّ لِقائه … فيرَوْنَه مِنْ دونِ كَيْفَ يُدعَى لا شيء يُشْبِهُه، ولا هو مُشْبِةٌ … شيئًا، تعالى ربُّنا وتمنعا مِنْ أَنْ يُقاس به سواه وخَلْقُه … منه، وليس سواه ربًا مُبْدِعا يا ربِّ عفوك؛ فالذُّنوبُ كثيرةٌ … جعلَتْ رَجائي حسرةً وتَفَجُّعا (٢) جئناك بالإفلاس، فاقْبَلْنا مع الـ … إفلاس، ألجأنا إليك المَفْزَعا واجْعَلْ نبيك في المعادِ يُغِيثُنا … فينا شفيعًا لا يُرَدُّ مُشَفَعا * * *

стр. 121

ومن مسند ذي النُّورين عثمان بن عفان ﵁ - ١٤ - أخبرنا أبو علي الحداد ﵀ قال: أخبرنا أبو نُعيم الحافظ إجازة، قال: حدثنا أبو أحمد محمَّد بن أحمد الغطريفيُّ بِجُرْجانَ، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمدِ بنِ شِيرُويَه، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلِيُّ، قال: أخبرنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، ح. وأخبرنا إسماعيل بن الفضلِ السَّرَّاجُ، قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبدِ الرَّحيم، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ إبراهيم بن عليّ أبو بكر بن المُقْرِئ، قال: أخبرنا أبو يعلى أحمدُ بنُ عليّ بنِ المُثنَّى، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة بنِ [عُبَيْدِ الله] (١) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: حدثني إبراهيم بن سَعْدٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيدِ بنِ السَّباق، عن زيد بن ثابت ﵁ حدثه قال: أرسل إليَّ أبو بكر ﵁ مَقْتَلَ أهل اليمامة، فإذا عُمَرُ بنُ الخطاب ﵁ عنده، فقال أبو بكرٍ: إِنَّ عُمرَ أتاني فقال: إِنَّ القَتْلَ قد استَحَرَّ يوم اليمامةِ بِقُرَّاءِ القرآن، وإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القتلُ بِقُرَّاءِ القرآن في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرَى أَنْ تَأْمُرَ فَيُجْمَعَ - يعني: القرآن ـ، قال: فقلتُ: كيف تفعلون شيئًا لم يَفْعله رسول الله ﷺ ؟! قال: فقال عمر ﵁: هو - والله - خير، ولم يزَلْ يُراجِعُني في ذلك حتى شرح الله - تعالى - صدري لذلك، ورأَيْتُ في ذلك الذي رأى عمر ﵁. قال زيد بن ثابت: قال أبو بكر ﵄: إنك فتى شاب عاقل لا نَتَهِمُكَ، قد كُنْتَ تَكْتُب الوَحْيَ للنَّبِيِّ ﷺ ، فَتَتَبَّع القرآن فاجمعه.

стр. 122

قال زيد: والله لو كُلِّفْتُني نقلَ جَبَلٍ مِنْ الجِبال ما كان بأثقل عليَّ مِنْ الذي أمرني به من جمع القرآن. قال: قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو - والله - خير، فلم يزل يُراجِعُني حتى شرح الله - تعالى - صدري لِلَّذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، ورأَيْتُ في ذلك الذي رأيا. فتَتَبَّعْتُ القرآنَ أَجْمَعُه مِنَ الرِّقاع واللخافِ والعُسُبِ وصُدورِ الرِّجال، حتى فَقَدْتُ آخِرَ سورةِ التَّوْبة، فوجَدْتُها مع خُزَيمة بن ثابت ﵁ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ (١) إلى خاتمة براءة (٢). فكانت الصُّحُفُ عند أبي بكر ﵁ حياته حتى توفاه الله - تعالى - ثم عند عمر ﵁ حياته حتى توفاه الله، ثم عندَ حَفْصَةَ ﵂. قال إبراهيم: عن الزُّهْرِيّ قال: فحدَّثَنا أنس بن مالك ﵁ أنَّ حذيفة بن اليَمَانِ قَدِمَ على عثمان ﵁ وكان يُغازي أهلَ الشَّام في فتح أَرْمِينِيَةَ وأذربيجان مع أهل العراق، فأَفْزَعَ حذيفة اختلافهم في القراءة - وفي رواية إسحاق: في القرآن - فقال حذيفة لعثمان ﵄: يا أمير المؤمنين، أَدْرِك هذه الأُمَّةَ قبلَ أَنْ يَخْتَلِفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة ﵂: أَنْ أَرْسِلي إلينا بالصُّحُفِ نَنْسَخها في المصاحف، ثم نَرُدُّها إليكِ، فأرسلت بها حفصة ﵂ إلى عثمان، فأمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزُّبَير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنَسَخُوها في الصُّحُفِ. وقال لِلرَّهْطُ القُرَشِيِّينَ الثَّلاثةِ: إذا اختلَفْتُم أنتم وزيدٌ في شيء من

стр. 123

القرآن، فاكتبوه بلسان قُرَيش؛ فإنما نزَلَ بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسَخُوا الصُّحُفَ ردَّ عثمان ﵁ الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلِّ أُفُقِ مُصْحَفًا مما نسخُوا، وأَمر بما سواه مما فيه القرآن في كل صحيفةٍ ومُصْحَفِ أَنْ يُمْحَى أو يُحْرَقَ. قال إبراهيم: قال الزُّهْرِيُّ: فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سَمِعَ زيد بن ثابت يقول: فقَدْتُ آيةً من سورة الأحزاب حين نسَحْتُ الصُّحُفَ قد كُنْتُ أَسْمَعُ رسول الله ﷺ يَقْرَؤُها، فالْتَمَسْتُها فوجَدْتُها عند خُزَيمة بن ثابت الأنصاري - وفي رواية إسحاق: مع خزيمة، أو أبي خزيمة -: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، فأَلْحَقْتُها في سورتها في المصحف (١) (٢). قال أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد. فذكرَ نَحْوَ حديثِ العُمَريّ، وزاد فيه: قال ابنُ شِهاب فاختلفوا يومئذ في (التابوت)، فقال زيد: (التابوه)، وقال الرَّهْطُ القُرَشِيُّون: (التَّابوت)، فرفعوا اختلافهم إلى عثمان ﵁، فقال: أكْتُبوه (التابوت) بلسان قُرَيش. قال ابن شهاب: وقد كان ابن مسعود ﵁ كَرِه أَنْ وُلِّيَ زيد بن ثابت نَسْخَ المصاحف. قال ابن شهاب: وحدثني عُبَيْدُ الله بن عبد الله - يعني: ابن عتبة - أنَّ

стр. 124

عبد الله ﵁ قال: يا معشر المسلمين (١)، أَأَعْزَلُ عَنْ كتاب الله وفي رواية إسحاق: عن نسخ المصاحف - ويُوَلَّاها رجلٌ، والله لقد أَسْلَمْتُ وإنه لفي صُلْبِ رجل كافر - يُرِيد زيد بن ثابت؟! قال: فلذلك قال عبد الله بن مسعود ﵁: يا أهل العراق، ويا أهل الكوفة، غُلُّوا المصاحف التي عندكم واكتموها، قال الله : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]- زاد إسحاق: فَالْقَوْا الله بالمصاحف - قال ابن شهاب: فبلغني أنه كَرِه ذلك مِنْ مَقالته رِجالٌ مِنْ أفاضل أصحاب رسول الله ﷺ (٢). قال الإمام - حرسه الله -: هذا لفظ رواية أبي يعلى، وهو حديث صحيح أخرجه البخارِيُّ مِنْ طرق عن الزُّهْرِيِّ. وأَوْرَدوه في مسند الصديق أبي بكر ﵁؛ لقوله لزيد: «قد كُنْتَ تكتب الوَحْيَ لرسول الله ﷺ »، وأَوْرَدْناه في مسند ذي النُّورَيْن لقوله: «إنما نزل بلسانهم»؛ لأنَّ التَّفسير وسبب نزول القرآن إذا ذكره الصحابي الذي شَهِدَ الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ كان حديثًا مُسْنَدًا عند أصحاب الحديث، ولم نجد في مسند ذي النُّورَيْن حديثًا نُورِدُه في الطُّوالات سواه، ولم نُرِدْ إخلاء هذا الكتابِ مِنْ ذِكْرِه، ولأنَّ جَمْعَ القرآنِ وإِنْ كان فُعِلَ في حياةِ أبي بكر وعمر ﵄ لم يزَلْ الاختلاف عنه بعد، ولهذا قال: فأَفْزَع حذيفة اختلافهم فأَجْمَعوا في أيام عثمان ﵁ وزال الاختلافُ مِنْ بينهم بِمَحْوِه ما سوى هذا الذي أجمَعُوا عليه، فلهذا اشْتَهر عند النَّاسِ عثمان ﵁ بِجَمْع المصحف. وإنما حرق بعض ذلك؛ لأنه كان مكتوبًا على اللخافِ والعُسُبِ مما لم يمكن (٣) إزالته بالماء، وأراد قَطعَ الخلاف عنه والاختلاف فيه.

стр. 125

وذكر بعض أهل العِلْم: أَنَّ النَّارَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله تعالى كالماء، لا فَرْقَ بين إزالة الشيء وإهلاكه بالماء والنار. وقال عاصم: مُحِيَ، ثم أُحْرِقَ. وقوله (قد اسْتَحَرَّ) أي: اشتَدَّ وكَثُرَ فيهم القَتْلُ، والحرارة: عبارة عن الشدة. و (اللخاف): أحجار رقاق، كالألواح. والعَسِيب: جَرِيد النَّخْل. ١٥ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العبَّاسِ الكُوشِيذي ﵀، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن رِيدَه، قال: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا حُمَيدُ بنُ مَخْلَدٍ الواسِطِيُّ، قال: حدثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاحِ الجَرْجَرائِيُّ، قال: حدثنا أبو داودَ الطَّيالِسِيُّ، قال: أخبرنا شُعَيبُ بنُ صفوان، عن عبد الملك بن عُمَيرٍ أَنَّ محمَّدَ بنَ يُوسُفَ بنِ عبدِ الله بنِ سَلَامِ اسْتَأْذَنَ على الحجاج بن يوسُفَ، فَأَنْكَره البوابون فلم يَأْذَنوا له، فجاءَ عَنْبَسةُ بنُ سعيد فاسْتَأْذِنَ له الحَجَّاجَ فَأَذِنَ له، فدخلَ فَسَلَّم، وأمرَ رَجُلَينِ مِمَّا يَلِي السَّرِيرَ أَنْ (١) يُوَسِّعا له، فأَوْسَعا له، فجلس. فقال له الحَجَّاجُ: الله أبوك! أتَعْلَمُ حديثًا حدَّثَهُ أبوك عبد الملك بن مروان، عن جَدِّك عبد الله بن سلام ﵁؟ قال: وأيُّ حديث - يَرْحَمُكَ الله - فرُبَّ حديث (٢) قال: حديثُ المِصْريين حين حصروا عثمان ﵁، قال: قد عَلِمْتُ ذاك الحديث: أقبل عبد الله بن سلام وعثمان ﵁، محصور، قال: فانطلق فدخل عليه،

стр. 126

فوسعوا له حتى دخلَ، فقال: السَّلامُ عليكَ يا أمير المؤمنين، قال: وعليك السَّلامُ ما جاء بك يا عبد الله بن سلام؟ قال: جِئْتُ لِأَثْبُتَ حتى تُسْتَشْهَدَ (١) أو يَفْتَحَ الله - تعالى - لك، ولا أرى هؤلاء القوم إلا قاتِليك، فإِنْ يَقْتُلوك فذاك خير لك وشر لهم، فقال له عثمان ﵁: أسألك بالذي لي عليك مِنَ الحقِّ لَما خَرَجْتَ إليهم خيرًا يَسُوقُه الله - تعالى - بك، أو شَرًّا يَدْفَعُه الله - تعالى - بك، فسَمِعَ وأطاعَ، فخرَجَ عليهم، فلما رأوه اجتمعوا له، وظَنُّوا أنه قد جاءَهُم ببعض ما يُسَرُّون به. فقام خطيبًا، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنَّ الله بعث محمَّدًا ﷺ بشيرًا ونذيرًا، يُبشِّرُ بالجَنَّةِ مَنْ أطاعَه، ويُنْذِرُ بالنَّارِ مَنْ عصاه، وأظهر مَنْ اتَّبعه على الدين كله ولو كَرِهَ المشركون، ثم اختار له المساكن فاختار له المدينة، فجعلها دار الهجرة، وجعلها دار الإيمان، فوالله مازالَتْ الملائكةُ حافّين بهذه المدينة منذُ قَدِمَها رسولُ الله ﷺ ، وما زالَ سَيْفُ الله تعالى - معمودًا عنكم منذ قَدِمَها رسول الله ﷺ إلى اليوم. ثم قال: إنَّ الله - تعالى - بعث محمدًا ﷺ بالحقِّ، فمن اهتدى فإنما يَهْتَدِي بِهُدَى الله - تعالى -، ومَنْ ضَلَّ فإنما يَضِلُّ بعد البيان والحُجَّةِ، وإنه لم يُقْتَل نبي فيما مضى إلا قُتِلَ به سبعون ألف مقاتل، كلُّهم يُقْتَلُ به، ولا قُتِلَ خليفة قط إلا قُتِلَ به خمسة وثلاثون ألف مقاتل، كلُّهم يُقْتَلُ به، فلا تَعْجَلُوا على هذا الشَّيْخ بقَتْلِه (٢)، فوالله لا يَقْتُلُه رجلٌ منكم إلا لَقِيَ الله - تعالى - يوم القيامة ويده مقطوعةٌ مشلولةٌ، اِعْلَمُوا أنه ليس لوالد على ولد حق إلا ولهذا الشيخ عليكم مثله. قال: فقاموا، فقالوا: كذبَتْ اليهودُ، قال: كذَبْتُم والله، وأنتم

стр. 127

[آثمون] (١)، ما أنا بيهودي، إني لأحَدُ المسلمين، يَعْلَمُ الله - تعالى - بذلك ورسوله ﷺ والمؤمنون، وقد أُنْزِلَ في القرآن، فتلا هذه الآية: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، وأنزل الله - تعالى - الآية الأخرى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] (٢). قال: فقاموا، فدخلوا على عثمان ﵁ فذبحوه كما يُذْبَحُ الحُلان. قال شُعَيبٌ لعبد الملك بن عُمَير: ما الحُلَّان؟ قال: الحملُ. قال: وقد قال عثمان ﵁ قبل ذلك لكثيرِ بنِ الصَّلْتِ: يا كثير، أنا - والله - مقتول غدًا، قال: بل يُعْلِي الله - تعالى - كَعْبَكَ، وَيَكْبِتُ عَدُوَّكَ، قال: ثم أعادها - يعني الثانية -، ثم أعادها الثالثة، فقال له مِثْلَ ذلك، قال: عَمَّ تقول ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأَيْتُ رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر ﵄، فقال لي: «يا عثمان أنت عندنا غدًا، وأنت مقتول غدًا» فأنا - والله - مقتول، قال: فقُتل ﵁. قال: فخرج عبد الله بن سلام ﵁ إلى القوم قبل أن يتفرقوا وهم في المسجد، فقام على رِجْلَيْه فقال: يا أهلَ مِصْرَ، يا قتلة عثمان، قتَلْتُم أمير المؤمنين، أم والله لا يَزالُ عهدٌ مَنْكوثُ، ودمٌ مَسْفُوحٌ، ومالٌ مَقْسُومٌ لا يَنْقَسِمُ (٣) (٤).

стр. 128

رواه أبو مَعْمَرٍ الهُذَلِيُّ عن شُعَيبٍ، وقال: عن عبد الملك، عن رجلٍ حدثه، عن محمد بن يوسف (١). وروى أبو علقمة مولى عبد الرحمن بن عَوْفٍ، عن كَثِير بنِ الصَّلْتِ هذا الذي ذكرناه، ولمقتل أمير المؤمنين عثمان - ﵁ طرق، وهذا الطريق أَسْلَمُها (٢). وقوله (الله أبوك) كلمةٌ تَمْدَحُ بها العرب، فيَنْسُبون كلَّ ممدوح ومُرْتَضَى عندهم إلى الله - تعالى ـ، ومعناه: كان أبوك صالحًا يَعْمَلُ ما يَرْتَضِيه الله - تعالى -، أو نحو ذلك.

стр. 129

وقوله (مَشْلُولَة) إتباع لـ (مقطوعة) محمولةٌ عليها، كما جاء: «اِرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غير مَأْجُورَات» (١). وقوله (رَأَيْتُ رسول الله ﷺ ) يُرِيدُه في المنام، وإنما لم يَذْكُرُ المنام لأنَّ قوله ذلك بعد وفاة رسول الله ﷺ (٢) لا يُعْلَمُ منه إلا المنام. وقوله (أم والله) كان مِنْ حقّه أن لا يُسْقِطَ منه الألف إلا إذا تقدَّمه حرف جر، كما يُقال: فيم، وعمَّ، ومِمَّ، إلا أنه سَلَكَ به طريق التَّخْفيف. وروى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، أنَّ عثمان ﵁ لما ضُرِبَ أشار بيده وراءَ ظَهْرِه - مرتين أو ثلاثًا -، ثم قال: اللهم لا طالب بدمي غيرك - مرتين أو ثلاثًا -، اللهم لا تَجْمَعْ أُمَّةَ محمد ﷺ على ضلالة (٣).

стр. 130

١٦ - أَخبرنا أبو عليّ الحَدَادُ ﵀ قراءةً عليه فيما أُرَى، وإلا فهو إجازة لي منه، قال: أخبرنا أبو نُعيم الحافظ في كتابه، قال: حدثنا أبو أحمد محمدُ بنُ أحمد بنِ الغِطْرِيفِ الجُرْجاني بها، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمَّدِ بنِ شِيرُويَه، قال: حدَّثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، قال: أخبرنا المُعْتَمِرُ بنُ سُليمانَ، قال: سَمِعْتُ أبي يقول (١): حدثنا أبو نَضْرة، عن أبي سعيدٍ مولى أبي أُسَيْد الأنصاري، قال: سمع عثمانُ بنُ عفَّانَ ﵁ أَنَّ وَفْدَ أَهلِ مِصْرَ قد أقبلوا فاستقبلهم، وكان في قرية خارجًا من المدينة - أو كما قال -. قال: فلما سمعوا به أَقْبَلُوا نَحْوَه إلى المكان الذي هو فيه، قالوا: كَرِه أَنْ يَقْدَمُوا عليه المدينة - أو نحو (٢) ذلك ـ، فأَتَوْه فقالوا له: ادْعُ لنا بالمصحف، قال: فدعا بالمصحف، فقالوا له: افْتَح السابعة - وكانوا يُسَمُّون سورة يونُسَ السَّابعة - فقرًا حتى أتى على هذه الآية: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، فقالوا له: قِفْ، أرأَيْتَ ما حَمَيْتَ مِنْ حمى، الله أَذِن لكَ أَمْ على الله تَفْتَري؟ قال: أَمْضِه؛ نزلَتْ في كذا وكذا، وأما الحِمَى: فإنَّ عمر ﵁ حمى الحِمَى قَبْلي لإبل الصَّدَقةِ، فلما وُلَّيْتُ حَمَيْتُ لإبل الصَّدَقةِ، فجعَلُوا يأخُذونه بالآية، فيقول: أَمْضِه، نزلَتْ في كذا وكذا. قال: وكان الذي يلي كلام عثمان ﵁ يومَئِذٍ في سنه. - يقول ذلك أبو سعيد (٣). قال أبو نَضْرة وأنا في سِنِّكَ يومَئِذٍ، قال أبي: ولم يَخْرُجْ وَجْهِي يومَئِذٍ، لا أدري لعله قال مرَّةً أخرى: وأنا يومَئِذٍ ابْنُ ثلاثين سنة -. قال: ثم أخَذَه بأشياء لم يَكُنْ عنده منها مَخْرَجٌ، فعرفها، فقال: أَسْتَغْفِرُ الله وأتوب إليه، ثم قال: ما تُرِيدون؟ قال: فأخَذُوا ميثاقه، وكتب

стр. 131

عليهم شرطا، ثم أخذ عليهم أن لا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة، ما قام لهم بشرطهم، أو كما أخذوا عليه. فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن لا يأخذ أهل المدينة عطاء؛ فإنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد ﷺ ، قال: فرضوا، وأقبلوا راضين إلى المدينة. قال: فقام فخطبهم، فقال: إني والله ما رأيت وفدا في الأرض خيرا من هذا الوفد الذين قدموا علي - وقال مرة أخرى حسبت: من هذا الوفد من أهل مصر -، ألا من كان له زرع فليلحق بزرعه، ومن كان له ضرع فليحتلب، ألا فإنه لا مال لكم عندنا (١)، إنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهذه الشيوخ من أصحاب محمد ﷺ ، قال: فغضب الناس، وقالوا: مكر بني أمية!. ثم رجع الوفد المصريون راضين، فبينما هم في الطريق إذا هم براكب (٢) يتعرض لهم، ثم يفارقهم، ثم يرجع إليهم، ثم يفارقهم ويسبقهم (٣)، قالوا له: ما لك، إن لك لأمرا، ما شأنك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر؛ ففتشوه، فإذا (٤) هم بالكتاب معه على لسان عثمان ﵁، على عامله بمصر: أن يصلبهم، أو يقتلهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف!. قال: فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا عليا ﵁، فقالوا: ألم تر إلى عدو الله يكتب فينا كذا وكذا، وإن الله - تعالى - قد أحل دمه، ثم معنا إليه، فقال: والله لا أقوم معكم إليه.

стр. 132

قالوا: فلِمَ كتَبْتَ إلينا؟ قال: والله ما كتَبْتُ إليكم قط، قال: فنظر بعضُهم إلى بعض، فقالوا: ألهذا تُقاتلون، أم لهذا تَغْضَبون؟!، وانطلق عليّ ﵁ فخرج من المدينة إلى قرية. فانطلَقُوا حتى دخَلُوا على عثمان ﵁، فقالوا له: كتَبْتَ فينا كذا وكذا، وإنَّ الله - تعالى - قد أحلَّ دَمَكَ، فقال: إنما هما اثنتان، أَنْ تُقيموا عليَّ رجلين من المسلمين، أو يَمِيني بالله الذي لا إله إلا هو، ما كتبتُ ولا أملَيْتُ ولا علِمْتُ، وقد تَعْلَمُون أنَّ الكِتابَ يُكْتَبُ على لسان الرَّجُلِ، وقد يُنْقَشُ الخاتم على الخاتَمِ، قالوا: فوالله لقد أحَلَّ الله دَمَكَ بنَقْضِ العَهْدِ والميثاق. قال: فحاصروه، فأَشْرَفَ عليهم وهو محصور ذات يوم، فقال: السلام عليكم. قال أبو سعيد: فواللهِ ما أَسْمَعُ أحدًا مِنَ النَّاسِ رَدَّ عليه¬ السلام، إلا أَنْ يَرُدَّ الرَّجلُ في نَفْسِه. فقال: أَنْشُدُكم بالله الذي لا إله إلا هو، هل علِمْتُم أني اشتَرَيْتُ رُومَةً مِنْ مالي يُسْتَعْذَبُ بها، وجَعَلْتُ رِشائي فيها كرشاء رجُلٍ مِنْ المسلمين؟ قال: قيل: نعم، قال: فعلام تمنعوني أن أشرب منها، حتى أُفْطِرَ على ماء البحر؟!. أَنْشُدُكم بالله الذي لا إله إلا هو، هل علِمْتُم أني اشترَيْتُ كذا وكذا من الأرضِ، فزِدْتُ في المسجد؟ قال: قيل: نعم، قال: فهل علِمْتُم أنَّ أحدًا من النَّاسِ مُنِعَ أَنْ يُصَلِّيَ فيه قبلي؟. أَنْشُدُكم بالله، هل سمِعْتُم نبي الله ﷺ يَذْكُر كذا وكذا - أشياء في شأنه؟ - وذكر أيضًا - أرى - كتابة المُفَصَّل. ففَشَا النَّهْيُ، فجعلَ النَّاسُ يقولون: مَهْلًا عن أمير المؤمنين، وفشا النَّهْيُ، فقام الأَشْتَرُ - فلا أدري أيومَئِذٍ، أو يومًا آخر - قال: فلعله قد مُكِرَ به وبِكُم، قال: فوَطِئه النَّاسُ حتى لَقِيَ كذا وكذا.

стр. 133

ثم إنه أَشْرَفَ عليهم مرَّةً أخرى، فوعَظَهُمْ وذَكَرَهُم، فلم تَأْخُذْ فيهم الموعظة، وكان النَّاسُ تَأْخُذُ فيهم المَوْعِظَةُ أَوَّلَ مَا يَسْمَعُونها، فإذا أُعِيدَتْ عليهم لم تَأْخُذ فيهم. قال: ثم إنه فتح الباب، فوضَعَ المُصحف بين يديه، قال: وذاك أنه رأى مِنَ اللَّيْلِ أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ قال له: «يا عثمانُ، أَفْطِرْ عندنا (١) الليلة». قال أبي: فحدثنا الحسَنُ: أَنَّ فُلانًا (٢) دخل عليه، فأخذ بلحيته، فقال: لقد أخَذْتَ مِنِّي مَأْخَذًا، أو: قعَدْتَ مِنِّي مَقْعَدًا، ما كان أبوكَ لِيَقْعُدَه، أو قال: ليأخذه، فخرج وتركه. فدخل عليه رجلٌ آخَرُ، يقال له: الموت الأسود، فخنَقَه، ثمَّ خَنَقَه، ثم خرج، فقال: والله لقد خنَقْتُه فما رأَيْتُ شيئًا قطُّ أَلْيَنَ مِنْ حَلْقِه، والله لقد خنَقْتُه حتى رَأَيْتُ نَفَسَه تَرَدَّدُ في جَسَدِهِ كنَفَسِ الجان (٣)، قال: فخرج وتركه. ثم دخل عليه رجل، فقال: بيني وبينك كتاب الله - والمصحف بين يديه - فأَهْوَى له بالسَّيْفِ، فاتَّقاه بيدِه، فقطعها، فلا أَدْرِي أبانها، أم قطعها ولم يُبنها، فقال عثمان ﵁: أما والله إنها لأَوَّلُ كَفَّ حَطَّتْ في المصحف. وقال في غير حديث أبي سعيد: فدخل عليه التَّجِيبي (٤)، فَأَشْعَرَهُ

стр. 134

مِشْقَصًا (١)، فانتضَحَ الدَّمُ على هذه الآية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] قال: فإنَّها في المصحف ما حُكَّتْ بعد. قال: وأخذَتْ بنتُ الفُرافِصَةِ (٢) - في حديث أبي سعيدٍ - حَلْيَها، فوضعته في حَجْرِها، وذلك قبلَ أَنْ يُقْتَل، فلما أُشْعِرَ - أو قال: قُتِل - تفاجَّتْ عليه (٣)، فقال بعضهم: قاتَلَها الله، ما أعظمَ عَجِيزتها! قال أبو سعيد: فعرَفْتُ أنَّ أعداء الله لم يُرِيدوا إلا الدُّنْيا (٤). * * *

стр. 135

ومن مسند علي بن أبي طالب ﵁ - ١٧ - أخبرنا أبو علي الحداد ﵀، حدثنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أبو علي الصواف، ح. وأخبرنا هبة الله بن الحصين الشيباني ببغداد، أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب الواعظ، أخبرنا أبو بكر بن مالك. قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي ﵀، حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع، حدثني يحيى بن سليم، ح. وأخبرنا به عاليا إسماعيل بن الفضل السراج، أخبرنا إبراهيم بن منصور إذنا، أخبرنا محمد بن إبراهيم بن علي، أخبرنا أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى، حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري، قال: جاء عبد الله بن شداد فدخل على عائشة ﵂ ونحن عندها جلوس، مرجعه من العراق ليالي قتل علي ﵁، فقالت له: يا عبد الله بن شداد، هل أنت صادقي عما أسألك عنه، تحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي ﵁؟ قال: وما لي لا أصدقك؟! قالت: حدثني عن قصتهم. قال: فإن عليا لما كاتب معاوية ﵄ وحكم الحكمين، خرج عليه ثمانية (١) آلاف من قراء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها: حروراء من جانب الكوفة، وإنهم عتبوا عليه، فقالوا: اِنْسَلَخْتَ مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللهُ - تَعَالَى -، واسم سماك الله به، ثم انطلقت فحكمت في دين الله - تعالى -، فلا حكم إلا لله .

стр. 136

فلما أَنْ بَلغَ عَلِيًا ﵁ ما عتبوا عليه، وفارقوه عليه، أمرَ مُؤذِّنًا فَأَذَّنَ: أَنْ لا يَدْخُلَ على أمير المؤمنين رجلٌ إلا رجلٌ قد حمل القرآن، فلما أن امتلأت الدَّارُ من قُرَّاء النَّاس، دعا بمصحف إمام عظيم، فوضعه بين يديه، فجعل يَصُلُّه بيده ويقول: أيُّها المصحف، حَدِّثِ النَّاسَ، فناداه النَّاسُ فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما تسأل عنه؟! إنما هو مدادٌ في ورَقٍ، ونحن نتكلم بما رُوينا منه، فماذا تُريد؟ قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله تعالى -، يقول الله في كتابه في امرأة ورجُل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] فأُمَّةُ محمد ﷺ أعظمُ دَمًا - وفي رواية أبي يعلى: أعظمُ ذِمَّةً وحُرْمةً - مِنْ امرأةٍ ورَجُلٍ. ونقَمُوا عليَّ أَنْ كاتَبْتُ معاويةَ: كتب علي بن أبي طالب، وقد جاءنا سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو ونحن مع رسول الله ﷺ بالحديبية، حين صالح قومه قريشًا، فكتب رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سُهَيل: لا تَكْتُبْ: بسم الله الرحمن الرحيم فقال: «كيف نَكْتُب؟» فقال: اكْتُبْ: باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ : «فاكتُب: محمد رسول الله»، فقال: لو أعلمُ أَنَّكَ رسول الله لم أخالفك، فكتَبَ: «هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشًا»، يقول الله - تعالى - في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. فبعث إليهم علي عبد الله بن عبّاس، فخرَجْتُ معه، حتى إذا توسطنا عسكرَهُم قام ابنُ الكَوَّاءِ (١)، فخطَبَ النَّاسَ فقال: يا حملة القرآن، هذا عبد الله بن عباس، فَمَنْ لم يَكُنْ يَعْرِفُه فأنا أُعَرِّفُه من كتاب الله - تعالى - ما يَعْرِفُه به، هذا مِمَّنْ نزَلَ فيه وفي قومه: ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] فَرُدُّوه إلى

стр. 137

صاحبه، ولا تُوَاضِعُوهُ (١) كتاب الله - تعالى -، فقام خُطَبَاؤُهم فقالوا: والله لَنُوَاضِعَنَّهُ كتاب الله، فإِنْ جاء بحقٍّ نَعْرِفُه لَنَتَّبِعَنَّه، وإن جاء بباطلٍ لَنُبَكِّتَنَّه بِباطِلِه - زاد أبو يعلى: ولَنَرُدَّنه إلى (٢) صاحبه -. فواضَعُوا عبد الله الكتاب ثلاثة أيام، فرجَعَ منهم أربعة آلافٍ كلُّهم تائب، فيهم ابنُ الكَوَّاءِ، حتى (٣) أدخلهم على عليّ الكوفة، فبعث علي إلى بقيَّتِهم، فقال: قد كانَ مِنْ أَمْرِنَا وأَمْرِ النَّاسِ ما قد رأَيْتُم، فقِفُوا حيثُ شِئْتُم حتى تجتمع أُمة محمد ﷺ زاد أبو يعلى وتنحوا منها حيثُ شِئْتُم (٤) - بيننا وبينكم: أَنْ لا تَسْفِكُوا دمًا حرامًا، أو تَقْطَعُوا سبيلًا، أو تَظْلِمُوا ذِمَّةً؛ فإنكم إِنْ فَعَلْتُم ذلك فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء، إِنَّ الله لا يُحِبُّ الخائنين. فقالت له عائشة ﵂: يا ابنَ شَدَّادٍ، فَقَدْ قتلَهُم؟ فقال: والله ما بعث إليهم حتى قطَعُوا السَّبيل، وسفَكُوا الدَّمَ، واستَحَلُّوا أَهلَ الذِّمَّةِ، فقالت: الله؟، قال: الله الذي لا إله إلا هو لقد كان. قال (٥): فما شيء بلغَنِي عن أهلِ العِراقِ يتحدثونه، يقولون: ذو الثدي، وذو الثدي؟ قال: قد رأيتُه، فقُمْتُ مع علي ﵁ في القتلى (٦)، فدعا النَّاسَ فقال: أتَعْرِفون هذا؟ فما أكثرَ مَنْ جاءَ يقول: قد رأيتُه في مسجد بني فلانٍ يُصلِّي، ورأيتُه في مسجد بني فلانٍ يُصلِّي، ولم يَأْتُوا فِيهِ بِثَبَتٍ (٧) يُعْرَفُ إلا ذلك.

стр. 138

قالت: فما قول علي ﵁ حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله، قالت: هل سمِعْتَ منه أنه قال غير ذلك؟ قال: اللهم لا، قالت: أجَلْ، صدق الله - تعالى - ورسوله، يرحم الله عليًا إنه كان من كلامه لا يرى شيئًا يُعْجِبُه إلا قال: صدق الله ورسوله، فَيَذْهَبُ أهلُ العِراقِ يَكْذِبون عليه، ويزيدون عليه الحديث (١). هذا حديث مشهور يُرْوَى مِنْ وجوه شَتَّى، وقد رُوي عن عبد الله بن عباس ﵄ مناظرته إياهم بما سَنُمْلِيه - إن شاء الله - في النَّوْبَةِ الأُخرى. ١٨ - أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد ﵀ قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ الحافظ، قال: حدثنا سُلَيمانُ بنُ أحمدَ، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود النَّهْدِيُّ. قال أبو نعيم: وحدثنا سُلَيمانُ، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق. قالا: حدثنا عكرمة بنُ عمَّارٍ، قال: حدَّثنا أبو زُمَيل الحنفي، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لما اعتَزَلْت الحَرُورِيَّةُ قُلْتُ لِعلي ﵁: يا أمير

стр. 139

المؤمنين، أَبْرِدْ عن الصَّلاة، لعلِّي آتي هؤلاء القومَ فَأُكَلِّمَهُم، قال: إني أتخوَّفُهُمْ عليك، قال: قلت: كلا إن شاء الله، فَلَبِسْتُ أحسنَ ما أَقْدِرُ عليه مِنْ هذه اليمانية، ثم دخَلْتُ عليهم (١) وهم قائِلُونَ في نَحْرِ الظهيرة، فدخَلْتُ على قوم لم أرَ قومًا قط أشدَّ اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثَفِنُ (٢) الإبل، ووجوههم مُعَلَّبَةٌ (٣) من آثار السجود. قال: فدخَلْتُ، فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس، ما جاء بك؟ قال: جِئْتُ أُحَدِّثُكم عن أصحاب رسول الله ﷺ ، نزل الوَحْيُ - يعني: فيهم - وهم أعلم بتأويله، فقال بعضُهم: لا تُحَدِّثُوه، وقال بعضهم: لَنُحَدِّثَنَّه. قال: قلتُ: أَخبروني ما تَنْقِمُون على ابن عم رسول الله ﷺ ، وختنه، وأوَّلِ مَنْ آمنَ به، وأصحاب رسول الله ﷺ معه؟ قالوا: نَنْقِمُ عليه ثلاثًا، قلت: ما هُنَّ؟. قالوا: أوَّلُهنَّ: أنه حكم الرِّجال في دين الله - تعالى -، وقد قال الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] قال: قلت: وماذا؟ قالوا: قاتَلَ ولم يَسْبِ ولم يَغْنَمْ؛ لَئِنْ كانوا كفارًا لقد حلَّتْ له أموالهم، ولَئِنْ كانوا مؤمنين لقد حَرُمَتْ عليه دِماؤُهم قال: قلت: وماذا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يَكُنْ أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين. قال: قلت: أرأيتم إن قرأتُ عليكم من كتاب الله المُحْكَمِ، وحدَّثْتُكم من سُنَّةِ نبيه رسول الله ﷺ ما لا تُنكرون، أتَرْجِعون؟ قالوا: نعم. قال: قلت: أما قولكم: إنه حكم الرِّجال في دين الله - تعالى ـ، فإنَّه

стр. 140

يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ (١)، وقال في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] أَنْشُدُكم الله، أفحُكْمَ الرِّجالِ فِي حَقْنِ دِمائِهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحَقُّ، أم في أرنب ثمنُها ربُعُ دِرْهَم؟ قالوا: اللهمَّ في حَقْنِ دِمائهم وصلاح ذات بينهم، قال: أَخَرَجْتُ مِنْ هذه؟ قالوا: اللهم، نعم. وأما قولكم: إنه قاتل ولم يَسْبِ ولم يَغْنَمْ، أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ، أَمْ تَسْتَحِلُّون منها ما تَسْتَحِلُّون من غيرها؟! فقد كفَرْتُم، وإن زعَمْتُم أَنَّها ليسَتْ بِأُمِّكُم فقد كَفَرْتُم وخرَجْتُم من الإسلام، إنَّ الله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فأنتم تتردَّدون بين ضلالتين، فاختاروا أيَّهُما شِئْتُم، أَخَرَجْتُ مِنْ هذه؟ قالوا: اللهم، نعم. قال: وأما قولكم: محا نفسه من أمير المؤمنين، فإنَّ رسول الله ﷺ دعا قريشًا يوم الحُدَيْبِيَةِ على أَنْ يكتب بينه وبينهم (٢) كتابًا، فقال: «اكتب، هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله» فقالوا: والله، لو كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسولُ الله ما صددناك عن البيت ولا قاتَلْناك، ولكن اكتُبْ: محمَّدُ بنُ عبد الله، فقال: «والله، إِنِّي لَرَسُولُ الله وإِنْ كَذَّبْتُموني، أكتُبْ يا علي: محمد بن عبد الله» فرسول الله ﷺ كان أفضل من عليّ ﵁، أَخَرَجْتُ مِنْ هذه؟ قالوا: اللهم، نعم. فرجَعَ منهم عشرون ألفًا، وبَقِيَ أربعة آلاف، فقُتلوا (٣).

стр. 141

هذا حديثٌ حَسَنٌ، رُواتُه ثِقاتٌ مَشاهير، وإسناده عال، وقع لنا عاليًا من حديث عبد الرَّزَّاق بنِ هَمّام، وأبي حذيفة عن عكرمة، وأبو زُميل اسمه: سماك، من رجال الصحيح. وقيل: إِنَّ أهلَ حَرُوراء اجتمعوا إلى زيد بن حِصْن (١)، فعرضوا عليه أمرَهُم لِيَخْرُجَ معهم، فأبى عليهم، فذهبوا إلى يزيد بن عاصم المُحاربي (٢) لِيُؤمروه عليهم، فأبى ذلك، فأَتَوْا عبد الله بنَ وَهْبِ الرَّاسِبي (٣)، واجْتَمَعُوا إليه

стр. 142

بِقُرْبِ النَّهْرَوان (١)، فخرج معهم. وقيل: كانوا اثني عشر ألفًا، فرجع أكثرهم، وبقي خمسة آلاف، ومع أمير المؤمنين عليِّ ﵁ جَمِيعَةٌ، فقتَلُوا مِنْ الخوارج مقتلة عظيمةً، فقال عليٌّ ﵁ اطْلُبوا المُخْدَجَ (٢)، فطلبوه فإذا هم برجُلٍ إحدى يدَيْهِ كثَدْي، وقيل: على إحدى يديه كثَدْيِ فيه شعرات، إذا مُدَّ امْتَدَّ، واذا تُرِكَ قَلَصَ، وقيل: كان اسمه نافعًا، وقيل: مالكًا. وروى أبو مريم، عن عليٍّ ﵁ أنَّ المُخْدَجَ ذا الثَّدَيَّةِ كان من الجِنِّ، وكان له أخوان، هو أكبرُهم، وأنَّ رسول الله ﷺ أخبره بذلك (٣)، وأنه كان آيةً للقوم الذين قتلهم: أنَّه على الحقِّ في قَتْلِهم، وهم على الباطل، فلذلك كان يُعْنَى بطلبه، وذلك كله في سنة سبع وثلاثين (٤). * * * ١٩ - أخبرنا الإمام قِوامُ السُّنَّةِ أبو القاسم إسماعيل بن محمَّدِ بنِ الفَضْلِ الحافظ الله قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن عُمر، ح. وأخبرنا الحافظ أبو بكر محمد بن أبي نَصْرِ اللَّفْتُوانِيُّ (٥) تحله قال:

стр. 143

أخبرنا أبو بكر بن سُليم (١)، وأحمدُ بنُ عبدِ الغَفَّارِ (٢). قالوا: أخبرنا محمد بن أبي عليّ (٣)، قال: حدثنا سليمان بن أحمد أبو القاسم، ح. وأخبرنا غير واحد من مشايخي ﵏ فيما أذنوا لي، أنَّ أبا بكر بن رِيْنَه أجاز لهم، وقُرِئ عليه: أخبرَكُم أبو القاسم الطبراني قراءةً عليه وإجازة منه، قال: حدثنا أحمد بن زكريا شاذان، قال: حدثنا عبد الله بن خُبَيْقِ الأَنْطَاكِيُّ، ح. وأخبرنا أبو علي الحَدَّادُ ﵀ قال: حدثنا أبو نُعيم الحافظ، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى (٤)، والحُسَينُ بنُ محمَّدٍ أبو يَعْلَى الزُّبَيري، قالا: حدثنا محمدُ بنُ المُسَيَّبِ الأَنْطاكِيُّ، قال: حدثنا عبد الله بن خُبَيْقٍ، قال: حدثنا يوسف بن أسباط، قال: حدثنا أبو خالد الواسطي، عن زيد بن علي بن حُسَين بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر بغَلَسٍ، وكان كثيرًا ما يُغَلِّسُ ويُسْفِرُ، ويقول: «فيما بينهما وَقْتُ». إلى هنا رواية أبي علي، وفي رواية الطبراني: ثم التفت إلينا، فقال: «أفيكم مَنْ رأى رُؤْيا في هذه الليلة؟» قلنا: لا. قال (٥): «لكني رأيت كأنما أتاني ملكان فأَخَذا بضَبْعَيَّ (٦) فانطلقا في السماء، فإذا أنا بملك ومعه آدمي، بيد الملكِ صخرة يضرب بها هامة الآدمي، فيقعُ دِماغه جانبًا والصَّخرة جانبًا، قلت: من هذا؟ قال: اِمْضِه.

стр. 144

فمضينا، فإذا أنا بملك أمامه آدمي، بيد الملك كَلُّوبُ حديد، يُدْخِلُه في شقه - كذا في النسخة، وفي غير هذه الرواية: «في شِدْقِه» - الأيمن، فَيَشُقُّه حتى يَبْلُغَ به أُذنه، ثم يَصْعَدُ في الأيسر - وفي غير هذه الرواية: «ثم يَضَعُه في الأيسر» - فيَلْتَئِمُ الأيمن، قلتُ: ما هذا؟! قال: اِمْضِه. فمضينا، فإذا أنا بنهَرِ دمٍ يَفُورُ كَفَوْرِ المِرْجَلِ، فيه قومٌ عُراة، على حافتي النَّهَرِ ملائكة بأيديهم فِدَرٌ مِنْ نَّارٍ، كلَّما طَلَعَ منهم طالع قذفه ملَك بِفِدْرَةٍ، فَتَقَعُ في فيه، فيَسْتَفِلُ إلى أسفل ذلك - يعني: النَّهَر -، قلت: ما هذا؟! قال: اِمْضِه. فمضينا، فإذا بيت أسفله أضيقُ مِنْ أعلاه، فيه قومٌ عُراةٌ، تُوقَدُ مِنْ تحتهم النَّارُ، وأمسكتُ على أَنْفي من نتَنِ ما أَجِدُ مِنْ رِيحِهم، قلت: من هذا؟! قالا لي: اِمْضِه. فمضَيْنا، فإذا أنا بتل أسودَ عليه قومٌ مُجَبُّون، يُنْفَخُ في أدبارهم بالنار، فتَخْرُجُ مِنْ أفواههم ومَناخِرهم وأعيُنِهم وآذانِهم، قلت: ما هذا؟! قال لي: امْضِه. فمضَيْنا، فإذا أنا بنارٍ مُطْبِقَةٍ، عليها ملَكُ مُؤكَلُ بها، لا يخرج منها أحدٌ إلا اتَّبعه حتى يُعِيدَه فيها، قلت: ما هذا؟! قالا لي: امْضِه. فمضينا، فإذا أنا بروضة خضراء، وشيخ جميل لا شيخ أجمل منه، حوله ولدان، قلت: من هذا؟! قالا لي: اِمْضِه. فمضَيْتُ، فإذا أنا بشجرة، وإذا أنا بمنازلَ لا مَنازِلَ أحسن منها: مِنْ دُرِّ وياقوت وزبَرْجَدٍ، قلت: ما هذا؟! قال لي: اِمْضِه. فمضينا، فإذا أنا بنهر يطَّرِدُ، عليه جسران من ذهب وفضَّةٍ، وفيه أباريق تطَّرِدُ على حافَتَيْ النَّهَرِ، وعلى النَّهَرِ منازل لا منازل أحسن منها: من دُرَّةٍ جوفاء، وزَبَرْجَدَةٍ خضراء، قلت: ما هذا؟! (١) قال (٢) لي: اِنْزِلْ، فَنَزَلْتُ،

стр. 145

فضربت بيدي إلى إناء منها فشَرِبْتُ، فإذا هي أحلى من العسل، وألين من الزُّبْدِ، وأَشَدُّ بَرْدًا وبياضًا مِنْ الثَّلْج. قالا لي: الملك الذي رأيت كان بيده صخرة، فإنَّ أولئك قوم كانوا ينامون عن صلاه العشاء، ويُصَلُّون الصَّلواتِ لغير مواقيتها، فذاك عذابهم حتى يَصِلُوا إلى النَّار، وأما الذي بيده كَلُّوبٌ مِنْ حديد، فأولئك القتاتون الذين كانوا يَمْشُون بالنَّمِيمة لِيُفْسِدوا بين المسلمين، فذلك عذابهم حتى يصلوا إلى النار، وأما التَّلُّ الأسود، فأولئك الذين يعملون عمل قوم لُوطٍ، يُفْعَلُ ذلك بالفاعل والمفعول به، فذلك عذابهم حتى يَصِلُوا إلى النَّارَ، وأَمَّا النَّارُ المُطْبقة التي رأيت عليها ملكًا مُوْكَلًا بها، فتلك جهنَّمُ، وأمَّا الرَّوْضةُ الخضراء، فتلك الجنَّة، وأمَّا الشَّيْخُ الجميل، فذاك أبوك آدم - وفي غير هذه الرواية: «إبراهيم» -، وهم ذُرِّيَّتُه، وأما المنازل التي أَصْعَدْتَ فيها، فهُمْ أَهلُ عِلِّيِّين من النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا، وأما النَّهَرُ فهو نهرُكَ الكوثر الذي أعطاك الله - تعالى -، وهذه مَنازِلُك ومَنازِلُ أهل بيتِكَ. ثم نُودِيتُ مِنْ فوق: يا محمَّد سَلْ تُعْطَهُ، فَرجَفَ فؤادي، واضطرب كلُّ عُضو مِنِّي، ولم أستطعْ أَنْ أَحِيرَ جوابًا، فوضعَ ملَكٌ منهم يده على صدري بين ثَدْيَيَّ، ووضع الآخَرُ يدَه على ظهري بين كتفي، فسكن ما بي. ثم نُودِيتُ مِنْ فوقي: يا محمَّد سَلْ تُعْطَهُ، قلتُ: اللهم إني أسألُك أَنْ تُثْبِتَ شفاعتي، وأَنْ تُلْحِقَ بي أهل بيتي، وأن ألقاك ولا ذَنْبَ لي، فأنزل الله ﵎ عليَّ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح: ١ - ٢] فكما أُعْطِيتَ هذا يا محمد تُعطى الذي سأَلْتَ» هكذا رواه الطبراني مخرومًا لم يُفَسِّر أشياء منه. ورواه أبو بكر الإسماعيلي الجُرْجاني الإمامُ، عن الحسن بن سفيان، عن المُسَيَّبِ بنِ واضح، عن يوسف بن أسباط، فزاد فيه أشياء، من ذلك: «قال: وأمَّا النَّهَرُ الذي رأيتَ يَفُور كَفَوْرِ المَرْجَلِ، فيه قومُ عُراة، على حافةِ النَّهَرِ
следующие страницы →